عبء الإثبات في المعاملات المدنية والإلكترونية

عبء الإثبات في المعاملات المدنية والإلكترونية

ـ ومع التطور التكنولوجي الذي شهده العالم ظهرت طريقة جديدة يتم من خلالها إنهاء المعاملات، وذلك من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والإنترنت، كما أن معظم التعاقدات التي تتم في شبكة الإنترنت غالبا ما تكون بين طرفين غير متوازنين من الناحية الاقتصادية، ووجود تفاوت كبير من الناحية التكنولوجية، وبالتالي  أصبح تحميل المدعى عبء الإثبات لا يتناسب مع هذه المعاملات، وهو ما أدى بالفقه إلى ضرورة تعديل هذه القواعد، حيث نادي اتجاه إلى تحميل عبء الإثبات على الطرف المسيطر على النظام المعلوماتي، ولكن هذا الاتجاه أصبح غير صالح نظراً لظهور التوقيع الإلكتروني، حيث يعفي الموقع من عبء الإثبات إذا كان حائزا على توقيع إلكتروني متقدم، وسوف نحاول من خلال هذا المقال التعرف على الإثبات، ثم على من يقع عبء الإثبات في المعاملات المدنية، وكذلك عبء الإثبات في المعاملات الإلكترونية، ثم ننتقل إلى مدي جواز توزيع عبء الإثبات ونقله بمقتضي الاتفاق، وفي النهاية نشير إلى بعض التطبيقات القضائية الخاصة بعبء الإثبات.، وذلك على النحو التالي:

أولا: عبء الإثبات في المعاملات المدنية

ثانيا: عبء الإثبات في المعاملات الإلكترونية:

ثالثا: توزيع ونقل عبء الإثبات:

رابعا: بعض التطبيقات القضائية عن عبء الإثبات

 

أولا: عبء الإثبات في المعاملات المدنية

 يختلف الإثبات المدني عن الإثبات الجنائي فالأول قد حدد المشرع الأردني الوسائل والأسس القانونية لإثبات الحقوق المتعلقة به، وذلك على خلاف الإثبات الجنائي والتي سمح المشرع بالتوسع في طرق الإثبات الخاصة به، وهو ما أكدت عليه المادة (147/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وتعديلاته رقم (9) لسنة 1961 والتي نصت على: ” 2ـ تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية”، كما أن المادة (148/1) من ذات القانون نصت على ” 1ـ لا يجوز للقاضي أن يعتمد إلا البينات التي قدمت أثناء المحاكمة وتناقش فيها الخصوم بصورة علنية”، وهو ما يؤكد أن المشرع الأردني قد أفسح المجال للقاضي الجنائي في قبول بعض الأدلة أو رفضها حسب قناعته الشخصية.

ـ وهذا على خلاف المنازعات المدنية والتي نظم المشرع الأردني قواعد الإثبات الخاصة بها تنظيماً دقيقاً، وذلك بموجب نصوص القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 والذى قام بتنظيم إثبات الحق وأدلته في الفرع الثالث منه، حيث نصت المادة (72) على ” أدلة إثبات الحق هي البينات التالية: 1ـ لكتابة.

2ـ الشهادة.            3ـ القرائن.   4ـ المعاينة والخبرة.        5ـ الإقرار.   6ـ اليمين”.

ـ كما نصت المادة (73) من ذات القانون على أن : ” الأصل براءة الذمة وعلى الدائن أن يثبت حقه وللمدين نفيه”.

ـ كمت نصت المادة (77) من ذات القانون على أن ” البينة على من ادعى واليمين على من أنكر”.

ـ كما أن المشرع الأردني نظم كذلك وسائل وقواعد الإثبات من خلال الباب الأول من قانون البينات رقم (30) لسنة 1952.

ـ وإذا كانت القاعدة العامة والسائدة في المعاملات المدنية أن يتقاسم طرفي الخصومة عبء الإثبات فيما بينهما، فالمدعي عليه عبء إثبات ما يدعيه، والمدعى عليه مكلف بعبء إنكار ما يدعيه المدعى، على أن يتلزم القاضي المدني الحيادية في ذلك، ولا يتدخل في إثبات الحقيقة، ومن ثم فإن دور القاضي يقتصر هنا على الموائمة بين الأدلة المقدمة من الخصوم في الدعوى.

