الرجوع عن شهادة الزور

الرجوع عن شهادة الزور

تعتبر الشهادة الزور من الأفعال التي جرمتها التشريعات المتباينة، وعلة التجريم أن الشهادة الزور تؤدي لتغيير المراكز القانونية، والرغبة في تنظيم الرجوع في الشهادة الزور يأتي لرغبة المشرع في تفادي خطورة الشهادة الزور، وسنتناول تنظيم المشرع الأردني للرجوع في الشهادة الزور من خلال النقاط التالية:

أولًا: التعريف بجريمة الشهادة الزور

ثانيًا: الرجوع عن الشهادة الزور أثناء مرحلة التحقيق

ثالثًا: الرجوع عن الشهادة الزور أثناء مرحلة المحاكمة

رابعًا: تطبيقات قضائية

خامسًا: خاتمة

 

أولًا: التعريف بجريمة الشهادة الزور

1- تعريف الشهادة

قبل التعرج للتعريف بجريمة الشهادة الزور يجب علينا التعرف على معنى الشهادة. ويمكن تعريف الشهادة بأنها أقوال يدليها الفرد عن واقعة معينة، ويكون ذلك الادلاء بالشكل الذي ارتضاه المشرع من حيث وجوب حلف اليمين من عدمه، كذلك يكون هذا الادلاء اما جهة من سلطتها سماع الشهود.

 

٢- تعريف الشهادة الزور

من التعريف السابق للشهادة يمكنا تعريف الشهادة الزور بأنها الادلاء بأقوال غير صحيحة بشكل رسمي أمام جهة من اختصاصها سماع الشهود.

وفي ذلك نصت المادة (214/1) من قانون العقوبات نصت على (من شهد زورا امام سلطة قضائية او مأمور له او هيئة لها صلاحية استماع الشهود محلفين او انكر الحقيقة او كتم بعض او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسال عنها ، سواء اكان الشخص الذي ادى الشهادة شاهدا مقبول الشهادة ام لم يكن ، او كانت شهادته قد قبلت في تلك الاجراءات ام لم تقبل يعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى ثلاث سنوات.)

جاء بالحكم رقم 3555 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2019-03-07 (ومن الرجوع إلى جريمة شهادة الزور نجد أنها تقوم على الأركان التالية :

1- أن يكون هناك شهادة أديت أمام القضاء سواء في دعوى مدنية أو جزائية .

2- أن يكون هناك كذب قد وقع في هذه الشهادة من شأنه تغيير الحقيقة في الأمور والوقائع الجوهرية التي لها علاقة بموضوع الدعوى .

3- وقوع الضرر أو احتمال وقوعه .

4- القصد الجنائي باعتبار أن شهادة الزور من الجرائم القصدية التي يتطلب القانون فيها إلى توفر عنصر القصد الجرمي لأن القانون لا يعاقب الشاهد إذا أخطأ أو كذب في أقواله نتيجة لعدم احتياطه أو ميله إلى المبالغة إنما يعاقب إذا كذب عن علم وإرادة .)

 

٣- تكييف جريمة الشهادة الزور كجنحة

المادة (214/1) من قانون العقوبات نصت على (من شهد زورا امام سلطة قضائية او مامور له او هيئة لها صلاحية استماع الشهود محلفين او انكر الحقيقة او كتم بعض او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسال عنها ، سواء اكان الشخص الذي ادى الشهادة شاهدا مقبول الشهادة ام لم يكن ، او كانت شهادته قد قبلت في تلك الاجراءات ام لم تقبل يعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى ثلاث سنوات.)

٤- تكييف جريمة الشهادة الزور كجناية

المادة (214/2) من قانون العقوبات نصت على (واذا وقع منه هذا الفعل في اثناء تحقيق جناية او محاكمتها، حكم عليه بالأشغال المؤقتة واذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام او بعقوبة مؤبدة فلا تنقص عقوبة الاشغال عن عشر سنوات.)

