حظر استغلال المعلومات الداخلية في قانون الأوراق المالية الأردني

حظر استغلال المعلومات الداخلية في قانون الأوراق المالية الأردني

تشكل تعاملات الأوراق المالية في سوق الأوراق المالية ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الوطنية، لذلك حرصت التشريعات المقارنة على حماية هذه التعاملات من عدة جوانب، وتعد أهم هذه الجوانب حظر التعامل في الأوراق المالية بناء على معلومات داخلية غير معلنة، لما يشكله ذلك من ضرر بالغ بسوق رأس المال وإخلال بمبدأ المساواة بين المستثمرين، وما يؤدي إليه من انعدام ثقة المستثمرين بالسوق وما يترتب عليه من الإضرار بالاقتصاد الوطني ككل، ومن خلال هذا المقال سنتناول بيان الإطار القانوني لحظر لهذا التعامل لتلك المعاملات في هدي قانون الأوراق المالية الأردني وفقاً للعناصر التالية:

 

(أولاً): تعريف المعلومة الداخلية والشروط الواجب توافرها

(ثانياً): التعريف بالمطلع على المعلومة الداخلية وتمييزه عن المطلع الخارجي

(ثالثاً): مسؤولية المطلع الداخلي والمطلع الخارجي والتمييز بينهما

(رابعاً): موقف التشريع الأردني من حظر إفشاء المعلومات الداخلية والجزاء المترتب على مخالفة الحظر

(خامسا): الخاتمة

 

(أولاً): تعريف المعلومة الداخلية والشروط الواجب توافرها

عرف المشرع الأردني المعلومة الداخلية في المادة (2) من قانون الأوراق المالية بأنها: (المعلومات غير المعلن عنها المتعلقة بمصدر أو أكثر أو بورقة مالية أو أكثر والتي قد تؤثر على سعر أي ورقة مالية في حال الإعلان عنها ولا يشمل ذلك الاستنتاجات المبنية على الدراسات والبحوث والتحاليل والاقتصادية المالية).

  • ومن المسلم به أن المعلومات المعنية، هي تلك المعلومات التي يعتبرها المستثمر العادي هامة ومؤثرة على القيام بالاستثمار أو اتخاذ قرار بالتصويت فيما يتعلق بورقة مالية، أو تلك التي من المحتمل أن يكون لها أثر هام على سعر الورقة المالية.
  • كذلك نجد أن المعلومة الداخلية أيضا يجب أن تكون غير معلنة للجمهور، حيث أن من الطبيعي أن يكون وصف المعلومة بالداخلية يوازي وصفها بغير المعلنة والتي تتعلق بالأوراق المالية فقط.

وقد عرف المشرع الأردني الأوراق المالية بموجب نص المادة (3) منه بمقالة: (يقصد بالأوراق المالية أي حقوق ملكية أو أي دلالات أو بينات متعارف عليها على أنها أوراق مالية، سواء كانت محلية أو أجنبية، يوافق المجلس على اعتبارها كذلك).

وفي رحاب النصوص القانونية سالفة الذكر، يتضح أنه لا بد من توافر عدة شروط في المعلومة كي تعتبر معلومة داخلية محظور استغلالها، ترتيباً بالتفصيل التالي:

(1). أن تكون المعلومة غير معلنة أو تكون سرية

يقصد بالمعلومات غير المعلنة هي المعلومات التي لا يعلم عنها الجمهور شيئاً، والتي تكون محل حماية القانون طالما بقيت سراً لا يجوز الكشف عنها للكافة، فهي تحت يد عدد محدود من الأشخاص بحكم مهامهم واختصاصاتهم الوظيفية، وتعتبر المعلومات سرية حتى ولو كشف عنها لعدد محدود فقط من الأشخاص متى عرف فيما بينهم أنها سرية. [[1]]

  • وبالتالي تسقط عن المعلومات الداخلية صفة السرية فور الإعلان عنها من خلال الوسائل المشروعة التي رسمها القانون مثل النشر بالصحف الرسمية، أو بإحدى وسائل الاتصال المرئية أو المسموعة، أو أي وسيلة أخرى نص عليها أو أجازها القانون، وعلانية المعلومة ليس المقصود بها أن يعلم بها الجميع بالفعل، بل يكفي أن يعلم بها الأشخاص الذين من المحتمل أن يتعاملوا بالأوراق المالية التي قد تتأثر بتلك المعلومات.

