الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي كآلية لمنع الغش الفكري في الأبحاث العلمية

في محاولة للتعايش مع تطور الذكاء الاصطناعي الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي كآلية لمنع الغش الفكري في الأبحاث العلمية

تعرضنا في مقالات سابقة للمشكلات التي يمكن أن يتسبب فيها استخدام الذكاء الاصطناعي، في هذا المقال سنحاول التفكير في حل من الحلول للتعايش مع تطور الذكاء الاصطناعي، وفي هذا المقال سنتناول فكرة للتعايش مع الذكاء الاصطناعي فيما يخص منع الغش الفكري في الأبحاث العلمية وذلك عن طريق الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال دارسة ألية تطبيق تلك الفكرة من وجهة نظر قانونية، وسيكون ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: تعريف البحث العلمي

ثانيًا: خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي على البحث العلمي دون ضوابط

ثالثًا: الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي لمنع الغش الفكري

رابعًا: مشروعية قرار الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي في القانون الإداري

خامسًا: تطبيقات قضائية

سادسًا: خاتمة

 

أولًا: تعريف البحث العلمي

عرض الباحثون تعريفات شتى للبحث العلمي، وهم في كل تعريف يصدر الواحد منهم عن منظور خاص، وتصور شخصي يصعب معه الشمول، كما نرى بعضهم حدد معنى البحث على أساس ميدانه، فالبحث في العلوم التجريبية له تعريف محدد، والبحث الأدبي له منحى معين، والبحث الديني قد يكون له مفهوم يختلف عنها جميعًا.[1]

ويمكن تعريف البحث العلمي بأنه ”إعمال الفكر وبذل الجهد الذهني المنظم حول مجموعة من المسائل أو القضايا، بالتفتيش والتقصي عن المبادئ أو العلاقات التي تربط بينها، وصولاً إلى الحقيقة التي ينبني عليها أفضل الحلول لها[2].

– تعريف التزييف العميق

يُعرف التزييف العميق بأنه عملية إنشاء محتوى إعلامي رقمي، مثل الصور أو الفيديوهات، بحيث يكون من الصعب أو المستحيل تمييزه عن المحتوى الحقيقي. ويمكن استخدام التزييف العميق في تزوير وسائل الإثبات الإلكترونية، مما قد يؤدي إلى صعوبة إثبات صحة هذه الوسائل، وبالتالي قد يؤثر على حجيتها في الإثبات.

ثانيًا: خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي على البحث العلمي دون ضوابط

أن ان وظيفة الصناعة القانونية تنظيم المراكز القانونية المعتبرة ومواجهة ما قد تتعرض له تلك المراكز من تعدي يمس بها. وقبل الحديث عن حل لمواجهة الغش الفكري لابد أولا أن نضع أيدينا على المصلحة المعتبرة مستحقة الحماية ثم بعد ذلك نرصد ما قد يعترض تلك المصلحة من تعدي.

١-المصلحة المحمية

في مجال البحث العلمي فإن المصلحة المحمية تتمثل في حماية حقوق الملكية الفكرية للآخرين من تعدي الباحث عليها، وكذلك حماية المركز القانوني الذي يحصل عليه الباحث بموجب بحثه من حصول من لا يستحق عليه.

ويؤكد تلك الحماية ما أورده قانون حق المؤلف حيث نصت المادة (49) من قانون حماية حق المؤلف الأردني المصنف على (للمؤلف الذي وقع الاعتداء على أي حق من الحقوق المقررة له على مصنفه بمقتضى أحكام هذا القانون الحق في الحصول على تعويض عادل عن ذلك على ان يراعي في تقديره مكانة المؤلف الثقافية وقيمة المصنف الأدبية أو العلمية أو الفنية له وقيمة المصنف الأصلي في السوق ومدى استفادة المعتدي من استغلال المصنف ويعتبر التعويض المحكوم به للمؤلف في هذه الحالة ديناً ممتازاً على صافي ثمن بيع الأشياء التي استخدمت في الاعتداء على حقه وعلى المبالغ المحجوزة في الدعوى.)

٢- وجه الاعتداء

يكون الاعتداء في مجال البحث العلمي أن يقوم الباحث باستخدام أجزاء من مصنفات الغير دون نسبتها إليهم، فيؤثر ذلك على الحكم على بحثه فيكون تعديا على المركز القانوني الذي حصل عليه الباحث بموجب هذا البحث.