ـ ويعتبر عبء الإثبات بمثابه التكليف الملقي على عاتق أحد الخصوم في الدعوى من أجل إقامة الدليل على صحة ما يدعيه، ويسمي هذا التكليف عبء لأنه يعد حمل ثقيل يوضع على كاهل المدعى، خصوصاً إذا كان هذا الأخير لا يمتلك من وسائل الإثبات ما تجعله يقنع القاضي بما يدعيه، فعبء الإثبات يقع على عاتق المدعى، والمدعى هنا ليس من يقوم برفع الدعوى بل من يدعى أمراً على خلاف الوضع القائم، فقد يكون المدعى في الإثبات هو المدعى وقد يكون المدعى عليه في الدعوى.[1]

ـ والأصل أن هناك قواعد ثابتة في الإثبات وهي ( البينة على من ادعى،  البينة على من يدعي خلاف الأصل، البينة على من يدعي خلاف ما هو ثابت بالقرينة القانونية، البينة على من يدعي خلاف ما هو ثابت فعلاً).

ـ والأصل أن عبء الإثبات يقع على من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً لأنه يدعى خلاف الأصل الظاهر، ومن ثم يتوجب عليه إثبات ما يدعيه، حيث أن الأصل هو براءة الذمة، ومن ثم فإن من يدعى مسألة أو دين على الغير أن يقوم بإثبات ذلك، كونه يدعى خلاف ما هو ثابت من براءة الذمة لدى المدعى عليه، وعلى المدعى عليه عبء نفي ما يدعيه المدعى.

ـ كما أن الأصل في الحقوق العينية هو الواقع والثابت، فالحيازة في المنقول سند الحائز، وعلى من ينازع في ذلك عبء الإثبات، فإذا عجز المدعى عن إثبات سبب ملكيته فلا حاجة للتزيد في بحث ملكية المدعى عليه.[2]

ـ وقد ينتقل عبء الإثبات للمدعى عليه فقيام المدعى برفع دعوى على الجار لسد المطل الخاص به، فعلى المدعى عليه إثبات أن له حق ارتفاق يبيح له فتح هذا المطل.

ـ كما أنه وإن كان الأصل المتنازع عليه متفق مع المبادئ العامة فإن عبء الإثبات يقع على من يدعى خلاف ذلك، فمن يتمسك بقاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين لا يكلف بعبء إثبات ذلك كونها من القواعد العامة المتفق عليها، وعلى من يدعى خلاف هذا الأصل أن يثبت ذلك.

ـ غير أنه وفي حالة وجود قرينة قانونية ثابتة بحكم القانون، فإن من يتمسك بهذه القرينة يكون على الغير عبء إثبات العكس، وقد أكدت المادة (40) من قانون البينات الأردني على أنه ” القرينة التي ينص عليها القانون تغني من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الإثبات على أنه يجوز نقض هذه القرينة بالدليل العكسي ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك”.

ـ وقد تكون القرينة القانونية بسيطة وهي التي يجوز إثبات عكسها، فالضرر الذي يحدثه انهيار العقار كله أو بعضه للغير يضمنه مالك البناء، دون حاجة المضرور لإثبات الخطأ الواقع من حارس العقار أو البناء، وكل ما عليه إثباته هو حدوث ضرر له نتيجة  تهدم العقار، ويجوز للمدعى عليه نفي ذلك متي أثبت أن لم يقم بالتعدي أو التقصير، وهو ما أقرته المادة (290/1) من القانون المدني الأردني من خلال النص على أن ” 1- الضرر الذي يحدثه للغير انهيار البناء كله أو بعضه يضمنه مالك البناء أو المتولي عليه إلا إذا ثبت عدم تعديه أو تقصيره”، وقد تكون القرينة القانونية قرينة قاطعة وهي التي لا تقبل إثبات عكسها، كحجية الأحكام القضائية، وهو ما أكدت عليه المادة (41) من قانون البينات الأردني بالنص على ” 1- الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلاً وسبباً. 2- ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها”.

