قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية وفق التشريع الأردني
قررت التشريعات الحديثة من خلال نصوصها القانونية قاعدة قانونية هامة وهي أن من حاز وهو حسن النية منقولاً أو سنداً لحامله مستنداً في حيازته إلى سبب صحيح فإنه يصبح مالكاً له، فهذه النصوص تقرر القاعدة المعروفة في فقه القانون المدني بقاعدة” الحيازة في المنقول سند الملكية”، لأن الحيازة في القوانين المدنية لا تكسب الملكية فحسب، بل كذلك الحقوق العينية الأخرى، ومن خلال سطور هذا المقال سنتناول تلك القاعدة من حيث نطاقها وتطبيقها وشروطها وكذا الاستثناءات الواردة عليها في هدي العناصر التالية:
(أولاً): الأساس القانوني للقاعدة والقصد منها
(رابعاً): أثار الحيازة في المنقول
(خامساً): استثناءات المنقولات المسروقة أو الضائعة من نطاق تطبيق القاعدة
(سادساً): قرارات محكمة التمييز في قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية
(أولاً): الأساس القانوني للقاعدة والقصد منها
المنقول بداية يمكن تعريفه بأنه كل شيء غير مستقر بحيز ثابت، يمكن نقله من مكان لأخر دون أن يتعرض للتلف، وقد أورد المشرع الأردني بنص المادة (1076) من القانون المدني كسب ملكية المنقول دون تعداد أو حصر، حيث نصت تلك المادة على أن: (من أحرز منقولا مباحا لا مالك له بنية تملكه ملكه).
- كما نصت المادة (1077/1) على أن: (يصبح المنقول بغير مالك إذا تخلى عنه مالكه بقصد التخلي عن ملكيته).
-
وقد اختلف الفقهاء حول تأصيل هذه القاعدة، فذهب البعض إلى أن هذه القاعدة قد رسمت طريقا قانونياً لكسب ملكية المنقول بطريق الاستيلاء، وكل ما في الأمر أنه استيلاء من نوع خاص لأنه يقع على منقول مملوك للغير، وذهب فريق أخر إلى أن هذه القاعدة تقوم على أساس التقادم المكسب، ولكنه تقادم فوري يتم فور قيامه وحال ابتدائه، كما ذهب فريق ثالث إلى أن قاعدة الحيازة في المنقول عبارة عن قرينه قانونية على الملكية أنشأها المشرع لمصلحة الحائز حسن النية، وهذه القرينة قاطعة على الملكية لا تقبل إثبات الدليل العكسي، وقد سار القضاء الفرنسي على اعتبار الحيازة قرينة على الملكية، وإن كانت بعض أحكامه توحي بأنها قرينة قانونية تقبل إثبات العكس، ومهما يكن من أمر هذا الخلاف فإن الحيازة تعتبر في القوانين الحديثة والعربية منها خاصة، سبباً للتملك وقرينة على وجود السبب الصحيح وحسن النية ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك.
-
وقد عنى المشرع الأردني بتقرير هذه القاعدة وقصد من ورائها توطيد الائتمان والثقة في المعاملات، فيقدم من يريد التعامل بمنقول مع الحائز وهو آمن لا يخشى أن تمتد إليه يد شخص يثبت فيما بعد أنه المالك الحقيقي، فيسترده منه، فضلاً عن أن حائز المنقول دائماً ما يبدو في نظر الناس كأنه هو المالك الحقيقي، ومن الجدير بالذكر أن المنقولات كقاعدة عامة لا تخضع لإجراءات التسجيل أو الشهر كما هو الحال في العقارات، ولهذا فلا تثريب على من يتعامل مع حائز المنقول واعتقد بأنه هو المالك، مع الأخذ في الاعتبار أن المنقول سريع التداول بطبيعته، فلا يتيسر لمن يتعامل بالمنقول أن يتحقق من ملكية الحائز، بل يعتبر من غير المنطقي أن نلزمه بالتحقق من ذلك، ومن ثم فقاعدة الحيازة في المنقول تهدف إلى حماية من يتعامل بمنقول بحسن نية مع غير صاحب الحق، ولهذا يكتفي القانون لاستقرار حق المتصرف إليه بحيازته للمنقول وهو حسن النية على سبب صحيح .
