التحكيم في تسوية نزاعات الأوراق المالية
يعتبر التحكيم هو أحد اهم وسائل تسوية المنازعات المدنية والتجارية بشكل عام، نظرا لم يتميز به التحكيم من سهولة ويسر في إجراءاته، إلى جانب سرعة الفصل في النزاع بحكم نهائي غير قابل للطعن عليه، وهو ما دفع الكثير من المستثمرين إلى الاتفاق فيما بينهم على تسوية المنازعات الخاصة بهم عن طريق التحكيم سواء في العقد الأصلي في صورة شرط تحكيم أو في صورة مشارطة تحكيم بعد نشوب النزاع، وفي خلال هذا المقال سوف يدور حديثنا عن دور التحكيم في تسوية النزاعات التي تقع بسبب وأثناء تداول الأوراق المالية في سوق رأس المال، ومدى تمايز إجراءات التحكيم في هذا النوع الخاص من النزاعات عن غيرها من إجراءات التحكيم المقررة في قانون التحكيم على التفصيل الآتي :
أولا: المقصود بنزاعات الأوراق المالية
ثانيا: صور النزاعات الناشئة عن تداول الورقة المالية
ثالثا: مفهوم التحكيم في منازعات الأوراق المالية وشروطه
خامسا: إجراءات التحكيم في المنازعات المتعلقة بالأوراق المالية
سادسا: بعض الاجتهادات القضائية فيما يتعلق بالتحكيم في تسوية نزاعات الأوراق المالية
أولا: المقصود بنزاعات الأوراق المالية
- تعرف المنازعة لغة بأنها الخصومة والتنازع هو التخاصم ونزع الشي أي حوله عن موضعه.[1]
-
وفي الاصطلاح يقصد بها تباري طرفي الخصام في إثبات دعواهم عن طريق تقديم الحجة والدليل على صحتها.[2]
-
أما الأوراق المالية فقد عرفها المشرع الأردني في المادة ( 3 ) من قانون الأوراق المالية على أنها : ( أ. يقصد بالأوراق المالية أي حقوق ملكية أو أي دلالات أو بينات متعارف عليها على أنها أوراق مالية، سواء كانت محلية أو أجنبية ، يوافق المجلس على اعتبارها كذلك .
ب. تشمل الأوراق المالية ، بصورة خاصة ، ما يلي :
1- اسهم الشركات القابلة للتحويل والتداول .
2- أسناد القرض الصادرة عن الشركات .
3- الأوراق المالية الصادرة عن الحكومة أو المؤسسات الرسمية العامة أو المؤسسات العامة أو البلديات .
4- إيصالات إيداع الأوراق المالية .
5- الأسهم والوحدات الاستثمارية في صناديق الاستثمار المشترك .
6- أسناد خيار المساهمة .
7- العقود أنية التسوية والعقود آجلة التسوية .
8- عقود خيار الشراء وعقود خيار البيع .
9- أي حق في الحصول على أي مما ذكر في البنود من (1-8) من هذه الفقرة بموافقة المجلس (. -
ولما كانت سوق الأوراق المالية هي البيئة والمحيط التي تتم فيه ومن خلاله عملية تداول الورقة المالية سواء بالبيع أو الشراء والتي عرفها المشرع الأردني في المادة الأولى من قانون الأرواق المالية بنصه : ( سوق تداول الأوراق المالية : أي سوق منظم أو أي استخدام دوري أو مستمر لوسائل الاتصال يتيح تداول الأوراق والأصول المالية).
-
وبالتالي فإن المنازعات التي تحدث في الأوراق المالية هي تلك المنازعات التي تقع في سوق تداول الوراق المالية بخصوص ورقة مالية من الأوراق المذكورة على سبيل الحصر في المادة 3 من قانو الأوراق المالية، سواء كانت بين المستثمرين وبعضهم أو بين الوسطاء الماليين والمستثمرين مادامت تقع هذه النزاعات بشأن عمليات تداول الأوراق المالية داخل سوق الأوراق المالية سالف الذكر.