ـ ومن هنا يمكننا القول أن عبء الإثبات في المعاملات المدنية يقع على عاتق من يدعى خلاف ما هو ثابت أو ظاهر سواء كان من يدعى ذلك هو المدعى أم المدعى عليه، ويكون من حق كل خصم في الدعوى إثبات عكس ما يدعيه الخصم الآخر، فإثبات الحق أو نفيه ليس حكراً على أحد الخصوم دون الآخر، فقيام المدعى بإثبات ما يدعيه لا يمنع المدعى عليه من القيام بإثبات عكس ذلك، ومن ثم فإن عبء الإثبات في المعاملات المدنية يقع على عاتق جميع الخصوم في الدعوى، وذلك دون تدخل من قاضي الموضوع، والذي يكون دورة هو الموائمة بين ما يقدمه كل خصم في الدعوى من أدلة سواء كانت أدلة إثبات أم أدلة نفي.

ثانيا: عبء الإثبات في المعاملات الإلكترونية:

نظم المشرع الأردني المعاملات الإلكترونية بموجب قانون المعاملات الإلكترونية رقم (15) لسنة 2015، هذا وقت نصت المادة الثانية منه على أن ” يكون للكلمات والعبارات التالية حيثما وردت في هذا القانون المعاني المخصصة لها أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك: المعاملات: أي إجراء يقع بين طرف أو أكثر لإنشاء التزام على طرف واحد أو  التزام تبادلي بين طرفين أو أكثر سواء كان يتعلق هذا الإجراء بعمل  تجاري أو مدني أو يكون مع دائرة حكومية.

المعاملات الإلكترونيــــة: المعاملات التي تنفذ بوسائل إلكترونية”.

ـ كما حددت المادة الثالثة من ذات القانون المعاملات التي تخضع لهذا القانون، وهي تلك التي تتم دون اتصال مادي بين الأطراف، وإنما تلك التي تتم عبر الوسائل الإلكترونية، وكذلك تم استبعاد بعض المعاملات التي وردت في قوانين آخري، حيث نصت على ” أ ـ تسري أحكام هذا القانون على المعاملات التي تتم بوسائل إلكترونية.

ب ـ لا تسري أحكام هذا القانون على ما يلي ما لم ينص أي قانون آخر على خالف ذلك:

1ـ إنشاء الوصية وتعديلهـــا.

2ـ إنشاء الوقف وتعديل شروطه.

3ـ معاملات التصرف في الأموال غير المنقولة والأموال المنقولة التي تتطلب التشريعات تسجيلها بما في ذلك الوكالات المتعلقة بها وسندات ملكيتها وإنشاء الحقوق العينية عليها باستثناء عقود الإيجار الخاصة بهذه الأموال.

4ـ الوكالات والمعاملات المتعلقة بالأحوال الشخصية.

5ـ الإشعارات المتعلقة بإلغاء أو فسخ عقود خدمات المياه والكهرباء والتأمين الصحي والتأمين على الحياة.

6ـ لوائح الدعاوى والمرافعات وإشعارات التبليغ القضائية وقرارات المحاكم.

7ـ الأوراق الماليــة باستثناء ما تنص عليه تعليمات خاصة تصدر عـن الجهات المختصة استنادا لقانون الأوراق المالية أو أي تشريع آخر”.

ـ وبناء على ذلك يتضح أن قانون المعاملات الإلكترونية الأردني قد منع التعامل إلكترونياً فيما عددته الفقرة (ب) من المادة السابقة، وأن أي تعامل إلكتروني في أي من تلك المعاملات التي حددها القانون على سبيل الحصر يعد خرقاً للقانون ومخالفاً له، ومن ثم يكون هذا السند غير ذا قيمة وليس له حجيته في الإثبات، والمحرر الإلكتروني هو كل تبادل للبيانات والمعلومات بين الأطراف بوسائل إلكترونية، سواء كانت أقراص صلبه أو إنترنت أو بأي وسيلة أخرى، يكون الهدف منها توصيل المعلومة بين الأطراف، من اجل إثبات حق أو قيام بعمل، ومن خلالها تتم المعاملات بين الأطراف عن بعد.[3]

ـ وقد عرفته المادة الثانية من ذات القانون بأن ” السنــــد الإلكترونــي: السند الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونيا”.