(ثانياً): نطاق تطبيق القاعدة
يفهم من النصوص القانونية المشار إليها سلفاً بالفقرة السابقة أن نطاق تطبيق قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية ينحصر في المنقولات المادية التي تجوز حيازتها ويمكن تداولها من يد إلى يد دون اشتراط أو حاجة إلى اتباع إجراءات أو شكليات خاصة، وكذلك في السندات لحاملها لأن الحق الذي يعبر عنه السند يندمج في السند نفسه ويتداول معه كأنه منقول ذو قيمة مالية، ويترتب على ذلك أن هذه القاعدة لا تسري على ما يسمى بالمنقولات المعنوية، كالمصنفات الفكرية والمخترعات والحقوق الشخصية كالديون والسندات، لأن الديون لا تنتقل ملكيتها إلا بطريق حوالة الحق، والأوراق التجارية لا تنتقل إلا بالتحويل أو التظهير، ويستثنى من ذلك السندات لحامله حيث أنها تخضع للقاعدة ويجوز تملكها بالحيازة، [[1]] ومن الجدير بالذكر أن تلك القاعدة لا تسري على المنقولات المخصصة للنفع العام كالأسلحة والمهمات الحربية والآثار والكتب التي تحتويها المكتبات العامة، وذلك لأن الأموال العامة لا تصلح محلا للحيازة، فضلاً عن أنها لا تنطبق كذلك على المنقولات التي أصبحت عقارات بالتخصيص، لأنها تعتبر جزءاً متمما للعقار الذي خصصت لخدمته أو لاستغلاله فتخضع لما يخضع له العقار من أحكام، على أنه إذا انقطعت علاقة التخصص واستردت العقارات بالتخصيص صفتها المنقولة فتلقاها حائز حسن النية كان له أن يتمسك بقاعدة الحيازة في المنقول.
وإذا كان الأصل أن قاعدة الحيازة في المنقول تسري على المنقولات المادية فإنه يستثنى من ذلك:
(أ) – المنقولات التي يشترط القانون للتصرفات الواردة عليها استيفاء شكلية خاصة كالسفن والطائرات، فنظام القيد (الشهر) الذي تخضع له التصرفات التي ترد على مثل هذه المنقولات كفيل بإمكانية التحقق من مالكها الحقيقي، فلا تتحقق الحكمة التي شرعت من أجلها قاعدة الحيازة في المنقول، خاصة وأن التعامل بهذه المنقولات لا يجري بالسرعة التي يجري بها في المنقولات الأخرى.
(ب) – المنقولات التي يتلقاها الحائز باعتبارها تابعة لعقار، ولو لم تكن هذه المنقولات عقارات بالتخصيص، كما لو اشترى الحائز منزلاً بما فيه من أثاث من غير مالك فلا يكون له التمسك بقاعدة الحيازة وادعاء تملك الأثاث بمقتضى هذه القاعدة في مواجهة المالك الحقيقي، ما لم يكن قد تملك العقار بالتقادم الخمسي، لان المنقولات هنا تتبع العقار في مصيره. [[2]]
(ثالثاً): شروط تطبيق القاعدة
اشترط المشرع الأردني لتطبيق قاعدة الحيازة في المنقول توافر ثلاثة شروط، [[3]]على التفصيل التالي:
الشرط الأول: الحيازة
حيث يشترط أن يضع الحائز يده على المنقول الذي يمكن أن ترد عليه الحيازة، بشرط أن تكون حيازة قانونية مكتملة العناصر والشروط، فلا بد أن يتوفر للحيازة ركنيها المادي والمعنوي، فلا يعتبر الحائز العرضي حائزاً بالمعنى القانوني،[4] كما يجب كذلك أن تكون الحيازة خالية من العيوب، وتتوافر الحيازة وجوداً بخروجها من يد الحائز، وفي ذلك تنص المادة (1178) من القانون المدني على أن: (تزول الحيازة إذا تخلى الحائز عن سيطرته الفعلية على الشيء أو الحق أو فقدها بأية طريقة أخرى).
