حماية البيئة في القانون الدولي
قانون البيئة فروع القانون الدولي العام، والذي يهتم بحماية جميع جوانب البيئة وبجميع أشكالها وصورها، هذا وقد بدأ قانون البيئة بالتوسع ارتباطاً بالثورة الصناعية وما حدث بها من تطور.
هذا وقد اهتم وحرص الإسلام علي البيئة وتبيان أهمية الحفاظ عليها، وقد روي الإمام أحمد في مسنده والبخاري في (الأدب المفرد) عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها”. وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا : ” اتقوا الله في أمكم الأرض”.
ومن خلال بحثنا هذا سوف نتناول بالإيجاز غير المخل حماية البيئة في ظل القانون الدولي وذلك من خلال النقاط الآتية:
أولًا: مفهوم القانون الدولي للبيئة
ثانياً: أسباب حماية البيئة طبقاً للقانون الدولي
ثالثاً: دور المجتمع الدولي في حماية البيئة:
أولًا: مفهوم القانون الدولي للبيئة
أ- مفهوم البيئة:
لقد عرفها المشرع الأردني في المادة الثانية من قانون البيئة الأردني رقم 52 لسنة 2006 بأنها: “المحيط الذي يشمل الكائنات الحية وغير الحية وما يحتويه من مواد وما يحيط به من هواء وماء وتربة وتفاعلات أي منها وما يقيمه الأنسان من منشئات فيه” ([1])
ولقد عرف في نفس المادة حماية البيئة بأنها: “المحافظة على مكونات البيئة وعناصرها والارتقاء بها ومنع تدهورها أو تلوثها أو الإقلال منها ضمن حدود التلوث وتشمل هذه المكونات الهواء والمياه والتربة والأحياء الطبيعية والأنسان ومواردهم”([2])
ب-مفهوم القانون الدولي للبيئة:
يُمكن تعريف القانون الدولي البيئة بأنه: “مجموعة قواعد ومبادئ القانون الدولي العام، التي تنظم نشاط الدول في منع وتقليل الأضرار المختلفة، التي تنتج من مصادر مختلفة للمحيط البيئي، أو خارج حدود السياسة الإقليمية”([3])
ثانياً: أسباب حماية البيئة طبقاً للقانون الدولي
أ-أسباب جغرافية وطبيعية
الأرض لا يعمرها كائن بمفرده بل يعمرها الإنسان ويشترك معه كافة الأجناس الحيوانية والنباتية، فالإنسان يحتاج إلي الماء كما يحتاجه الحيوان والنبات أيضاً فماذا يحدث إذا أصاب الماء مكروه نجد أن هذا يسبب الضرر لكافة الأجناس والكائنات في البيئة وهكذا الهواء فإن انتشر فيروس ما في الجو في دولة ما فماهي ألا أيام قليلة حتى نجده قد انتقل إلى الدولة المجاورة ثم إلى التي تليها وهكذا، فالمصائب التي تصيب البيئة لا تنحصر في دولة ما أو بقعة واحدة من الأرض بل تنتشر وتصيب أماكن تبعد آلاف الكيلو مترات بل تنتقل عبر القارات.
بل إنه هناك تفاعلات تحدث في البيئة فما إلا أن يصاب عنصر ما من عناصر البيئة إلا أن يؤدي هذا إلى إصابة عنصر آخر، فمثالاً على ذلك إذا أصاب فيروس ما التربة الزراعية فسينتقل هذا الفيروس إلى النباتات التي تخرج من الأرض والتي يتغذى عليها الحيوان فيصاب الحيوان بالفيروس ثم ينتقل إلى الإنسان الذي يعتمد في غذائه على الحيوانات أو قد يصاب الإنسان مباشرةً حيث إن الإنسان يتغذى كذلك على بعض النباتات.
مما سبق بيانه يتضح لنا أن البيئة وحدة واحدة لا تنقسم، والأضرار التي تصيب عنصر من عناصرها تؤثر في باقية العناصر وينتقل الضرر للنباتات والحيوان والإنسان والأضرار التي تصيب البيئة لا تعرف حدوداً سياسية أو جغرافية أو اقتصادية بجملة واحدة نستطيع أن نقول إن البيئة لا حدودية.
