حجية حكم المحكمة الدستورية 

حجية حكم المحكمة الدستورية 

جاءت التعديلات الدستورية لعام 2011 لتقرر إنشاء المحكمة الدستورية وتوكل إليها الاختصاص  بالفصل في الدعاوى المتعلقة بعدم دستورية القوانين والأنظمة المعمول بها داخل المملكة، وقد أضفى المشرع الدستوري للأحكام الصادرة من تلك المحكمة الحجية المطلقة التي تجعل أحكامها نهائية وملزمة للكافة  سواء الأفراد أو السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما أكده المشرع الأردني في المادة( 15 ) من قانون تلك المحكمة.

وفي خلال هذا المقال سوف نتطرق إلى المقصود بحجية أحكام المحكمة الدستورية والأساس القانوني لها وحدودها والآثار المترتبة عليها على التفصيل الآتي:

 

أولا: مفهوم حجية الأحكام الدستورية

ثانيا: موقف المشرع الأردني من حجية الحكام الصادرة من المحكمة الدستورية

ثالثا: الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية التي تتمتع بالحجية المطلقة

رابعا: حدود الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية

خامسا: الآثار المترتبة على حجية حكم المحكمة الدستورية

سادسا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة حجية حكم المحكمة الدستورية

سابعا: الخاتمة

 

أولا: مفهوم حجية الأحكام الدستورية

  • تعرف الحجه في اللغة بأنها البرهان أو كما عرفها الفراهيدي لأنها وجه الظفر عند الخصومة.

– أما حجية الحكم  في الاصطلاح القانوني  أن  يتصف الحكم الصادر من القاضي بحجية الأمر المقضي به، أي أن يكون للحكم القضائي حجية وبرهان غير قابل للمنازعة ويكتسب احترام جميع المحاكم، ولا يكون للقاضي مصدر الحكم حق العدول عنه أو تعديله، كما يمتنع على أطراف الخصومة رفع دعوى جديدة عن ذات موضوع الحكم، إلا إذا كان الحكم الصادر قاضيا بعدم القبول ولم يكن فاصلا في موضوع النزاع نفسه، ولا تمنع حجية الأمر المقضي به الأطراف من حق الطعن على الحكم الحائز لتلك الحجية بكافة طرق الطعن التي قررها القانون، وهي بذلك تختلف عن وصف الحكم  بصفة قوة الأمر المقضي إذ بتوافر تلك الصفة في الحكم القضائي لا يجوز الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن العادية [1]، إلا أن مسألة الطعن في الأحكام غير معمول بها في مجال الأحكام الدستورية ولم يجز المشرع الطعن عليها باي طريق من طرق الطعن.

  •  وتكمن أهمية تعريف مفهوم  حجية الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية للوقوف على مدى جواز الدفع بعدم دستورية نص سبق القضاء برفض أو عدم قبول الدفع بعدم دستوريته من عدمه، أو بمعنى آخر هل الحكم الصادر بعدم دستورية نص قانوني يتصف بالحجية الكافية من منع إعادة إثارة النزاع الخاص به أمام المحكمة الدستورية مرة أخرى أم أن الحجية هنا مقتصرة  على الحكم القاضي بعدم الدستورية فقط وبالتالي يمكن إعادة إثارته مرة أخرى؟ وللإجابة عن هذا السؤال فغننا نقول أن الأصل العام يشير  إلى وجود نوعين مختلفين من حجية الأمر المقضي به وهما :

1– حجية الأمر المقضي به النسبية : إذ تكون تلك الحجية قائمة في مواجهة اطراف الدعوى وبالتالي لا يمتد اثرها لغير أطرافها، وما يترتب على ذلك من حق  الغير في إثارة النزاع مرة أخرى دون أن يتم مجابهتهم بالحكم الصادر كونه حجيته يقتصر أثرها على أطرافه فقط.