٥- تطبيق نصف العقوبة في جريمة الشهادة الزور

المادة (214/3) من قانون العقوبات نصت على (وان وقعت الشهادة من دون ان يحلف الشاهد اليمين، خفض نصف العقوبة.)

٦- العلة من تجريم الشهادة الزور والاعفاء في حالة الرجوع عنها

يمكن إرجاع تجريم المشرع الأردني للشهادة الزور لعدة أسباب وعلل منها:

1- تحقيق العدالة: حيث أن تجريم الشهادة الزور يؤدي إلى الترهيب من خطورة الشهادة الزور والوقوع تحت طائلة القانون، ومن تحققت تلك الغاية فإن ذلك سيعود بكل تأكيد على سير العدالة وتحقيق اكبر قدر من العدالة وتجنب إدانة بريء بجرم لم يقترفه، او تبرأة مجرم.

2- تقوية  النظام القضائي: النظام القضائي في جوهرة هو عبارة سلطة تتقصى الحقيقة من خلال ما يطرح أمامها من معطيات، تلك المعطيات يكون مصدرها إما الادعاء العام كسلطة تحقيق، المحامي كجهة دفاع، الأدلة والتي منها موضوع مقالنا “شهادة الشهود”، فلا يمكن بأي حال إنكار دور الشهادة في النظام القضائي، الحفاظ على أن تكون الشهادة منضبطة يعمل على تقوية النظام القضائي.

3- حماية المجتمع من الجريمة: تعتبر جريمة الشهادة الزور من الجرائم الخطيرة نسبيا في المجتمع، وترجع خطورتها لأنها تقوم إما بتضعيف الموقف القانون للمشهود عليه فيجرم بريء، أو تقوية موقف المشهود له فيبرأ  مجرم، وكلتا الحالتين ظلم للمجتمع.

وبالتالي، يمكن القول أن تجريم الشهادة الزور يأتي لأسباب عديدة تتعلق بحفظ العدالة والحقوق وتحقيق الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي، وبالتالي فإنه يعد أمراً ضرورياً لضمان إجراء العدالة وحماية المجتمع من الجرائم.

ومن جملة تلك العلل يمكن التعرف بشكل واضح على علة اتجاه المشرع الأردني في الإعفاء من العقوبة حال الرجوع عن الشهادة الزور، ووجهة النظر هنا أن توفير فرصة للرجوع عن الشهادة الزور يسمح بتحقيق العدالة بشكل افضل، فبشكل عام إن تحقيق العدالة أولى من معاقبة الشاهد حال رجوعه عن الشهادة الزور.

ثانيًا: الرجوع عن الشهادة الزور أثناء مرحلة التحقيق

يقصد بمرحلة التحقيق تلك المرحلة التي تبدأ بانتهاء دور مرحلة جمع الاستدلالات عن طريق أجهزة الشرطة وتنتهي برفع يد جهة التحقيق وإحالة ملف القضية للمحكمة، والمشرع الأردني قد أعطى لجهات التحقيق سلطات واسعة لتقصي الحقيقة ولتكييف الواقعة القانونية تكييفا صحيحا، من تلك السلطات سلطة سماع الشهود وذلك بعد تحليف اليمين.

ومن هنا تظهر أهمية الشهادة أمام جهة التحقيق حيث انها تعد من الأدلة القوية التي قد تبعد الاتهام عن شخص ما أو تثبته عليه.

وفي نطاق حديثنا عن الرجوع عن الشهادة الزور فإن المشرع ورغبة في تحقيق العدالة قد اعفى من العقوبة من رجع عن شهادة زور كان قد شهد بها أمام جهات التحقيق ما دام كان رجوعه قبل قفل التحقيق وإحالة القضية للمحكمة، وفي ذلك نصت المادة (215/1) من قانون العقوبات الأردني على (يعفى من العقوبة :الشاهد الذي أدى الشهادة أثناء تحقيق جزائي اذا رجع عن الإفادة الكاذبة قبل ان يختم التحقيق ويقدم في حقه إخبار.).

