الدفع بالحصانة القضائية للدبلوماسي

الدفع بالحصانة القضائية للدبلوماسي

هل الاحتجاج بالحصانة الدبلوماسية يكفي به أن يكون الدبلوماسي متمتع بالحصانة الدبلوماسية بتاريخ ارتكاب الجرم، أم يجب أن يكون كذلك بتاريخ عرضه على المحاكمة؟

مثال دبلوماسي: قيدت ضده  شكوى جنحيه بشهر أكتوبر 2022 ، وكان بذلك التاريخ دبلوماسي وبقي كذلك حتى شهر ديسمبر 2022 ، ولم يعلم بوجود شكوى ضده ، علم بها في شهر مارس 2023 بعد أن غادر البلد التي قدمت بها الشكوى الى دولته، وكما نعرف أن الدبلوماسي لا يتمتع بالحصانة في حال عودته لبلده. فهل يجوز له أن يدفع بالحصانة الدبلوماسية لكونه كان يتمتع بها بتاريخ ارتكاب الجرم أو تسجيل الشكوى، أم يجب أن يكون أيضا متمتعا بها بتاريخ الدفع بالحصانة ؟

أولا:  الدفع بالحصانة القضائية للدبلوماسي

لما كان المشتكي  قد  حرر الشكوى محل هذه الدعوى الجزائية ضد المشتكي عليه  بتاريخ …. من أكتوبر عام 2022   ضد المتهم، وكان المتهم خلال هذه الفترة يشغل منصب (.. ) وهو منصب ذو صفة دبلوماسية يمنح صاحبه الحصانة من المسائلة جزائيا أمام القضاء الأردني باعتباره  مبعوث دبلوماسي لدولة (… ) والتي  وحدها صاحبة الولاية القضائية عليه وفقا لما  نصت  عليه المادة ( 11 ) من قانون العقوبات الأردني : ( لا تسري أحكام هذا القانون على الجرائم التي يرتكبها في المملكة موظفو السلك الخارجي والقناصل الأجانب ما تمتعوا بالحصانة التي يخولهم إياها القانون الدولي العام) .

  • وكذلك ما نصت عليه  المادة  (31) من اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية على : ( 1.  يتمتع الممثل الدبلوماسي بالحصانة حيال القضاء الجزائي للدولة المستقبلة كما يتمتع بالحصانة حيال قضائها المدني والإداري إلا فيما يتعلق بالأحوال التالية :
    أ . الدعوى العينية العائدة لعقار خاص يقع في أراضي الدولة المستقبلة ما لم يكن الممثل الدبلوماسي يتصرف به لحساب الدولة الموفدة من اجل أغراض البعثة .
    ب. الدعوى العائدة لشركة يكون فيها الممثل الدبلوماسي منفذا لوصية أو مشرفا عليها أو وارثا أو موصى له شخصية وليس باسم الدولة الموفدة .
    ج. الدعوى العائدة لنشاط مهني أو تجاري مهما كان نوعه يمارسه الممثل الدبلوماسي في الدولة المستقبلة خارج نطاق وظائفه الرسمية .
  1. الممثل الدبلوماسي غير ملزم بأداء الشهادة .
  2. لا يجوز اتخاذ أي إجراء تنفيذي بحق الممثل الدبلوماسي إلا في الحالات المنصوص عليها في البند ( أ و ب و ج ) من الفقرة (1) من هذه المادة شريطة أن يتم التنفيذ دون النيل من حرمة شخصه أو مسكنه .
  3. أن حصانة الممثل الدبلوماسي بالنسبة الى قضاء الدولة المستقبلة لا تعفيه من الخضوع لقضاء الدولة الموفدة) .
  • و  ترتيبا على ذلك و لما كانت شروط تطبيق الحصانة القضائية المقررة في هذه المادة متوفرة في صالح المشتكي عليه  من حيث أنه كان عضوا دبلوماسيا وقت تحرير الشكوى من المشتكي، كما  لم يتوفر في حالته أحد الاستثناءات الواردة في الفقرة الثانية من هذه المادة، مما يوجب تطبيق هذه الحصانة واعتبارها مانعا من مسائلة الدبلوماسي مسائلة جزائية، خاصة وأنه  لم يثبت تنازل الدولة  التي ينتمي إليها الدبلوماسي عن تلك الحصانة وقت رفع الشكوى من المشتكي عليه،  مما يمنع مسائلته جزائيا أمام قضاء الدولة المضيفة له .