2– حجية الأمر المقضي به المطلقة: إذ تكون تلك الحجية منتجة لأثارها في مواجهة الجميع سواء أطراف الدعوى أو غيرهم،  وما يترب على ذلك من عدم جواز نظر ذات الدعوى بذات الموضوع أمام المحاكم مرة أخرى ما دام الحكم الصادر فيها قد اكتسب حجية الأمر المقضي به المطلقة، [2] وهو ما أخذ به المشرع الأردني فيما يتعلق بحجية أحكام المحكمة الدستورية والذي سوف نوضحه فيما يلي.

ثانيا: موقف المشرع الأردني من حجية الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية

لم يتردد المشرع الأردني في إضفاء صفة الحجية المطلقة على أحكام المحكمة الدستورية وجعل أحكامها ملزمة للكافة سواء اطراف الدعوى أو  الغير، وما يترتب على ذلك من منع إثارة الدفع بعدم دستورية أحد النصوص قد سبق وأن صدر الحكم فيه بعدم دستوريته، ويرى البعض أن الحكمة من ذلك تتمثل في أن الدعوى الدستورية دعوى عينية تتمحور حول دستورية قانون ما أو أحد نصوصه،  وهذا القانون يكون موجها إلى العامة أو لفئة معينة وبالتالي فهو ينشئ مركز قانوني عام وليس شخصي، ما يلزم أن تكون الأحكام الصادرة بخصوص دستوريته من عدمه يتوافر فيها الحجية المطلقة، إذ أن القضاء بعدم دستورية نص قانوني معين يستلزم عدم تطبيقه على جميع المخاطبين به وليس على الطرف رافع الدعوى الدستورية وحده كونه منصبا على قاعدة قانونية عامة و متجردة.

  • وتأكيدا  على ذلك فقد نصت المادة( 59 / 1 ) من الدستور الأردني على : ( 1. تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة، كما تكون أحكامها نافذة بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه، وتنشر أحكام المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها).
  • كما نصت المادة( 15 / أ  ) من قانون المحكمة الدستورية على: ( أ. تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم لديها باسم الملك ، ويكون الحكم الصادرة عنها نهائيا وملزما لجميع السلطات والكافة ).

ثالثا: الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية التي تتمتع بالحجية المطلقة

قرر المشع الأردني إضفاء الحجية المطلقة على جميع الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية سواء تلك الصادرة بقبول الدفع بعدم الدستورية والقضاء به، أو الأحكام الصادرة بعدم قبول الدفع وثبوت دستورية النص القانوني محل الدعوى الدستورية، ويرى البعض أن مفهوم نص المادة( 15 / أ ) من قانون المحكمة، نصت صراحة على أن الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية نهائية وملزمة لجميع السلطات والكافة، وهي بالتالي جاءت شاملة لجميع الأحكام الصادرة عنها دون التفريق بين الأحكام الصادرة بقبول الدفع أو برفضه، وهو نفس الاتجاه الذي انتهجه القضاء الدستوري المصري خاصة بعد إنشاء المحكمة الدستورية العليا، إذ كان الأمر على خلاف ذلك قبل إنشائها حيث كانت الأحكام الدستورية الصادرة بعدم الدستورية تحوز الحجية المطلقة، بينما الأحكام الصادرة برفض الدعوى تحوز الحجية النسبية ما يعني جواز إقامة الدعوى الدستورية مرة أخرى، وهو ما كانت تقضي به المحكمة العليا في مصر قبل إنشاء المحكمة الدستورية.[3]