ـ هذا وقد أدي انتشار التطور العلمي والتكنولوجي في كافة المجالات إلى كثره استغلال وسائل تقنية المعلومات في إبرام العقود والمعاملات المختلفة وتبادل البيانات فيما بين الأطراف، وذلك من خلال ربط الحواسب بشبكة الإنترنت، ومن ثم إجراء كافة التعاقدات والمعاملات بين أطراف غائبين مكانياً، ومن ثم فإن تطبيق القواعد العامة في الإثبات تعتبر غير كافية، حيث أن تطبيقها سوف يؤدي إلى  أن يقوم الطرف الضعيف بإقامة الدليل على الطرف القوي وهو ما قد يكون صعباً أو مستحيلاً في الكثير من الحالات، وذلك لعدم توافر الوسائل التقنية اللازمة لدي الطرف الضعيف، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن عبء الإثبات في المعاملات الإلكترونية يجب أن يقع على عاتق الطرف القوي أو المسيطر على النظام الإلكتروني، سواء كان هذا الطرف مدعى أو مدعى عليه في الدعوى.

ـ ولقد تم حل مشكلة عبء الإثبات عند سن القوانين المنظمة للتوقيع والتصديق الإلكتروني، حيث اعتبرت التشريعات أن التوقيع الإلكتروني يعد بمثابة شهادة إلكترونية يفترض فيها الموثوقية، وعلى من يدعى خلافها أن يقيم الدليل على عكس ذلك، ومن ثم يتحمل عبء الإثبات.

ـ هذا وقد نصت المادة(15) من قانون المعاملات الإلكترونية رقم (15) لسنة 2015 على: ” يعتبر التوقيع الإلكتروني محمياً إذا توافرت فيه الشروط التالية مجتمعة:ـ أ ـ إذا انفرد به صاحب التوقيع ليميزه عن غيره .    ب ـ إذا كان يحدد هوية صاحب التوقيع .   ج ـ  إذا كان المفتاح الخاص خاضعا لسيطرة صاحب التوقيع وقت إجراء التوقيع.

د. إذا ارتبط بالسجل الإلكتروني بصورة لا تسمح بإجراء تعديل على ذلك السجل الإلكتروني بعد توقيعه دون إحداث تغيير على ذلك التوقيع “.

ـ كما نصت المادة (16) من ذات القانون على: ” يعتبر التوقيع الإلكتروني موثقاً إذا تحققت فيه جميع الشروط المذكورة في المادة (15) من هذا القانون وكان مرتبطاً بشهادة توثيق إلكتروني صادرة وفقاً لأحكام هذا القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، وقت إنشاء التوقيع الإلكتروني عن أي من الجهات التالية :أ ـ جهة توثيق إلكتروني مرخصة في المملكة.  ب ـ جهة توثيق إلكتروني معتمدة .

ج ـ أي جهة حكومية سواء كانت وزارة أو مؤسسة رسمية عامة أو مؤسسة عامة أو بلدية يوافق لها مجلس الوزراء على ذلك شريطة استيفاء متطلبات هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.

د. وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .

هـ. البنك المركزي الأردني فيما يتعلق بالأعمال المصرفية أو المالية الإلكترونية”.

ـ ومن خلال استقراء النصوص القانونية السابقة فإنه يجب أن نفرق بين أمرين الأول حالة كون التوقيع الإلكتروني صادر من مقدم الخدمة، والثاني كون التوقيع الإلكتروني صادر من طرف ثالث وهو الموثق، فالأخير هو توقيع إلكتروني ذو حجية كاملة، وبالتالي يقع على من يتضرر منه عبء إثبات أن هذا التوقيع قد اعتمد على شهادة إلكترونية لم تستوفي الشروط القانونية والتقنية، أما التوقيع الإلكتروني الصادر من مؤدي الخدمة، فإن عبء الإثبات يكون على عاتق مؤدي خدمات التصديق الإلكتروني، وهو ما أكدت عليه المادة (17) من قانون المعاملات الإلكترونية بالنص على أن: ” أ ـ يكون للسجل الإلكتروني المرتبط بتوقيع إلكتروني محمي الحجية ذاتها المقررة للسند العادي ويجوز لأطراف المعاملة الإلكترونية الاحتجاج به.

ب ـ يكون للسجل الإلكتروني المرتبط بتوقيع إلكتروني موثق الحجية ذاتها المقررة للسند العادي ويجوز لأطراف المعاملة الإلكترونية والغير الاحتجاج به.