(2). أن تكون المعلومة محددة وصحيحة

حيث يشترط أن تكون المعلومة الداخلية دقيقة ويقينية وذات طابع متميز عن غيرها من المعلومات حتى يسري بشأنها الحظر القانوني، فلا يمكن القول إجمالاً بان أي معلومة تشملها الحماية، وتكون المعلومة على سبيل المثال محددة، حينما تتعلق بأمور أو وقائع معينة كاستحواذ وسيطرة شركة على شركة أخرى، أو حصول شركة ما على عقد يضاعف من أرباحها، أو طرح منتج جديد يتوقع له الرواج وعلى ذلك، وبالتالي لا تعد المعلومة محددة مثل القول بأن شركة ما مزدهرة أو تعاني ضعف أو وهن اقتصادي حتى ولو كانت تلك الآراء قائمة على تحليل ودراسة علمية فإنها لا ترقى بأي حال إلى وصفها معلومة جوهرية، [[2]] ومن المسلم به من خلال العديد من التطبيقات القضائية أن المقصود بالمعلومات المحددة لا يقف عند وصف المعلومة دقيقة بالمضمون فقط، بل يجب فضلاً عن ذلك بأن تكون واضحة على نحو يمكن إدراكه، كما يجب أيضاً أن تكون المعلومات الداخلية نطاق سريان الحظر صحيحة ومؤكدة، فلا يعد متداولا بناء على معلومات داخلية أو استغلالها من تعامل بناء على معلومات غير صحيحة، ومع ذلك فالمعلومات الداخلية يفترض صحتها وما عدا ذلك فإنه من الإشاعات والآراء والاستنتاجات، مما مفاده أن التوقعات الصحفية باحتمالية ارتفاع أسعار الأوراق المالية لا تعتبر من قبيل المعلومات التي يمكن استغلالها لأنها من قبيل الآراء والاستنتاجات، فضلا عن كونها غير يقينية الثبوت بل تستند الى تخمين وافتراضات، إلا أنه هناك جانب من الفقه يرى في هذا الصدد أن الأخبار الصحفية إذا كانت مستقاة من مصادر موثوقة كهيئات الأوراق المالية أو إدارات البورصة أو إدارات الجهات المصدرة فإنها تعد معلومات صحيحة، ومن ثم تعد من قبيل المعلومات الداخلية التي يشملها الحظر المذكور. [[3]]

(3). أن يكون من شأن المعلومة الداخلية التأثير جوهرياً على سعر الورقة المالية

ويقصد بالتأثير الحاصل من المعلومة الداخلية في أسعار الورقة المالية هو أن تكون من شأن المعلومة محل الحماية رفع أو خفض أسعار الورقة المالية، إذا ما تم الإعلان عنها، وهذا الشرط يعتبر نتيجة طبيعية منطقية في مجال المعلومات الداخلية من الاستغلال، كما أن المعلومات الجوهرية عن الأسهم هي تلك المعلومات التي تكسب من يمتلكها ميزة أكبر من غيره تمكنه من الاقتراب من التقدير السليم للقيمة السوقية المتوقعة للأسهم في المستقبل القريب أو البعيد. [[4]]

  •  ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن العبرة في تحديد مدى تأثير المعلومات الداخلية على أسعار الأوراق المالية هو وقت الاستخدام لتلك المعلومة في ضوء الظروف السائدة في ذلك الوقت، وفي سياق أخر فإن الأصل هو بدرجة تأثير المعلومات في وقت إصدار أمر الشراء أو البيع إلى الوسيط وليس وقت التنفيذ، وعليه فإن السلطة القضائية هي من تحدد نسبة التأثير الجوهري على سعر الأوراق المالية من عدمه. [[5]]

(ثانياً): التعريف بالمطلع على المعلومة الداخلية وتمييزه عن المطلع الخارجي

عرف المشرع الأردني الشخص المطلع بموجب نص المادة (2) قانون الأوراق المالية المشار إليه سلفاً بأنه:  (الشخص الذي يطلع على المعلومات الداخلية بحكم منصبه أو وظيفته).