ثانيا: صور النزاعات الناشئة عن تداول الورقة المالية
تعتبر سوق الأوراق المالية من أكثر المجالات التي تتم فيها العمليات المالية ويشارك في تلك العمليات العديد من الكيانات الحاصلة على الترخيص اللازم من قبل هيئة سوق المال، ومن هذه الهيئات والمؤسسات صناديق الاستثمار ومحافظ الأوراق المالية وشركات التحليل المالي والبنوك التجارية و الوسطاء الماليين،[3] والمستثمرين فيها، وينشأ عن تلك التعاملات المالية التي تتم بين هذه المؤسسات والكيانات بعض النزاعات المتعلقة بالورقة المالية ومن أمثلة هذه النزاعات:
أ- النزاعات الناشئة عن التصرف الضار بأموال العملاء
حاول المشرع الأردني مجابهة أي تصرف ضار قد يقع من أي مؤسسة تتداول في سوق الأوراق المالية ويؤدي تداولها إلى الإضرار أو إساءة استخدام أموال المستثمرين، حيث نص في المادة ( 56 /أ ) من قانون الأوراق المالية على : ( يعتبر مخالفة لأحكام هذا القانون قيام المرخص له أو المعتمد بأي مما يلي :أ. إساءة التصرف بأموال العملاء أو المساهمين بما في ذلك إساءة توظيفها أو استخدامها .(
- ويظهر هذا النزاع عندما يقوم بعض الوسطاء الماليين بالتعامل بشكل مفرط على حساب أحد العملاء بقصد زيادة عمولته على حساب مصلحة العميل، ويمكن القول أن معيار التعامل المفرط في حساب العميل هو أن يخالف ذلك التعامل ما يهدف المستثمر إلى تحقيقه من العملية الاستثمارية دون النظر إلى تحقيق هذا التعامل لربح أو خسارة، [4] وعلى ذلك فلا يجوز للوسيط المالي القيام بتشجيع العميل ودفعه لإبرام صفة معينة داخل سوق الأوراق المالية لا يكون غرضها تحقيق مصلحة العميل بل يكون الغرض منها تحقيق ربح الوسيط نتيجة زيادة عدد تعاملاته.[5]
ب- النزاعات الناشئة عن متاجرة الوسيط في حساب العميل دون تفويض منه
تعتبر هذه المنازعات من اكثر المنازعات شيوعا في مجال الأوراق المالية حيث يكون طرفاها الوسيط المالي والمستثمر، إذ يقوم الوسيط بالقيام بمعاملات مالية داخل سوق المال باستخدام حساب المستثمر دون الرجوع إليه أو الحصول على إذن مسبق منه، وقد نصت المادة ( 29 / أ ، ب ) من تعليمات تسجيل وإيداع الأوراق المالية وتسويتها على : ( ب. على الوسيط أو الحافظ الامين التأكد من تعريف عميله وفتح حساب له على نظام المركز الإلكتروني قبل إجراء أي تعامل له بالأوراق المالية .
ج. على الوسيط الالتزام باستخدام رقم حساب العميل، وذلك بتضمين امر الشراء أو امر البيع المدخل إلى نظام التداول رقم حساب ذلك العميل) .
- إلا أن وجوب حصول الوسيط على تفويض وتعريف العميل بالمعاملات المالية يستثنى منه التصرفات التي تخضع لتقدير الوسيط المالي والتي تعرف ( بالتصرفات التقديرية) حيث يكون للوسيط التصرف بعقد الصفقات بسعر مناسب وفي وقت ملائم دون الرجوع إلى العميل، مادام كان هناك اتفاق مسبق على استثناء تلك التصرفات التقديرية بحيث لا يكون الوسيط مسئولا قانونا عن تلك التصرفات طالما لم يجاوز حدود الإذن المسبق المعطى له من لعميل. [6]
وقد نصت المادة ( 63 / ج ) من قانون الأوراق المالية على تجريم تصرف الوسيط دون معرفة العميل ودون الحصول على إذن مسبق منه حيث نصت على : ( ج. يعتبر مرتكبا لجرم التزوير والاحتيال كل مرخص له أو معتمد يبيع أو يتصرف بأوراق مالية دون تفويض من مالكها أو دون وجود اتفاقية خطية تخوله ذلك وفقاً لأحكام التعليمات التي يصدرها المجلس)، ما يعني جواز مطالبة العميل للوسيط المالي بالتعويض نتيجة ارتكابه هذا الفعل وبمخالفته للاتفاق المبرم بينهم في عقد الوساطة المالية، وقد نصت أيضا المادة ( 5 ) من تعليمات تداول الأوراق المالية في شركة بورصة عمان لسنة 2018 حيث نصت على : ( أ- يجب على الوسيط ما يلي:
1- الحصول على تفاويض خطية أو صوتية أو إلكترونية من عملائه تخوله التصرف بالأوراق المالية نيابة عنهم وتعتبر هذه التفاويض ملزمة للطرفين.
2- التحقق من صحة التفاويض الواردة إليه بالطريقة التي يراها مناسبة وعلى مسؤوليته الكاملة.
3- تثبيت التاريخ والوقت عند استلام تفاويض عملائه لمراعاة التسلسل عند إدخال الأوامر إلى نظام التداول بما في ذلك التفاويض لصالح محفظته.