- كما تنص أيضاً المادة (1179/1) من ذات القانون على أن: (لا تنقضي الحيازة إذا حال دون مباشرة السيطرة الفعلية على الشيء أو الحق مانع وقتي).
ويشترط في الحيازة أن تكون حيازة حقيقية، بمعنى أن يكون المنقول بين يدي الحائز فيسيطر عليه سيطرة فعلية تتفق في مظهرها مع الحق الذي يدعى الحائز كسبه على المنقول، أما الحيازة الحكمية فلا تكفي للتمسك بقاعدة الحيازة، فيترتب على ذلك أن مشتري المنقول من غير مالكه لا يستطيع أن يتمسك بالقاعدة إذا هو ترك، وهو حسن النية، المنقول لدى بائعه على سبيل الوديعة أو الإيجار، وهو ما نصت عليه المادة (1171) من القانون المشار إليه أنه: ( 1- الحيازة سيطرة فعلية من الشخص بنفسه أو بواسطة غيره على شيء أو حق يجوز التعامل فيه.
2- ويكسب غير المميز الحيازة عن طريق من ينوب عنه نيابة قانونية.
3- لا تقوم الحيازة على عمل يأتيه الشخص على انه مجرد إباحة أو عمل يتحمله الغير على سبيل التسامح).
- ويرى جانب من الفقه أن الحيازة الحقيقية قد تتوفر في صورة لا يتم فيها تسليم الشيء مادياً إلى الحائز بل بتسليم أشياء أخرى تعد رمزاً له وتقوم مقامه، مما يتوفر معه معنى الحيازة الحقيقية كتسليم المفاتيح أو وضع علامة على المنقول أو تسليم السندات المعطاة عن البضائع [[5]]، مع الأخذ في الاعتبار أن الحيازة الحقيقية المستمدة من التسليم الرمزي مسألة وقائع يستقل بتقديرها قاضي الموضوع، فهو يفصل في تحقق الحيازة الحقيقية من عدمها تبعاً لما يتبين له من ظروف كل دعوى على حدة من خلال مدى سيطرة الحائز على المنقول، ووقوع الشيء فعلاً تحت تسلط الحائز أو كونه غير واقع تحت تسلطه لا مجرد حيازة المفاتيح أو وضع العلامات أو ما إلى ذلك.
الشرط الثاني: حسن النية
ويشترط كذلك أن يكون الحائز ضمن حسن النية وقت حيازته، فإذا كان حسن النية وقت تلقي الحق ولكنه أصبح سيء النية عند التسليم فإنه لا يتملك المنقول بمقتضى قاعدة الحيازة، والمقصود بحسن النية هنا، أن يجهل الحائز أنه يتعدى على حق الغير، أي أن يعتقد بأنه تلقي المنقول من مالك، شريطة ألا يكون هذا الجهل ناشئاً عن خطأ جسيم أو أن تكون حيازته قائمة على الغصب والإكراه، وفي ذلك نصت المادة (1176) من القانون المدني على أن: (يعد حسن النية من يحوز الشيء، وهو يجعل انه يعتدي على حق الغير، ويفترض حسن النية، ما لم يقم الدليل على غيره).
- ويتضح من مفهوم هذا النص أن شرط حسن النية الذي اشترطه المشرع الأردني، وفرق به بين الحائز حسن النية والحائز سيء النية، هو اعتقاد من يتلقى الحق بأنه يتلقاه من مالكه، دون أن يساوره أدنى شك في ملكيته له.
