الإخلال بالالتزام بالسرية في عقد نقل التكنولوجيا
أدى التطور الكبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ورغبة العديد من الدول في ركب مسيرة التقدم العلمي والوصول إلى مستويات الدول المتقدمة، إلى استحداث عقود شديدة الأهمية تلعب دورا كبيرا في الحياة العملية لكافة الصناعات الحديثة والتي تعتمد كثيرا على التكنولوجيا المتطورة.
كان لذلك العقد الأهمية البالغة في نقل المعرفة الفنية إلى العديد من دول العالم وخاصة الدول النامية التي تسعى لركب التقدم العلمي، وبطبيعة الحال فان هذا العقد يحتوي على تكنولوجيا صناعية جديدة تستغل في الصناعات الجديدة والمتطورة، وفي ذات الوقت ليست موجودة في غالبية الدول النامية، لذلك فيقع على طرفي العقد الالتزام بالسرية وعدم إفشاء أي أسرار تتعلق بهذا العقد.
أولا: مفهوم عقد نقل التكنولوجيا والتزام السرية
ثانيا: معيار الالتزام بالسرية في عقد نقل التكنولوجيا
ثالثا: التعويض كأثر للإخلال بالالتزام بالسرية
رابعا: شروط التعويض على الإخلال بالسرية
أولا: مفهوم عقد نقل التكنولوجيا والتزام السرية
1- التكنولوجيا
عرفها البعض بأنها” التطبيق العملي للأبحاث والنظريات العلمية فهي وسيلة الوصول إلى أفضل التطبيقات لهذه الأبحاث العلمية حيث يوجد البحث العلمي النظري في جانب والتطبيق العملي في جانب آخر”([1]).
2- عقد نقل التكنولوجيا
عرفه بعض الفقه بأنه” ذلك الاتفاق الذي يتعهد بمقتضاه مورد التكنولوجيا بأن ينقل بمقابل معلومات فنية إلى مستورد التكنولوجيا لاستخدامها في طرق فنية خاصة لإنتاج وتطوير سلعة معينة أو تركيب وتشغيل آلات وأجهزة أو حتى لتقديم خدمات إلا أنه لا يعتبر نقلا للتكنولوجيا بمجرد بيع وشراء أو تأجير أو استئجار السلع ولا بيع للعلامات التجارية أو الأسماء التجارية أو الترخيص باستعمالها إلا إذا وجد هذا كجزء من عقد نقل التكنولوجيا أو كان مرتبطا به”([2]).
3- التزام سرية نقل التكنولوجيا
عرف البعض السرية في مجال التكنولوجيا بانها” المعلومات الفنية والمعارف التقنية التي لا يجب إذاعتها أو نقلها لشخص آخر”([3]).
بينما عرفت المادة \39\2 من اتفاقية تربس الأسرار التجارية بأنها” المعلومات السرية التي ليست بمجموعها أو في الشكل التجميع الدقيقين لمكوناتها معروفة عادة أو سهلا الحصول عليها من قبل أشخاص أو أواسط المتعاملين المعنيين بهذه المعلومات فضلا عن كونها ذات قيمة تجارية وتكون خاضعة لإجراءات معقولة من قبل الشخص الذي يقوم بالرقابة عليها من الناحية القانونية بغية الحفاظ على سريتها”.
ثانيا: معيار الالتزام بالسرية في عقد نقل التكنولوجيا
إن الحفاظ على السرية في عقد نقل التكنولوجيا يعتبر صعب المنال، الحفاظ عليه يكون من الصعوبة بمكان، لما له من أهمية كبيرة لدى الحريصين عليه من الدول النامية التي تسعى إلى الحصول على التكنولوجيا لركب مسيرة التطور والتقدم العلمي.
ولقد انقسم القضاء الدولي بين رأيين حول معيار الالتزام بالسرية ([4]):
1- بالمعيار الموضوعي
ويستند هذا المعيار إلى درجة الكفاية لفقد المعرفة لجديتها وأصالتها النسبية بحيث تكون درجة الإفشاء ذات أثر في الوقوف الفعلي والحقيقي على أسرار التقنية من قبل الغير إذا ما تم توظيف هذه الأسرار من قبل المنافسين لكي يتمكنوا من تنفيذها.
وبذلك يستطيع القاضي من خلال هذا المعيار أن يحدد مدى إخلال أحد الأطراف بالتزامه بالحفاظ على السرية.
2- الأهمية الاقتصادية للمعرفة الفنية والتقنية
ويقوم هذا المعيار على تحديد قيمة المعرفة الفنية على ما تم بذله من أموال وجهد كبير في سبيل الوصول إلى تلك المعرفة وهو معيار صعب تحقيقه وإثباته على أرض الواقع من قبل من يمتلك تلك المعرفة الفنية.