4- أن يثبت في أي وقت أن لديه تفويضاً يبين اسم عميله واسم الجهة المصدرة و نوع الأمر وعدد الأوراق المالية والسعر وتاريخ التفويض ووقته ومدة سريانه .
5- الاحتفاظ بالتفاويض للفترة التي يحددها مجلس الإدارة).
ج- النزاعات الناشئة عن استخدام أساليب غير مشروعة في تداول الأوراق المالية
وهذه النزاعات تنشأ بسبب قيام بعض الوسطاء الماليين باستخدام أساليب فيها غش أو تضليل بقصد التأثير على سعر ورقة مالية معينة سواء بزيادة سعرها أو تخفيضه، بهدف الاستفادة من فارق السعر والذي غالبا ما يؤدي إلى الإضرار بالعملاء وبسوق المال عموما،[7] وقد حظر المشرع الأردني مثل هذه العمليات المضللة حيث نصت المادة ( 435 ) من قانون العقوبات على : (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار كل من توصل بالغش لرفع أو تخفيض البضائع أو الأسهم التجارية العامة أو الخاصة المتداولة في البورصة ولا سيما :
1- بإذاعة وقائع مختلقة أو ادعاءات كاذبة ، أو
2- بتقديم عروض للبيع أو الشراء قصد بلبلة الأسعار ، أو
3- بالإقدام على أي عمل من شانه إفساد قاعدة العرض والطلب في السوق).
- وكذلك ما نصت عليه المادة( 106 ) من قانون الأوراق المالية حيث جاء نصها : ( يحظر على أي شخص القيام بأي مما يلي:
أ. بث الشائعات أو ترويجها أو إعطاء معلومات أو بيانات أو تصريحات مضللة أو غير صحيحة قد تؤثر على سعر أي ورقة مالية أو على سمعة أي جهة مصدرة .
ب. التأثير على المعاملات المتعلقة بالأوراق المالية ، سواء منفردا أو بالتواطؤ مع غيره ، بقصد إعطاء صورة غير صحيحة عن سعر أي ورقة مالية أو حجم تداولها أو عن سعر أو حجم تداول أي أوراق مالية أخرى ذات علاقة (، وبالتالي فإن وقوع أي من تلك الأفعال يؤثر على موقف العميل المالي أو يلحق به ضررا يخول له الحق في اللجوء إلى التحكيم للمطالبة بالتعويض، وذلك إذا توافرت باقي شروط التحكيم والتي سيتم تناولها بالتفصيل لاحقا.
د- المنازعات الناشئة عن إفشاء الأسرار الخاصة بالعميل
وتنشأ هذه المنازعات بين العميل والوسيط المالي بسبب قيام الوسيط بإفشاء بعض الأسرار الخاصة بالعميل، سواء سر المهنة أو السر التجاري أو غيرها من أسرار، وهو ما يعرف بخرق واجب الائتمان وقد أوجب المشرع الأردني على الوسيط المالي الامتناع عن إفشاء أسرار عملائه بناء على الاتفاق المبرم بينه وبين عملائه وهي اتفاقية الوساطة المالية.
ثالثا: مفهوم التحكيم في منازعات الأوراق المالية وشروطه
– يعرف التحكيم عموما بأنه: ( حق قرره القانون للأفراد يخول لهم الاتفاق على إحالة ما ينشأ بينهم من نزاع بخصوص تنفيذ عقد معين، أو على إحالة أي نزاع نشأ بينهم بالفعل على واحد أو أكثر من الأفراد يسمون محكمين، ليفصلوا في النزاع المذكور بدلاً من أن يفصل فيه القضاء المختص ).[8]
- و على ذلك يمكن تعريف التحكيم في نطاق نزاعات الأوراق المالية بأنه: اتفاق أطراف النزاع على اللجوء إلى التحكيم وفقا لقانون سوق الأوراق المالية، من خلال اختيار محكم أو أكثر أو جهات ومراكز تحكيمية متخصصة في فض منازعات أسواق الأوراق المالية، يملكون الخبرة المالية والمهنية والكفاءة العالية فيه لحسم ما نشأ أو سينشأ بين الطرفين من نزاع، بحكم تحكيمي فاصل ومنهي للمنازعة بعيدا عن سلطان القضاء العادي.[9]
وترتيبا على ذلك فإن التحكيم في منازعات الأوراق المالية لا يقوم إلا بتوافر اتفاق التحكيم في العقود المتعلقة بالأوراق المالية، أو أن يتفق المتنازعان على اللجوء إلى التحكيم في اتفاق خاص بعد نشوب النزاع وهو ما يعرف بمشارطة التحكيم، ويجب أن يتوافر في اتفاق التحكيم في منازعات الأوراق المالية السابق أو اللاحق ذات الشروط التي اشترط المشرع توافرها في اتفاق التحكيم عموما والتي تتمثل في:
1- صدور اتفاق الحكيم بناء على إرادة طرفي المنازعة وأن تكون تلك الإرادة خالية من أي عيب من عيوب الإرادة.