  • وقد ثار خلافا فقهيا حول الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية فبينما كان هناك رأيا مؤيدا للقول بأن الحجية المطلقة للأحكام الدستورية لا تتوقف عند الحكم بعد دستورية النص فقط، بل تمتد إلى الحكم الصادر برفض الدعوى الدستورية استنادا إلى عموما النص  القانوني والذي وصف جميع الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية بأنها نهائية وملزمة للكافة، إلا أن هناك اتجاها آخر يرى أن الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية تتوفر كلما كان الحكم الصادر منها يقضي بعدم الدستورية فقط، أما إذا كان الحكم صادرا بالرفض فهو يحوز حجية نسبية يتوقف أثرها على أطراف الدعوى فقط كونه لم يأتي بجديد بل أبقى النص  المطعون عليه معمولا به وساريا،[4] ما يعني جواز الطعن على النص القانوني مرة ثانية إذا تم تصحيح الأسباب التي دعت المحكمة الدستورية  إلى إصدار حكمها، ونحن نؤيد هذا الرأي إذ أن صمت المشرع عن التفريق بين الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية بعدم القبول والأحكام الصادرة في موضوع الدعوى الدستورية لا يعني لزاما أن الأحكام الصادرة بعدم القبول لعيب في إجراءاتها يمنع من رفع الدعوى الدستورية مرة أخرى خاصة وأن القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية تقرر خلاف ذلك إذ تقرر جواز رفع الدعوى مرة أخرى بعد تصحيح العيب أو الإجراء الشكلي الذي على أثره قضي في الدعوى السابقة في ذات الموضوع بردها شكلا.

رابعا: حدود الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية
يمكن حصر حجية الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية و خاصة في الأحكام الصادرة بعدم الدستورية في امرين، أولا فيما يتعلق بشمول الحجية لأسباب الحكم ومنطوقه، وثانيهما في اقتصار الحجية على النص القانوني أو الجزء منه المخالف للدستور وذلك على التفصيل الآتي:

أ- حجية الحكم من أسبابه ومنطوقه

لا تتوقف حجية الحكم الدستوري عند مجرد منطوق الحكم وحده، بل تمتد تلك الحجية لتشمل أسباب الحكم أيضا إلا أن ذلك يكون متوقفا على مدى ارتباط تلك الأسباب بالمنطوق، بحيث يجب أن تكون  أسباب الحكم مرتبطة بالحكم بشكل وثيق وتساعد في  تفسير منطوق الحكم، إذ أن الحكم لا يمكن اختصاره في منطوقه وحده فغالبا ما تتضمن أسباب الحكم بعض مما فصل فيه الحكم محل الدعوى الدستورية، [5] وبالتالي فلا مناص أن أسباب الحكم هي جزء من الحكم كله لا تنفصل عنه وتتوافر لها ما للحكم من حجية ولا يمكن بأي حال اقتصار حجية الحكم الدستوري عند مجرد منطوقه، ويستثنى من ذلك  الأجزاء التي ذكرت في أسباب الحكم ولا ترتبط ارتباطا وثيقا بموضوع الدعوى، ولاشك أن هذه الأجزاء لا يشير إليها منطوق الحكم ولا يتضمنها كأن يكون القاضي الدستوري قد عرض واقعة أو مسألة هي  محل خلاف قضائي أو فقهي في معرض حديثة عن دستورية النص محل الدعوى الدستورية، دون أن تكون تلك الواقعة هي من صميم موضوع النص المطعون عليه، بل ذكرها عرضا في أسباب الحكم ، ففي هذه الحالة لا يجوز التمسك بحجية الحكم الدستوري المطلقة إذ أن الواقعة المذكورة في أسباب الحكم في هذه الحالة تكون غير مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنص محل الطعن بعدم الدستورية.

ب- انحصار أثر حجية الحكم في الجزء المقضي بعدم دستوريته

تقتصر تلك الحجية وبشكل قاطع على الأجزاء الغير دستورية الموجودة بالنص، فإذا كان النص القانوني المطعون بعدم دستورية يحتوي على أجزاء ثبت بحكم المحكمة الدستورية عدم دستوريتها فإن الحكم المتعلق بهذه الأجزاء  يحوز الحجية المطلقة، ولا تمتد حجية الحكم  لغيرها من أجزاء أخرى لم  يقضي الحكم بعدم دستوريتها، ووفقا لذلك  فقد تقضي المحكمة الدستورية بعدم دستورية فقرة من فقرات مادة من مواد قانون معين وقد يصل الأمر إلى الحكم بعد دستورية صدر مادة أو عجزها إذا كان عيب عدم الدستورية قد لحق بها دون باقي المادة أو الفقرة، ومع ذلك لا يمنع أن يمتد أثر حجية الحكم بعدم الدستورية إلى النصوص المرتبطة بالجزء المقضي بعدم دستوريتها، ويجب على المحكمة في هذه الحالة أن تبين مدى هذا الارتباط واثره وأن تفصل فيه في حكمها بعدم الدستورية.[6]