كما نصت المادة (1177) من ذات القانون على أن: (1- لا تزول صفة حسن النية لدى الحائز إلا من الوقت الذي يصبح فيه عالما أن حيازته اعتداء على حق الغير.
2- كما يزول حسن النية من وقت إعلان الحائز بعيوب حيازته في صحيفة الدعوى.
3- ويعد سيء النية من اغتصب بالإكراه الحيازة من غيره).
كما بينت المادة (1190) من القانون المشار إليه آلية وشروط استرداد السند ممن حازه بحسن نية، حيث نصت تلك المادة على أن: (استثناء من أحكام المادة السابقة يجوز لمالك المنقول أو السند لحامله إذا كان قد فقده أو سرق منه أو غصب أن يسترده ممن حازه بحسن نية خلال ثلاث سنوات من تاريخ فقده أو سرقته أو غصبه وتسري على الرد أحكام المنقول المغصوب.
2- فإذا كان من يوجد الشيء المسروق أو الضائع أو المغصوب في حيازته قد اشتراه بحسن نية في سوق أو في مزاد علني أو اشتراه ممن يتجر في مثله فإن له أن يطلب ممن يسترد هذا الشيء أن يعجل له الثمن الذي دفعه)، وحسن النية مفترض حتى يقوم الدليل على العكس، فالقانون يقيم قرينه لمصلحة الحائز من مجرد حيازته للمنقول على وجود حسن النية والسبب الصحيح إلا إذا ثبت العكس، ولهذا يكلف من يدعى سوء نية الحائز بتقديم الدليل على ذلك. وتوفر حسن النية من عدمه مسألة موضوعية متروك تقديرها للقاضي فله أن يستخلصها من وقائع وظروف الدعوى.
الشرط الثالث: السبب الصحيح
ويشترط أخيرا أن يستند الحائز في حيازته إلى سبب صحيح، ومن الأمثلة الأخرى التي يسوقها الفقه المصري ما لو باع مالك المنقول منقوله مرتين ويسلمه للمشتري الثاني، ففي هذه الحالة انتقل ملكية المنقول للمشتري الأول، ولكن البائع، أي المالك القديم يبيع المنقول ثانية لمشتر آخر ويسلمه المبيع، فيكون للمشتري الأخير أن يتمسك بقاعدة الحيازة في المنقول لأن البيع الثاني يعتبر بالنسبة إليه سبباً صحيحاً، وفي هذا المعنى نصت المادة (1189/1) من القانون المدني على أن: (لا تسمع دعوى الملك على من حاز منقولا أو حقا عينيا على منقول أو سندا لحامله وكانت حيازته تستند إلى سبب صحيح وحسن نية)، كما فسرت المذكرة الإيضاحية للقانون المدني السبب الصحيح بشكل أكثر دقه من النص سالف الذكر، حيث عرفته بأنه: تصرف قانوني صادر للحائز من غير المالك، وأنه تصرف ناقل للملكية إذا صدر من المالك، وأن الحائز حسن النية في تلقيه لهذا السبب (أي أنه لا يعلم بأنه صدر له من غير المالك). [[6]]
(رابعاً): أثار الحيازة في المنقول
إذا توافرت الشروط السابقة، فإنه يترتب على حيازة المنقول أثار، تتمثل في كسب الحائز ملكية المنقول وفي سقوط التكاليف والقيود العينية التي تثقله، وذلك على النحو التالي:
1- الأثر المكسب : حيث أن من حاز منقولاً، وتوافرت لحيازته الشروط المتقدمة، بأن كان الحائز يحوز المنقول حيازة حقيقية، وخالية من العيوب، وكانت حيازته مقترنه بحسن نية وتستند إلى سبب صحيح، كما نص المشرع الأردني على ذلك وأوضح من خلال النصوص القانونية المشار إليها سلفاً في هذا الصدد، فإن الحائز يكسب ملكية المنقول، ويتحقق ذلك الكسب من تلقاء نفسه دون اشتراط لتوافر مدة معينة ترتبت على حيازة المنقول آثارها، فإذا رفع المالك الأصلي على الحائز دعوى الاستحقاق كان للأخير دفع الدعوى بأنه قد تملك المنقول بالحيازة، وإذا اعتدى الغير على الحائز فاغتصب منه المنقول أمكنه أن يسترده منه استناداً إلى أنه تملكه بالحيازة، ولا يترتب في بعض القوانين الأخرى على حيازة المنقول كسب ملكيته فحسب، بل يترتب على ذلك أيضا كسب الحقوق العينية الأخرى على المنقول، ولهذا فإن من الجائز في هذا القانون أن يقتصر قصد الحائز على كسب حق انتفاع أو رهن حيازة.