  • وفي هدي هذا النص نوضح المقصود بالمطلع الداخلي وتمييزه عن المطلع الخارجي وذلك بالتفصيل الاتي:

أ- المطلع الداخلي:

إن من أهم وأخطر ممارسي استغلال المعلومات الداخلية، هو ذاك الشخص الموجود داخل مصدر المعلومات، لأنه مطلع ليس فقط على المعلومات الجوهرية غير المعلنة للجمهور، بل أيضا على ظروف قيام هذه المعلومات منذ بداية نشأتها ومصادرها، وهذا يرتب بطريق اللزوم في حال استغلالها من قبل هذا الشخص إلى قرار استثماري ناجح على الأغلب.

وفئة الموظفين التي يفترض وصولهم إلى معلومات الشركات المصدرة للأوراق المالية نتيجة علاقة معينة تربطها بمصدر المعلومات تسمى ” الأطراف ذوي العلاقة ” ويقوم هؤلاء الأشخاص خاصة المحترفين منهم على ذلك بحيازة المعلومات الداخلية في سياق واجبهم الوظيفي العادي، وقد يتعاملون على أساسها مع الغير مستفيدين من سرية العلاقة التي تربطهم بمصدري المعلومات مستغلين في ذلك مركزهم، فيقومون باستغلال وظيفتهم أو مركزهم في سبيل تحقيق مصلحة شخصية، وقد نصت المادة (24) من القانون المشار إليه على أن: (تعتبر المعلومات التي يطلع عليها المفوضون وموظفو الهيئة سرية وذلك تحت طائلة المسؤولية القانونية إلا إنه يجوز للمجلس ولأسباب مبررة الكشف عن المعلومات التي يراها لازمة لحماية المستثمرين).

ثم جاءت المادة (57) من ذات القانون لتنص على أنه: (على المرخص له أو المعتمد وعلى الأشخاص الذين يعملون لدى أي منهما أثناء ممارستهم لأنشطتهم، التقيد بقواعد السلوك المهني وفقا للتعليمات التي يصدرها المجلس بما في ذلك التصرف بأمانة وإخلاص لصالح عملائهم وبشكل يؤدي الى تعظيم مصالحهم وتحقيق أهدافهم الاستثمارية دون تمييز بينهم أو تحميلهم عمولات وبدل خدمات مبالغا فيها أو ضمان أرباح معينة لهم أو وعدهم بها أو ممارسة أي من أساليب الغش والخداع معهم)، هذا وقد عرفهم البعض (أي المطلعين) بأنهم الأشخاص الذين يملكون صلاحية الإدارة أو الإشراف على المصدر، أو يشاركون في رأس مال المصدر، أو يملكون حق الوصول الى المعلومات الداخلية بسبب ممارسة سلطة العمل أو المهنة أو الوظيفة وقد يستغلون المعلومات الداخلية لتحقيق الأرباح أو لتفادي الخسائر، كما عرفت لجنة عمليات البورصة الفرنسية (COB) المطلعين الرئيسيين بالأشخاص الذين لديهم معلومات متميزة بسبب صفتهم كأعضاء في مجلس إدارة أو توجيه أو متابعة مصدر الورقة المالية أو بسبب الوظيفة التي يمارسونها لدى هذا الأخير، وبعد ذلك ذكرت هيئة الأسواق المالية الفرنسية (AMF) هذا النوع من المطلعين الذين يحصلون على المعلومات الداخلية بسبب عضويتهم في التنظيم الإداري أو الهيئات الإشرافية لدى مصدر الأوراق المالية [[6]]

  • ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وكذا طاقم إدارة الشركة يطلق عليه مصطلح المطلع النموذجي، لأن لهذا المجلس صلاحيات واسعة، ومهام متعددة للقيام بجميع الأعمال التي يقتضيها تسيير أعمال الشركة وفقا لأهدافها وغاياتها، وهذه الصلاحيات موضحة بنصوص القانون أو بنظام الشركة الأساسي أو بالتقيد بتوجيهات الهيئة العامة لسوق المال.

