الجهل بالقانون
ما هو المقصود بالجهل بالقانون؟
هو أن يدعي الشخص عدم معرفته بمضمون القانون، والمقصود بالشخص هنا مرتكب فعل يترتب عليه جزاء قانوني، فيدعي أنه لا يعلم بأن الفعل معاقب عليه، فهل يأخذ بعين الاعتبار مدى علمه بالقانون عند مسائلته؟
ما هو القانون؟
هو مجموعة من القواعد القانونية والمبادئ العامة التي تنظم جميع شؤون الأفراد في المجتمع، وتحديداً سلوك الأفراد، ويلتزم الفرد بها جبراً عنه، وفي حال مخالفته يوقع عليه الجزاء المنصوص عليه في القانون، ولكل دولة مجموعة من القوانين التي تُعنى بسلوك أفرادها، فلو تركت سلوكيات الأفراد دون حدود وضوابط لأصبحت السيادة لشريعة الغاب، يتصرف كل فرد وفق مصلحته متناسياً ومتجاهلاً مصلحة غيره.
أهمية القانون
وتكمن مهمة الدولة بوضع التشريعات والقوانين المختلفة التي تنظم حياة أفراد المجتمع وتضبط سلوكياتهم وتحميهم من أي اعتداء على أي حق من حقوقهم، وفي المقابل على الفرد أن يعي ويفهم أهمية القوانين، وما هي السلوكيات المباحة والمجرمة، وما هي حقوقه والتزاماته.
موقف المشرع الأردني من الجهل بالقانون
يعتبر المشرع الأردني أن للجهل بالقانون قاعدة قانونية وهي أن الجهل بالقانون ليس عذراً لمن يرتكب أي جرم، أي عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون لمن يرتكب أي جريمة ابتداءً من المخالفات ووصولاً للجنايات، وقد نص على هذه القاعدة في قانون العقوبات الأردني في المادة (85) ، فكل قانون يتم تشريعه ينشر في الجريدة الرسمية ويعتبر نافذاً من تاريخ نشره، ويسري بحق كافة أفراد المجتمع سواء علموا به أم لم يعلموا ، فالتقصير بعدم العلم يأتي من الفرد وهذا ليس عذر ، لا يحق لأحدهم أن يحتج بعدم علمه بأحكام القانون أياً كان سبب عدم العلم .
مدى نطاق تطبيق قاعدة لا يعذر أحد بجهله بالقانون
إن نطاق هذه القاعدة مطلق يطبق على كافة أفراد المجتمع ، وكافة الموجودين في الدولة سواءً كانوا مواطنين أو أجانب ، ولا فرق بين من لا يعلم بالقانون أو يدعي عدم علمه به ، أي لا ينظر إلى حسن نيه من سوء النية في الجهل بالقانون لدى الفاعل ، كما أن هذه القاعدة تطبق على من كان موجود في البلاد وقف نشر القانون أو كان مغترباً وقت نشره ، فلا يجوز لمواطن مغترب أن يأتي ويرتكب جرم ويدعي عدم وجوده وقت نشر القانون ، كما أن هذه القاعدة تطبق على القواعد القانونية على اختلافها سواءً كانت أمره أو مكملة ، قواعد عرفية أو دينية ، والسبب في جعل هذه القاعدة مطلقة في تطبيقها هو عدم إهدار إلزامية القواعد القانونية التي من شأنها ضبط المجتمع .
هل هناك أي استثناء على قاعدة لا يعذر أحد بجهله في القانون؟
سبق وأن أشرنا إلى أن الجهل بالقانون راجع لتقصير الفرد بالعلم به والاطلاع على مضمونه، لكن ماذا إذا لم يكن الجهل بالقانون ناشئاً عن تقصير الفرد، فهل يمكن ذلك؟
جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني المادة (154)
المادة (112):
الجهل بالقانون يصلح عذرا إذا لم يصحب الجهل تقصير. فمن جهل القانون وكان مقصرا في هذا الجهل حوسب على جهله ولم يعتد بخطئه في القانون. ومن جهل القانون ولم يكن مقصرا في هذا الجهل عذر لجهله واعتد بخطئه
إلا أننا نرى أنه ليس هناك مجال للأخذ بالجهل بالقانون لانتفاء تهمة التقصير وخصوصاً أن مع تطور وسائل التكنولوجية فيمكنك الاطلاع على قانون أي دولة عبر الشبكة العنكبوتية، كما أن قاعدة أنه لا يعذر أحد بجهله بالقانون مجالها القانون الجنائي اما في القانون المدني فمجال إعمال قاعدة الغلط في القانون والوقائع، لكن هل يعني ذلك أنه لا مجال لأعمال قاعدة الغلط في القانون الجنائي؟
الغلط في القانون والوقائع في القانون المدني وأثره في المسؤولية المدنية
الغلط في القانون المدني يأخذ حكم الغلط في الواقع من حيث ترتيب البطلان النسبي ما لم يقض القانون بغير ذلك، ومن امثله الغلط في القانون ان يشتري شخص نصف منقول فيطالبه مالك النصف الآخر بالشفعة فيسلم له اعتقادا منه ان الشفعة جائزة في المنقول ثم يتبين له أنه لا شفعة في المنقول فتطبيقا لحكم هذه المادة يكون له ان يسترد ما سلمه بالشفعة عند من لا يرى الشفعة في المنقول.