  • وقد طبقت المحكمة الدستورية الأردنية هذه القاعدة في حكمها رقم 5 للسنة 2017 المنشور بالجريدة الرسمية تحت رقم 5479 إذ قضت بقصر عدم الدستورية على عبارة قد وردت في نهاية أحد مواد النظام المعدل لنظام الضريبة لسنة 2016 الخاصة  إذ كانت تقضي بأن ميعاد العمل بهذا النظام يكون بداية من 21-6-2016  أي قبل صدور النظام إذ رأت المحكمة أن في إعمال الأثر الرجعي لهذا القانون أمر غير دستوري وقضت بعدم دستورية هذا الجزء فقط .

خامسا: الآثار المترتبة على حجية حكم المحكمة الدستورية

يترتب على تلك الحجية المطلقة التي منحها الدستور الأردني وقانون المحكمة الدستورية الأردنية لأحكام المحكمة الدستورية عدة آثار هامة، خصوصا في التزام الجميع و خاصة الهيئات والسلطات العامة داخل الدولة  بتطبيق هذا الحكم والعمل بماورد فيه سواء السلطة القضائية أو التنفيذية أو التشريعية، خاصة إذا كان الحكم صادرا بعدم دستورية النص القانوني كون هذا الحكم يزيل الصفة القانونية عن النص المقضي بعدم دستوريته، وتظهر الآثار المترتبة على تلك الحجية في عدة أمور منها :

أ-  التزام السلطة القضائية بتطبيق حجية أحكام المحكمة الدستورية

لاشك أن  ما قرره الدستور الأردني وكذلك قانون المحكمة الدستورية من إضفاء الحجية المطلقة على الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية  وأن هذه الحجية في مواجهة الكافة ما يعني أن القضاء الأردني يلتزم بإعمال تلك الأحكام والعمل وفق ما قررته، خاصة في حالة كان الحكم الدستوري قد قضى بعدم دستورية أحد النصوص القانونية، إذ يتعين على القضاء الأردني عدم تطبيق النص القانوني أو الفقرة أو العبارة المقضي بعدم دستوريها، وذلك إعمالا للحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية، وبالتالي فإذا تمسك أحد الخصوم بعدم دستورية نص قانوني وأحالت المحكمة النظامية المختصة  الطعن بعدم الدستورية إلى محكمة التمييز التي رأت جديته ووافقت على إحالته للمحكمة الدستورية والتي بموجبه قضت بعدم دستورية النص محل الطعن، فإن المحكمة التي أحالت الدعوى بعدم الدستورية تلتزم بالعمل وفق ما قضى به حكم المحكمة الدستورية، فإذا أزال الحكم الدستوري عن النص القانوني المطعون فيه صفة الدستورية أصبح النص القانوني هو والعدم سواء ولا تقضي المحكمة بموجبه، وكذلك الحال لو كان الطعن بعدم الدستورية قدد تم مباشرة برفع دعوى عدم الدستورية من أحد الجهات التي خول لها القانون ذلك  عن طريق الدعوى المباشرة،  فغاية الأمر أنه كلما صدر حكم من المحكمة الدستورية التزم القضاء العادي بتطبيق مضمونه، سواء كان  قاضيا بعدم دستورية ذلك النص أو برفض الدفع أو الدعوى بعدم الدستورية، وهناك العديد من التطبيقات القضائية التي التزم فيها القضاء بإنفاذ أحكام المحكمة الدستورية وإعمال حجيتها،  والتي سوف نذكر بعض الأمثلة عليها في مبحث خاص في نهاية المقال .