ولذلك نرى أن المعيار الأول هو الأكثر تناسبا لمدى الالتزام بالسرية في المعرفة الفنية، عن المعيار الثاني القائم على الأهمية الاقتصادية للمعرفة الفنية والتقنية الذي يمثل صعوبة كبيرة في الإثبات لمن يمتلكها.
- موقف المشرع الأردني
بالتمعن في نص المادة \4\ أ من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني رقم \15لسنة2000 نجد أن المشرع الأردني قد أخذ بالمعيارين معا.
فنصت المادة \4\ أ من القانون سالف الذكر على أنه” أ- لمقاصد هذا القانون تعتبر أي معلومات سرا تجاريا إذا اتسمت بما يلي:
1- إنها سرية لكونها غير معروفة عادة في صورتها النهائية أو في مكوناتها الدقيقة أو أنه ليس من السهل الحصول عليها في وسط المتعاملين عادة بهذا النوع من المعلومات.
2- وأنها ذات قيمة تجارية نظرا لكونها سرية.
3- وأن صاحب الحق أخضعها لتدابير معقولة للمحافظة على سريتها في ظل ظروفها الراهنة”.
فنجد أن المشرع الأردني في هذه المادة قد اشترط سرية المعلومات لكي تحظى بحماية، وهو بذلك استند إلى المعيار الأول أي المعيار الموضوعي الذي يقوم على درجة الكفاية والجدة والأصالة، ثم ذكر في الفقرة الثانية من ذات المادة أنها ذات قيمة تجارية كما أن صاحب الحق أخضعها لتدابير معقولة في الفقرة الثالثة وهو بذلك استند إلى معيار الأهمية الاقتصادية.
ثالثا: التعويض كأثر للإخلال بالالتزام بالسرية
بطبيعة الحال أنه يترتب على أي التزام قيام الطرف الملتزم بتنفيذ ما التزم به تجاه الطرف الآخر، فإذا أخل بهذا الالتزام أصبح مسئولا أمامه بعدم التنفيذ وفي هذه الحالة يتحمل الأضرار التي تترتب على عدم التنفيذ وبالتالي ما يحمل به من تعويض.
ولقد حظيت سرية معلومات المعرفة الفنية والتقنية باهتمام كبير في الوسط العملي، إذ نص المشرع الأردني في قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية في المادة \ 7 منه على أنه” أ- لصاحب الحق في السر التجاري المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر نتيجة إساءة استعمال هذا السر.
ب- لصاحب الحق في السر التجاري عند إقامة دعواه المدنية بإساءة استعمال السر التجاري أو في أثناء النظر فيها أن يطلب من المحكمة ما يلي على أن يكون طلبه مشفوعا بكفالة مصرفية أو نقدية تقبلها المحكمة:
1- وقف إساءة الاستعمال.
2- الحجز التحفظي على المواد التي تحتوي على الأسرار التجارية التي تم إساءة استعمالها أو المنتجات الناتجة عن إساءة الاستعمال أينما وجدت.
3- المحافظة على الأدلة ذات الصلة…….. “.
وبالتمعن في هذه المادة نجد أن المشرع الأردني قد منح صاحب الحق في السر في المطالبة بالتعويض إذا ما ترتب على إساءة استعمال السر أو إفشائه ضررا أصابه.
ولقد نظم المشرع الأردني هذا الحق في القانون المدني، إذ نصت المادة\257على انه” 1- يكون الإضرار بالمباشرة أو التسبب 2- فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضيا إلى الضرر”.
كما نصت المادة \ 360 منه على أنه” إذا تم التنفيذ العيني أو أصر المدين على رفض التنفيذ حددت المحكمة مقدار الضمان الذي تلزمه المدين مراعية في ذلك الضرر الذي أصاب الدائن والعنت الذي بدا من المدين”.
كما نصت المادة \363على أنه” إذا لم يكن الضمان مقدرا في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه”.
ويعد التعويض هو الأثر الجوهري الذي يترتب على قيام المسئولية المدنية وذلك لجبر ما لحق المضرور من أضرار مادية أو معنوية، وإذا كان التنفيذ العيني هو الأصل في المسئولية العقدية فان التنفيذ بمقابل أو التعويض المالي هو القاعدة العامة في المسئولية التقصيرية ([5]).
رابعا: شروط التعويض على الإخلال بالسرية
يعتبر التعويض نتيجة منطقية للإخلال بالالتزام بسرية المعلومات الفنية والتقنية، إلا أنه لا يترتب إلا بتوافر شروط معينه وهي:
1- الخطأ أو الإخلال
الإخلال والخطأ لفظان متلازمان، فلا يمكن أن يكون هناك إخلال بدون حدوث خطأ من جانب الملتزم، وعقد نقل التكنولوجيا يترتب عليه التزامات في جانب مورد التكنولوجيا يلتزم المتلقي بعدم إفشائها للغير وإلا يكون قد أخل بهذا الالتزام مما يشكل خطأ.