ب- أسباب اقتصادية
من المعلوم أنه إذا انتشر مرض أو فيروس ما في البيئة نجد أن هذا يؤدي إلى تداعيات اقتصادية في جميع الدول وخير مثال على هذا انتشار فيروس كورونا المستجد فنجد أنه بجانب جميع آثاره السلبية في جميع النواحي إلا أنه أيضاً سبب تداعيات اقتصادية خطيرة على مستوى العالم أجمع، فنجد شركات قد أغلقت أبوابها وعماله تم تسريحها وموازنة دول قد انهارت، لذلك نستطيع أن نقول إننا نعيش في وحدات منسجمه مع بعضها البعض فما إن يحدث خلل في وحده من الوحدات تلك إلا تتأثر معها باقي الوحدات في شتى النواحي والمجالات.
ج- أسباب علمية وفنية
لحماية البيئة يجب أن يكون هناك تبادل للمعلومات والخبرات المكتسبة بين جميع الدول، كما وضحنا أنه لا يوجد دولة تتأثر وحدها بالبيئة ودولة لا تتأثر، بل الجميع على سفينة واحدة.
لذلك تبين الاحتياجات العلمية والفنية أهمية التعاون الدولي من أجل حماية البيئة والحفاظ عليها من التلوث، ذلك أن الحفاظ على هذه البيئة نظيفة، يستلزم تبادل المعلومات والخبرات المكتسبة بين الدول المعنية، كما يتطلب خبرات علمية وتقنية وأجهزة ومعدات متطورة([4])
ثالثاً: دور المجتمع الدولي في حماية البيئة:
أ-دور المنظمات الدولية:
إن المنظمات الدولية لها دوراً هاماً في مجال حماية البيئة، حيث لها العديد من الأنشطة من أجل تحقيق هذا الغرض، وفي سبيل حماية البيئة تملك المنظمات الدولية الكثير من الوسائل مثل إعداد الاتفاقيات الدولية، إجراء الدراسات والأبحاث اللازمة، تبادل البرامج، وإصدار المعايير المناسبة لحماية البيئة، وأخيراً إصدار التوصيات والقرارات واللوائح والتوجيهات وإنشاء الأجهزة اللازمة لتحقيق هذا.
ولقد أسهمت المنظمات الدولية في النهوض بقواعد القانون الدولي للبيئة، وذلك من خلال ما أبرم من اتفاقيات ومعاهدات لمنع التلوث، وتقرير ضمان للتعويضات عن الأضرار البيئية، وتسوية المنازعات ذات الطابع البيئي.([5])
ونجد أنه في مجال حماية البيئة هناك العديد من المنظمات المتخصصة بجانب دور الأمم المتحدة في حماية البيئة ونبين إيجازاً تلك المنظمات:
1-المنظمات المختصة:
منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ( FAO):
وتلك المنظمة هي التي تضع المعايير والمستويات المتعلقة بحماية المياه والتربة والأغذية من التلوث، عن طريق بقايا المبيدات والآفات أو بواسطة المواد المضافة للأغذية مثل المواد الحافظة ومثيلتها وذلك للحفاظ عليها.
منظمة الصحة العالمية (WHO):
هي المنظمة التي تقيم الأثار الصحية لعوامل التلوث والمخاطر البيئية الأخرى في الهواء والماء والتربة والغذاء، كما أنها تضع الحدود القصوى لتعرض الإنسان للملوثات.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) :
وهي التي تختص بالحفاظ على البيئة من التلوث الذي ينتج عن استخدام الطاقة الذرية كما أنها تضع المستويات والمعايير الدولية للحماية من الإشعاع.
2- دور الأمم المتحدة في حماية البيئة:
إن للأمم المتحدة دوراً هاماً وبارزاً في صياغة القانون الدولي للبيئة وهذا من خلال المؤتمرات الدولية حول البيئة أو من خلال إنشاء الأجهزة واللجان والبرامج المعنية بحماية البيئة، وتشجيع التعاون بين الدول في صيانة مواردها، كما تقوم بإصدار التوصيات والقرارات التي تؤكد على مطالبة الحكومات بالتعاون ووضع وتطبيق سياسة جماعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من بين أهدافها حماية البيئة.