2- أن يكون شرط التحكيم مستقلا بشكل ينم عن كونه عقد قائم بذاته، حتى لو ورد كأحد بنود العقد الأصلي إذ يعتبر شرط التحكيم عقدا قائما بذاته وليس عقد تابع للعقد الأصلي.[10]
3- كما يجب أن يتوافر في اتفاق التحكيم أو المشارطة بعض الشروط الشكلية مثل كتابة هذا الاتفاق، حيث نصت المادة ( 10 / أ ، ب ، ج ) على : ( أ- يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا وإلا كان باطلا، ويكون اتفاق التحكيم مكتوبا إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف، أو في صورة مخاطبات أو مراسلات ورقية أو الكرتونية أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة الثابت تسلمها والتي تعد بمثابة سجل للاتفاق.
ب- تعد في حكم الاتفاق المكتوب كل إشارة أو إحالة في العقد الأصلي بين الطرفين إلى وثيقة أخرى كعقد نموذجي أو اتفاقية دولية تتضمن شرط تحكيم ما لم يستبعده الطرفان صراحة.
ج- إذا تم الاتفاق على التحكيم أثناء نظر النزاع من المحكمة، فعلى المحكمة أن تقرر إحالة النزاع إلى التحكيم، ويعد هذا القرار بمثابة اتفاق تحكيم مكتوب وهو ما أكدت عليه تعليمات حل المنازعات عن طريق التحكيم في شركة بورصة عمان لسنة 2018، حيث نصت في المادة( 3 / أ ) منها على : ( – يحل أي نزاع ينشأ بين الأعضاء وعملائهم عن طريق إجراءات التحكيم في البورصة في أي من الحالات التالية:-
- إذا تضمنت اتفاقية فتح الحساب بين الطرفين شرطاً تحكيمياً ينص على أن جميع الخلافات المتصلة بالاتفاقية أو التي تتعلق بها تحل نهائياً وفقاً لأحكام هذه التعليمات بواسطة هيئة تحكيم وفقاً لاتفاق الطرفين.
- إذا اتفق الطرفان بعد نشوء النزاع على أن يتم حله نهائياً وفقاً لأحكام هذه التعليمات وذلك في حال عدم وجود شرط تحكيمي).
رابعا: مميزات التحكيم في منازعات الأورق المالية
أ- سرعة إجراءات التحكيم
تعتبر سرعة الإجراءات هي اهم مميزات التحكيم عموما وهو ما يجعل الأطراف المتعاقدة في عمليات سوق الأوراق المالية دائما ما ترغب وضع شرط التحكيم حيث يتم عرض النزاع على هيئة التحكيم المحددة بشكل سريع وفي وقت وجيز ودون إجراءات كثيرة كما في القضاء العادي، و هو الشيء الغير المرغوب فيه في مجالات العلاقات التجارية وخاصة العلاقات التي يكون محل التعامل فيها فيها أوراق مالية، إذ أن انتظار الفصل في المنازعات عن طريق القضاء العادي يأخذ وقتا كبيرا قد يؤدي إلى ضياع فرص استثمارية كبيرة، فالوقت يمثل أهمية كبيرة في هذا المجال وهو بالطبع ما يحققه التحكيم من سرعة إجراءاته،[11] وليس أدل على سرعة إجراءات التحكيم مما اشترطه المشرع من وجووب الفصل في موضوع النزاع خلال مدة ستة اشهر على الأكثر، ووضعه لقيود على تأجيل الدعوى أمام هيئة التحكيم ولمدد قصيرة، كما أن مسألة تفرغ المحكم أو هيئة التحكيم لنظر الخصومة يعد من أحد أسباب سرعة التحكيم بخلاف القاضي العادي الذي يفصل في العديد من القضايا في ذات الوقت.
ب- سرية جلسات التحكيم
يعتبر الأصل في الجلسات العلانية أي أن تكون أمام الجمهور، ويستثنى بعض الحالات التي حددها القانون تكون فيها الجلسات سرية، والناظر إلى طبيعة المنازعات المتعلقة بالأوراق المالية يجد أنها دائما ما تحتوي على معلومات جوهرية ومعلومات داخلية خاصة بأطراف النزاع سواء كانت شركة أو مؤسسة أو وسيط مالي أو مستثمر عادي، ولا شك أن تلك المعلومات هامة للدرجة التي قد تؤدي إلى الحاق ضرر بمالكها نتيجة إفشائها وذلك حينما يكون لإفشائها دور في زعزعة مركز مالكها المالي أو الاقتصادي أو القانوني، ويؤثر على سمعته،[12] لذلك فإن التحكيم في منازعات الأوراق المالية يعد الوسيلة القضائية المثلى للمحافظة على عدم إفشاء تلك المعلومات.