وبالتعقيب على هذه المادة فيمكنا استنتاج سبب اشتراط المشرع الأردني أن يكون الرجوع عن الشهادة الزور قبل قفل التحقيق في أن الشهادة بعد تمام التحقيق يكون قد رتب عليها مراكز قانونية، وكانت كذلك سببا في تكوين أمر الاحالة.

الا انه ومن وجهة نظرنا نجد أنه واستناد للقاعدة “درأ المفاسد أولى من جلب المصالح”، فإن تقرير معاقبة شاهد الزور اذا غير شهادته بعد قفل التحقيق يعد جلب لمصلحة عامة متمثلة في احترام القانون، لكنها في ذات الوقت مفسدة في منع من شهد زور في الرجوع عن شهادته اذا ما قفل التحقيق خوفا من الملاحقة القانونية، خاصة إذا كانت يصعب اكتشاف كذب الشاهد، فحينها لن نحصل على المنفعة ولن تدرأ المفسدة.

مما يستقيم معه أنه يجب إعطاء الفرصة لمن ارتكب جريمة الشهادة الزور أمام جهات التحقيق أن يرجع في هذه الشهادة وأن يستفاد من الإعفاء المقرر لتحقيق الهدف الأسمى “تحقيق العدالة”

ولا نجد في رأينا شذوذا عن الاعراف التشريعية بل على العكس نجده موافقا لها، فنجد المشرع المصري وفي ما يخص جريمة الرشوة قد اعفى الراشي أو الوسيط من نيل العقوبة اذا ما اعترف بجريمة الرشوة، حيث نصت المادة 107 مكرر من قانون العقوبات على “يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي، ومع ذلك يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا أخبر السلطات بالجريمة أو اعترف بها”، ومن هذا النص نجد أن المشرع المصري قد اعفى متهم من جريمة مكتملة الأركان متى اعترف بجرمه في أي مرحلة كانت عليها الدعوى لغاية أسمى، الغاية هي محاربة الفساد في الجهاز الاداري للدولة وترهيب الموظف من ارتكاب هذا الجرم.

ثالثًا: الرجوع عن الشهادة الزور أثناء مرحلة المحاكمة

كذلك أعطى المشرع الأردني الحق للشهادة في الرجوع عن شهادته في مرحلة المحاكمة ما لم يصدر حكم في الدعوى ولو كان هذا الحكم غير نهائي، وفي ذلك نصت المادة (215/2) من قانون العقوبات  على (الشاهد الذي شهد في اية محاكمة اذا رجع عن شهادته الكاذبة قبل اي حكم في اساس الدعوى ولو غير مبرم.)

ويعقب على هذه المادة بذات التعقيب الذي اوردنها عن الرجوع في مرحلة التحقيق، حيث يجب على المشرع الأردني إعادة النظر في هذا النص حيث انه كسابقه يفوت فرصة أن يرجع الشاهد بشهادة زور عن شهادته خوفا من العقوبة، فيمكن على الاقل تقليل حدة النص بجعل الرجوع جائز متى لم يصدر حكم بات.

رابعًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 811 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية- الصادر بتاريخ 2022-04-18

وحيث وعــن سببــي الطعـــن التمييـــزي :-

والمنصبين على أن المميز قد مثل أمام محكمة جنايات أحداث عمان ورجع عن شهادته التي أحيل بموجبها عن جناية شهادة الزور وأن رجوعه كان قبل صدور قرار قطعي في الدعوى .

وإن القرار الطعين لم يكن مسبباً ولا معلللاً بصورة قانونية ومخالفاً لأحكام المادة (182) من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

وفي ذلك نجد أن المميز كان قد أدلى بشهادته لدى محكمة جنايات أحداث عمان في الدعوى رقم (524/2021) بتاريخ 15/12/2021 أنكر فيها ما ورد بشهادته في القضية التحقيقية رقم (1610/2020) تحقيق مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى حيث شهد أمام مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى أنه شاهد فيديو على هاتف المدعو (رائد خضر) يظهر فيه أشخاص قام بذكر أسمائهم في شهادته ومن ضمنهم المشتكى عليه محمد أحمد إلا أنه وبشهادته لدى محكمة جنايات الأحداث بتاريخ 15/12/2021 ذكر بأنه لم يشاهد محمد أحمد في مقطع الفيديو فقررت المحكمة إحالته إلى المدعي العام للتحقيق معه بجرم شهادة الزور .

