قوة ونفاذ أحكام المحكمة الدستورية في الأردن

قوة ونفاذ أحكام المحكمة الدستورية في الأردن

الأصل العام أن القواعد والنصوص التشريعية توضع ليتم العمل بها وتطبيقها مدة طويلة من الزمن، ويجب أن تكون هذه النصوص والقواعد متماشية ومتفقه مع الدستور، إلا أنه قد يشوب هذه النصوص الغموض، ومن ثم تتضارب وتختلف التفسيرات، وإذا كان القضاء يقوم بتفسير هذه النصوص حال الفصل في الدعاوى المعروضة عليه، ويكون هذا التفسير من اجتهاد القاضي، ويكون هذا التفسير مقبولا مادامت الأذهان تدور حوله وتتفق عليه، أما حال غموض النص التشريعي على القاضي نفسه، فإن ذلك يؤدي إلى تضارب الأحكام بسبب اختلاف التفسيرات فيما بينهم، ومن ثم فإن الأمر يتطلب وجوب إسناد هذا الأمر لجهة تكون متخصصة في تفسير النصوص التشريعية ويكون قرارها ملزم لكافة السلطات، كما أن هذه النصوص قد تكون صالحة للتطبيق وقد لا تكون كذلك، وقد تتفق مع الدستور وقد لا تتفق، ومن ثم وفي الحالة الأخيرة يكون النص التشريعي غير دستوري مخالف لنصوص الدستور، ومن ثم يجب أن يكون الحكم الصادر من هذه الجهة المختصة سواء بدستورية النص التشريعي أو عدم دستوريته يمتلك من الحجية والإلزام ما يجعل كافة السلطات تلتزم به، إذ أن الفارق بين القضاء الدستوري وغيره من المحاكم الأخرى أن أحكام القضاء الدستوري تكون نهائية وملزمة لكافة السلطات والأفراد ولا مجال لتطبيق النظرية العامة للبطلان، ولا مجال كذلك للطعن فيها بهدف إبطال إجراءات معينة[1].

ـ ومن أجل ذلك وتماشياً مع النظم الديمقراطية، وحفاظاً على الحقوق والحريات العامة فقد أقر المشرع الدستوري الأردني الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة، وذلك بموجب التعديلات الدستورية الصادرة عام 2011، والتي تضمنت إنشاء المحكمة الدستورية والتي تكون مهمتها الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وتفسير النصوص التشريعية، وسوف نحاول من خلال هذا المقال التعرف على المحكمة الدستورية، ومتي نشأت، وطبيعتها القانونية، واختصاصاتها الرقابية والتفسيرية، ومدي حجية أحكامها وقوتها التنفيذية، وذلك على النحو التالي:

أولا: ماهية المحكمة الدستورية نشأتها وطبيعتها القانونية

ثانيا: الاختصاص الرقابي للمحكمة الدستورية

ثالثا: الاختصاص التفسيري للمحكمة الدستورية

رابعا: حجية أحكام المحكمة الدستورية وتنفيذها

خامسا: بعض التطبيقات القضائية من أحكام المحكمة الدستورية الأردنية

سادسا: الخاتمة

 

أولا: ماهية المحكمة الدستورية نشأتها وطبيعتها القانونية

في البداية نود أن نشير إلى أن المشرع الدستوري الأردني لم يقم بوضع تعريف محدد خاص بالمحكمة الدستورية، وهو ما فتح الباب أما الفقه لتعريف المحكمة الدستورية، والتي تسمي أحياناً المحكمة الدستورية العليا باعتبارها أعلي سلطة قضائية في البلاد، فهي المحكمة صاحبة القول الفصل بتوافق أي قرار أو مرسوم أو حكم قضائي مع الدستور، الذي هو التشريع الأعلى للدولة.