ج- سهولة إجراءات التحكيم
لما كان التحكيم لا يتم إلا بالاتفاق بين أطرافه فكان لهؤلاء الأطراف حرية تحديد نوع التحكيم، سواء كان تحكيم مؤسسي أو تحكيم حر، كما لهم أن يختاروا القانون الذي يطبق إذا كان أحد اطراف التحكيم أجنبيا، وتحديد مكان انعقاد جلسات التحكيم وزمانه، كما يجوز لهم الاتفاق على المدة التي يجب خلالها الفصل في النزاع، ولا شك أن هذه الأمور جميعيها يحتاجها طرفي النزاع المتعلق بالأوراق المالية، إذ يجعل عملية التحكيم تتم بشكل سريع وسهل بعيدا عن الإجراءات الطويلة والأحكام الإلزامية في حالة اللجوء إلى القضاء العادي.
د – خبرة المحكم أو هيئة التحكيم في نزاعات الأوراق المالية
تعتبر أحد أهم مميزات التحكيم في نزاعات الأوراق المالية ما يتوفر للمحكم من خبرة كبيرة في هذا المجال، إذ بتوافر الخبرة الكافية في أحكام وقوانين الأوراق المالية في المحكم أو في هيئة التحكيم يجعل أطراف التحكيم أكثر ثقة وقبولا للأحكام الصادرة من هيئة التحكيم أو من المحكم، نتيجة لما لديهم من مكنة تفنيد وفحص أسباب النزاع والوقوف بشكل يقين على صحة الادعاء أو خطأه، وهو بذلك يختلف عن القاضي العادي الذي قد يكون بارعا في مجالات قانونية متعددة ليس من بينها قوانين وأحكام وتعليمات الأوراق المالية، مما قد يكتنف أحكامه بخطأ في الفهم الصحيح لطبيعة النزاع أو في النص القانوني المنطبق عليها أو غيرها من عيوب الأحكام، لذلك دائما ما يلجأ المستثمرين إلى التحكيم لفض النزاعات نظرة لخبرة المحكمين الدقيقة في موضوع النزاع إلى جانب الأسباب الأخرى السابق ذكرها.
خامسا: إجراءات التحكيم في المنازعات المتعلقة بالأوراق المالية
أ- تقديم طلب التحكيم إلى أمين سر بورصة عمان
تبدأ إجراءات التحكيم في منازعات الأوراق المالية بتقديم طلب التحكيم والذي يكون مبينا على اتفاق التحكيم الذي يتضمنه العقد الأصلي أو على مشارطة التحكيم التي يتفق فيها الطرفان على اللجوء للتحكيم لفض النزاع بينهما بعد نشوبه، ويقدم طلب التحكيم إلى أمين سر بورصة عمان يوضح فيه الطالب رغبته في اللجوء إلى التحكيم بخصوص النزاع الناشئ بينه وبين الطرف الآخر، وقد نصت تعليمات حل المنازعات عن طريق التحكيم في شركة بورصة عمان لسنة 2018 في المادة ( 4 ) منها على طلب التحكيم والبيانات التي يجب توافرها في هذا الطلب، وبعد تقديم الطلب يتم تقييد هذا الطلب في سجل خاص لدى بورصة عمان، وتقوم الدائرة القانونية بإعلان الطرف الثاني بهذا الطلب وذلك خلال مدة لا تزيد عن ثلاثة أيام من وقت إيداع الطلب مكتمل الوثائق حيث جاء نصها : ( أ- على كل طرف يود اللجوء إلى التحكيم وفقاً لهذه التعليمات، أن يقدم طلباً إلى الدائرة القانونية بواسطة أحد المحامين المزاولين بموجب وكالة مدفوع عنها رسم الإبراز، مشتملاً على البيانات والمعلومات التالية:
1- الاسم الكامل للمحتكم والمحتكم ضده وآخر عنوان لكل منهما وغير ذلك من بيانات الاتصال الخاصة بهما.
2- الاتفاقيات ذات العلاقة وخاصة المتعلقة بالاتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم وفقاً لهذه التعليمات.
3- وصف لطبيعة وظروف النزاع الذي كان سبب التقدم بالطلب.
4- إشارة إلى موضوع الطلب والمبالغ المطلوبة والأدلة التي يستند إليها في ادعائه.
5- تحديد عدد المحكمين في هيئة التحكيم وتسمية محكمه وفقاً لأحكام المادة (6) من هذه التعليمات.
