ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام

ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام

لم يتطرق المشرع الأردني بشكل مباشر الى الضوابط التي يجب على المحامي العمل وفقها عند استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي، وذلك سواء في قانون نقابة المحامين أو في لائحة آداب مهنة المحاماة، إلا أننا يمكننا القول إن مجموع الضوابط والآداب والواجبات التي ألزم المشرع الأردني المحامي بها وبوجوب العمل وفقا لها حين التعامل في الواقع يمكن تطبيقها على أداء المحامي أثناء استخدامه لأحد وسائل التواصل الاجتماعي.

  • وفي خلال هذا المقال سوف نتناول ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام على التفصيل الآتي:

 

أولا: مفهوم وأهمية ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي

ثانيا: أهم ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي

ثالثا: الجزاءات التأديبية المقررة لمخالفة ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي

رابعا: العقوبات الجزائية التي توقع على المحامي في حالة إساءة استخدامه وسائل التواصل الاجتماعي

خامسا: بعض الاجتهادات القضائية ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام

سادسا: الخاتمة

 

أولا: مفهوم وأهمية ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي

يقصد بضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي أي ما يجب على المحامي إتباعه عند استخدام هذه الوسائل الإلكترونية، خاصة فيما يتعلق بأعمال المحاماة وعلاقته بموكليه وأيضا علا قته بخصومه وزملائه المحامين والقضاة.

  • والهدف من وضع ضوابط معينة لاستخدام المحامين لوسائل التواصل الاجتماعي سواء الفيس بوك، أو تويتر، أو واتساب، أو غيرها من وسائل هو تحقيق أقصى درجة من الحماية لمهنة المحاماة الرفيعة من السخرية أو التقليل منها أو تشويه صورتها، أو ممن يمتهنون بها، وكذلك حماية معلومات وأسرار المتقاضيين سواء كانوا الموكلين للمحامي المستخدم للوسيلة الإلكترونية أو الخصوم له، إضافة الى إقرار الحماية اللازمة لزملاء المحامي، ومنع المحامي المستخدم لوسيلة التواصل الاجتماعي من الاعتداء على غيره من الزملاء.
  • وترتيبا على ذلك فإذا استخدم المحامي وسيلة التواصل الاجتماعي مع التزامه بالضوابط اللازمة وامتناعه عن القيام بأي فعل يعد من قبيل الإخلال بتلك الضوابط، يكون قد أحسن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ويبقى بعيدا عن أي إجراء تأديبي أو عقابي، بخلاف حال قيامه بمخالفة تلك الضوابط الأمر الذي يعرضه للمسائل تأديبيا، أو مدنيا، أو جزائيا، أو جميعهم.
  • ويعتبر سلوك المحامي حين استخدامه وسائل التواصل الاجتماعي هو نظير سلوكه في الحياة العادية، إذ يجب أن يكون متفقا مع مبادئ الأمانة والشرف إعمالا لنص المادة (54) من قانون نقابة المحامين والتي نصت على: (على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة وأن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه هذا القانون وتفرضها عليه أنظمة النقابة وتقاليدها).
  • والجدير بالذكر أن المادة كانت واضحة في فرض هذا الالتزام على جميع المحامين وفي جميع حالاتهم ودون أن تفرق بين التزام المحامي بهذه المبادئ في حياته العادية أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مما يعني أنها واجبة الإعمال في جميع حالات المحامي ومهما كانت الوسيلة المستخدمة.

ثانيا: أهم ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي

أ-  يجب على المحامي عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في جلب الموكلين
– تعتبر محاولة بعض  المحامين في الحصول على موكلين عن طريق النشر بوسائل التواصل الاجتماعي من أكثر الأمور التي تعتبر إخلال جسيم من قبل القائم بهذا الفعل بقانون المحاماة، حيث يلجأ بعض المحامين إلى نشر بعض المنشورات تشير الى حصولهم على حكم قضائي لصالح احد موكليهم سواء في قضايا جزائية أو مدنية بهدف لفت نظر  العملاء المتوقعين، وتشجيعهم على التواصل مع المحامي الناشر، كما يقوم البعض بنشر منشورات مباشرة يوضح فيها قدرته على حل نوع معين من النزاعات القضائية وأنه متخصص في هذا المجال، ويضع معلومات التواصل معه أو يقوم بعمل ما يسمى عروض وخصومات على الأتعاب، أو أن يقوم بالإعلان في احد وسائل التواصل الاجتماعي عن مكافأة أو نسبة من الأتعاب لكل وسيط يجلب احد المتقاضين إليه، وغيرها من أفعال يقوم بها البعض، ولا شك أن في تلك الأفعال ما يسوء صورة المحاماة بشكل عام في نظر باقي المواطنين.