ـ  هذا وقد عرفها البعض على أنه ” الجهة القضائية العليا التي اختصها الدستور والمشرع كلاهما بولاية الفصل في المسائل الدستورية وطنياً كان المدعى أم أجنبياً، وليس ثمة جهة أخرى يمكن أن تنازعها هذا الاختصاص أو تنتحله لنفسها.[2]

ـ وثمة أمر يجب توضيحه وهو أنه عندما يتم استخدام لفظ أو عبارة أحكام المحكمة الدستورية فإننا نكون بصدد ممارسة المحكمة لاختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين، أما حال استخدام لفظ أو عبارة قرارات المحكمة الدستورية فإننا نكون بصدد ممارسة المحكمة لاختصاصها التفسيري للدستور.[3]

ـ أما عن الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية: فإن هذه المحكمة ما هي إلا هيئة قضائية مستقلة، فهذه المحكمة ليست محكمة نظامية تقوم بالقضاء الحقوقي والجزائي، وليست محكمة شرعية، ولا محكمة إدارية، بل هي بمثابة قضاء خاص هو القضاء الدستوري، والأحكام الصادرة منها أحكام نهائية وباتة وملزمة لجميع سلطات البلاد، ومن ثم فإنها تتمتع بالحجية التي تحول دون إعادة طرح هذه المسألة مرة أخرى، ومن هنا يمكن القول بأن المحكمة الدستورية أعلى جهة قضائية في الدولة، ولكنها ليست جزء من القضاء العادي، وإنما ينعقد اختصاصها بالفصل في المسائل الدستورية، وأن أحكامها ملزمة للجميع.

ثانيا: الاختصاص الرقابي للمحكمة الدستورية

وهي تعني قيام المحكمة الدستورية بالرقابة على مدي دستورية القوانين الصادرة في السلطة التشريعية، وإعطاء المحكمة الحق في فحصها القوانين والتحقق من مدي مطابقتها وتوافقها مع الدستور من عدمه، وتعتبر الرقابة على دستورية القوانين من أهم الاختصاصات التي تضمنها الدستور الأردني كضمانه لحماية وسيادة القانون، هذا وتعتبر أحكام الدستور هي أسمى القواعد الآمرة التي تلتزم بها الدولة بالخضوع لها في تشريعها وقضائها، وفي قيام السلطة التنفيذية بمهامها، وبمقدار هذا الالتزام وعدم تجاوزه تكون موافقة النصوص التشريعية لأحكام الدستور رهناً ببراءتها مما قد يشوبها من مثالب دستورية، وبناء على هذا المبدأ وهو سمو الدستور على غيره من التشريعات، ومن ثم فإن جميع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية لا بد وأن تتفق مع الدستور، وأن مخالفتها له شاب عملها عيب مخالفة الدستور، ومن ثم القضاء بعدم دستوريتها.[4]

ـ وحيث حددت المادة (59/1)من الدستور الأردني اختصاصات المحكمة الدستورية بالنص على:” 1ـ تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذ “.

ـ وبناء على هذا النص جاءت المادة (4/أ) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012 ونصت على ” تختص المحكمة بما يلي: أ ـ الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة “.

ـ ويتضح من هاذين النصين أن رقابة المحكمة الدستورية في الأردن على دستورية القوانين هي رقابة لاحقه وليست رقابة سابقة فهي وفقا للدستور وقانون المحكمة لا تراقب مشاريع القوانين والأنظمة.