ونظم قانون حق المؤلف العقاب على هذا الاعتداء حيث  نصت المادة (51/أ/1) من قانون حماية حق المؤلف الأردني المصنف على (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد على ستة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل من باشر بغير سند شرعي احد الحقوق المنصوص عليها في المواد ( 8،9،10،23) من هذا القانون.)

وفي نطاق حديثنا عن الذكاء الاصطناعي فالان الإشكالية تكمن في حدوث التعدي المنوه عنه سابقا منى تم استخدام الذكاء الاصطناعي دون بيان، حيث يمكن أن يستعين بالذكاء الاصطناعي لتوليد بحثه فيتعدى بذلك على المركز القانوني المؤهل له، كذلك يعد نسب المعلومات المتولدة من الذكاء الاصطناعي لنفسه نوعا من أنواع التعدي على حقوق الملكية الفكرية.

ومن الإشكالية كذلك الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي دون ضوابط انحدار الوعي المعرفي، حيث أن الاعتماد على مجرد سؤال الذكاء الاصطناعي واستخدام النتائج في توليد أبحاث سيعمل على انحدار الوعي المعرفي وسنكون حينها مجرد مساعدين لآلة الذكاء الاصطناعي ندخل معطيات وننتظر نتائج.

ولا يستطيع أحد أن يعتمد في حله لتلك الإشكالية على إقصاء الذكاء الاصطناعي لأن هذا الإقصاء حاليا يعد ضربا من الخيال، لعدة أسباب، منها الإيجابي وان الذكاء الاصطناعي متى استخدم بطريقة صحيحة سيعمل على تطوير البحث العلمي والوصول إلى نتائج افضل، ومنها السلبي أن هذه الوسيلة أصبحت متاحة دون قيود ويصعب اكتشافها ومن الصعب السيطرة على استخدامها في الأبحاث العلمية.

مما يمكن معه القول إنه يجب التعامل بحيطة مع تلك الإشكالية ومحاولة إيجاد حلول غير نمطية.

ثالثًا: الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي لمنع الغش الفكري

تكمن الفكرة في الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي لمنع الغش الفكري في الأبحاث العلمية في أننا نبحث عن طريقة تؤمن لنا استخدام عادل للذكاء الاصطناعي مع الحد من الغش الفكري، والرأي عندنا أن هذا النهج يعد مناسبًا من عدة أوجه ونبينها في النقاط التالية:

1- مواكبة التطور والاستفادة من الذكاء الاصطناعي

إذا نظرنا إلى تطور طرق جمع الباحث للمعلومات التي يستخدمها نجده قد مرة بعدة مراحل، المرحلة التقليدية والتي كان يعتمد فيها الباحث على وسائل تقليدية في جمع المعلومات، مثل السفر إلى المكتبات وتتبع الطبعات المختلفة من الكتب، والمرحلة الحديثة وهي المرحلة الحديثة والتي ظهرت فيها المكتبات الرقمية، وأصبح الباحث يستطيع الوصول للمراجع بطريقة أسهل.

وفي الوقت الراهن أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي ضرورة منطقية لتطور طرق جمع الباحث للمعلومات، حيث أن استخدام الذكاء الاصطناعي سيضيف كثيرًا لجودة البحث العلمي منى تم استخدامه بطريقه صحيحة، حيث أنه مفيد في جمع المعلومات حيث أنه قادر من خلال الخوارزميات الخاصة جمع المعلومات بشكل أكفء من الطرق التقليدية، بالإضافة إلى أنه متى تم إعطاءه معطيات منضبطة يمكن أن يعطي أفكار جديدة يتم الاستفادة منها في البحث.

2- استغلال الشغف بالذكاء الاصطناعي بطريقة مشروعة

لا أحد يستطيع أن ينكر أن للاستخدام الذكاء الاصطناعي شغف حيث يجد الإنسان نفسه في ذهول من كم المعلومات المتدفقة حينما يشرع في سؤاله عن شيء معين، هذا الشغف يمكن استغلاله بطريقة صحيحة عندما يضبط الاستخدام.

هذا الاستخدام متى كان مشروعًا فإنه سينفذ شغف الباحث في استخدام الذكاء الاصطناعي ولكن بطريقة مشروعة بدل أن يكون استخدامه عبارة عن غش فكري.