- على أنه لابد من ملاحظة أن قاعدة الحيازة في المنقول لا تحول دون بقاء حق المتصرف في ماله من دعاوي شخصية قبل الحائز، فلا يجوز حائز المنقول أن يتمسك بقاعدة الحيازة في مواجهة من تصرف إليه، لأن علاقتهما يحكمها التصرف المبرم بينهما، فإذا كان للمتصرف دعوى شخصية ضد الحائز كدعوى المطالبة بالثمن، أو بباقي الثمن، أو دعوى فسخ التصرف، أو إبطاله، فإن هذه الدعاوي تبقى قائمة، وإذا نجح المتصرف في دعواه أمكنه استرداد المنقول دون أن يكون للحائز الامتناع عن الرد بحجة أنه تملك المنقول بالحيازة.
2- الأثر المسقط : فالحيازة لا تكسب ملكية المنقول فحسب، بل هي أيضا تؤدي إلى سقوط التكاليف والقيود العينية التي تنقل المنقول، مما مفاده أن المنقول إن كان محملاً بتكليف عيني كحق انتفاع، أو استعمال، أو رهن حيازي، أو امتياز، وكان الحائز حسن النية قد تلقى حيازة المنقول، فإنه يكتسب ملكية المنقول مع سقوط تلك التكاليف من عليه، وهذا بخلاف العقار حيث أن الأصل في التقادم المكسب أن يكسب الحائز ملكية العقار بالحالة التي كان عليها عند بدء التقادم، فيكسب الحائز العقار مثقلاً بالتكاليف العينية التي كانت عليه ما لم تكن هذه التكاليف قد انقضت بسبب من أسباب الانقضاء الخاصة بها، والأثر المسقط قد يترتب مع الأثر المكسب وقد يترتب منفرداً، ومن المفيد بالذكر أنه لا يكفي أن يكون الحائز حسن النية بالنسبة للملكية، بل ينبغي أن يكون كذلك بالنسبة للتكاليف فلا بد أن يكون جاهلاً أنه تلقى المنقول من غير مالكه وجاهلاً بوجود الرهن، وقد وافق المشرع المصري ذلك بنصه في القانون المدني بما مفاده، إذا كان حسن النية، والسبب الصحيح قد توافرا لدى الحائز في اعتبار الشيء خالياً من التكاليف والقيود العينية، فإنه يكسب ملكية المنقول خالصاً منها، حيث أن حيازة المنقول بالشروط المذكورة تعد سبباً لكسب ملكيته، أو حق عيني أخر عليه، دون حاجه بأن يدفعها بأنه تملك المنقول بالحيازة، ومن ثم فإذا اعتدى الغير على الحائز، فاغتصب المنقول منه، أمكنه أن يرفع دعوى الاستحقاق، حيث يتمسك بأنه تملك المنقول بالحيازة. [[7]]
- أما إذا لم تتوافر الشروط المطلوبة لانطباق القاعدة، فإنه يجوز للمالك أن يسترد المنقول من الحائز بدعوى الاستحقاق، ولا يستطيع الحائز في تلك الحالة أن يدفع دعوى المالك إلا في حالة كونه قد تملك المنقول بالتقادم الطويل، كما يفهم من نص المادة (1189) من القانون المدني الأردني سالف الذكر، بعدم سماع دعوى الملك على من حاز منقول، أو حق عينياً عليه، أو سند لحامله ليس عليه اسم المستفيد الأول، وغير مظهر خلف الورق باسم شخص معين واستندت حيازته لسبب صحيح وحسن نية، وهما الشرطان اللذان اشتراطهم المشرع بالمادة المعنية بالحديث، فلا تسمع عليه دعوى الملك من مالكه، والغالب أن يكون الحائز صاحب حق عيني على الشيء محل الحيازة، وكأصل عام في القاعدة موضوع المقال أن الحيازة في المنقول سند الحائز التي أعطت للحائز قرينة على تملك الشيء، وسنداً في تملكه إياه.