ج ـ في غير الحالات المنصوص عليها في الفقرتين (أ) و (ب) من هذه المادة يكون للسجل الإلكتروني الذي يحمل توقيعا إلكترونياً الحجية ذاتها المقررة للسند العادي في مواجهة أطراف المعاملة الإلكترونية، وفي حال الإنكار يقع عبء الإثبات على من يحتج بالسجل الإلكتروني.

د. يكون للسجل الإلكتروني غير المرتبط بتوقيع إلكتروني حجية الأوراق غير الموقعة في الإثبات.

هـ. يجوز إصدار أي سند رسمي أو تصديقه بالوسائل الإلكترونية شريطة ارتباط السجل الإلكتروني الخاص به بتوقيع إلكتروني موثق “.

ـ ولقد أضفي المشرع الأردني حماية قانونية على جميع المعاملات الإلكترونية أيا ما كان نوعها، حيث منحها الحجية القانونية الممنوحة للمحررات التقليدية في الإثبات طالما كانت منسوبة لصاحبها ومصدق عليها، وهو ما أكدت عليه المادة (13/3/ج) من قانون البينات الأردني بالنص على: ” وتكون بمخرجات الحاسوب المصدقة أو الموقعة قوة الإسناد العادية من حيث الإثبات ما لم يثبت من نسبت إليه أنه لم يستخرجها أو لم يكلف أحداً باستخراجها “.

ـ هذا وقد وضع المشرع الأردني بعض القيود التي تتقيد بها الجهات العامة لإصدار المحررات الإلكترونية ذات الحجية، وهو ما أكدت عليه المادة الرابعة من قانون المعاملات الإلكترونية بالنص على أن: ” أ- يجوز لأي وزارة أو مؤسسة رسمية عامة أو مؤسسة عامة أو بلدية إجراء معاملاتها باستخدام الوسائل الإلكترونية شريطة توافر متطلبات التعامل الإلكتروني الواردة في هذا القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبه.

ب ـ تقوم كل وزارة أو مؤسسة رسمية عامة أو مؤسسة عامة أو بلدية عند إجراء أي من معاملاتها بالوسائل الإلكترونية بتحديد الأحكام والإجراءات المتعلقة بالأمور المبينة أدناه بموجب تعليمات تصدرها لهذه الغاية:

1ـ إنشاء السجلات الإلكترونية أو إيداعها أو حفظها أو إصدارها.

2ـ استخدام التوقيع الإلكتروني و أي شروط أخرى متعلقة به.

3ـ أمن السجلات الإلكترونية وحمايتها وسريتها وسلامتها.

4ـ تاريخ مباشرة إجراء معاملاتها بالوسائل الإلكترونية “.

ثالثا: توزيع ونقل عبء الإثبات:

الأصل أن عبء الإثبات يقع على عاتق من يدعى خلاف الأصل الثابت سواء كان هذا الطرف مدعى أو مدعى عليه، ومن هنا يمكن القول أن عبء الإثبات موزع على أطراف الخصومة ولا يثبت في حق طرف دون الآخر، وقد يكون توزيع عبء الإثبات بموجب نص قانوني، وذلك كمثال ما نصت عليه المادة (239) من القانون المدني من أن: ” إذا ادعى الدائن إعسار المدين فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالاً يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها”.

ـ وإذا كان المتفق عليه أن قواعد الإثبات ليست من النظام العام ومن ثم يجوز الاتفاق على مخالفتها، ومن ثم يجوز للأطراف الاتفاق على أن يتم نقل عبء الإثبات على كاهل طرف دون آخر سواء كان هذا الاتفاق أثناء النزاع أو قبله، سواء تم هذا الاتفاق بشكل صريح أو ضمني، ومن هنا يمكن القول أن الخصم الغير مكلف في الأساس بعبء الإثبات أن يتحمل هذا العبء تطوعاً بالاتفاق مع الطرف الآخر، ولكن إذا تم ذلك وأجابته المحكمة فلا يجوز له أن يدفع بأنه غير مكلف بعبء الإثبات في الأساس، إذ أن ذلك يعد اتفاق بنقل عبء الإثبات على عاتقة.

رابعا: بعض التطبيقات القضائية عن عبء الإثبات

1ـ الحكم رقم (1323) لسنة 2017 من محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية، والذي جاء به :” إن هذا الطلب ليس فيه ما يخالف القانون باعتبار أنه يجوز للخصم أن يتحمل عبء إثبات ما يلتزم خصمه بإثباته حيث إن قواعد الإثبات لا تتعلق بالنظام العام ويجوز النزول عنها صراحة أو ضمناً “.

