سلطة القاضي في تعديل العقد بسبب الحادث الطارئ   

سلطة القاضي في تعديل العقد بسبب الحادث الطارئ   

الأصل في العقود أن يلتزم كل متعاقد بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بموجب العقد ولقد أكد المشرع الأردني على ضرورة تنفيذ العقد طبقا لما تم الاتفاق عليه حيث نصت المادة (199) فقرة (2) على إنه ” أما حقوق العقد فيجب على كل من الطرفين الوفاء بما أوجبه العقد عليه منهما” وفي ذات المعنى أيضا نصت المادة (202) من القانون رقم 43 لسنة 1976 حيث نصت على إنه ” يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.”

كما نص عليها صراحة بمقتضي نص المادة (159) فقرة (1) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني حيث نصت على إنه” الأصل أنه لا يجوز لأحد طرفي التعاقد أن يستقل بنقضه أو تعديله ولا يجوز ذلك للقاضي لأنه لا يتولى إنشاء العقود عن عاقديها وإنما يقتصر علمه على تفسير مضمونها بالرجوع إلى نية هؤلاء العاقدين، فلا يجوز إذن نقض العقد أو تعديله إلا بتراضي عاقديه ويكون هذا التراضي بمثابة تعاقد جديد، أو لسبب من الاسباب المقررة في القانون كما هو الشأن في أسباب الرجوع في الهبة.”

إلا أنه في بعض الأحيان قد تحدث ظروف وحوادث استثنائية طارئة لم يكن في الإمكان توقعها تجعل تنفيذ المدين لالتزاماته مرهقا وهو ما يعرف بنظرية الظروف الطارئة وهي استثناء من الأصل العام في العقود حيث تجيز للقاضي في بعض الحالات التي نص عليها القانون أن يتدخل لتعديل بعض بنود العقد سواء بتخفيف الالتزامات الواردة بها أو إلغاء بعضها أو تأجيلها وفقا للسلطة التقديرية للقاضي.

وسوف نبحث في هذا المقال مدي سلطة القاضي في التدخل لتعديل العقود بسبب الحادث الطارئ على النحو التالي: –

أولا: المقصود بالحوادث الطارئة

ثانيا: -الشروط الواجب توافرها لتطبيق نظرية الحادث الطارئ

ثالثا: -التمييز بين القوة القاهرة والحادث الطارئ

رابعا: -سلطة القاضي في تعديل العقد بسبب الحادث الطارئ

خامسا: – صور تدخل القاضي لرد الالتزام إلى الحد المعقول

سادسا: – سلطة القاضي في فسخ العقد بسبب الظروف الطارئة

 

أولا: المقصود بالحوادث الطارئة

المشرع الأردني قد تصدي لتعريف الحوادث الطارئة بمقتضي نص المادة (205 )من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 والتي نصت على إنه ” إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلا، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن‎ اقتضت العدالة ذلك. ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك.”

ويستفاد من نص المادة السابقة أن المشرع قد عرف الحوادث الطارئة التي تجيز للقاضي التدخل في تعديل بنود العقود على إنها حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها يترتب عليها عدم تمكن المدين من تنفيذ التزامه أو أن يكون تنفيذ الالتزام مرهقا أو يترتب على تنفيذه خسارة فادحة وفي هذه الحالة جاز للقاضي التدخل بتعديل تلك البنود التي صارت مرهقة بما يوازن بين مصلحة الطرفين.[1]

ثانيا: -الشروط الواجب توافرها لتطبيق نظرية الحادث الطارئ

يستفاد من نص المادة (205) من القانون المدني الأردني أنه يشترط لتطبيق نظرية الظروف الطارئة توافر أربعة شروط نوردها على النحو التالي: –

1-   أن يكون العقد متراخي التنفيذ

يشترط لكي يتم تطبيق نظرية الحادث الطارئ أن يكون العقد المثار بشأنه تطبيق النظرية من العقود المتراخية التنفيذ فيكون هناك زمن بين إبرام العقد وبين تنفيذه ذلك أن قوام نظرية الظروف الطارئة هو وقوع حوادث استثنائية لم يكن في الإمكان توقعها ولا يتصور حدوث ذلك إلا في العقود التي يستغرق تنفيذها مدة زمنية طويلة مثل عقود المقاولة والتوريد وقد تطبق نظرية الحادث الطارئ على العقود الفورية إذا كان تنفيذ الالتزام مؤجل. [2]