6- ما يثبت دفع البدلات المنصوص عليها في النظام الداخلي لرسوم وبدلات وعمولات بورصة عمان.(1)
7- أية معلومات أخرى ذات صلة بموضوع الطلب.
ب- تقيد طلبات التحكيم فور ورودها برقم متسلسل في سجل خاص بقضايا التحكيم لدى البورصة في بداية السنة الميلادية وتنتهي الأرقام بنهاية تلك السنة .
ج- تقوم الدائرة القانونية خلال ثلاثة أيام عمل من تاريخ إيداع الطلب مكتمل الوثائق بتبليغ المحتكم ضده بنسخة من الطلب والوثائق المرفقة به كما وردت من قبل المحتكم وعلى العنوان المحدد في طلب التحكيم).
- و الناظر إلى التعليمات الواردة في هذه المادة يجد أنها قد وضعت طريق أخر لطلب التحكيم يختلف عن الطريقة التقليدية المتبعة في إعلان طلب التحكيم، فبينما الأصل أن يتم إعلان طلب التحكيم مباشرة من طالب التحكيم إلى المدعى تحكيميا ضده، إلا أن تعليمات بورصة عمان أوجبت أن يتم الإعلان عن طريقها بموجب طلب تحكيم يقدمه الطالب إليها وفي خلال مدة معين.
ب- رد المدعي عليه على طلب التحكيم
بمجرد وصول طلب التحكيم إلى المحتكم ضده يصبح عليه الرد على هذا الطلب خلال مدة لا تزيد عن عشرة أيام من تاريخ تسلمه للطلب، ويجب أن يكون رده موجها إلى الدائرة القانونية في بورصة عمان، مع اشتماله على البيانات والمعلومات التي قررتها المادة 5 تعليمات حل المنازعات عن طريق التحكيم في شركة بورصة عمان لسنة 2018 حيث نصت على : ( أ- يتعين على المحتكم ضده أن يرد على الطلب من خلال أحد المحامين المزاولين بموجب وكالة مدفوع عنها رسم الإبراز خلال (10) عشرة أيام عمل من تاريخ تسلمه للطلب، ويقدم الرد إلى الدائرة القانونية مشتملا على البيانات والمعلومات التالية:
1- رأيه حول طبيعة وظروف النزاع.
2- جوابه على طلبات المحتكم والوثائق والأدلة التي يستند إليها.
3- رده على المقترحات المقدمة حول عدد أعضاء هيئة التحكيم وتسمية محكمه وفقا لأحكام المادة (6) من هذه التعليمات .
4- أية معلومات أخرى ذات صلة بموضوع النزاع.
5- يرفق المحتكم ضده مع رده على الطلب أي ادعاء متقابل له على طلب التحكيم، مشتملاً على جميع البيانات والمعلومات الواردة في الفقرة (أ) من المادة (4) من هذه التعليمات
ب- تقوم الدائرة القانونية بتبليغ المحتكم بنسخة من الرد والوثائق المرفقة به وأي ادعاء بالتقابل خلال ثلاثة أيام عمل من تاريخ تسلمها للرد مكتمل الوثائق.
ج- إذا تضمن رد المحتكم ضده ادعاء متقابلاً يتعين على المحتكم الرد عليه خلال (10) عشرة أيام عمل من تاريخ تسلمه للادعاء المتقابل، مشتملا على جميع البيانات والمعلومات الواردة في الفقرة (أ) من المادة (4) من هذه التعليمات).
- ويلاحظ أن تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان قد اتفقت مع أحكام قانون التحكيم الأردني في ما يتعلق بحق المحتكم ضده بأن يذكر في لائحة رده على طلب التحكيم أي ادعاء ضد المدعي مقدم طلب التحكيم، كما أجازت للمدعي أن يشير إلى المستندات التي تؤيد موقفه في رده على طلب التحكيم على أن يقدمها خلال جلسات التحكيم.[13]
ج- اختيار المحكم
الأصل أن اختيار المحكمين وعددهم هو حق أصيل لأطراف اتفاق التحكيم وذلك في حالة تسمية المحكم أو تسمية المحكمين في اتفاق التحكيم ، إلا أنه في حالة اتفاق الطرفان على أن يتولى التحكيم محكما واحدا منفردا ولم يتفقا على اسمه وانتهت المدة المحددة للتصريح باسم المحكم المتفق عليه، فإن تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان قد أعطت السلطة لرئيس مجلس بورصة عمان بتسمية هذا المحكم، حيث نصت المادة ( 6 ) من هذه التعليمات على : ( أ- إذا اتفق الطرفان على أن ينظر النزاع من قبل محكم منفرد ، ولم يتفقا على تسميته بتاريخ تسلم الدائرة القانونية للرد المقدم من قبل المحتكم ضده أو انتهاء المدة المحددة لذلك، يقوم رئيس المجلس بتسمية المحكم المنفرد.