3- التقدير العادل لمستوى إبداع  صاحب الرسالة

إن ما أراه الأهم في الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي هو التقدير العادل لمستوى الإبداع لصاحب الرسالة، حيث أن استخدام الذكاء الاصطناعي دون بيان يجعل الحكم على المصنف حكم غير عادل لأنه سيعطي الباحث ما لا يستحق.

على النقيض فحين نلزم الباحث باستخدام الذكاء في البحث العلمي فأنني نستطيع أن نحكم بشفافية على مقدار إبداع الباحث من خلال تقيم ما قام به الباحث من مساهمة بفكره الخاص، كذلك تقييم استخدامه للذكاء الاصطناعي من خلال تقييم مدخلاته للذكاء الاصطناعي وتقييم توظيفه لمخرجات الذكاء الاصطناعي في بحثه. مما سيكون معه في النهاية حكمًا عادلا عن إبداع الباحث في البحث العلمي.

– آلية تطبيق الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي.

فيمكن تطبيق الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي عن طريق صدور قرار من جهة الإدارة المختصة بإلزام الباحث باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويكون ذلك عن طريق تحديد النسبة العادلة في استخدام الذكاء لكي لا يكون البحث أجوف خالي من الإبداع، ولتحديد كيفية توظيف مستخرجات الذكاء الاصطناعي في البحث، على أن يتم بيان المدخلات والمخرجات للوقوف على نسبة الإبداع في البحث.

رابعًا: مشروعية قرار الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي في القانون الإداري

1- تعريف القرار الإداري:

القرار الإداري هو قرار تتخذه جهة الإدارة بناءً على صلاحياتها واختصاصاتها، ويتعلق بتنظيم الشؤون الإدارية واتخاذ إجراءات قانونية أو إدارية أو مالية.

2- صلاحية الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي كقرار إداري:

ان تطبيق المقترح باستخدام الذكاء الاصطناعي لمنع الغش الفكري في كتابة البحث العلمي يكون عن طريق إصدار قرار إداري يلزم بذلك، وهذا القرار لابد أن يصدر وفق متطلباته القانونية  والتي يمكن اشتقاقها من نص المادة (7/أ) من قانون القضاء الإداري والتي نصت على: (تقام الدعاوى على صاحب الصلاحية في إصدار القرار الطعون فيه أو من أصدره بالنيابة عنه، ويشترط أن تستند الدعوى على سبب أو أكثر من الأسباب التالية:

  1. عدم الاختصاص.
  2. مخالفة الدستور أو القوانين أو الأنظمة أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها.
  3. اقتران القرار أو إجراءات إصداره بعيب في الشكل.
  4. إساءة استعمال السلطة.
  5. عيب السبب.)

أ- الصلاحية: أن يصدر القرار من الجهة بتنظيم الأبحاث العلمية. ومن ذلك ما نصت عليه المادة (4/أ) من نظام البحث العلمي في الجامعة الأردنية إذ نصت على (يتولى المجلس المهام والصلاحيات التالية: اقتراح سياسة البحث العلمي في الجامعة وأولوياته ورفعها لمجلس العمداء لإقرارها.)، وكذلك المادة (5/أ) من ذات النظام إذ نصت على (يجتمع المجلس بدعوة من الرئيس أو نائبه عند غيابه ويكون اجتماعه قانونياً بحضور أغلبية أعضائه على أن يكون رئيس المجلس أو نائبه من بينهم ويتخذ قراراته بأغلبية أصوات أعضائه الحاضرين.)، مما يكون من صلاحيات المجلس إصدار مثل هذا القرار (الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي) متى أقره البحث العلمي.

ب- الإجراءات القانونية: لابد أن يصدر القرار وفق الإجراءات القانونية الصحيحة المطلوبة. والقوانين المعمول بها. فلابد أن يصدر قرار الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي وفق الإجراءات المبينة بالنظام القانوني المعني.

ج- التسبيب: لابد أن يكون القرار الإداري مسبب، وغاية التسبيب أن يمارس القضاء الإداري رقابته على مشروعية القرار من خلال الأسباب التي بني عليها. ويعد الخوف من تفشي الغش الفكري في مجال البحث العلمي عن طريق الاستخدام الغير مشروع للذكاء الاصطناعي سببا معتبر لإصدار الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي.