2-   أن يقع حادث استثنائي عام بعد صدور العقد

يشترط لتطبيق نظرية الظروف الطارئة أن يكون الحادث الذي وقع هو حادث استثنائي عام وهو الذي يكون خارج عن المعتاد يندر حدوثه ومنها الكوارث الطبيعية مثل الزلازل أو البراكين أو قرارات سياسية للدولة مثل إلغاء تسعيرة أو رفعها.

كما يشترط أن يكون هذا الحادث عاما فلا يعتد بالحوادث الشخصية التي تقع للمدين مثل إفلاسه أو الحجز على أمواله أو صدور حكم بحبسه أو غيرها من الحوادث بل يشترط أن يكون حادث عاما وقع لعموم الناس.

3-   ليس في الإمكان توقعه

يلزم لاعتبار الحادث ظرف طارئ يجيز للقاضي التدخل في تعديل العقد أن يكون الحادث استثنائيا ولا يمكن توقعه ومن ذلك ما أورده الدكتور/ عبد الرازق السنهوري في كتابه نظرية الالتزام بوجه عام أن فيضان النيل لا يكون حادث استثنائي إلا إذا كان هذا الفيضان لا يمكن توقعه وعلى ذلك إذا كان الحادث الطارئ متوقع الحدوث وقت التعاقد لا تنطبق نظرية الظروف الطارئة ومن ذلك مثلا العقود الاحتمالية التي يتوقع فيها الخسارة.

كذلك لا يكفي كون الحادث غير متوقع حتى يعتبر من قبيل الظروف الطارئة بل أيضا يشترط أن يكون مما لا يمكن دفعه فإذا كان من الممكن دفعه فلا مجال لتطبيق نظرية الظروف الطارئة ذلك أن تدخل القاضي لتعديل بنود العقد هو استثناء لا يجوز التوسع فيه فإن استطاع المدين دفع الحادث الطارئ فعلة الاستثناء قد انتفت.

4-   أن يكون من شأن تلك الحوادث أن تجعل تنفيذ الالتزام مرهقا لا مستحيل

يتشرط أيضا لتوافر الظرف الطارئ الذي يبيح للقاضي التدخل بتعديل العقد أن يكون من شأن هذا الحادث أن يجعل تنفيذ الالتزام مرهقا كأن يترتب على تنفيذ الالتزام خسارة فادحة لا يمكن تجنبها بالنسبة للمدين والعبرة في هذا الشأن بموضوع العقد ذاته وليس بشخص المتعاقد كأن يترتب على العقد خسارة فادحة ولكن المدين شخص فاحش الثراء فلن تتأثر ثروته في المجمل. [3]

ثالثا: -التمييز بين القوة القاهرة والحادث الطارئ

لقد عرف المشرع الأردني القوة القاهرة بمقتضى نص المادة (247) من القانون رقم 43 لسنة 1976 والتي نصت على إنه ” في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة وفي كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين. ” وبهذا التعريف يتشابه مفهوم القوة القاهرة مع مفهوم الحادث الطارئ من عدة أوجه لكن يمكن التفريق بينهما عن طريق أوجه الاختلاف بينهما على النحو التالي: –

1-   أوجه التشابه بين القوة القاهرة والحادث الطارئ

تتشابه القوة القاهرة مع الحادث الطارئ من حيث الشروط الواجب توافرها في الحادث نفسه فيشترط في كلا منهما أن يكون الحادث استثنائيا كما يشترط أن يكون لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه.