ـ وتخضع كافة التشريعات مهما اختلفت أنواعها سواء من البرلمان أو من الحكومة لرقابة المحكمة الدستورية، غير أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية لا تخضع للطعن المباشر عليها أمام المحكمة الدستورية، غير أتع يمكن الطعن عليها بطريق غير مباشر، حيث أن هذه المعاهدات والاتفاقيات لا تكون نافذة إلا بعد موافقة مجلس الأمة عليها، وهو ما يكون معه من حق الجهات المختصة أن تطلب من المحكمة بيان مدي مطابقة المعاهدة أو الاتفاقية للدستور، غير أن أعمال السيادة والتعديلات الدستورية لا تخضع لرقابة المحكمة الدستورية ولا تدخل ضمن اختصاصاتها.[5]

ثالثا: الاختصاص التفسيري للمحكمة الدستورية

كان اختصاص تفسير النصوص الدستورية قبل إنشاء المحكمة الدستورية ينعقد للمجلس العالي لتفسير الدستور، وقد تم إلغاء هذا المجلس بعد صدور قانون المحكمة الدستورية ونفاذه، وبالتالي انعقد الاختصاص للمحكمة الدستورية، هذا ويعتبر قرار المحكمة الدستورية بتفسير نص من النصوص  الدستورية بمثابة جزء لا يتجزأ من النص ومكمل له ولا ينشئ حكماً جديداً.[6]

ـ  ويجب هنا أن نفرق بين أمرين، الأول وهو تفسير نصوص القوانين وهو من سلطة وصلاحيات الديوان الخاص بتفسير القوانين، والأمر الثاني تفسير نصوص الدستور وهو من اختصاصات المحكمة الدستورية، وذلك وفقا للمادة (59/2) من الدستور والتي نصت على أنه: ” 2ـ للمحكمة الدستورية حق تفسير نصوص الدستور إذا طلب إليها ذلك بقرار صادر عن مجلس الوزراء أو بقرار يتخذه أحد مجلسي الأمة بالأغلبية ويكون قرارها نافذ المفعول بعد شره بالجريدة الرسمية “.

ـ وهو ما أكدت عليه المادة (17) من قانون المحكمة الدستورية بالنص على أن ” للمحكمة حق تفسير نصوص الدستور إذا طلب إليها ذلك بقرار صادر عن مجلس الوزراء أو بقرار يتخذه أحد مجلسي الأمة بالأغلبية ويكون قرارها نافذ المفعول بعد شره بالجريدة الرسمية “.

ـ وهو ما يعني أن الدستور الأردني وكذلك قانون المحكمة الدستورية قد حصرا الجهات التي لها الحق في طلب تفسير النصوص الدستورية في إحدى ثلاث جهات وهي مجلس الوزراء، والذ يكون من حقه تقديم طلب نص معين من نصوص الدستور ، ولم يحدد الدستور كيفية اتخاذ مجلس الوزراء قراره بشأن طلب التفسير سواء بالأغلبية أو بالتوافق، مجلس الأعيان، مجلس النواب، ويجب أن يكون تقديم طلب التفسير للمحكمة بناء على موافقة الأغلبية المطلقة لكل منهما، كما أنه يجوز أن تقوم الجهة التي تقدمت بطلب التفسير بسحبه، ومن ثم يجب على المحكمة الدستورية عدم المواصلة في نظر طلب التفسير والموافقة على سحبه. [7]

ـ ويكون تفسير المحكمة الدستورية بمثابة قرار ملزم ونافذ المفعول وليس مجرد إبداء رأي وفقاً لما تضمنه الدستور وكذلك قانون المحكمة الدستورية.

ـ كما أن السلطة المخولة للمحكمة الدستورية في تفسير النصوص الدستورية تجد أساسها فيما ورد بنصوص الدستور، ومن ثم لا يجوز لها التصدي لتفسير أي نص لم يرد في الدستور.