ب- التزام السلطة التنفيذية بتطبيق حجية أحكام المحكمة الدستورية

لا يختلف الأمر بالنسبة للسلطة التنفيذية فيما يتعلق بكون الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية تحوز الحجية المطلقة في مواجهتها ،و يمكننا استظهار التزام السلطة التنفيذية بتلك الحجية من خلال أمرين وهما:

1- التزام السلطة التنفيذية بعدم تنفيذ النص القانوني أو النظامي المقضي بعدم دستوريته إلى جانب التزامها بإصدار نظام أخر لا يتعارض مع أحكام الدستور، فبمجرد صدور حكم بعدم دستورية نص معين تقوم السلطة التنفيذية بالامتناع عن إعمال مضمون ذلك النص، كما لا يتعين عليها الانتظار حتى صدور قرار من السلطة التشريعية بإلغاء النص الغير دستوري بل تستمد سلطتها في الامتناع عن تنفيذ النص الغير دستوري من الحكم الصادر من المحكمة الدستورية القاضي بذلك، فإذا كان الحكم الصادر يقضي بعد جواز تحصيل رسوم معينة أو  التزام السلطة التنفيذية  برد مبالغ معينة للغير فيجب عليها تنفيذ هذا الحكم بشكل فوري، كما لا يتوقف التزام السلطة التنفيذية عند مجرد الامتناع عن التنفيذ فقط،  بل يجب عليها أيضا إلغاء الأنظمة التي تكون مخالفة للدستور وفقا لهذا الحكم، والعمل على وضع أنظمة متوافقة مع الدستور.

2- أن تصدر القرارات الإدارية من السلطة التنفيذية منفذة للحكم الدستوري، إذ يجب على السلطة التنفيذية الالتزام بأن يكون صدور القرارات الإدارية فيما بعد صدور الحكم القاضي بعدم دستورية نص قانوني أو أحد الأنظمة بالشكل الذي يتفق مع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية،  ومنفذا لأحكامه ما يؤكد حجية حكم المحكمة الدستورية في مواجهة القرارات الإدارية التي تصدرها السلطة التنفيذية.

ج- التزام السلطة التشريعية بتطبيق حجية أحكام المحكمة الدستورية

تلتزم السلطة التشريعية متمثلة في مجلس الأمة بشقيه مجلس النواب ومجلس الأعيان بحجية الحكم الصادر من المحكمة الدستورية، وترجع أهمية بيان هذا الالتزام في الدور الذي تقوم به السلطة التشريعية من وقت صدور الحكم القاضي بعدم دستورية نص قانوني معين أو قانون كامل، إذ يقع على السلطة التشريعية التزاما بإصدار قانون آخر متوافقا مع الدستور ينظم أحكام ذات الموضوع محل القانون أو النص الملغي، وذلك لسد الفراغ التشريعي الذي تركه النص الملغي،  إلا أنه إذا كان الحكم الصادر من المحكمة الدستورية قد قضى بعدم دستورية  قانون كان يقضي بإلغاء قانون آخر فإن الأثر المترتب على ذلك عودة القانون الملغي للعمل به، وفي حالة كان الحكم قد قضى بعدم دستورية أحد النصوص القانونية تقوم السلطة التشريعية و هديا بما ورد في حكم المحكمة الدستورية بتعديل النص بالشكل الذي يتفق مع الدستور ويجنبه الطعن عليه مرة أخرى بعدم الدستورية.

  • ويتضح من خلال ما سبق بيانه مدى احترام السلطات الثلاث داخل الدولة لما قضى به الدستور والقانون من الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية، بحيث لا يتوقف  العمل بتلك الأحكام على حدوث أي إجراء أخر من أي جهة بعد صدوره ويكفي الحكم وحد كسند للعمل بمقتضى ما جاء فيه.

سادسا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة حجية حكم المحكمة الدستورية

1- حكم المحكمة الدستورية الأردنية  رقم (6) لسنة 2017   المنشور بالجريدة الرسمية تحت رقم 5484 بتاريخ 16-10-2017 حيث جاء فيه  : ( وحيث أن عدم الدستورية تنحصر وتنصَّب على عبارة (ويعمل به اعتباراً من 21/6/2016 فقط، وليس في باقي ما تضمنه النظام المطعون فيه من أحكام، أي مخالفة لأي حكم في الدستور).