  •  كما يلجأ بعض المحامين وبقصد الحصول على عملاء جدد إلى استقبال الأسئلة القانونية والاستشارات القانونية من الأشخاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والإجابة على تلك الاستشارات سواء في رسالة أو مقطع صوتي وهو امر شديد الخطورة خاصة مع عدم اطلاع المحامي على الوقائع بشكل كامل من خلال الوثائق والمستندات التي تقتضي في الغالب حضور الموكل الى مكتب المحامي، ولا شك أن في قيام بعض المحامين بهذه الفعل ما يعد انتهاك لقواعد المهنة ونظامها الداخلي.[1]
  •  لذلك فقد نص المشرع الأردني في المادة (60 /1) من قانون نقابة المحامين على: (يمتنع على المحامي تحت طائلة المسؤولية:
    1. أن يسعى لجلب أصحاب القضايا أو الزبائن بوسائل الإعلانات أو باستخدام الوسطاء مقابل اجر أو منفعة (، كما نصت المادة 25 من لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد السلوك للمحامين النظاميين على: (تشكل الأمور التالية إساءة لشرف المهنة: استجداء العمل المهني أو السعي للحصول عليه بواسطة السماسرة، أو التعاميم، أو الإعلانات، أو الاتصال الشخصي، أو المقابلات خارج نطاق العلاقات الشخصية.

    وأن الدعاية غير المباشرة للحصول على العمل المهني مثل تقديم التعليقات في وسائل الإعلام بدون موافقة النقيب الخطية أو الإيحاء بها أو السعي لنشر صورة المحامي بخصوص القضايا أو بخصوص طريقة تسييرها وكل ما ينطوي على الإطراء والمديح، وان كل ذلك يسيء لتقاليد المهنة وينال من سمعتها ويخضع للمساءلة التأديبية ).
    ب- يجب على المحامي عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحصول على منفعة بناء على ثقة موكله فيه

    لما كانت العلاقة بين المحامي والموكل مبناها وأساسها هو عقد الوكالة، وهو عقد يقوم على الاعتبار الشخص للوكيل إذ أن الموكل لا يقوم بعمل الوكالة إلا فيمن يثق فيه، وكان المحامي ملزما بأن يحترم هذه الوكالة وما يبنى عليها من تعاملات خاصة فيما يتعلق بامتناعه عن تحقيق أي منفعة أو كسب بناء على علاقته بموكله دون علم موكله  و أن يلتزم بعدم استغلال ثقة موكله فيه، و على ذلك إذا قام الموكل بتسليم المحامي مقاطع فيديو معينة أو صور محددة وقام المحامي بنشر هذه الصور على أحد وسائل التواصل الاجتماعي بقصد تحقيق ربح من خلالها كأن تكون تلك الصور أو المقاطع المصورة تحتوي على إبداع فكري للموكل أو واقعة يرغب الكثير من مشاهدتها ويتحقق من خلال نشرها ربحا للمحامي كعائد للإعلانات التي تقوم وسيلة التواصل بوضعها عليها، فإن هذا الفعل من المحامي يكون مخالفا لالتزام الأمانة المقرر عليه في مواجهة موكله وفقا لنص المادة ( 10 ) لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد السلوك للمحامين النظاميين حيث جاء نصها : ( الأمانة: على المحامي أن يمتنع عن القيام بأي عمل يجلب له الكسب أو المنفعة الشخصية باستغلال الثقة التي وضعها الموكل فيه….. ).