(خامساً): استثناءات المنقولات المسروقة أو الضائعة من نطاق تطبيق القاعدة
أوضحنا سابقاً، أنه إذا توافرت شروط تطبيق قاعدة الحيازة في المنقول فإن الحائز يتملك المنقول في الحال، ولا يجوز لمالكه الحقيقي استرداده من الحائز، ولكن استثناء من أحكام القاعدة المتقدمة أجاز القانون لمالك المنقول أو السند لحامله إذا خرج من تحت يده بضياع أو سرقة أو غصب أو خيانة أمانة أن يسترده من الحائز ولو كان حسن النية ومستنداً في حيازته إلى سبب صحيح وذلك خلال ثلاث سنوات من تاريخ الضياع أو السرقة أو الغصب أو خيانة الأمانة إعمالاً لنص المادة (1190) من القانون المدني التي نصت على أن: ( 1- استثناء من أحكام المادة السابقة يجوز لمالك المنقول أو السند لحامله إذا كان قد فقده أو سرق منه أو غصب أن يسترده ممن حازه بحسن نية خلال ثلاث سنوات من تاريخ فقده أو سرقته أو غصبه وتسري على الرد أحكام المنقول المغصوب.
2- فإذا كان من يوجد الشيء المسروق أو الضائع أو المغصوب في حيازته قد اشتراه بحسن نية في سوق أو في مزاد علني واشتراه ممن يتجر في مثله فإن له أن يطلب ممن يسترد هذا الشيء أن يعجل له الثمن الذي دفعه).
- ويتضح من هذا النص أن حائز المنقول بحسن نية وسبب صحيح لا يمكنه أن يتمسك بحيازته، إن كان هذا المنقول قد خرج من تحت يد صاحبه بناء على أحد الأسباب التي عددها النص المذكور، بل يجوز للمالك أن يسترده من الحائز بشرط أن يقع الاسترداد خلال ثلاث سنوات من وقت تحقق السبب الذي أدى إلى خروج المنقول من يد صاحبه.
ويقصد بالضياع في هذا الخصوص خروج المنقول من يد صاحبه بسبب قهري كالنسيان أو لفيضان أو أي حادث مماثل، أما السرقة فمعناها بحسب قوانين الجزاء: اختلاس منقول مملوك للغير، أما الغصب فهو الحصول على منقول مملوك للغير باستعمال القوة أو التهديد بها، وأما خيانة الأمانة فهي حالة ما إذا عهد إلى شخص منقول مملوك للغير لحفظة بأية كيفية كانت فاستعمله لنفسه أو لقاعدة شخص آخر أو تصرف فيه بطريق مخالف للغرض الذي عهد إليه من أجله حسب ما هو مقرر قانوناً أو حسب التعليمات الصادرة إليه.