2-   أوجه الاختلاف بين القوة القاهرة والحادث الطارئ

تختلف نظرية الظرف الطارئ عن نظرية القوة القاهرة من الأوجه الأتية: –

  • الأثر المترتب على الحادث الاستثنائي حيث يترتب علي توافر الظرف الطارئ أن يجعل تنفيذ المدين لالتزامه مرهقا بينما يترتب على القوة القاهرة استحالة التنفيذ.
  • الأثر المترتب على الالتزام في حالة توافر كلا منهما حيث يترتب على توافر الظرف الطارئ أن يتدخل القاضي لرد الالتزام إلى الحد المعقول بينما يترتب على استحالة التنفيذ الناتجة عن القوة القاهرة أن ينقضي الالتزام وفقا لما نصت عليه المادة (247) من القانون المدني رقم 43 لسنة 1976.
  • العقود التي تسري بشأنها كلا من نظرية الظرف الطارئ ونظرية الظروف الطارئة إذ أن الصورة الأعم لتطبيق نظرية الظروف الطارئة هي العقود المتراخية أو العقود الفورية المؤجلة أما نظرية القوة القاهرة فمن المتصور تطبيقها على أي نوع من أنواع العقود طالما توافرت شروطها. [4]

ولقد وضح المشرع الأردني هذا الاختلاف بين القوة القاهرة والحادث الطارئ بمقتضى نص المادة (159) فقرة 4 من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني والتي نصت على إنه ” ونظرية الطوارئ غير المتوقعة تختلف عن نظرية القوة القاهرة في أن الطارئ غير المتوقع لا يجعل التنفيذ مستحيلا بل يجعله مرهقا يجاوز السعة دون أن يبلغ به حد الاستحالة ويستتبع ذلك قيام فارق أخر يتصل بالجزاء فالقوة القاهرة تفضي إلى انقضاء الالتزام وعلى هذا النحو يتحمل الدائن تبعتها كاملة أما الطارئ غير المتوقع فلا يترتب عليه إلا إنقاص الالتزام إلى الحد المعقول وبذلك يتقاسم تبعته الدائن والمدين .”

رابعا: -سلطة القاضي في تعديل العقد بسبب الحادث الطارئ

إذا وقع حادث استثنائي توافرت فيه الشروط السابقة يحوز للقاضي أن يتدخل في العقد لرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول وقد يتخذ رد الالتزام إلى الحد المعقول عدة صور فليس بالضرورة أن يتخذ رد الالتزام صورة إنقاص الالتزام بل إنه في بعض الاحيان قد يتخذ رد الالتزام إلى الحد المعقول صورة زيادة الالتزام المقابل أو تأجيل تنفيذه كأن يكون هناك حادث طارئ قد أدى إلى ارتفاع أسعار سلعة معينة ومن المتوقع أن ينخفض سعر هذه السلعة بعد فترة زمنية معينة في هذه الحالة يكون رد الالتزام إلى الحد المعقول هو تأجيل تنفيذ الالتزام لفترة زمنية محددة .

وقد يكون تدخل القاضي لرد الالتزام عن طريق زيادة الالتزام المقابل كما هو الحال في حالة تعاقد تاجر على توريد سلعة معينة مقابل مبلغ مالي معين وخلال تنفيذ العقد ارتفع ثمن تلك السلعة ارتفاعا غير مسبوق في هذه الحالة يتدخل القاضي عن طريق رفع ثمن السلعة في الاتفاق بما يتفق مع مجريات العدل كأن يقسم الزيادة المبالغ فيها على الطرفين يتحمل كل طرف نصفها.

ويراعي عند تدخل القاضي لرد الالتزام إلى الحد المعقول الشروط الأتية: –

1-   تقدير القاضي للظروف المحيطة

يلتزم القاضي في نظره للطروف الطارئة بمراعاة الظروف المحيطة بكل قضية على حدة ويقتصر تدخله على تلك الظروف وهو ما نص عليه المشرع صراحة بمقتضى نص المادة 205 من القانون المدني رقم 43 لسنة 1976 حيث نصت على “جاز للمحكمة تبعا للظروف……”[5]

2-   الموازنة بين مصلحة طرفي العقد

يلتزم القاضي عند تدخله في العقد لرد الالتزام الذي أصبح مرهق بسبب الظروف الطارئة إلى الحد المعقول بأن يوازن أثناء هذا التدخل بين مصلحة الطرفين فلا يكون رفع الالتزام من على كاهل المدين سببا في خسارة للبائع بل يجب أن تتم الموازنة بين مصلحة الطرفين وقد أورد المشرع هذا القيد بخصوص الحادث الطارئ حيث نصت المادة 205 من القانون المدني الأردني على ” وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين”