رابعا: حجية أحكام المحكمة الدستورية وتنفيذها

بداية نود أن نفرق بين حجية الأمر المقضي به، وقوة الأمر المقضي به، فجميع الأحكام القضائية لها حجيتها بمجرد صدورها حتي ولو كانت قابلة للطعن عليها، في حين يحظى الحكم على قوة الأمر المقضي عندم يكون الحكم نهائيا وباتا والذي لا يمكن الطعن عليه بأي طريقة من طرق الطعن، وهو ما يعني أن كل حكم حاز على قوة الأمر المضي به يحظى بالضرورة على حجية الأمر المقضي به وليس العكس، كما أن قوة الأمر المقضي به تفقد معه المحكمة ولايتها على الدعوى ولا يجوز العدول عن الحكم أو تعديله، وإذا كانت المهمة المنوط بالمحكمة الدستورية القيام بها هي الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة وتفسيرها، لا على الفصل في موضوع النزاع بين الأطراف، فهو اختصاص لفحص مدى موافقة النصوص القانونية للنصوص الدستورية، ومن ثم تكون هذه الأحكام نهائية وغير قابلة للطعن عليها، فهي بمثابة درجة تقاضي واحدة تكون أمام المحكمة الدستورية، وذلك وفقاً لما انتهت معه النصوص الدستورية ونصوص قانون المحكمة الدستورية، ومن ثم فالحكم الصادر من المحكمة الدستورية له قوة الأمر المقضي به وبمجرد صدوره تنتهي ولاية المحكمة عليه فلا يجوز لها إعادة طرحه أو العدول عنه أو تعديله.

ـ ويجب هنا أن نفرق بين أمرين الأول حكم المحكمة برد الطعن وتقرير دستورية النص، والأمر الثاني بقبول الطعن وعدم دستورية النص، وذلك على النحو التالي:

1ـ حجية حكم المحكمة الدستورية بعدم قبول الطعن شكلا لعيب إجرائي:

وهذا الحكم له حجية نسبية تزول بزوال السبب العارض، ومن ثم حال القيام بتصحيح الإجراء المطلوب يمكن إعادة رفع الطعن أمام المحكمة، فالحكم الصادر من المحكمة في هذه الحالة حكم لا يحرم الجهة مقدمة الطعن من إعادة تقديمة بعد تصحيح العيب الإجرائي الذي من أجله قررت المحكمة عدم قبول الطعن، ومن الأمثلة على ذلك وجود عيب في قرار الإحالة كعدم دفع الرسوم الواجبة بمقتضي المادة الثالثة من نظام رسوم الدفع بعدم الدستورية رقم (12) لسنة 2013، أو عيب شكلي في صحيفة الدعوى كخلو الصحيفة من توقيع رئيس الجهة الطاعنة، فعدم قبول الدعوى في هذه الحالة يكون بسبب عارض يزول بزواله ويجوز إعادة طرحها من جديد بإجراءات سليمة.

ـ أما الحكم الصادر من المحكمة برفض الطعن فهو حكم موضوعي وليس حكم شكلي كما في الحكم بعدم القبول ومن ثم تصدره المحكمة بعدما تكون قد اتصلت بالنص المطعون عليه، وهنا اختلف الفقه بين مؤيد للحجية المطلقة ( قوة الأمر المقضي به) للحكم الصادر برفض الطعن والقضاء بدستورية النص، وبين معارض لذلك بأن هذه الحجية نسبية ويمكن رفع الطعن من جديد على ذات النص الذي حكم بدستوريته بأسباب مغايرة، والراجح هو أن الحكم الصادر برفض الطعن والقضاء بدستورية النص المطعون عليه هو حكم نهائي ملزم له حجيته وقوته الملزمة ولا يجوز إعادة طرحه من جديد، حيث أن المشرع الدستوري الأردني استعمل عبارة ” وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة ” في المادة (59/1) من الدستور، وهو ما يعني أن المشرع الدستوري لم يفرق بين الحكم الصادر بعدم دستورية النص والحكم الصادر برفض الدعوى ودستورية النص.