ب- إذا لم يتفق الطرفان على نظر النزاع من قبل محكم منفرد، فيحال للنظر به من قبل ثلاثة محكمين، بحيث يكون المحكم المسمى من قبل المحتكم في الطلب والمحتكم ضده في الرد محكما عنهما في هيئة التحكيم المشكلة من ثلاثة محكمين.
ج- إذا اتفق الطرفان على نظر النزاع من قبل ثلاثة محكمين ، يقوم رئيس المجلس بتسمية المحكم الثالث، ما لم يكن الطرفان قد خولا المحكميْن المعينيْن منهما تسمية المحكم الثالث خلال ثلاثة أيام عمل من تاريخ تسمية المحكم الثاني، فإذا لم يتمكن المحكمان من الاتفاق على تسمية المحكم الثالث خلال المدة المذكورة، يقوم رئيس المجلس بتسميته.
د- يتولى المحكم الثالث في جميع الأحوال رئاسة هيئة التحكيم).
- والملاحظ أنها بذلك تكون قد خالفت أحكام قانون التحكيم وخاصة المادة ( 6/ب ) من قانون التحكيم والتي قضت بأنه في حالة عدم اتفاق الطرفين على اسم المحكم المنفرد يحال النزاع للنظر فيه من قبل ثلاثة محكمين، كما أن النص في تعليمات حل منازعات بورصة عمان قد قرر في حالة اتفاق الأطراف على أن تتكون هيئة التحكيم من ثلاثة أعضاء أن يكون لكل طرف حق اختيار عضو مع حق رئيس مجلس إدارة البورصة في اختيار العضو الثالث، وهو أيضا ما خالفت فيه التعليمات أحكام قانون التحكيم والذي اعطى الحق في اختيار العضو الثالث في هذه الحالة إلى المحكمين المعينين.
د- التزام هيئة التحكيم أو المحكم بالفصل في النزاع خلال مدة محدد
أوجبت تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان أن يتم الفصل في هذه المنازعات خلال مدة لا تزيد عن تزيد عن 30يوم من وقت رفع الملف إليها، إلا أنه يجوز امتداد هذه المدة لمدة 30يوما أخرين بناء على طلب من هيئة التحكيم يقدم إلى مجلس بورصة عمان و ينظر فيه المجلس بالقبول أو الرفض تبعا لمبررات هذا الطلب، حيث نصت المادة 17 من التعليمات على : ( أ- على هيئة التحكيم إصدار قرار التحكيم النهائي خلال (30) ثلاثين يوم عمل من تاريخ بدء إجراءات التحكيم.
ب- يجوز لهيئة التحكيم تمديد المدة المقررة في الفقرة (أ) من هذه المادة لمدة أقصاها (30) ثلاثين يوم عمل أخرى).
هــ – حكم التحكيم
أوجبت تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان أن يصدر حكم التحكيم بالإجماع أو بالأغلبية في حالة تكونت هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين، على أنه إذا لم تتوافر حالة الإجماع أو الأغلبية فيصدر الحكم من رئيس هيئة التحكيم منفردا، كم يجب أن يكون حكم التحكيم قد تضمن أسباب الحكم، مع الأخذ في الاعتبار أن حكم هيئة التحكيم هو حكم نهائي لا يقبل الطعن عليه، إلا بدعوى البطلان وقد نصت المادة ( 18 ) من التعليمات على : ( أ- إذا عين ثلاثة محكمين، يتخذ قرار التحكيم بالإجماع أو بالأغلبية ،فإذا لم تتوافر هاتان الحالتان، يصدر رئيس هيئة التحكيم القرار بمفرده.
ب- يجب أن يكون قرار التحكيم مسبباً.
ج- يعتبر قرار التحكيم صادراً في مكان التحكيم وفي التاريخ الذي صدر فيه.
د- يصدر قرار التحكيم كتابة ويوقع عليه من قبل هيئة التحكيم..
هـ-….
و- تكون قرارات هيئة التحكيم نهائية ونافذة).