    ج- يجب على المحامي عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بقصد إثارة الضغائن أو إظهارها ضد غيره من زملائه المحامين أو الخصوم

    حيث يجب أن تبقى علاقة المحامي بغيره من زملائه المحامين محاطة بالاحترام المتبادل وعدم تحويل مسألة المنافسة القانونية بينهم وبين بعضهم أمام الجهات القضائية الى خلاف شخصي ، وترتيبا على ذلك لا يجوز للمحامي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بقصد توجيه أي نوع من السباب أو التعريض أو التنمر ضد غيره من زملائه المحامين، فضلا عن عدم جواز قيامه بذلك ضد أي شخص آخر، لمخالفة ذلك للقوانين عموما ولمخالفته آداب وسلوكيات مهنة المحاماة، وقد نصت المادة( 56 ) من قانون نقابة المحامين على : (على المحامي أن يلتزم في معاملة زملائه ما تقضي به قواعد اللياقة وتقاليد المحاماة، ويفصل مجلس النقابة في كل خلاف مسلكي بين المحامين يتعلق بمهنتهم.) .

    • كما نصت على ذلك أيضا المادة (16) من لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد السلوك للمحامين النظاميين على: (أن المتقاضين هم الموكلون وليسوا المحامين وعليه فإنه مهما كانت الضغائن بين الموكلين لا يجوز أن يؤثر على المحامين في مسالكهم وفي علاقتهم مع بعضهم بعضاً أو مع الخصوم ويجب تجنب كل الأمور الشخصية فيما بين المحامين. ومن غير اللائق أن يتعرض المحامي الى الأمور الشخصية للمحامي الآخر أو أن يتهجم عليه بأي شكل من الأشكال في أي مكان وفي أي وقت. ويجب تجنب المساجلة بين المحامين التي من شأنها التسبب في التأخير أو الجدل الذي لا ضرورة له).
  • كما يجب على المحامي أيضا عند استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي أن يلتزم بالتعامل مع خصوم موكليه بالاحترام اللازم و يتجنب مجاراة موكله في ضغينته ضد خصمه، كذلك يجب على المحامي الالتزام باحترام الشاهد حتى لو كانت شهادته تسوء موقف موكله، وبالتالي فلا يجوز للمحامي التحقير من خصم موكله أو الشاهد أو إثارة أي ضغينة ضدهم باستخدام أي من وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ذلك قد نصت المادة ( 58 ) من قانون نقابة المحامين على : ( على المحامي أن يمتنع عن سب خصم موكله أو ذكر الأمور الشخصية التي تسئ إليه أو اتهامه بما يمس شرفه وكرامته ما لم يستلزم ذلك حالة الدفاع أو ضرورة الدفاع عن مصالح موكله).
  •  كما نصت المادة 17 من لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد السلوك للمحامين النظاميين على: (على المحامي أن يعامل الخصم وشهوده بلطف واحترام ولا يجوز أن يسمح لنفسه بالانسياق مع ضغائن وأحقاد موكله، ولا يجوز أن يصبح الموكل قيماً على ضمير المحامي في الأمور المهنية ولا يحق له أن يطلب إلى محاميه تحقير الخصم أو شهوده أو التعرض لشؤونهما الشخصية المثيرة).

  • جـ- يجب على المحامي عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإفشاء السر المهني

    لما كانت طبيعة عمل المحامي تقتضي بالضرورة أن يعلم الكثير من أسرار موكله سواء الخاصة بموضوع الوكالة القانونية أو غيرها من أسرار، وينظر البعض الى السر المهني بأنه أحد أساسيات العمل بالمحاماة فالمحاماة بطبيعتها تستلزم أن يكون هناك ثقة متبادلة بين العميل والمحامي لذلك اعتبر البعض السر المهني هو احد قواعد النظام العام،[2]  فكان من اللازم أن يقع على المحامي التزاما بعد إفشاء تلك الأسرار مطلقا إلا في الحالات التي يحددها القانون وبالطريقة التي يقررها القانون، ويعرف فعل إفشاء السر المهني بأنه كل فعل يؤدي الى الكشف عن أحد الوقائع التي يسبغ عليها وصف السر ويكون ذلك الإفشاء بواسطة ممن علم به بمقتضى أدائه لمهنته،[3] وقد نصت المادة( 37 ) من قانون البينات الأردني على : ( من علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء عن طريق مهنته أو صنعته بواقعة أو بمعلومات لا يجوز له أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته ما لم يكن ذكرها مقصودا به ارتكاب جناية أو جنحة، ويجب عليهم أن يؤدوا الشهادة عن تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم من أسرها إليهم على أن لا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم).