2ـ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص المطعون فيه:

هذا الحكم له حجيته المطلقة، وقوة الأمر المقضي به وتلتزم به كافة السلطات في البلاد ولا يجوز إعادة طرحه من جديد، وإذا كان الأصل العام أن حجية الأحكام بصفه عامة تكون نسبية تقتصر على الخصوم في الدعوى غير أن حجية الأحكام الدستورية تكون حجية مطلقة لا تقتصر على خصوم الدعوى التي صدر فيها فقط، بل ينصرف أثره للكافة، وهو ما أكدت عليه المادة (15/أ) من قانون المحكمة الدستورية بالنص على:” أ ـ تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم باسم الملك، ويكون الحكم الصادر عنها نهائياً وملزماً لجميع السلطات والكافة “.

ـ وإذا كان الدستور الأردني، وكذلك قانون المحكمة الدستورية قد خلا من النص على عبارة حجية الأحكام الصادرة منها، واكتفي بأن أحكامها تكون نهائية ملزمة لجميع السلطات وللكافة، وهذا هو حال المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (9) لسنة 1961 والذي نصت المادة (182) منه على: ” يجب أن يشتمل الحكم النهائي على العلل والأسباب الموجبة له…….إلخ “، إلا أن وصف الدستور لأحكام المحكمة الدستورية وقراراتها بأنها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة لهو دليل على عدم قابلية هذه الأحكام للطعن عليها بأي طريقة من طرق الطعن.

ـ ولما كانت الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية في الدعاوى الدستورية والتي ما هي إلا دعاوي عينية توجه الخصومة فيها للنصوص التشريعية المطعون عليها بعيب دستوري ولها حجيتها المطلقة والتي لا تقتصر على خصوم الدعوى فقط، وإنما ينصرف آثرها للكافة وتلتزم بها جميع السلطات سواء كان الحكم بعدم الدستورية أم بالدستورية ورفض الدعوى.

ـ ومن ثم فإن حجية الأحكام الدستورية لا تقتصر على الأفراد فقط بل على جميع سلطات البلاد فيلتزم القضاء بإعمال مقتضاه الامتناع عن تطبيق النص والامتناع عن إحالة ذلك النص مرة أخرى للمحكمة الدستورية، ويلتزم المشرع كذلك بعدم معاودة سن النص المغلي والمقضي بعدم دستوريته مرة أخرى، وتلتزم السلطة التنفيذية بتنفيذه.

ـ وهناك أمر مهم يجب التنويه إليه وهو أن المحكمة في الحكم الصادر منها بعدم دستورية نص بعينة لا تقوم في حكمها بتضمين إلغاء هذا النص أو تعديله وإنما تكون هذه المهمة موكله للجهات المختصة في البلاد، وتقوم الأخيرة بإلغاء هذا النص أو تعديله بما يتوافق مع حكم المحكمة.

ـ نفاذ أحكام المحكمة الدستورية: اختلف الفقه حول تحديد موعد نفاذ وتطبيق حكم المحكمة الدستورية، فقد رأي البعض أنه يجب أن يسري حكم المحكمة الدستورية بأثر رجعي مستنداً على أن هذا الحكم هو حكم كاشف لعدم الدستورية لا منشئ لها، أما الرأي الثاني يري عكس ذلك ويري عدم تطبيق قاعدة الأثر الرجعي باعتبار أن هذا الحكم يلغي النص التشريعي المطعون عليه من تاريخ صدور الحكم بعدم الدستورية.