ب- المطلع الخارجي:

إن افتراض علم المطلع الداخلي على ما يكون بين يديه من معلومات داخلية وجوهرية مؤثرة لا يأتي فقط ممن هو من داخل المصدر أو غيره من مصدري المعلومات الداخلية، فقد يوجد شخص خارجي عن مصدر الأوراق المالية ومع ذلك لديه اطلاع على المعلومات الداخلية وهو المطلع الخارجي ويوصف بالخارجي لأنه غير مستخدم في الشركة، ولم يحدد قانون هيئة الأوراق المالية الأردني موقع الوظيفة أو المركز التي يعلم من خلالها المطلع الرئيسي بالمعلومات الداخلية، حيث يمكن أن تكون في شركة مصدرة للأوراق المالية فيكون مطلع رئيسي داخلي أو في أحد الجهات الخارجية عن مصدر المعلومات الداخلية مثل السوق أو الهيئات أو اللجان الإدارية والتنظيمية المطلعة أو الشركات الممارسة لنشاطها في السوق، والتي يمكنها الاطلاع على المعلومات الداخلية فيصبح حينئذ المطلع مطلع رئيسي خارجي، وقد عرفت هيئة الأسواق المالية الفرنسية (AMF) المطلع الرئيسي الخارجي في لائحتها المتعلقة بالتلاعب بالسوق بأنه الشخص الذي يمتلك الوصول الى هذه المعلومات من خلال ممارسة وظيفته أو مهنته أو واجباته ويجعل هذا التعريف الشخص المطلع الرئيسي الخارجي من ضمن المطلعين الرئيسيين. [[7]]

(ثالثاً): مسؤولية المطلع الداخلي والمطلع الخارجي والتمييز بينهما

أ-  مسؤولية المطلع الداخلي:

تقوم مسؤولية المطلع الداخلي تجاه الشركة عن استغلال المعلومة الداخلية غير المعلنة  لتحقيق فوائد له شخصيا أو للغير وفقاً لقواعد المسؤولية العقدية، حيث يقع عليه التزام بوجوب الامتناع عن تعريض مصالح الشركة للمخاطر، فواجب الصدق والأمانة يحتم على المتعامل الأساسي أن لا يستغل المعلومة غير المعلنة والتي تعود ملكيتها  للشركة، وبوجه عام فإن واجب الصدق والأمانة الذي يقع على المطلع الخارجي مع الشركة يتطلب منه عدم استغلال المعلومة غير المعلنة في التعامل مع الشركة أو حتى المساهمين، وهو ما يترتب عليه الالتزام بعدم استغلال المعلومة غير المعلنة أو إساءة استخدامها لتحقيق فوائد شخصية.

  • وتأكيدا لذلك جاء بالمادة (166) من قانون الشركات الأردني رقم (22) لسنة 1997 بانه: ( يحظر على رئيس وأعضاء مجلس إدارة الشركة المساهمة العامة والمدير العام للشركة وأي موظف فيها أن يتعامل بأسهم الشركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بناء على معلومات اطلع عليها بحكم منصبه أو عمله في الشركة، كما لا يجوز أن ينقل هذه المعلومات لأي شخص آخر بقصد إحداث تأثير في أسعار أسهم هذه الشركة أو أي شركة تابعة أو قابضة أو حليفة للشركة التي هو عضو أو موظف فيها أو إذا كان من شأن النقل إحداث ذلك التأثير، ويقع باطلاً كل تعامل أو معاملة تنطبق عليها أحكام هذه المادة ويعتبر الشخص الذي قام بذلك مسؤولاً عن الضرر الذي أحدثه بالشركة أو بمساهميها أو بالغير إذا أثير بشأنها قضية)، كما نصت المادة (158) من ذات القانون على مسؤولية رئيس وأعضاء مجلس الإدارة، والمدير العام، وموظفيها عن إفشاء أسرارها بقولها: (يحظر على رئيس وأعضاء مجلس إدارة الشركة المساهمة العامة ومديرها العام أو أي موظف يعمل فيها أن يفشي إلى أي مساهم في الشركة أو إلى غيره أي معلومات أو بيانات تتعلق بالشركة وتعتبر ذات طبيعة سرية بالنسبة لها وكان قد حصل عليها بحكم منصبه في الشركة أو قيامه بأي عمل لها أو فيها وذلك تحت طائلة العزل والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالشركة، ويستثنى من ذلك المعلومات التي تجيز القوانين والأنظمة المعمول بها نشرها، ولا تحول موافقة الهيئة العامة على إبراء رئيس وأعضاء مجلس الإدارة من هذه المسؤولية).