وبتاريخ 30/1/2022 وقبل الفصل في موضوع الدعوى الجنائية رقم (524/2021) عاد وأدلى بشهادته وذكر أن شهادته المأخوذة من قبل مدعي عام الجنايات الكبرى صحيحة وأنه شاهد محمد أحمد والآخرين عند خروجهم من الدخلة .

وبالرجــــوع إلــى حكـــم المــادة (215) من قانون العقوبات فقــد نصت على أنــــــــه :- (يعفـــــــــى مــــن العقوبـــــــــة :-

الشاهد الذي أدلى بشهادته أثناء تحقيق جزائي إذا رجع عن الإفادة الكاذبة قبل أن يختم التحقيق ويقدم في حقه إخبار .

الشاهد الذي شهد في أية محاكمة إذا رجع عن شهادته الكاذبة قبل أي حكم في أساس الدعوى ولو غير مبرم) .

وحيث إن المميز رجع عن شهادته بتاريخ 30/1/2022 وقبل أي حكم في أساس الدعوى الجنائية رقم (524/2021) مما يتعين معه قبول الطعن لورود سببيه على القرار المطعون فيه .

لذلك نقرر قبول الطعن ونقض القرار المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني ..

الحكم رقم 566 لسنة 2009 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية- الصادر بتاريخ 2009-06-21

وعن أسباب الطعن التي مؤداها واحد وهو تخطئة محكمة الموضوع بوزن البينة واستخلاص النتائج وتطبيق القانون على الوقائع .

وفي الرد على ذلك ووفق أحكام المادة (147/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وما استقر عليه قضاء محكمتنا أن وزن البينة وتقديرها وترجيح بينة على أخرى من المسائل الواقعية التي تستقل بها محكمة الموضوع دون رقابة عليها في ذلك من محكمة التمييز ما لم تكن النتيجة مستخلصة بصورة غير سليمة وليس لها ما يؤيدها من بينات .

محكمتنا من الرجوع إلى أوراق الدعوى يتبين أن محكمة استئناف عمان بقرارها رقم (112/2007) تاريخ 12/7/2007 الذي سارت على هديه محكمة جنايات عمان بقرارها رقم (1018/2007) قد قامت بمناقشة بينات النيابة وقامت باستخلاص الوقائع وتوصلت إلى استخلاص الواقعة التالية :-

أن المشتكي جبر فوزي جبر نصار قد أسند له تهمة التزوير واستعمال مزور خلافاً لأحكام المواد (260و261و271) عقوبات بموجب القرار الصادر عن المدعي العام في القضية التحقيقية رقم (2431/2004) وذلك بخصوص عرض العطاء المقدم إلى وزارة التخطيط وان المتهم كان قد أدلى بشهادة تحت القسم أمام المدعي العام في القضية المذكورة بتاريخ 22/7/2004 ذكر فيها أنه لم يقم بالتوقيع على عرض هذا العطاء .

وأنه وبعد أن تم إحالة القضية التحقيقية المذكورة إلى محكمة جنايات عمان والتي سجلت بالرقم (790/2005) جرى الاستماع إلى شهادة المتهم

هذه الوقائع الثابتة أصبحت حجة على المتهم واكتسب الحكم به الدرجة القطعية كون المتهم لم يطعن فيه ( تمييز جزاء 370/2006 )) .

وبتطبيق القانون على الوقائع نجد من الرجوع للمادة (214) أنها عرفت شهادة الزور وحددت شروطها وأركانها على النحو الآتي :-

وعليه فإن ما قام به المتهم هاشم رشيد درويش

وعليه فإن هذه الأفعال تشكل العناصر والأركان المكونة لجناية شهادة الزور خلافاً لأحكام المادة (214/2) عقوبات .