    •  كما نصت المادة (60 / 4) من قانون نقابة المحامين على: (يمتنع على المحامي تحت طائلة المسؤولية: 4. أن يؤدي شهادة ضد موكله بخصوص الدعوى التي وكل بها أو أن يفشي سراً اؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته المتعلقة بأسرار الموكلين لدى القضاء في مختلف الظروف ولو بعد انتهاء وكالته. (
  •  كما أن  المشرع الأردني وفي مضمار تأكيده على أهمية السر المهني ووجوب التزام المحامي بالعمل على الحفاظ عليه ألحق باليمين التي يجب على الملتحقين بمهنة المحاماة أدائها عند تسجيلهم لأول مرة بالنقابة وجوب محافظتهم على سر مهنة المحاماة، حيث جاء نص اليمين وفقا لما ورد بالمادة( 23 ) من قانون نقابة المحامين على : ( على المحامين المسجلين في سجل المحامين الأساتذة وفي خلال شهرين من نفاذ هذا القانون، وعلى المحامي الذي يسجل اسمه لأول مرة في سجل المحامين الأساتذة أن يحلفوا اليمين التالي أمام وزير العدل وبحضور النقيب أو عضوين من مجلس النقابة:
    “اقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للملك والوطن وأن أؤدي أعمالي بأمانة وشرف كما تقتضيها القوانين والأنظمة وأن أحافظ على سر مهنة المحاماة وان احترم قوانينها وتقاليدها” ).

  • كما تجدر الإشارة إلى أنه في حال قيام المحامي بنشر بعض الاجتهادات القضائية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي فيجب ألا يتضمن نشره أي خرق لالتزامه بحفظ السر المهني، وبالتالي عليه أن يحذف أسماء طرفي النزاع وأن يتجنب الإشارة الى أي مؤسسة تجارية أو غيرها من المؤسسات.[4]

  • وترتيبا على ما سبق وبإنزال تلك النصوص القانونية على استخدام المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي فإنه يجب على المحامي أن يتجنب عند استخدامه لتلك الوسائل نشر أي أسرار متعلقة بموكله خاصة إذا كانت تلك الأسرار بها ما يلحق الضرر بالموكل أو بغيره، واحترام القسم الذي أداه عند انضمامه لنقابة المحامين وتجنبا أيضا لمسائلته المدنية، أو الجزائية، أو التأديبية، أو جميعهم.

  • د- يجب على المحامي عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بقصد توجيه النقد للقضاة أو المحاكم

    يجب أن تسود  العلاقة بين المحامي والقاضي الاحترام المتبادل بين الطرفين سواء في المحاكم وأثناء أداء العمل، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي لا يجوز للمحامي أثناء استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي أن يقوم بنشر ما يسيئ الى القضاء بصفة عامة، أو احد القضاة، أو المحاكم ،أو يقلل من شأنهم إذ أن ذلك إلى جانب كونه يمثل جريمة جزائية فهو يعتبر مخالفا لآداب المهنة، وقد نصت المادة ( 224 ) من قانون العقوبات الأردني على : (  كل من نشر أخبارا أو معلومات أو انتقادات من شانها أن تؤثر على أي قاض أو شاهد أو تمنع أي شخص من الإفضاء بما لديه من المعلومات لأولي الأمر يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تتجاوز مائتي دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين).

    • ولا شك أن المحامي غير مستثنى من هذا النص الجزائي، بل ربما يكون لصفته الوظيفية والتي تفترض علمه بالقانون وما يجب أن يكون عليه من حرص في تطبيقه أثرا في القضاء بالعقوبة الأشد دون النظر إلى أسباب التخفيف، لذلك يجب على المحامي أن يكون فطنا عند استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي والبعد كل البعد عن توجيه أي انتقادات أو سباب أو محاولة التأثير على القضاة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كما هو الحال في الواقع.

    هــ- يجب على المحامي عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بقصد التقرب من أحد القضاة