فضلاً عن ما جاء بالمادة (157/أ) من ذات القانون على أن: (رئيس وأعضاء مجلس إدارة الشركة المساهمة العامة مسؤولون تجاه الشركة، والمساهمين، والغير عن كل مخالفة ارتكبها، أي منهم، أو جميعهم للقوانين والأنظمة المعمول بها، ولنظام الشركة، وعن أي خطأ في إدارة الشركة ولا تحول موافقة الهيئة العامة على إبراء ذمة مجلس الإدارة دون الملاحقة القانونية لرئيس وأعضاء المجلس).

أما الفقرة (ب) من المادة المذكورة أنفا فقد نصت على أن: (تكون المسؤولية المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة إما شخصية تترتب على عضو أو أكثر من أعضاء مجلس إدارة الشركة، أو مشتركة بين رئيس وأعضاء المجلس ويكونون جميعهم في هذه الحالة الأخيرة مسؤولين بالتضامن والتكافل عن التعويض عن الضرر الذي نتج عن المخالفة أو الخطأ، على أن لا تشمل هذه المسؤولية أي عضو أثبت اعتراضه خطياً في محضر للاجتماع على القرار الذي تضمن المخالفة أو الخطأ، وفي جميع الأحوال لا تسمع الدعوى بهذه المسؤولية بعد مرور خمس سنوات على تاريخ اجتماع الهيئة العامة الذي صادقت فيه على الميزانية السنوية والحسابات الختامية للشركة).

 ب- مسؤولية المطلع الخارجي:

أما فيما يتعلق بمسؤولية المطلع الخارجي فإنها بطبيعة الحال تكون تقصيرية على عكس مسؤولية المطلع الداخلي العقدية، حيث لا تربطه بالشركة رابطة عقدية، وبالرجوع إلى نص المادة (166) من قانون الشركات الأردني نجد أنه عبر عن المطلعين الخارجيين بالشخص الأخر، أي الذي لا تربطه رابطة عقدية بالشركة حيث جاء فيها: (كما لا يجوز أن ينقل هذه المعلومات لأي شخص آخر بقصد إحداث تأثير في أسعار أسهم هذه الشركة أو أي شركة تابعة أو قابضة أو حليفة للشركة التي هو عضو أو موظف فيها أو إذا كان من شأن النقل إحداث ذلك التأثير)، والمطلع الخارجي من خلال استغلاله للمعلومات الداخلية يكون قد ساعد المتعامل الأساسي في الحصول على المنفعة، وذلك بعد الحصول عليها، أي المعلومات الداخلية من ذلك المتعامل، وكما هو متعارف عليه فقهاً وقانوناً، أن نهوض المسؤولية المدنية سواء عقدية أو تقصيرية يتطلب بداية الإخلال بالتزام عقدي، أو القيام بفعل غير مشروع يؤدي الى الحاق الضرر، وفي كلتا الحالتين لا بد من توفر الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما.