الغلط في القانون والغلط في الوقائع في القانون الجنائي وأثره في المسؤولية الجنائية
الغلط في القانون هو ما تحدثنا عنه بالجهل بالقانون، وهو لا يعد مانعاً للعقاب، ولا يعفي الجاني من مسؤوليته الجنائية، أما الغلط في الوقائع يقصد به الجهل الذي يقع على الوقائع التي تتكون منها الجريمة وهو ما يعرف بالغلط المادي، وهو قد يكون مانعاً للعقاب، ولا يسأل الجاني عنه، فلماذا لا تقوم المسؤولية الجنائية عند الوقوع في الغلط المادي بالنسبة لهذا الغلط؟
الغلط المادي في الظرف المشدد.
نصت المادة (86/ 2) عقوبات أردني على أنه: ((إذا وقع الغلط على أحد الظروف المشددة لا يكون المجرم مسؤولا ً عن هذا الظرف المشدد))، فأن الركن المعنوي لأي جريمة يتطلب العلم والإرادة وحتى يعاقب الجاني على الجريمة لا بد أن يكون عالماً بكل عناصرها من حيث القانون والواقع ، فالإنسان يعاقب على فعله حسبما علم وأراد وليس حسبما عمل، وعليه إذا جهل الجاني بأمر الظرف المشدد للجريمة فهو وقع في غلط مادي وهو تصور غير صحيح للوقائع ، وقد جاء في قرار لمحكمة التمييز الأردنية ((إن جهل المتهمين عند أقدامهم على هتك عرض المجني عليها بأنها مجنونة أو فاقدة الشعور. إذا لم يبد عليها ذلك كما لا يبدو للشخص العادي أنها فاقدة الشعور أو مجنونة، بل يبدو أنها طبيعية، فإنه يتعين الحكم بعدم مسؤوليتهم مما أُسند إليهم لعدم ثبوت القصد الجرمي لدى المتهمين عند هتكهم عرض المشتكية والمتضمن انصراف إرادتهم وعلمهم وقت ارتكاب العمل إنهم يهتكون عرض إنسان لا يستطيع المقاومة بسبب نقص نفسي)
الغلط المادي الواقع في جريمة مقصودة
وهو الغلط الذي يقع في أحد العناصر المكونة للجريمة ، فالجاني يسأل بناءً على علمه بكل الوقائع الجوهرية التي تكون ماديات الجريمة، وتؤثر في وصفها القانوني فإذا كان الجاني قد وقع في غلط فيها ينتفي القصد الجرمي لديه، فمثلا في جريمة السرقة تقوم مسؤولية الجاني عندما تتجه إرادة لتملك مال الغير ويرتكب الجريمة بناءً على هذا القصد الجرمي، أما في حال كان يعتقد أنه يأخذ مال هو ملكه ال اليه عن طريق الهبة أو الميراث، فانه لا تكون هناك جريمة وهذا ما قصده المشرع بنص بالغلط المادي الواقع على أحد العناصر المكونة للجريمة في المادة (86/1 ) من قانون العقوبات حيث جاء فيها .
- 1. لا يعاقب كفاعل أو محرض أو متدخل كل من أقدم على الفعل في جريمة مقصودة بعامل غلط مادي واقع على أحد العناصر المكونة للجريمة.
الغلط الواقع في جريمة غير مقصودة
نصت المادة (87): –
يكون الغلط الواقع على فعل مؤلف لجريمة غير مقصودة مانعا للعقاب إذا لم ينتج عن خطا الفاعل
إن الغلط الواقع على فعل مؤلف لجريمة غير مقصودة، لا يكون مانعا للمسؤولية إلا إذا لم ينتج عن خطأ الفاعل نفسه، بل عن خطأ شخص غيره، أما إذا كان الغلط الواقع على فعل غير مقصود ناتج عن خطأ الفاعل نفسه، فإنه لا يعفى من المسؤولية بحجة هذا الغلط، فلو أعطى الصيدلي بالغلط للمريض سُماً وهو يظن أنه الدواء الموصوف فمات المريض، يكون الصيدلي مسؤولا عن التسبب بوفاة المريض، لا يعد غلطه من قبيل الغلط المانع من العقاب.
النصوص القانونية المتعلقة في الجهل بالقانون.
المادة (85): –
لا يعتبر جهل القانون عذرا لمن يرتكب اي جرم.
المادة (86): –
- لا يعاقب كفاعل أو محرض أو متدخل كل من أقدم على الفعل في جريمة مقصودة بعامل غلط مادي واقع على أحد العناصر المكونة للجريمة.
- إذا وقع الغلط على أحد الظروف المشددة لا يكون المجرم مسؤولا عن هذا الظرف.
المادة (87): –
يكون الغلط الواقع على فعل مؤلف لجريمة غير مقصودة مانعا للعقاب إذا لم ينتج عن خطا الفاعل.
قرار لمحكمة التمييز حول الغلط الواقع في أحد العناصر المكونة لجريمة السرقة
الحكم رقم 3815 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
الركن المعنوي ( القصد الجرمي ) السرقة تعتبر من الجرائم القصدية التي تتطلب قصداً عاماً وهو انصراف إرادة الفاعل إلى أخذ مال الغير المنقول دون رضاه مع علمه بأركان الجريمة التي يتطلبها القانون وفق أحكام المادتين 63 و 74 /1 من قانون العقوبات كما تتطلب السرقة قصداً خاصاً وهو نية التملك فإذا لم تنصرف نية الفاعل إلى تملك المالك الذي استولى عليه عندئذ تنتفي جريمة السرقة فإذا لم يحط الفاعل علماً بالعناصر المكونة للركن المادي لجريمة السرقة فيقتضي ذلك انتفاء القصد الجرمي لديه وهذا ما يمكن استخلاصه من المادة 86 من قانون العقوبات.
إعداد المحامية: – ليلى خالد