ثانيا: الدفع ببطلان إجراءات تحريك الدعوى الجزائية ضد المتهم

ومبنى هذا الدفع أن النص في المادة ( 31 ) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية قد منح الدبلوماسي الحصانة القضائية ضد أي محاولة لمسائلته جزائيا أمام محاكم الدولة المبعوث إليها، ولا يتوقف هذا  المنع عند عدم خضوع الدبلوماسي إلى ولاية القضاء الأردني  أثناء المحاكمة، بل يمتد هذا المنع ليشمل جميع الإجراءات السابقة على المحاكمة، وذلك  من وقت تحرير المجني عليه الشكوى ضد الدبلوماسي وصولا الى تحقيقها من قبل النيابة العامة أو إحالته مباشرة الى محكمة الصلح، كون اتخاذ هذه الإجراءات قد تم  في وقت كان يتمتع فيه  الدبلوماسي بالحصانة القضائية، وهو ما  يعد تعديا على حقه في الحصانة القضائية الممنوحة له في هذا الوقت ويتنافى مع الغاية من منحه تلك الحصانة،  وينبني على ذلك بطلان  هذه الإجراءات وما تلاها من إجراءات كونها بنيت على إجراءات  باطلة تمثلت  في  نظر شكوى المشتكي و تحقيقها و إحالة  المشتكي عليه وهو عضو دبلوماسي للمحاكمة أمام  المحاكم الأردنية رغم عدم اختصاص قضائها ولائيا بمحاكمة الأعضاء الدبلوماسيين.

–  ولا يقدح في ذلك القول بأن الصفة الدبلوماسية قد زالت عن المشتكي عليه  فيما بعد، إذ أن العبرة في ذلك بميعاد البدء في اتخاذ  إجراءات إقامة دعوى الحق العام ضده، حيث بدأت  هذه الإجراءات  في الفترة التي كان يتمتع فيا بالصفة الدبلوماسية داخل المملكة، وهو امر يقتضي وقوع هذه الإجراءات  باطلة بطلانا مطلقا لمخالفتها صريح نص المادة ( 31 ) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية فيما يتعلق بتمتع الدبلوماسي بالحصانة القضائية الجزائية.

كما أنه بالرجوع إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني  فيما يتعلق بأسباب بطلان الإجراءات الجزائية، وأثره على سير الدعوى الجزائية،  نجد أن المادة ( 7 ) منه وضعت مبدأين  في هذا الشأن هما:

1- أن بطلان الإجراء يتحقق كلما كان القانون ينص صراحة على ذلك أو لحق بالإجراء عيب جوهري يؤثر تأثيرا جوهريا في الغاية من اتخاذ هذا الإجراء، وبتطبيق هذا المبدأ على الواقعة نجد أن المادة (31) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والمادة (11 ) من قانون العقوبات قررا بمفهوم المخالفة بطلان جميع الإجراءات الجزائية  التي تتخذ ضد الشخص الدبلوماسي .

2- أن البطلان إذا لحق بأحد الإجراءات فإنه يبطل ما تلاه من إجراءات ما دامت مبنية عليه ومؤثرة فيه وفقا لما قرته الفقرة ( 4 من هذه المادة )، وبتطبيق هذا المبدأ أيضا على الواقعة نجد أن تحريك النيابة العامة للدعوى الجزائية قد تم بناء على شكوى من المشتكي  ضد المشتكي عليه وفي وقت تمتعه بالحصانة القضائية و بدون اتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع هذه الشكوى والمتمثلة في مطالة الدولة التي ينتمي إليها المشتكي عليه بالتنازل عن تلك الحصانة القضائية، فإذا كان هذا الإجراء باطلا فإن ما بني عليه من إجراءات تالية باطلا ولا يعتد.