  • فأما الخطأ فيتوفر وقت التعامل بأسهم الشركة بناءً على معلومات داخلية غير معلنة، والتي قد تؤثر على أسعار الأسهم في حال تم الإعلان عنها، وهذا يشمل استغلال المعلومات الداخلية بالنسبة للمطلع الداخلي والخارجي، ما عدا أن الخطأ مفترض بالنسبة المطلع الداخلي حيث أن المعلومات غير معلنة يفترض علمه بها، ويتعين عليه عدم استغلالها في التعامل بالأسهم بناءً على ذلك، وبالتالي فإنه وبمجرد استخدام المطلع الداخلي طرق غير مشروعة لاستغلال المعلومة غير المعلنة التي تحصل عليها، تقوم في حقه المسؤولية المدنية جراء ذلك، سواء لتحقيق فوائد شخصية له أو لغيره.
  • أما فيما يتعلق بالمطلع الخارجي، فإن فعل الخطأ المتمثل في استغلال المعلومة الداخلية على أسعار تداول الأسهم والأوراق المالية في الأسواق المالية غير المعلنة يخضع في الإثبات الى القواعد العامة، حيث أن العلم بالمعلومات الداخلية من قبل المطلع الخارجي يتعين إثباته إبان التعامل بالأوراق المالية، [[8]] ويتمثل معيار الخطأ في الإدارة بالنسبة للمطلعين الخارجيين بالانحراف عن مسلك الشخص الحريص متوسط الخبرة والكفاءة، وبالتالي فإن انحراف عضو مجلس الإدارة عن السلوك المتوقع صدوره من الشخص المعتاد يعد خطأ في الإدارة، ومن ثم تقوم مسؤوليته التقصيرية في ذلك عن الأضرار الناتجة عن هذا الخطأ.

  • ويذهب الفقه إلى التفريق بين المطلع الداخلي والخارجي من حيث العلم بالمعلومات الداخلية، حيث يفترض توفر هذا العلم لدى بعض المتعاملين الأساسيين بالمعلومات الداخلية، وخاصة رئيس وأعضاء مجلس إدارة الشركة التي تم التعامل بأسهمها، ومديرها العام كذلك المدير المالي، والمدقق الداخلي، أما بالنسبة للمطلع الخارجي فيتعين إثبات علمه بالمعلومات الداخلية غير المعلنة التي تم التعامل بالأوراق المالية بناء عليها.

  • أما فيما يتعلق بالضرر فيتمثل بالإخلال بمصلحة محققة ومشروعة للطرف المتضرر [[9]]، وتهدف دعوى استغلال المعلومة غير المعلنة إلى تعويض ذلك الضرر الذي أصاب المضرور، وبالتالي فان الضرر شرط لازم لنجاح الدعوى والحكم بالتعويض.

  •  وهدياً لما سبق تقوم المسؤولية ضد المطلع على المعلومة الداخلية غير المعلنة التي تم استغلالها حتى لو كانت الأضرار ليست بالجسيمة.

  • (رابعاً): موقف التشريع الأردني من حظر إفشاء المعلومات الداخلية والجزاء المترتب على مخالفة الحظر

    أ- حظر المشرع الأردني إفشاء المعلومة الداخلية

    أوضحنا فيما سبق أن المادة (166) من قانون الشركات الأردني قد حظرت على رئيس مجلس إدارة الشركة المساهمة العامة وأعضائها، والمدير العام للشركة، وأي موظف فيها أن يتعامل بأسهم الشركة بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، بنا ء على معلومات اطلع عليها بحكم منصبه، أو عمله في الشركة، كما حظرت عليهم أن ينقلوا هذه المعلومات لأي شخص آخر بقصد إحداث تأثير في أسعار أسهم هذه الشركة، أو أي شركة تابعة، أو قابضة، أو حليفة للشركة التي هو عضو أو موظف فيها، أو إذا كان من شأن النقل إحداث ذلك التأثير، دون تعريف المعلومات نفسها التي يحظر التعامل بالأسهم بنا ء عليها، إلا أن في هذا النص ما يفيد بيان طبيعة المعلومات التي يتم التعامل بالأسهم بناء عليها، وكيفية الحصول على هذه المعلومات.