ـ إلا أنه ولما كانت الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية هي أحكام نهائية لا يجوز الطعن عليها وملزمة لجميع السلطات وللكافة، فقد قام المشرع الأردني بتوضيح موعد سريان ونفاذ هذه الأحكام، وذلك وفقاً لما جاء بنص المادة (59) من الدستور الأردني على أن ” 1ـ تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة، كما تكون أحكامها نافذة بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخًا آخر لنفاذه، وتنشر أحكام المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها “، وهو ما يعني أن المشرع الأردني أخذ بنظام الأثر المباشر للحكم الصادر بعدم دستورية النص المطعون عليه، إلا أن المشرع أجاز للمحكمة أن تحدد تاريخ آخر لنفاذ الحكم، مع الأخذ في الاعتبار الحقوق والمراكز القانونية التي تم اكتسابها، غير أنه وبالنسبة للأحكام الجنائية وكونها أحكام ماسة ومقيدة للحرية الشخصية للأفراد فإن هذه الأحكام الصادرة بعدم دستورية النص الجنائي متي كان هذا النص يفرض عقوبة فإن هذه الأحكام تسري بأثر رجعي في حقها حتي يستفيد منها الأفراد، ومن ثم يتم وقف تنفيذ الأحكام التي قضت بالإدانة استناداً إلى النص المقضي بعدم دستوريته، وهو ما أكدت عليه المادة (15/ج) من قانون المحكمة الدستورية بالنص على: ” إذا قضت المحكمة بعدم دستورية نص يفرض عقوبة فيوقف تنفيذ الأحكام التي قضت بالإدانة استناداً لذلك النص وتنتهي آثارها الجزائية “.

ـ أما إذا أصدرت المحكمة الدستورية حكم بعدم دستورية اكثر من نص فيجب عليها أن تفرق بين تاريخ نفاذ الحكم الصادر في كل نص وفق ما تراه المحكمة، وهو ما أكدت عليه المادة (15/د) من ذات القانون بالنص على: ” إذا قضت المحكمة بعدم دستورية أكثر من نص في القانون أو النظام، فللمحكمة التفريق في تاريخ نفاذ حكمها بين نص وآخر وفق ما تراه مناسباً “.

ـ ومن هنا يمكن القول بأن نص المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية جاء ليبين طبيعة وتاريخ نفاذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية، بسريانها باثر مباشر ومستقبلي وذلك كأصل عام وليس بأثر رجعي، إلا أنه واستثناء على هذا الأصل العام فإن قانون المحكمة الدستورية طبق قاعدة الأثر الرجعي على الأحكام الصادرة بعدم دستورية نص يفرض عقوبة.

ـ ويترتب على صدور الحكم بعدم الدستورية خروج النزاع من ولاية المحكمة الدستورية والتي يمتنع عليها أن تعيد النظر أو تعدل أو تلغي ما قد قضه به، ويكون الحكم الصادر نهائي ملزم للكافة، غير أنه قد يحتاج الحكم الصادر من المحكمة الدستورية إلى التفسير، وهو ما لم يتطرق له المشرع الأردني، غير أن المادة (17) من قانون التنفيذ رقم (25) لسنة 2007 نصت على أنه: ” للرئيس أن يستوضح من المحكمة مصدرة الحكم عما قد يكتنفه من غموض “.

ـ ويمكن القول بأنه ورغم أن أحكام المحكمة الدستورية وقراراتها نهائية وغير قابلة للطعن عليها، وأن طلب تفسير الحكم الصادر منها لا يعدو إلا أن يكون طلب توضيح لما في الحكم من غموض وإبهام ولا يعدو أن يكون طعناً على الحكم ، ومن ثم فإنه يجوز تقديم طلب للمحكمة لتفسير حكمها، كما سبق وأن بينا أن صلة المحكمة الدستورية تنقطع عن النص المطعون عليه بمجرد صدور حكم فيه، إلا في حالة الطلب بتفسير الحكم، كما أنه المحكمة تكون مختصة في النظر من جديد حال أغفلت الفصل في أحد الطلبات أو ورود خطأ مادي في الحكم.

ـ كما أن الدستور أوجب أن يتم نشر الحكم الصادر من المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدوره، والعله من ذلك هو أنه يمكن أن  يتصور الزام الأفراد بما هو مجهول لهم من أحكام كون ذلك يعد إهدار للحقوق والحريات التي كفلها الدستور، فالعلم يعد شرطاً أساسياً لقيام الالتزام ولا يسأل أحد عن مخالفة قاعدة قانونية دون قيام وسيلة محددة من وسائل العلم بهذه القاعدة.