سادسا: بعض الاجتهادات القضائية فيما يتعلق بالتحكيم في تسوية نزاعات الأوراق المالية
1- الحكم رقم 2205 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 29-4-2019 حيث جاء فيه : ( إذا اتفق الطرفان مقدماً على أن حل الخلاف بينهما في حال نشوبه يتم وفقاً لقواعد التحكيم وفض النزاعات لدى هيئة الأوراق المالية وبورصة عمان وأن ذلك يقتضي الرجوع إلى تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان لسنة (2004) كمرجعية فيما يتعلق بتشكيل هيئة التحكيم والفصل في الدعوى التحكيمية حيث قامت هيئة التحكيم بتوجيه كتاب إلى طرفي النزاع من خلال دعوتهما للجلسة الافتتاحية وأعلمتهما بأن التحكيم سيجري وفقاً لتعليمات حل المنازعات في بورصة عمان ووفقاً لما اتفقا عليه في البند (19) من اتفاقية التعامل في الأوراق المالية المبرمة بينهما إضافة إلى قواعد وأحكام القوانين الأردنية ذات الصلة بموضوع النزاع وفقاً لما جاء في الاتفاقية وبالتالي تكون تلك التعليمات هي المرجعية لإجراءات التحكيم).
2- حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2830 لسمة 2013 بتاريخ 18-3- 2014 حيث جاء فيه : ( ….. وحيث أن أوراق الدعوى جاءت خالية من اتفاق الطرفين على تعيين محكم منفرد، فلا يحق عندئذ لرئيس مجلس الإدارة تعيين محكم منفرد الذي يحيلنا إلى الفقرة (2) من المادة (6) السابق الإشارة إليها فالثابت أنه لا يوجد اتفاق بين الطرفين على تعيين محكم منفرد وبالتالي لابد من إحالة النزاع للنظر به من قبل ثلاثة محكمين يقوم كل طرف بتعيين محكم عنه ومن ثم يقوم رئيس مجلس الإدارة بتعيين المحكم الثالث…. وحيث أن رئيس مجلس الإدارة قام بتعيين المحامي فراس محكما منفردا لحل النزاع بين الطرفين على خلاف ما تقضي به التعليمات، بالرغم من عدم اتفاقهما فإن ذلك يعني أن تشكيل هيئة التحكيم جاء مخالفا لأحكام تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان لسنة (2004) مما يجعل هذا السبب وارداً على القرار المطعون فيه ويوجب نقضه).
سابعا: الخاتمة
ختاما فقد حاولنا في خلال هذا المقال توضيح طريق تسوية النزاعات التي تقع بخصوص الأوراق المالية عن طريق التحكيم، كما ظهر لنا خلال هذا البحث الدور الذي يلعبه التحكيم في إنهاء تلك النزاعات بشكل عادل ومنصف ويحوز احترام اطراف التحكيم، إضافة إلى تمايز إجراءات التحكيم الخاصة بنزاعات الأوراق المالية عن الإجراءات المقررة في قانون التحكيم.
كتابة : محمد إسماعيل حنفي
[1] ابن منظور لسان العرب ، مجلد ،12 ص، 732
[2] عبدالباسط محمد خلف ، وسائل إنهاء المنازعات بين الأفراد في الشريعة الإسلامية، ط1 ، دار المحدثين ، القاهرة 2008، ص 33
[3] صالح راشد الحمراني، دور السمسرة في بورصة الأرواق المالية، مؤسسة البيان للطباعة والنشر، ط1 ، دبي 2004 ، ص53-54.
[4] وسيم وائل زعرب، التحكيم كوسيلة لحل النزاعات الناشئة عن التعامل بالأوراق المالية، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوس، موقع دار المنظومة، ص 31
[5] منير إبراهيم هندي ،الأوراق المالية وأسواق رأس المال، منشاة المعارف ، الإسكندرية 1992، ص 178
[6] صالح الحمراني، مصدر سابق، ص 57
[7] احمد محمد اللوزي ، الحماية الجزائية لتداول الأوراق المالية، دار الثقافة، ط 1 ، ص 116 ، 117
[8] عبد الحميد أبو هيف، طرق التنفيذ والتحفظ في المواد المدنية والتجارية، مطبعة الاعتماد ١٩٢٣ ،بند ١٣٦٤ ،ص ٩١٨
[9] نسيبة إبراهيم حمو ، نظام التحكيم التجاري في حسم منازعات الأوراق المالية ، جامعة كركوك ، كلية القانون والعلوم السياسية، مجلد 15 ، عدد 19 ، 2016 ، ص 252
[10] حمزة احمد حدادا ، حمزة أحمد حداد، التحكيم في القوانين العربية. دار الثقافة، عمان 2010 ، ص 48
[11] حفيظة السيد حداد، الطعن بالبطلان على أحكام التحكيم الصادرة في المنازعات الخاصة الدولية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 2004، ص 12
[12] حفيظة السيد الحداد ، مرجع سابق ، ص 20 وما بعدها
[13] محمود علي الرشدان، شرح قانون التحكيم الأردني ، دار اليازوري العلمية، ص 103