    • ومن خلال نص المادة المذكورة، يمكن القول بأن المعلومات المحظور استغلالها هي المعلومات التي اطلع عليها رئيس مجلس إدارة الشركة المساهمة العامة وأعضاؤها، والمدير العام للشركة، وأي موظف فيها بحكم مهنتهم أو وظيفتهم، والتي يجب أن تبقى سرية ولا يجوز إعلانها للغير بأي وسيلة من الوسائل، بمعنى أن تكون هذه المعلومات داخلية غير معلنة، ولا مصرح بها، مما يعني أن  الحظر يمتد ليشمل حتى الشخص غير المطلع الذي يفصح لأي شخص آخر عن أي معلومات داخلية حصل عليها من شخص مطلع، وكان يعلم أو يجدر به أن يعلم أن ذلك الشخص الآخر الذي تم الإفصاح له من الممكن أن يقوم بالتداول في الورقة المالية ذات العلاقة بالمعلومات الداخلية، كذلك لا يحق لهم الإفصاح لطرف ثالث عن معلومات داخلية أو تزويده بها أو تقديم استشارة له لشراء أو بيع أوراق مالية للمصدر الذي تتعلق المعلومات الداخلية به، وتكون المعلومات والبيانات الوثائق والمستندات التي يطلع عليها كافة موظفو الهيئة بحكم عملهم ملكا للجهة التي تعود إليها تلك المعلومات.

    إضافة الى المعلومات والبيانات والوثائق التي تحصل عليها الهيئة من خلال علميات الإشراف والرقابة والتحقيق والتفتيش على شركات الأوراق المالية والأسواق المالية لدى الهيئة، ولا يجوز الاطلاع عليها إلا من قبل الموظفين المختصين وضمن حدود العمل.

    • كذلك المعلومات والبيانات التي يطلع عليها موظفو الهيئة المختصون من خلال استخدامهم لنظام مركز الإيداع والتحويل والتي تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

    أ- المعلومات المتعلقة بعمليات الرهن والحجز والتحويلات المستثناة من التداول.

    ب- المعلومات الخاصة بأسماء المتعاملين بالأوراق المالية وحجم تعاملاتهم.

    ج- المعلومات الخاصة بأسماء مالكي الأوراق المالية ومقدار ملكيتهم.

    د- المعلومات الخاصة بشركات الأوراق المالية.

    هـ- المعلومات الخاصة بالشركات المدرجة.

    و- المعلومات الخاصة بالحافظ الأمين.

    ز- المعلومات الخاصة ببنك التسوية.

    • ويعتبر الشخص الذي يتداول بالأوراق المالية أثناء حيازته للمعلومات الداخلية منتفعا بها إذا كان الشخص على علم بها عندما قام بالبيع أو الشراء إلا إذا استطاع إثبات أنه لم يتداول بناء على تلك المعلومات، وقد نصت المادة (24) من قانون الأوراق المالية الأردني على أن: (تعتبر المعلومات التي يطلع عليها المفوضون وموظفو الهيئة سرية وذلك تحت طائلة المسؤولية القانونية إلا انه يجوز للمجلس ولأسباب مبررة الكشف عن المعلومات التي يراها لازمة لحماية المستثمرين)، كما نصت أيضاً المادة (105) من ذات القانون المشار إليه على أن يعتبر مخالفة لأحكام هذا القانون أي مما يلي: (أ. تقديم بيانات غير صحيحة أو مضللة في أي من الوثائق التي يتم تقديمها الى الهيئة.

    ب. عرض أوراق مالية أو بيعها بناء على بيانات غير صحيحة أو مضللة بشأن:

    1. الحقوق والميزات التي تمنحها الأوراق المالية التي تم عرضها أو بيعها.
    2. طبيعة الأعمال التي يمارسها المصدر أو مدى نجاح تلك الأعمال أو الأوضاع المالية للمصدر أو التوقعات المستقبلية له.

    ج. تصديق مدقق الحسابات على بيانات مالية غير صحيحة أو مضللة أو مخالفة للمعايير المحاسبية المعتمدة ومعايير التدقيق المعتمدة، ويكون مسؤولا عن تعويض أي شخص تلحق به خسارة مالية نتيجة لذلك.

    د. أي خداع أو تضليل يتعلق بالأوراق المالية أو أي ممارسة محظورة فيما يتعلق بالأعمال المرخصة وفقا لأحكام هذا القانون.

    هـ. تداول أوراق مالية أو حمل الغير على تداولها بناء على معلومات داخلية.