خامسا: بعض التطبيقات القضائية من أحكام المحكمة الدستورية الأردنية

2ـ  حكم المحكمة الدستورية الأردنية رقم (3) لسنة 2013 والذي جاء به: ” ومن حيث أن ما يستفاد من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012 أنها صاحبة الاختصاص دون غيرها للفصل في الطعون المتعلقة بدستورية القوانين والأنظمة وأن أحكامها بهذا الشأن تنشر في الجريدة الرسمية، ومن حيث أن الدعوى الدستورية هي دعوى عينية بمعني أنها تنصب على نصوص بعينها فإن ما ينبني عليه أن ما تفصل فيه إنما يحوز حجة في مواجهة الكافة ممثلين بالدعوى الدستورية أو غير ممثلين فيها وكذلك بالنسبة للدولة على امتداد تنظيماتها المختلفة، وهذه الحجية تمنع من المجادلة في هذه المسألة، ولما كانت محكمتنا قد قررت بتاريخ 3/4/2013 في الطعن رقم 2 لسنة 2013 عدم دستورية المادة (51) من قانون التحكيم وجرى نشر الحكم بالعدد رقم (5217) من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 16/4/2013 فيكون هذا الحكم قد اكتسب حجية على الكافة “.

3ـ  حكم المحكمة الدستورية رقم (5) لسنة 2017 والذي جاء فيه ” … وحيث أن الفقرة (ب) من المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012، أوجبت أن يكون الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية، نافذاً بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه، وحيث أن الحجية للأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية، يقتصر نطاقها على النصوص التي هي موضوع المنازعة حول دستوريتها من عدمه، لذا وبناء على كل ما تقدم، نري: عدم دستورية العبارة الواردة في نهاية منطوق المادة (1) من نظام الضريبة الخاصة المعدل رقم (97) لسنة 2016 ونصها: ( ويعمل به اعتباراً من 21/6/2016) “.

4ـ حكم المحكمة الدستورية رقم (6) لسنة 2017 والذي جاء به ” .. لهذا وبناء على ما تقدم وحيث سبق لهذه المحكمة البت بموضوع هذا الطعن بالحكم رقم (5) لسنة 2017 تاريخ 21/8/2017 والذي قررت فيه عدم دستورية العبارة الواردة في نهاية منطوق المادة الأولي من نظام الضريبة الخاصة المعدل رقم (97) لسنة 2016 والتي تتضمن سريان النظام بأثر رجعي، وحيث أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص تشريعي أو بتقرير دستوريته هي أحكام ملزمة لجميع الجهات والسلطات كافة، ولا يقتصر أثرها على الخصوم بالدعوى التي صدرت بشأنها بل ينصرف هذا الأثر إلى الكافة بدون استثناء، وذلك عملاً بأحكام المادة (59/1) من الدستور والمادة (15/أ) من قانون المحكمة الدستورية في دعوى لاحقة بشأن عدم دستورية نص سبق للمحكمة الدستورية أن قضت بعدم دستوريته أو بتقرير دستوريته فلا يجوز النظر فيها لسبق الفصل في موضوعها، وحيث أن أحكام المحكمة الدستورية هي أحاكم نهائية غير قابلة للطعن وملزمة لجميع السلطات والكافة فإن قرارها هو قول فصل لا يقبل التأويل أو التعقيب من أي جهة كانت وله حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه مرة أخرى، مما يتعين معه عدم جواز النظر بهذا الطعن ورده شكلاً لسبق الفصل في موضوعه “.