    لا يخفي على أحد أن القضاة والمحامين هم خريجي ذات الجامعات ويحملون نفس الدرجة العلمية وما يترتب على ذلك من إمكانية أن يكون المحامي والقاضي تربطهم علاقة صداقة أو زمالة قبل تولي كل منهما منصبه، وفي هذه الحالة لا تثار أي مشكلة مادام الأمر يتوقف عند مجرد الصداقة، إلا أنه قد يلجأ البعض إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بقصد التقرب من أحد القضاة لمحاولة تحقيق مصلحة متعلقة بعمل المحامي، لذلك رأى المشرع ضرورة امتناع المحامي عن القيام بأي أفعال تشير الى رغبته في الاتصال أو مناقشة القاضي في مسألة خاصة بالعمل، و بطبيعة الحال لا يستثنى من ذلك الاتصال أو التواصل بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ذلك قد نصت المادة ( 2 ) من لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد السلوك للمحامين النظاميين على : ( أن اهتمام المحامي الزائد بالقاضي أو إحاطته إياه بالرعاية والتكريم غير العاديين من شأنه أن يعرض كلا من القاضي والمحامي إلى إساءة فهم الدوافع، ولا يجوز للمحامي أن يتصل بالقاضي أو يناقشه على انفراد بشأن قضية قائمة من حيث الموضوع، ويجب مساءلة المحامي الذي يحاول الحصول من القاضي على اهتمام خاص أو معاملة مميزة. أن الاستقلال القائم على الاحترام الذاتي في ممارسة الواجب المهني مع مراعاة واجب الاحترام لمركز القاضي هو الأساس الوحيد اللائق لعلاقة الزمالة والتعامل الرسمي بين القضاة والمحاماة).

    ثالثا: الجزاءات التأديبية المقررة لمخالفة ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي

    كما سبق وقررنا فإن المشرع الأردني لم يتناول ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل صريح لذلك فقد حاولنا تطبيق الأحكام والضوابط العامة الواردة في قانون نقابة المحامين وفي لائحة آداب مهنة المحاماة على سلوكيات المحامين أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي فإن مخالفة تلك الضوابط في الواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يحتم قيام المسئولية التأديبية ضد المحامي وما يترتب على ذلك من توقيع الجزاء التأديبي بواسطة مجلس التأديب، سواء بالتنبيه على المحامي بعدم اقتراف ذات الخطأ مرة أخرى أو توبيخه، فضلا عن حق مجلس التأديب في إصدار قراره بمنع المحامي من مزاولة المهنة أو شطبه نهائيا وفقا للمخالفة المرتكبة منه.

    • وقد نصت المادة (63) من قانون نقابة المحامين على تلك العقوبات التأديبية بقولها: (1. كل محام أخل بواجبات مهنته المنصوص عليها في هذا القانون وفي الأنظمة الصادرة بمقتضاه أو في لائحة آداب المهنة التي يصدرها مجلس النقابة بموافقة الهيئة العامة أو تجاوز واجباته المهنية أو قصر في القيام بها أو قام بتضليل العدالة أو أقدم على عمل يمس شرف المهنة وكرامتها أو تصرف في حياته الخاصة تصرفاً يحط من قدر المهنة، يعرض نفسه للعقوبات التأديبية التالية:
      أ. التنبيه.
      ب. التوبيخ.
      ج. المنع من مزاولة المهنة لمدة لا تزيد على خمس سنوات.
      د. الشطب النهائي من سجل المحامين.
    1. تسري أحكام هذه المادة والأحكام والإجراءات الأخرى الخاصة بالتأديب على المحامين المتدربين).

    رابعا: العقوبات الجزائية التي توقع على المحامي في حالة إساءة استخدامه وسائل التواصل الاجتماعي

     نص قانون الجرائم الإلكترونية على معاقبة كل  من يثبت ارتكابه أحد الجرائم بواسطة وسيلة إلكترونية، وقد جاءت تلك النصوص في صيغة عامة وبالتالي فلا يعفى المحامي من العقوبة في حالة ارتكابها، ومن هذه الجرائم جريمة الذم والقدح والتحقير عن طريق الشبكة المعلوماتية، وكما قررنا سابقا فإن هذه الجريمة قد يتصور وقوعها من المحامي أثناء استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي وذلك بنشره منشورات أو فيديوهات، أو صور تحمل ذما، أو قدحا لموكله، أو لأحد خصوم موكله، أو لأحد الشهود، أو لأحد القضاة، أو للمحاكم، وقد نصت المادة( 11 ) من قانون الجرائم الإلكترونية على : ( يعاقب كل من قام قصدا بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو أي نظام معلومات تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر وبغرامة لا تقل عن (100) مائة دينار ولا تزيد على (2000) الفي دينار)، إضافة إلى ما قررته المادة 224 من قانون العقوبات الأردني السابق ذكرها  فيما يتعلق بنشر معلومات بقصد التأثير على القضاة أو الشهود.