    و. استغلال معلومات داخلية أو سرية لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية له أو لغيره، بما في ذلك أعضاء مجلس إدارة السوق المالي والمركز وموظفو كل منهما.

    ز. إفشاء المعلومات الداخلية لغير مرجعه المختص أو القضاء).

    ب- العقوبات الجزائية لمخالفة لالتزام عدم إفشاء المعلومة الداخلية

    نصت المادة (107/أ) على : (يعاقب كل من يخالف أيا من أحكام هذا القانون أو الأنظمة أو التعليمات أو القرارات الصادرة بمقتضاه بغرامة لا تزيد على (100,000) مائة الف دينار إضافة الى غرامة لا تقل عن ضعف الربح الذي حققه أو ضعف الخسارة التي تجنبها على أن لا تزيد على خمسة أضعاف ذلك الربح أو الخسارة)، كما نصت الفقرة (ب) من ذات المادة على أن: (مع عدم الإخلال بأي عقوبة اشد ورد النص عليها في أي تشريع آخر وإضافة الى الغرامات المبينة في الفقرة (أ) من هذه المادة، يعاقب كل من يخالف أيا من أحكام المواد المبينة أدناه بما يلي : 1- الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات لمخالفة أحكام الفقرة (ج) من المادة (63) والفقرتين (هـ) و(و) من المادة (105) والمادة (106) من هذا القانون).

    (خامسا): الخاتمة

    لما كانت المعلومة تعتبر من أهم مقومات الاستثمار والازدهار، والتي بناء عليها يتم اتخاذ القرارات في أسواق المال ، ومن الطبيعي أن لا تكون جميع المعلومات مباح التعامل بها والاعتماد عليها في اتخاذ القرار المناسب في التعاملات التجارية، وتعتبر المعلومات  وبخاصة غير المعلن عنها من أكثر أنواع المعلومات خطورة في حال الحصول عليها بطرق غير مشروعة من خلال استغلال المنصب الوظيفي أو الحصول عليها من أشخاص مطلعين عليها والتي تحاول معظم التشريعات العالمية أن تضفي عليها نوعا من الحماية، وهو ما حدا بنا من خلال هذا المقال إلقاء الضوء على أهم جوانب هذا الموضوع في ظل قانون الأوراق المالية الأردني من حيث تعريف المعلومة الداخلية والشروط الواجب توافرها، والتعريف بالمطلع على المعلومة الداخلية وتمييزه عن المطلع الخارجي، ومسؤولية كلاً منهما في ذلك، فضلاً عن موقف التشريع الأردني من حظر إفشاء المعلومات الداخلية والجزاء المترتب على مخالفة الحظر.

     

    كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر

    [1] – محمد مؤمن طاهر شوقي، الإطار القانوني لبيع الأوراق المالية، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، ص 8.

    [2] – د. حسين فتحي، تعاملات المطلعين على أسهم الشركة، دار النهضة العربية، ص 50-51.

    [3] – أحمــد زايــد، عبد الله الخشروم، المسؤولية المدنية للتعامل المحظور بأسهم الشركات المساهمة العامة، دراسة مقارنة بين القانون الأردني والقانون البريطاني، 2007، ص 147.

    [4] – د. أحمد محمد اللوزي، الحماية الجزائية لتداول الأوراق المالية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص 129.

    [5] – أحمــد زايــد، عبد الله الخشروم، المسؤولية المدنية للتعامل المحظور بأسهم الشركات المساهمة العامة، دراسة مقارنة بين القانون الأردني والقانون البريطاني، 2007، ص 129.

    [6] – همام القوصي، الممارسات غير القانونية في سوق الأوراق المالية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة حلب، 2011، ص 36.

    [7]  – همام القوصي، الممارسات غير القانونية في سوق الأوراق المالية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة حلب، 2011، ص 40.

    [8] – احمد الملحم، حظر استغلال المعلومات غير المعلنة الخاصة بالشركات في التعامل بالأوراق المالية، مطبوعات جامعة الكويت، 1998، ص 69-70.

    [9] – عاهد مبارك السعيد، التعامل بالمعلومات غير المعلنة للشركات المساهمة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، 2012، ص 141.

    Scroll to Top