 سادسا: الخاتمة

ـ وفي نهاية هذا المقال نري أن المحكمة الدستورية الأردنية تعتبر أعلى جهة قضائية في البلاد، وأن الدستور، وقانون المحكمة قد أوكل إليها اختصاص الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وكذلك الحق في تفسير نصوص الدستور، ويكون ذلك بناء قرار من مجلس الوزراء أو بقرار من مجلسي الأمة (مجلس الأعيان أو مجلس النواب)،وأن الحكم الصادر من المحكمة يكون نهائي وملزم لجميع السلطات وللكافة ولا مجال للطعن عليه بأي طريقة من طرق الطعن، ويكون الحكم نافذ المفعول من بعد نشره بالجريدة الرسمية، وإذا كان الأصل أن هذه الأحكام تبدأ سريانها بأثر مستقبلي أو وفق التاريخ الذي تراه المحكمة، إلا أنه واستثناء على هذا الأصل فإن الأحكام الصادرة من بعدم دستورية نص به عقوبة تكون سارية المفعول بأثر رجعى، كما أن المحكمة وبعد إصدارها لحكمها بعدم الدستورية لا يجوز لها العمل على تنفيذ الحكم أو متابعته أو العمل على إلغاء النص ولكن يطرق ذلك للسلطات المختصة في البلاد، والحالة الوحيدة التي يجوز فيها للمحكمة إعادة النظر في الحكم هي حال التقدم بطلب لتفسيره، أو إغفال طلب، أو تصحيح خطأ مادي فيه.

ـ كما أن أحكام المحكمة الدستورية تستمد أساسها القانوني وقوتها الملزمة من نصوص الدستور ثم نصوص قانون المحكمة الدستورية، وأن هذه الأحكام ملزمه للسلطات وللكافة ولها قوة الأمر المقضي به فهذه الأحكام نهائية ولا يجوز الطعن عليها بأي طريقة من طرق الطعن حتي أن المحكمة الدستورية ذاتها تنتهي ولايتها على الدعوى بمجرد صدور حكم فيها سواء بالدستورية أم عدم دستورية النص المطعون عليه، ومن ثم لا يجوز إعادة طرح ذات الطعن عليها من جديد أو قيامها بتعديله أو الإضافة عليه، إلا أنه يجوز لها تفسير حكمها حال وجود غموض به، وأن الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية تكون نافذة بقوة القانون من تاريخ صدورها إلا إذا قررت المحكمة تحديد تاريخ آخر لسريانها، ومن ثم فهي أحكام تسري مستقبلاً ولا علاقة لها بالماضي ولا تسري بأثر رجعي وهذا هو الأصل العام ، إلا أنه واستثناء على ذلك تسري هذه الأحكام بأثر رجعي على النصوص المقضي فيها بعدم دستوريتها وتكون متضمنه عقوبة، فيترتب على الحكم بعدم دستورية هذا النص فيوقف تنفيذ الأحكام التي قضت بالإدانة استناداً لذلك النص وتنتهي آثارها الجزائية.

كتابة: د. محمد سعيد

[1]  كامل السعيد، النظرية العامة للقضاء الدستوري، الطبعة الأولي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2017، صــ 21.

[2]  فهد أبو العثم النسور، القضاء الدستوري بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2016، صـ 335

[3]  نعمان الخطيب، البسيط في النظام الدستوري، الطبعة الأولي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2014، صـ 288

[4]  سامي جمال الدين، القانون الدستوري والشرعية الدستورية وفقا لدستور 2014، الطبعة الثالثة، مؤسسة حورس الدولية للطباعة، الإسكندرية، 2015، صـ 145

[5]  صباح موسي المومني، الرقابة على دستورية القوانين ـ دراسة مقارنة في ضوء التعديلات الدستورية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، عمان، 2017، صـ 246

[6]  نواف سالم كنعان، مبادئ القانون الدستوري والنظام الدستوري الأردني وفقاً للتعديلات الدستورية لعام 2011، دار إثراء للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، عمان، الأردن، 2012، صـ 332

[7]  محمد سليم محمد غزوي، نظريات حول المحكمة الدستورية الأردنية كهيئة قضائية مستقلة للرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، دار وائل للنشر، الطبعة الأولي، عمان، 2014، صـ 43.

Scroll to Top