ولقد كان هناك عدة مؤتمرات وبرامج في هذا الشأن – حماية البيئة- ومنها:
مؤتمر الأمم المتحدة بشأن البيئة الإنسانية، والمنعقد في إستكهولم بالسويد، عام 1972 م:
وقد صدر عن مؤتمر إستكهولم الإعلان العالمي حول البيئة الإنسانية، الذي يعتبره البعض بمثابة العمل التقنيني الأول في مجال القانون الدولي للبيئة، لكونه يحتوي على مجموعة من المبادئ المتعارف عليها، والكافية لتنظيم العلاقة في مجال حماية البيئة في الوقت الذي صدر فيه، بل إن هناك من يرى أن إعلان إستكهولم بمثابة أحد مصادر القانون الدولي للبيئة، على الرغـم من صفته غير الإلزامية([6])
ولقد أصدر المؤتمر العديد من التوصيات وكان من بين أهم تلك التوصيات التي أصدرها، توصية خاصة بإنشاء جهاز دولي يتبع الأمم المتحدة، ويختص بشئون البيئة، وبناء على ذلك أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ديسمبر 1972م “برنامج الأمم المتحدة للبيئة” كهيئة دولية مختصة بشئون البيئة.
برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP)):
وكان من وظائف برنامج الأمم المتحدة للبيئة ما يلي:
- تنمية التعاون الدولي في مجال البيئة، وتقديم التوصيات المناسبة لهذا الغرض.
- وضع النظم الإرشادية العامة لتوجيه البرامج البيئية وتنسيقها في إطار منظمة الأمم المتحدة.
- متابعة تنفيذ البرامج البيئية، وجعل الوضع البيئي الدولي تحت البحث والمراجعة المستمرة.
- تنمية مساهمات الهيئات العلمية والمهنية المتصلة لاكتساب المعارف البيئية وتقويمها وتبادلها.
- جعل النظم والتدابير البيئية الوطنية والدولية في الدول النامية تحت المراجعة المستمرة.
- تمويل برامج البيئة وتقديم المساعدة، وتشجيع أية جهة، سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها، للمشاركة في تنفيذ مهام البرنامج، والمراجعة السنوية لما يتم في هذا الخصوص وإقراره.
ولتنفيذ ذلك، تبنى مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة للبيئة في دورته الثالثة، سنة 1975م الأهداف التالية:
- المساهمة في تطوير وتدوين القانون الدولي للبيئة، بحيث يتماشى مع الاحتياجات التي نتجت عن الاهتمام بالبيئة على المستوى العالمي، استنادًا لاتفاقية إستكهولم، سنة 1972، لتسهيل التعاون الدولي، لتطوير القانون الدولي، بشأن المسؤولية والتعويض لضحايا التلوث، والأضرار البيئية الأخرى، الناتجة عن الأنشطة الواقعة تحت ولايتها أو رقابتها، وتمتد أثارها خارج نطاق المناطق التي تمارس فيها حقوقاً سيادية، وفقاً للمبادئ 21 ،22 ،23 ،24 من إعلان إستكهولم.
- المساهمة في تطوير القانون البيئي على المستويين الوطني الإقليمي مع إجراء دراسات مقارنة على المستوى الوطني، بشأن القوانين البيئية وتكييفها مع متطلبات القانون الدولي للبيئة، وتقديم مساعدات للدول النامية، لتطوير تشريعاتها البيئية([7](
مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية (ريودي جانيرو 1992 م):
وفي هذا المؤتمر حضر ممثلو 178 دولة، ومن بينهم 116 من رؤساء الدول والحكومات، ولذلك أطلق عليه :” قمة الأرض” وكانت أهم أهداف هذا المؤتمر هي إيجاد صيغة مناسبة للعدالة بين البيئة والتنمية.
إعلان ريو حول البيئة والتنمية 1992م:
يعتبر هذا الإعلان امتداداً لإعلان إستكهولم حول البيئة الإنسانية، مؤكدة على أن أهداف هذا الإعلان هو إنشاء نوع من الشراكة العالمية في النظام الجديد القائم على العدالة وهو ما يعتبر استمرارًا لجهود الأمم المتحدة التي انطلقت مع إعلان إستكهولم عام 1972م.
ب- دور الاتفاقيات الدولية في حماية البيئة:
الاتفاقيات الدولية لحماية البيئة ثلاث أنواع وهم:
الاتفاقيات الدولية في حماية البيئة البحرية، والاتفاقيات الدولية في حماية البيئة الجوية، والاتفاقيات الدولية في حماية التربة.