وحيث أن الفقرة (ب) من المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012، أوجبت أن يكون الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية، نافذاً بأثرٍ مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه.

لهذا وبناءً على ما تقدم وحيث سبق لهذه المحكمة البت بموضوع هذا الطعن بالحكم رقم (5) لسنة (2017) تاريخ 21/8/2017 والذي قررت فيه عدم دستورية العبارة الواردة في نهاية منطوق المادة الأولى من نظام الضريبة الخاصة المعدل رقم (97) لسنة (2016) والتي تتضمن سريان النظام بأثر رجعي.

  • وحيث أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص تشريعي أو بتقرير دستوريته هي أحكام ملزمة لجميع الجهات والسلطات كافة ولا يقتصر أثرها على الخصوم بالدعوى التي صدرت بشأنها بل ينصرف هذا الأثر إلى الكافة بدون استثناء، وذلك عملاً بأحكام المادة (59/1) من الدستور والمادة (15/أ) من قانون المحكمة الدستورية في دعوى لاحقة بشأن عدم دستورية نص سبق للمحكمة الدستورية أن قضت بعدم دستوريته أو بتقرير دستوريته فلا يجوز النظر فيها لسبق الفصل في موضوعها.

وحيث أن أحكام المحكمة الدستورية هي أحكام نهائية غير قابلة للطعن وملزمة لجميع السلطات و الكافة فإن قرارها هو قولٌ فصلٌ لا يقبل التأويل أو التعقيب من أي جهة كانت وله حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه مرة أخرى، مما يتعين معه عدم جواز النظر بهذا الطعن ورده شكلاً لسبق الفصل في موضوعه).

2– حكم المحكمة الدستورية الأردنية رقم 5 لسنة 2017 المنشور في الجريدة الرسمية تحت رقم 5479 بتاريخ 30-8-2017 حيث جاء فيه  : ( وحيث أن الفقرة (ب) من المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012، أوجبت أن يكون الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية، نافذاً بأثرٍ مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه.

وحيث أن الحجية للأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية، يقتصرُ نطاقها على النصوص التي هي موضوع المنازعة حول دستوريتها من عدمه).

3– الحكم رقم 5900 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 3-10-2018 حيث جاء فيه : ( وعن كافة أسباب التمييز وحاصلها تخطئة محكمة الجمارك الاستئنافية بتطبيقها لقرار المحكمة الدستورية (5 لسنة 2017) كونه تضمن تطبيق قرار المحكمة الدستورية بأثر رجعي على المعاملات الجمركية موضوع الدعوى وأن القرار الصادر عن المحكمة الدستورية لا يرتب آثاراً قانونية على القرارات السابقة لصدوره وأن آثاره مباشرة تنطبق على الحالات المستقبلية لتاريخ صدوره مخالفة بذلك نص المادة (59/ 1) من الدستور الأردني والمادة (15) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15 لسنة 2012) وأن قرار محكمة الاستئناف جاء غير مسببٍ ومعللٍ تعليلاً بالشكل الذي يتطلبه القانون.

وبهذا نجد من الرجوع إلى المادة (59/ 1) من الدستور الأردني أنها تنص على: (تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة كما تكون أحكامها نافذة بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه، وتنشر أحكام المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها).

ونصت المادة (15/أ) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15 لسنة 2012) على أنه: (تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم لديها باسم الملك ويكون الحكم الصادر عنها نهائياً وملزماً لجميع السلطات والكافة).

ومن الرجوع إلى المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية نجد من هذا النص أن المشرع قد رتب أثر الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية باعتباره نصاً قانونياً وواجب التطبيق.

وحيث أن المحكمة الدستورية قد أصدرت الحكم رقم (5 لسنة 2017) تاريخ 21/8/2017 والمتمثل بعدم دستورية تطبيق أحكام العبارة الواردة في المادة الأولى من نظام الضريبة الخاصة المعدل رقم (97 لسنة 2016) المنشور في الجريدة الرسمية رقم (5413) تاريخ 1/8/2016 والذي أوجب العمل بأحكامه اعتباراً من تاريخ 21/6/2016 وهو تاريخ سابق لتاريخ نشره وحيث أن القانون يطبق على كافة الوقائع المماثلة فيكون قد سبق الفصل فيه وبالتالي فإن مطالبة دائرة الجمارك المستندة إلى أحكام النظام المعدل رقم (97 لسنة 2016) مخالفة لأحكام القانون ولا يوجد ما يبررها.