د- العدالة: وهو أن يكون القرار الإداري عادل بحيث لا يعد مجحف في التطبيق، أو قاصر التطبيق على فئة معينة. ولا نجد ما يخالف مبدأ العدالة لأن الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي بالنسبة لباحث علمي لا يعد مرهق أو صعب التنفيذ.

ففي النهاية نجد أن إصدار قرار بالإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي من وجهة نظرنا يعد قرار مشروع لا يخالف المتعارف عليه في القانون الإداري، لاستيفائه الشروط المطلوبة لصدور القرار.

خامسًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 213 لسنة 2020 – المحكمة الإدارية العليا- الصادر بتاريخ 2020-10-06

وحيث أن الطاعنة لم تبين مبرر إصدارها للقرارين المشكو منهما ولم تبين الحالة أو الحالات التي دعته لتعيين هيئة إدارية مؤقتة للجمعية لتقوم مقام هيئة إدارتها المنتخبة التي وردت على سبيل الحصر في المادة المذكورة بحيث تعتبر جزءاً من القرار الإداري وشرطاً من شروط صحته كما استقر على ذلك القضاء والفقه الإداري حتى يتمكن القضاء من ممارسة صلاحياته في مراقبة سبب القرار الإداري ومشروعية هذا السبب .

الأمر الذي يجعل من القرارين المشكو منهما معيبين لمخالفتهما القانون ويتعين إلغاءهما .

وحيث توصلت المحكمة الإدارية لذات النتيجة التي توصلنا إليها فيكون حكمها المطعون فيه متفقاً وأحكام القانون وأسباب الطعن لا ترد عليه ويتعين ردها.

الحكم رقم 131 لسنة 2020 – المحكمة الإدارية العليا- الصادر بتاريخ 2020-06-24

وبالمحاكمة وعليه وحيث أن المستدعى ضدها الثالثة وباجتماعها رقم (52/8/أ/7/2019) تاريخ 25/7/2019 تم وضع الأسس اللازمة لمنحها ولدراسة الطلبات التي تقدمت للاستفادة من هذا القانون، حيث قامت في هذا الاجتماع بإصدار قرارها بإلغاء الإعفاء الممنوح للمستدعية وهو القرار المشكو منه فتكون قد أصدرت قراراً ليس من اختصاصها حيث لم يخولها القانون ذلك فمن شروط صحة هذا القرار الإداري أن يصدر من جهة مختصة الأمر الذي يتعين معه إلغاء هذا القرار.

وحيث أن المحكمة الإدارية قد توصلت إلى هذه النتيجة التي توصلنا إليها وقامت بتعليل قرارها تعليلاً سائغاً ومقبولاً فيكون ما توصلت إليه واقعاً في محله لموافقته القانون مما يتعين رد هذه الأسباب من أسباب الطعن.

لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر رد الطعن وتـأييد الحكم المطعون فيه مع تضمين الجهة الطاعنة الرسوم ومبلغ خمسين دينار أتعاب محاماة.

سادسًا: خاتمة

في الختام، يمكن القول أن فكرة الإلزام باستخدام الذكاء الاصطناعي لمنع الغش الفكري في الأبحاث العلمية هي فكرة جديدة، ولها عدة مزايا، منها مواكبة التطور والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، واستغلال الشغف بالذكاء الاصطناعي بطريقة مشروعة، والتقدير العادل لمستوى إبداع الباحث متى قام باستخدام الذكاء الاصطناعي عن طريق معرفة مقدار مساهمة الباحث في البحث.

وفي النهاية يجب علينا جميعًا أن نفكر في ترشيد استخدام الذكاء الاصطناعي بكافة الطرق الممكنة، ويمكن تطبيق الفكرة المطروحة في هذا المقال من خلال الزام الطلاب بذلك في أبحاث التكاليف العادية التي لا يترتب عليها نيل درجة معينة وذلك من أجل الوصول للاستخدام الأمثل ومعرفة تنفيذ هذا الإلزام، بحث نصل في النهاية للشكل الذي يمكن استخدامه في الأبحاث التي يتم النيل من خلالها درجات علمية.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] ص12 – كتاب مقدمة في أصول البحث العلمي وتحقيق التراث – الباب الأول البحث العلمي وأصوله – المكتبة الشاملة، الرابط:https://shamela.ws/book/7323/8#p5

[2] انظر: د/ أحمد عبد الكريم سلامة: الأصول المنهجية لإعداد البحوث العلمية – الطبعة الأولى – ص 14

Scroll to Top