2ـ الحكم رقم (2607) لسنة 2019 من محكمة التمييز الأردنية ـ  بصفتها الحقوقية والذي جاء به ” … ورداً على أسباب التمييز والتي تدور حول تخطئة محكمة الاستئناف بعدم معالجة أسباب الاستئناف بصورة واضحة ومقبولة بما يتفق والمادة (188/4) أصول مدنية وإغفالها نص المادة (11) بينات والمادة (17) من قانون المعاملات الإلكترونية وإن المدعى عليها لم تنكر صراحة صدور البريد الإلكتروني عنها مما يعد إقراراً يقطع مرور الزمن “.

3ـ الحكم رقم (616) لسنة 2022  من محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية والذي جاء بها ” وحيث وجدت محكمة الاستئناف أن دفاع المدعى عليه وفقاً لما جاء باللائحة الجوابية تمثل بعدم قيام المدعى عليه بإبرام أي عقد أو اتفاقية مع المدعية وأن الاتفاقية لا تحمل توقيعه ولما كان ذلك وقد توصلت محكمة الموضوع من اتفاقية التعاقد وهي أساس دعوى المدعية والتي تحمل ختم مؤسسة المدعى عليه غير المنكر بأنه يعود له فهو حجة عليه عملاً بالمادة (11) من قانون البينات وإن خلت من توقيع المدعى عليه وحيث إن الاتفاق المذكور تم إرساله على البريد الإلكتروني فتكون له قوة الأسناد العادية عملاً بالمادة (13/3/ج) من قانون البينات فتكون النتيجة التي توصلت إليها محكمة الاستئناف تستند إلى بينات قانونية لها أصلها الثابت في ملف الدعوى وتصلح لبناء حكم عليها”.

4ـ الحكم رقم (3780) لسنة 2020 من محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية والذي جاء به ” ……….. فلا يستقيم ذلك وقواعد الإثبات التي ألقت على عاتقهم عبء إثبات مدعياتهم أصلاً على اعتبار أن عبء الإثبات يقع على من يدعي خلاف الثابت حكماً أو فعلاً لأنه يدعي خلاف الأصل أو الظاهر وبما أن البينة على من ادعى وفقاً للمادة (77) من القانون المدني مما يغدو معه والحالة هذه ولعدم ثبوت مدعياتهم استناداً لهذا القرار وما ابتغوه منه أن نعيهم مردود من هذا الجانب”.

5ـ الحكم رقم (328) لسنة 2021 من محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية والذي جاء به ” وعن السببين الثالث عشر والرابع عشر ومفادهما تخطئة المحكمة عندما استندت إلى المراسلات الإلكترونية (الإيميل) واعتبرتها بينة قانونية مخالفة لأحكام المادة( 13 ) من قانون البينات وقانون المعاملات الإلكترونية والتي اشترطت لاعتبار مخرجات الحاسوب بينة قانونية لها قوة الإسناد العادية أن تكون تلك المخرجات مصدقة. وفي ذلك نجد أن ما جاء بهذين السببين يخالف أحكام المادة( 13/3/ب ) من قانون البينات التي جعلت لرسائل البريد الإلكتروني قوة الإسناد العادية في الإثبات دون اقترانها بالشهادة طالما تحققت فيها الشروط التي يقتضيها قانون المعاملات الإلكترونية في المادتين (6، 7) منه والتي اعترفت بالحجية القانونية لمستخرجات الحاسوب ولمراسلات البريد الإلكتروني (الإيميل) مما يتعين رد هذين السببين “.

كتابة : د / محمد سعيد

 

[1] أنيس منصور المنصور، شرح أحكام قانون البينات الأردني وفقا لآخر التعديلات، إثراء للنشر والتوزيع، الأردن، 2011، صــ 62.

[2] سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، مكتبة الوفاء القانونية، الطبعة الأولي، القاهرة، 2009، صـ 77.

[3] محمد فواز المطالقة، الوجيز في عقود التجارة الإلكترونية ـ دراسة مقارنة، الطبعة الأولي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2006، صـ 20.

Scroll to Top