وحيث نجد أن قرار محكمة الاستئناف جاء معللاً ومرتكزاً على أساس من القانون مما يجعل قرارها متفقاً وأحكام القانون الأمر الذي يجعل أسباب التمييز مجتمعة لا ترد على القرار المميز فيتعين ردها).

 4 –  قرار المخالفة في الحكم رقم 3 لسنة 2018 الصادر عن الأستاذ الدكتور محمد سليم محمد غزوي عدد  والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5523 بتاريخ 1-7-2018 حيث جاء فيه : (   والبداية أن  الحكم الصادر من المحكمة الدستورية الأردنية وفقا لنص المادة( 59 ) من الدستور ” نهائي وملزم لجميع السلطات والكافة ” ولان أي حكم من أحكام المحكمة الدستورية الأردنية يتألف من فقرتين:

الأولى – الفقرة الحكمية أو منطوق الحكم  dispositive  ” الحل الذي حكمت به المحكمة ”     دستورية أو عدم دستورية النص ”

الثانية –  فقرة الحيثيات أو التعليل أو الأسباب  motifs ” المسوغات التي بني عليها حكم المحكمة الدستورية التي أفضت إلى فقرته الحكمية .  “” يراجع مؤلفات أصول المحاكمات المدنية  للأساتذة الكبار في القانون الخاص “”

  • ولأن الأسباب يجب أن تؤلف ركيزة لمنطوق الحكم وترتبط به ارتباطا وثيقا وتعتبر داخله في بنائه وتأسيسه وتكون معه وحده لا تتجزأ لا تقوم له قائمه بدونها .
  •   ولأن نطاق الحجيه المطلقة للحكم الصادر من المحكمة الدستورية أو مداها أو وعائها يطال الفقرة الحكمية وينسحب على الأسباب التي تعتبر السند الضروري لهذه الفقرة والتي تشكل بنيانها الأساسي .

  • ولأن القصور في هذا كله يشكل كما يقول الفقه والقضاء المقارن مخالفة جسيمة ).

  • سابعا: الخاتمة

    ختاما فقد ظهر لنا  في خلال هذا البحث الوجيز الحجية المطلقة التي أضفاها المشرع الأردني الدستوري والعادي لأحكام المحكمة الدستورية، وقد وضحت تلك الحجية وإطلاقها وذلك  بالتزام جميع السلطات داخل المملكة بتطبيق أحكام المحكمة الدستورية بشكل مباشر ، ودون الوقوف على إجراء  أخر أو قرار من جهة أخرى، مما يؤكد تلك الحجية خاصة في الحالات التي يكون الحكم الصادر في الدعوى الدستورية بقضي بعدم دستورية النص القانوني محل الطعن.

    كتابة: محمد إسماعيل حنفي

    [1]محمود زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية آثاره وحجيته وتنفيذه، المحلة الكبرى: دار الكتب القانونية  ، 2005 ، ص  47-48 ،50

    [2] عزيزة الشريف، دراسة في الرقابة على دستورية التشريع، الكويت، جامعة الكويت 199،.191-192

    [3] عبدالله ناصف، حجية وآثار أحكام المحكمة الدستورية العليا قبل التعديل وبعد التعديل، القاهرة: دار النهضة العربية ، 1998،    26-24

    [4]  محمود زكي، مرجع سابق، 460 ،462.

    [5] عزيزة الشريف، دراسة يف الرقابة على دستورية التشريع، مرجع سابق، 198.

    [6] صبري السنوسي، آثار الحكم بعدم الدستورية دراسة مقارنة، الطاعة الثانية، القاهرة، دار النهضة العربية ،2013،ص 88

    Scroll to Top