3-   رد الالتزام إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك

وقد أورد المشرع الأردني قيدا هاما على سلطة القاضي في التدخل لتعديل الالتزام وهو أن يكون هذا التدخل إلى الحد المعقول كما أورد قيد أخر وهذا القيد لم ينص عليه المشرع المصري وهو شرط إن اقتضت العدالة ذلك حيث استعاض عنها المشرع المصري بمقتضى نص المادة (47) فقرة (2) بجملة “ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك”

ولقد أكد المشرع الأردني على أهمية هذين الشرطين حيث نصت المادة (159) فقرة (3) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني على إنه ” وإذا كانت نظرية الطوارئ غير المتوقعة تستجيب لحاجة ملحة تقتضيها العدالة  فهي تستهدف للنقد باعتبارها مدخلا لتحكم القاضي ، بيد أن المشروع قد احتاط في أن يكفل لها نصيبا من الاستقرار فأضفى عليها صبغة مادية يتجلى أثرها في تحديد الطارئ غير المتوقع ، وفي إعمال الجزاء الذي يترتب على قيامه ، فلم يترك أمر هذا الطارئ للقضاء يقدره تقديرا ذاتيا أو شخصيا بل استعمل المشروع عبارة ( إن اقتضت العدالة ذلك ) وهي عبارة تحمل في ثناياها معنى الإشارة إلى توجيه موضوعي النزعة وفضلا عن ذلك فإذا تثبت القاضي من قيام الطارئ غير المتوقع عمد إلى إعمال الجزاء برد الالتزام الذي أصبح يجاوز السعة ، إلى ( الحد المعقول ) وهذا قيد أخر مادي الصبغة . هذا فضلا عن اشتراط أن يكون الطارئ حادثة استثنائية عامة كالفيضان والجراد وليست خاصة بالمدين كحريق المحصول مثلا “.

خامسا: – صور تدخل القاضي لرد الالتزام إلى الحد المعقول

يتخذ تدخل القاضي لرد الالتزام إلى الحد المعقول وفقا للضوابط السالف ذكرها عدة صور أهمها: –

  • إنقاص الالتزام إلى الحد المعقول.
  • زيادة الالتزام المقابل.
  • وقف تنفيذ العقد لحين زوال الحادث الطارئ.

سادسا: – سلطة القاضي في فسخ العقد بسبب الظروف الطارئة

لا يحق للقاضي في حالة الظروف الطارئة فسخ العقد سواء في التشريع الأردني أو غيره من التشريعات مثل التشريع المصري حيث أن مقتضي تطبيق نظرية الظروف الطارئة هو الموازنة بين مصلحة الطرفين أما سلطة القاضي في توقيع جزاء الفسخ تكون في حالة أن يستحيل التنفيذ بينما سبق وأن أوضحنا أن مناط نظرية الظروف الطارئة أن يكون تنفيذ الالتزام مرهقا وليس مستحيلا.

 

[1] – سلطة القاضي في تقدير نظرية الظروف الطارئة في القانون المدني رسالة ما جستير اعداد /حنين سليمان سليم شويكي اشراف الدكتور عبد الناصر الشريف ص3

[2] – نظرية الالتزام للدكتور عبد الرازق السنهوري – المجلد الأول مصادر الالتزام ص 643

[3] – سلطة القاضي في رد التوازن العقدي عند تحقق الظروف الطارئة دارسة في القانونين الليبي والجزائري – مجلة الدراسات القانونية العدد السابع والعشرون إعداد الدكتورة بالجيلالي خالد ص158

[4] – الظروف الطارئة وأثرها على العقود المالية المعاصرة إعداد/عمر أحمد أحمد مقبل مرعي ص542

[5] – تدخل القاضي في العقود المدنية ضمن التشريعات الفلسطينية دراسة مقارنة كتابة / مرام سعيد راضي الخاروف اشراف / الدكتور أشرف ملحم ص66

Scroll to Top