  • حيث  نصت  المادة ( 7  ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على : ( 1. يكون الإجراء باطلا اذا نص القانون صراحة على بطلانه أو شابه عيب جوهري لم تتحقق بسببه الغاية من الإجراء .
  1. إذا كان البطلان راجعا لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو ولايتها للحكم في الدعوى أو باختصاصها النوعي أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام جاز التمسك به في أي حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب .
  2. يزول البطلان اذا تنازل عنه من شرع لمصلحته صراحة أو ضمنا وذلك باستثناء الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام .
  3. لا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة له أما الإجراءات اللاحقة به فلا تكون باطلة إلا إذا كانت مبنية على الإجراء الباطل) .
  • وترتيبا على ذلك وبمزيد من الإيضاح نجد أن الإجراءات التي اتخذتها النيابة العامة منذ تحرير المشتكي لشكواه تعتبر باطلة بقوة القانون كونها قد اتخذت في مواجهة عضو دبلوماسي وفي وقت تمتعه بهذه الصفة، وقد  منعت اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية تحريك الدعوى الجزائية ضده كون قضاء الدولة الموفد إليها  لا ولاية له عليه وإنما يخضع لقضاء دولته، وبالتالي فإذا كانت اللبنة الأولى لهذه الدعوى المتمثلة في نظر الشكوى الجنحية ضد المتهم،  قد أقيمت على غير صحيح القانون وبالمخالفة لأحكامه وأحكام اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية، ودون اتخاذ الإجراءات التي تجيز مسائلة المبعوث الدبلوماسي جزائيا،  حيث أقيمت في الفترة التي كان يتمتع فيها المتهم بالصفة الدبلوماسية وبالحصانة القضائية   فتكون  باطلة ويترتب على ذلك بطلان ما تلاها من إجراءات وصولا الى بطلان تقديم المتهم للمحاكمة أمام  محكمة الصلح، مما يتعين معه القضاء بعدم ملاحقة المشتكي عليه جزائيا  لتمتعه بالحصانة القضائية أثناء مباشرة إجراءات تحريك الدعوى الجزائية ضده.
  • ومما يعضد هذا الدفع ويؤكده ما ورد في المادة (4/3 )  من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث منعت تحريك الدعوى الجزائية ضد المتهم في الدعاوى التي تتوقف الملاحقة فيها على  الحصول على إذن جهة معينة  يتبعها المشتكي عليه، حيث جاء نصها : (في الدعاوى التي لا يجوز ملاحقتها إلا بناء على طلب أو إذن لا يجوز رفع الدعوى الجزائية أو اتخاذ أي إجراء فيها إلا بعد ورود طلب كتابي أو الحصول على إذن من الجهة المختصة).

وبالرجوع إلى المادة ( 32 / أ ) من اتفاقية فينا نجد أنها قد علقت جواز اتخاذ إجراءات رف الدعوى الجزائية ضد المبعوث الدبلوماسي، إذا ثبت تنازل الدولة الموفدة للدبلوماسي عن حصانته القضائية، حيث جاء نصها : ( أ . يحق للدولة الموفدة أن تتنازل عن الحصانة القضائية الممنوحة للممثلين الدبلوماسيين وللأشخاص المستفيدين من هذه الحصانة بموجب المادة (37) . ).

وهو ما يعني بمفهوم المخالفة عدم جواز اتخاذ هذه الإجراءات إلا بعد الحصول على تنازل صريح  عن حصانة الدبلوماسي القضائية، ولما كان ذلك فإنه كان يجب على المشتكي  أن يطلب رفع الحصانة القضائية أولا عن المتهم حتى يتمكن من  تقديم الشكوى الجزائية ضده، وهو ما لم يحدث في واقعات هذه الدعوى، ولم تنبئ عنه أوراقها، مما يستلزم القضاء برد الدعوى وعدم وملاحقة المشكو في حقه لانتفاء ولاية القضاء الأردني عليه.

  • وقد قضي في حكم سابق صادر عن محكمة بداية جرش بصفتها الاستئنافية ببطلان الإجراءات المتخذة ضد العضو الدبلوماسي، كونها اتخذت دون صدور تنازل من الجهة الموفدة له ما استلزم القضاء بعدم ملاحقة المتهم حيث جاء في الحكم رقم  556 لسنة 2022 – بداية جرش بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2022-06-26 : ( وحيث ورد في ملف القضية أن المشتكى عليه يتمتع بالحصانة بموجب المادة الخامسة البند رقم 18/أ من اتفاقية عام 1946 بصفتهما من مسؤولي الأمم المتحدة وان الأمين العام لم يتنازل عن حصانة المشتكى عليه وأن المشتكى عليه لم يتنازل عن تلك الحصانة صراحة أو ضمناً، وبالتالي فان المشتكى عليه يتمتع بالحصانة من الإجراءات القانونية أمام محكمة صلح جزاء جرش كون الاتفاقيات الدولية اسمى

بالتطبيق، وهذا ثابت من خلال أوراق هذه القضية وكان على المشتكي الحصول على أذن لإقامة الشكوى بحق المشتكى عليه من الجهة المختصة لطلب رفع الحصانة عن المشتكى عليه ).

Scroll to Top