ويتمثل الخطأ في قيام المتلقي بعدم بذل العناية اللازمة للمحافظة على الالتزام بالسرية للمعلومات الفنية، إذ انه تركها لتصل لعلم الغير مما ترتب عليه ضياع الاستفادة التي من الممكن كان أن يحصل عليها المورد لتلك التكنولوجيا.
وعلى ذلك إذا ارتكب المتلقي للتكنولوجيا هذا الخطأ فانه يكون تحقق في شأنه الشرط الأول في شروط استحقاق المورد للتعويض.
2- الضرر
ويقصد به الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له سواء كانت ذات قيمة مالية أو معنوية ([6]).
ويعتبر الضرر هو الركن الثاني من أركان المسئولية/ فبدون ضرر لا يكون هناك تعويض، ذلك انه إذا لم يترتب على الخطأ ضررا لحق بمورد التكنولوجيا فلا يستحق التعويض، فلا تقوم مسئولية المخل بالمحافظة على الأسرار الفنية إلا بتحققه.
وقد يكون الضرر ماديا أو معنويا، والضرر المادي هو الضرر الذي يصيب مورد التكنولوجيا من جراء إفشاء سرية تلك المعلومات، بالإضافة إلى ما يمكن أن يترتب على ذلك من خسارة مادية بسبب إفشاء أسرار تلك المعلومات وما ترتب عليه من ضياع مكاسب بسبب خسارته استغلال تلك المعلومات بسبب إفشائها واستغلال الغير لها.
وكذلك ما يترتب على ذلك من ضرر يصيب بالأذى مالك تلك التكنولوجيا نتيجة إفشاء أو استغلال الأسرار من قبل المخل وما يؤدي إلى فقدان قيمتها التنافسية ([7]).
أما الضرر المعنوي فهو ذلك الضرر الذي يصيب المورد في كرامته أو سمعته أو اعتباره، كما لو أشاع غلاء أسعار مالك المشروع التجاري نتيجة لإفشاء المعلومات الفنية أو التكنولوجيا وما يترتب على ذلك من إلحاق الضرر بسمعته التجارية فيؤثر ذلك على مركزه في السوق تأثيرا كبيرا.
ولا يكفي الإخلال أو الخروج عن سلوك الشخص المعتاد، بل يجب أن يلحق بالدائن ضرر نتيجة الإخلال، وإذا كان هذا الضرر شرطا من أجل المطالبة بالتعويض فان إثباته يقع على عاتق الدائن ([8]).
والتعويض عن الضرر الذي لحق بالدائن في عقود نقل التكنولوجيا يجب أن يكون تعويضا كاملا بحيث يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب ومن ضمنها المصروفات الضرورية التي تحمله الدائن لإصلاح الأضرار التي نتجت عن إخلال المدين في عقد نقل التكنولوجيا، ويرجع في ذلك للمعيار الموضوعي الذي يعتمد على مدى الضرر الذي لحق بالمدين وليس على جسامة الإخلال الذي حدث من جراء ذلك ([9]).
3- علاقة السببية
فلا يكفي أن يكون هناك خطأ وضرر مترتب على هذا الخطأ، ولكن لابد وأن يكون هذا الضرر نتيجة منطقية لهذا الخطأ، فإذا كان الضرر مستقل عن هذا الخطأ ولا يترتب عليه، أي لا يكون هناك علاقة سببية بينهما، ففي هذه الحالة لا تتوافر شروط التعويض.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. سميحة القليوبي، ورقة عمل مقدمة بعنوان عقد نقل التكنولوجيا، منشور على الإنترنت،2008، ص1.
([2]) د. محمد حسين منصور، العقود الدولية، دار النهضة العربية الجديدة، 2007، ص7.
([3]) محمد غسان صبحي العاني، الإخلال بالالتزام بالسرية في عقد نقل التكنولوجيا، رسالة ماجستير، 2016، ص17.
([4]) د. محسن شفيق، عقد تسليم المفتاح، دار النهضة العربية، القاهرة، 1975، ص74.
([5]) د. علي فيلالي، الالتزامات، ج2، الجزائر، 2007، ص67، ورد في محمد غسان صبحي العاني، مرجع سابق، ص66.
([6]) د. حسن على الزنون، المبسوط في شرح القانون المدني، ج2، الضرر، دار وائل للنشر، عمان، 2006، ص219.
([7]) د. قيس محافظة، الأسرار التجارية في مجال الملكية الفكرية، ندوة الويبو الوطنية عن الملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس وطلاب الحقوق في الجامعة الأردنية، عمان، 2004، ص23، ورد في محمد غسان صبحي العاني، مرجع سابق، ص83.
([8]) د. محسن شفيق، مرجع سابق، ص109.
([9]) محمد غسان صبحي العاني، مرجع سابق، ص123.