1-الاتفاقيات الدولية في حماية البيئة البحرية:
ومن ضمن الاتفاقيات التي أبرمت في مجال حماية البيئة البحرية اتفاقٌية لندن الدولية لمنع التلوث بزيت البترول في البحار، عام 1954م، ولقد أصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول في 26 مايو 1954ولقد طرأت عليها عدة تعديلات في أعوام 1962 ،1969 ،1971 م بناءً على اقتراحات من المنظمة البحرية الدولية International Maritime Organization .([8])
وتهدف هذه الاتفاقية وتعديلاتها المتلاحقة إلى مكافحة التلوث البحري بزيت البترول، وذلك بتحديد مناطق معينة يحظر التصريف العمدي للزيت ومخلفاته منها، وتسري أحكام هذه الاتفاقية على السفن المسجلة في إقليم أي من الدول المتعلقة، كما تسري على سفن الدول غير الموقعة، بشرط ألا تقل حمولتها عن 150 طن.
2-الاتفاقيات الدولية في حماية البيئة الجوية:
أبرمت العديد أيضاً من الاتفاقيات في مجال حماية البيئة الجوية ومن ضمن هذه الاتفاقيات: اتفاقية جنيف بشأن حماية العمال من الإشعاعات المؤينة، ومن الأحكام التي قررتها هذه الاتفاقية:
- ضرورة التزام كل عضو في منظمة الهمل الدولية، والذي ينضم إلى الاتفاقية، بتنفيذ أحكامها، وذلك عن طريق إصداره للقوانين واللوائح والوسائل الأخرى اللازمة.
- ضرورة اتخاذ الخطوات الملائمة لتأمين حماية فعلية للعمال، بشأن صحتهم وسلامتهم ضد الإشعاعات المؤينة.
- التزام كل عضو أن تحدد بدقة نسب كميات المواد الإشعاعية المسموح بها، على أن تخضع هذه النسب للمراجعة المستمرة في ضوء المعلومات الجارية.
- التزام الدول بأن تبلغ مكتب العمل الدولي بالتدابير التي تتخذها من أجل حماية العمال من الإشعاعات المؤينة؛ حتى يكون على علم بمدى فعاليتها.
3-الاتفاقيات الدولية في حماية التربة:
أبرمت كذلك العديد من الاتفاقيات في هذا الصدد ومن ضمن تلك الاتفاقيات: اتفاقية الجزائر بشأن الحفاظ على الطبيعة والموارد الطبيعية لعام 1968م، ولقد قررت هذه الاتفاقية الأحكام التالية:
- ضرورة التزام كل عضو في منظمة العمل التزام الدول الأطراف باتخاذ التدابير الضرورية للحفاظ على التربة والمياه والموارد النباتية، وفقاً للمبادئ والأسس العلمية.
- التزام الدول الأطراف بتوفير حماية خاصة لأنواع الحيوانات والنباتات المهددة بخطر الانقراض.
- التزام الدول الأطراف بالحفاظ على المحميات الطبيعية الموجودة وقت نفاذ الاتفاقية.
- التزام الدول الأطراف – وهي بصدد سعيها نحو تحقيق التنمية الاقتصادية- بأن تأخذ في الاعتبار عوامل الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية.
إعداد/أحمد أيمن
[1] -راجع قانون البيئة الأردني رقم 53 لسنة 2006م المادة الثانية ،القفرة الثانية.
[2] راجع قانون البيئة الأردني رقم 53 لسنة 2006م المادة الثانية، الفقرة الخامسة.
[3]-راجع: د. أمين حسني: مقدمات القانون الدولي للبيئة، مجلة السياسة الدولية، العدد 110، أكتوبر، 1992م، ص 130
[4] -راجع: د. عبد العزير مخيمر عبد الهادي: دور المنظمات الدولية في حماية البيئة، مرجع سابق، ص 45
[5] -انظر: د. محسن عبد الحميد: النظرية العامة للمسئولية الدولية عن النتائج الضارة عن أفعال لا يحظرها القانون الدولي مع إشارة خاصة لتطبيقها في مجال البيئة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999م، ص392
[6] -انظر: د. أحمد دسوقي محمد إسماعيل: الإدارة الدولية لقضايا البيئة والسياسية الدولية، مرجع سابق، ص 214
[7]-انظر: U.N.E.P: “Environmental Law, in the United Nations Environmental Program”
U.N.E.P., Nairobi, 1985, P. 225
[8]-راجع: د. أحمد نجيب الرشيدي: قواعد مكافحة التلوث البحري، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 33، 1977م، ص 186،230