    خامسا: بعض الاجتهادات القضائية ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام

    1- الحكم رقم 190 لسنة 2020 – المحكمة الإدارية الصادر بتاريخ 28-10-2020 حيث جاء فيه : ( وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة تجد محكمتنا أن ما يستفاد من المادتين (54و63) من قانون نقابة المحامين الأردنيين أن على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف و الاستقامة والنزاهة و أن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه القانون وتفرضها عليه أنظمة نقابة المحامين وتقاليدها وأن لا يخل بواجبات مهنته المنصوص عليها في هذا القانون وفي الأنظمة الصادر بمقتضاه وفي لائحة آداب المهنة التي يصدرها مجلس النقابة بموافقة الهيئة العامة وأن لا يتجاوز واجباته المهنية أو أن يقصر في القيام بها أو أن يقوم بتضليل العدالة أو يقدم على عمل يمس شرف المهنة وكرامتها أو يتصرف في حياته الخاصة تصرفاً يحط من قدر المهنة وإلا كان عرضة للعقوبة وفقاً للمادة 63 من قانون نقابة المحامين.. ).

    2- الحكم رقم 6761 لسنة 2020 – بداية اربد بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 26-10-2020 حيث جاء فيه: (وببحث ما ذكره المدعى عليه فيما إذا كان من مهامه كمحامي أم خروجا على مهنته فانه وبالرجوع الى نص المادة 60/4 من قانون نقابة المحامين (يمتنع عن المحامي تحت طائلة المسؤولية 1- …..2….3….4- أن يؤدي شهادة ضد موكله بخصوص الدعوى التي وكل بها أو أن يفشي سرا اؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته المتعلقة بأسرار الموكلين لدى القضاء في مختلف الظروف ولو بعد انتهاء وكالته). أي أن هذا النص يفرض التزاما على المحامي بالمحافظة على السرية المهنية بما أؤتمن عليه مهما كانت الظروف.

    لما كان الأمر كذلك فان المدعى عليه وبصفته محاميا قد خالف آداب المهنة وقواعد السلوك للمحامين النظاميين ومسى بشرف مهنته وكرامتها عندما سمح لنفسه إفشاء سر ما كان عليه أن يفشيه على فرض ثبوته لأن في ذلك خرقا لمبدأ السرية وللائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد السلوك للمحامين بما يشكل خطأ مهنياً ومسلكيا مفترضا في جانبه ولا يعد من قبيل استعمال حقه في الدفاع عن نفسه أمام دائرة قاضي القضاة ، وبالتالي فان ذلك يوجب التعويض وفق قواعد المسؤولية التقصيرية حسب أحكام المادة 256 من القانون المدني كون الخطأ خارج نطاق عقد الوكالة ولكنه ناتج عنه فيكون سببي الاستئناف لا يردا على القرار المستأنف مما يتعين ردهما (.

    سادسا: الخاتمة

    ختاما فقد حاولنا في هذا المقال إظهار أبرز الضوابط التي يجب على المحامي الالتزام بها أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعية مع بيان خطورة خرق هذه الضوابط سواء فيما يتعلق بالإساءة الى مهنة المحاماة في ذاتها أو في العقوبات التي قد توقع على المحامي في حالة مخالفة تلك الضوابط، ومن هذا المنبر أتوجه بنداء الى جميع السادة المحامين بالمحافظة على هيبة ووقار هذه المهنة العظيمة حتى تبقى دائما في مقدمة المهن التي يفتخر بها المنتسبون إليها.

     كتابة: محمد إسماعيل حنفي  

     

    [1] سعد بوجناني، ضوابط استعمال المحامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، مجلة منازعات الأعمال، ع 53، 202، ص 163

    [2] انظر عباس علي محمد الحسيني – مسؤولية الصيدلي المدنية عن أخطائه المهنية – دراسة مقارنة – دار (18(الثقافة للنشر والتوزيع – لسنة 1999 – ص125

    [3] معوض عبد التواب – القذف والسب والبلاغ الكاذب وإفشاء الأسرار والشهادة الزور- دار المطبوعات (14 (الجامعية – الإسكندرية – 1988 -ص304.

    [4] الخاميس فاضيلي، تقاليد وأعراف مهنة المحاماة في زمن الإنترنيت، مجلة المحاكم المغربية، عدد151، مارس – أبريل 2016، ص 57، 58

    Scroll to Top