وأما عن رجوع المتهم عن أقواله الكاذبة أمام المحكمة وبعد انتهاء التحقيق نجد من الرجوع للمادة (215) عقوبات أنها تنص على ما يلي :-

(( يعفى من العقوبة :-

ان المستفاد من النص أعلاه أن الفقرة الأولى من المادة (215) عقوبات تشترط لإعفاء الشاهد الذي يؤدي شهادة الزور أثناء التحقيق الجزائي أن يكون قد رجع عن شهادته الكاذبة قبل أن يختم التحقيق ويقدم فيه

أما الفقرة الثانية من المادة (215) عقوبات فإنها تشترط للإعفاء من العقوبة أن الشاهد الذي شهد في أية محاكمة إذا رجع عن شهادته الكاذبة قبل أي حكم في أساس الدعوى ولو غير مبرم .

أي أن المستفاد مما تقدم ووفق أحكام المادة (215) عقوبات وما استقر عليه قضاء محكمتنا أنه يشترط لإعفاء الشاهد الذي يؤدي شهادة الزور أثناء التحقيق الجزائي أن يكون قد رجع عن إفادته الكاذبة قبل أن يختم التحقيق ويقدم في حقه

وعليه فإن رجوع المتهم أمام محكمة جنايات عمان رقم (790/2005) عن شهادته لا يعفيه من العقاب كونه لم يرجع عن شهادته الكاذبة أثناء التحقيق قبل اختتام التحقيق وان رجوعه كان أمام المحكمة .

لذلك وحيث أن محكمة استئناف عمان وبما لها من صلاحية في وزن البينة وتقديرها قد توصلت لهذه النتيجة فيكون قرارها موافق للقانون والأصول وأسباب الطعن لا ترد عليه ويتعين ردها .

لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر رد الطعن.

الحكم رقم 823 لسنة 2010 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2010-09-22

2 وعن سبب الطعن التمييزي والذي ينصب على تخطئة محكمة الاستئناف بتطبيق القانون على وقائع الدعوى من حيث أن رجوع الشاهد عن شهادة الزور الذي يعتد به هو الذي يتم أمام ذات المرجع القضائي الذي شهد أمامه .

وفي هذا نجد أن المتهم بشهادة الزور حتى يستفيد من حالة الإعفاء من العقوبة المنصوص عليها في المادة 215 من قانون العقوبات المتعلقة برجوع الشاهد عن شهادته يجب عليه أن يذهب إلى المحكمة التي شهد أمامها أول مرة وان يرجع عن شهادته التي أدلى بها أمامها سابقاً وأن يذكر الحقيقة وطالما أن المتهم المميز ضده لم يفعل ذلك فتكون محكمة الاستئناف قد أخطأت في تفسير المادة 215 من قانون العقوبات ” قرار محكمة التمييز رقم 1506/2008 تاريخ 18/11/2008 و 1341/2008 تاريخ 26/10/2008 ” عندما أيدت محكمة الدرجة الأولى بإعفاء المتهم المميز ضده من العقاب وبالتالي فإن هذا السبب يرد على القرار المطعون فيه ويتعين نقضه .

خامسًا: خاتمة وتوصيات

تحدثنا في هذا المقال عن أحكام الرجوع عن الشهادة الزور في التشريع الأردني، بينا أن الشاهد الذي يريد أن يرجع عن شهادته الزور ويستفيد من الإعفاء فإن ذلك مشروط، فإذا كان قد ادلى الشهادة أمام جهة تحقيق وجب عليه الرجوع قبل انتهاء التحقيق، وإذا كان قد أدلى بشهادته أمام المحكمة فلابد أن يكون الرجوع قبل صدور حكم في القضية ولو كان الحكم غير بات. وقد عقبنا على تلك النصوص في انها اغفلت غاية أقوى من مجرد تعزير الشاهد بشهادة زور، تلك الغاية هي تحقيق العدالة، يمكن استدراك هذا الاغفال عن طريق تعديل تشريعي يعطي فرصة اكبر للرجوع عن شهادته الزور دون الخوف من إيقاع العقوبة طالما كان رجوعه طواعية منه، تلك الفرصة بأن يمتد حد الإعفاء من العقوبة حتى صدور حكم بات في القضية، وبعد صدور الحكم يعزر الشاهد بشهادة زور مع مراعاة ايضا الا يكون هذا التعزير قاسيا بحيث يستحيل معه رجوع الشاهد في شهادته الزور. ويراعى في ذلك أحكام الضمان متى تخلف عن تلك الشاهدة اضرار. ويمكن الرجوع إلى المبادئ الفقهية الراسخة في هذا المجال للوصول للغاية المباراة. ومن تلك الآراء:

(كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) هَذَا الْبَابُ لَهُ رُكْنٌ وَشَرْطٌ وَحُكْمٌ فَرُكْنُهُ قَوْلُ الشَّاهِدِ رَجَعْت عَمَّا شَهِدْت بِهِ أَوْ شَهِدْت بِزُورٍ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْقَاضِي وَحُكْمُهُ إيجَابُ التَّعْزِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ رَجَعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِ أَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا وَالضَّمَانُ مَعَ التَّعْزِيرِ إنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا وَقَدْ أَزَالَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى قَالَ – رَحِمَهُ اللَّهُ – (إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا سَقَطَتْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يُتْلِفُوا بِهَا شَيْئًا[1].

إنَّ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ مُحَرَّمَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ حَتَّى أَنَّهَا مُعَادِلَةٌ – وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ – لِلْإِشْرَاكِ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ (أَبُو السُّعُودِ)[2] .

عَنْ كُلِّ أَوْ بَعْضِ الشَّهَادَةِ – إذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَنْ كُلِّ شَهَادَتِهِ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ بَعْضِ شَهَادَتِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِشَيْءٍ أَيْضًا، وَتَبْطُلُ الشَّهَادَةُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ فَسَّقَ نَفْسَهُ (أَبُو السُّعُودِ) [3].

  • من أغرم رجلاً شيئاً بشهادة أخطأ فيها كان عليه غرم خطئه[4]

الْمَحَاسِنُ: إنَّ الرُّجُوعَ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ مَرْغُوبٌ وَمَشْرُوعٌ دِيَانَةً؛ لِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ عَنْهَا خَلَاصًا مِنْ الْعِقَابِ الْكَبِيرِ، إذْ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَى الشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ زُورًا سَوَاءٌ أَكَانَ عَنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ التَّوْبَةُ، وَلَا تَكُونُ التَّوْبَةُ إلَّا بِالرُّجُوعِ عَنْهَا فِي حُضُورِ الْقَاضِي وَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ زُورًا أَنْ يَرْجِعَ حَالًا عَنْ شَهَادَتِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ حَيَاؤُهُ مِنْ النَّاسِ وَخَوْفُهُ مِنْ لَوْمِ اللَّائِمِينَ مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْحَقِّ أَوْلَى مِنْ الدَّوَامِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْحَيَاءُ مِنْ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ الْحَيَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ (عَبْدُ الْحَلِيمِ وَالزَّيْلَعِيّ)[5] .


كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] ص237 – كتاب الجوهرة النيرة على مختصر القدوري – كتاب الرجوع عن الشهادة – المكتبة الشاملةْ

[2] ص457 – كتاب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام – المادة إذا ألح المشهود عليه على القاضي بتحليف الشهود – المكتبة الشاملة.

[3] ص459 – كتاب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام – المادة رجع الشهود عن شهادتهم بعد الشهادة وقبل الحكم في حضور القاضي – المكتبة الشاملة

[4] ص653 – كتاب الجامع لمسائل المدونة – كتاب الرجوع عن الشهادات – المكتبة الشاملة

[5] ص459 – كتاب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام – المادة رجع الشهود عن شهادتهم بعد الشهادة وقبل الحكم في حضور القاضي – المكتبة الشاملة

Scroll to Top