ولعل الحكمة التي تكمن من وراء هذا الاستثناء، أن المنقول الذي يخرج من تحت يد مالكه لسبب من هذه الأسباب إنما يخرج من تحت يده كرها وبدون إرادته، ولا يمكن نسبة أي خطأ أو تقصير إليه، فأكثر الناس حرصاً على أمواله قد يكون عرضة لضياعها أو سرقتها، ولم تكن له يد في إيجاد المظهر الخارجي الذي خدع الحائز حين ظن أن المتصرف هو المالك، ويلاحظ أن مدة السنوات الثلاث ليست مدة تقادم بل هي مدة سقوط، ولهذا فهي لا تقبل الوقف أو الانقطاع، أما إذا انقضت هذه المدة، فإن الحائز يستطيع أن يتمسك بقاعدة الحيازة في المنقول في مواجهة المالك الحقيقي، بمعنى أن حكم القاعدة ينطبق كما لو لم يكن المنقول ضائعاً أو مسروقاً، فيتضح من ذلك أن الاستثناء المتقدم يعطل تطبيق قاعدة الحيازة في المنقول تعطيلاً مؤقتاً، أي خلال السنوات الثلاث التي يجوز فيها للمالك الأصلي استرداد المنقول من الحائز، وإذا كان حق المالك في استرداد المنقول من يد الحائز حسن النية يسقط بمضي ثلاث سنوات من تاريخ السرقة أو الضياع فإن الحائز إذا كان سيء النية لا يستطيع كسب ملكية المنقول بالحيازة وحدها بل بالتقادم الطويل، ولهذا فإن للمالك رفع دعوى الاسترداد على أي من هؤلاء طالما أن مدة التقادم العادي لم تكتمل بعد.
(سادساً): قرارات محكمة التمييز في قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية
(1). قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (1365/1998) حيث جاء فيه: (بينت المادة (1189/ 2) من القانون المدني أن حيازة المنقول تقوم بذاتها قرينة على الملكية ما لم يثبت غير ذلك، وطالما أن المدعية قدمت سندات بملكية الأعيان التي تدعيها وكان لهذه السندات تاريخ ثابت سابق لتاريخ الحجز عليها وفقا لحكم المادة (12) من قانون البينات وذلك بتأشيرها من قبل موظف مختص فيكون ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف من هذه السندات غير ثابتة التاريخ مخالفا للقانون).
(2). قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (542/1992) حيث جاء فيه: (- تعتبر حيازة الكفيل للكمبيالات قرينة بأنه مالكها وأنه قام بوفاء الالتزام المكفول للدائن وفقا لما تقضي به المادة 1189 من القانون المدني.
2- يتفق وأحكام المادة 1/185/ب من قانون أصول المحاكمات المدنية قيام المحكمة من تلقاء نفسها).
(سابعاً): خاتمة
ختاما فقد حاولنا خلال هذا المقال الوقوف على قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية سواء من حيث الأساس القانوني للقاعدة والقصد منها، ونطاق تطبيق القاعدة، فضلاً عن شروط إعمالها، والآثار المترتبة على تحقق شروطها، وأخيراً استثناءات المنقولات المسروقة أو الضائعة من نطاق تطبيق القاعدة.
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – مبارك، سعيد (1995، 1996)، موجز أحكام القانون المدني الأردني، (الحقوق العينية)، الأردن، المكتبة الوطنية، ص185.
[2] – كولان وكابيتان وجوليودولا مور الندير، المطول في القانون المدني، ج2 باريس 1959، ف496
[3] – سوار، وحيد الدين، (1994)، شرح القانون المدني الحقوق العينية الأصلية (2)، الأردن، منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 315.
[4] – أبو عراب، غازي (2016)، الوجيز في شرح الحقوق العينية الأصلية، دراسة مقارنة، ط1، الأردن، دار وائل للنشر والتوزيع، ص257.
[5] – محمد كامل مرسي، الحقوق العينية الأصلية، ج1، حق الملكية بوجه عام، القاهرة 1949، ف585.
[6] – شطناوي، زكريا (1995)، الحيازة وتطبيقاتها في معاملات البنك الإسلامي، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، أربد، الأردن.
[7] – صده، عبد المنعم فرج، (1982)، الحقوق العينية الأصلية، مصر، دار النهضة العربية للنشر، ص699

