الأمن الجماعي الدولي
لقد أدركت دول العالم كم الويلات المتمخضة عن اندلاع الحروب واستعمال القوة في العلاقات الدولية، والتي كان من نتاجها أن جُلب للعالم حربين عالمتين في قرن واحد أديا إلى تخريب العالم وتدميره وموت الأبرياء وتشريدهم، لذلك تبلورت القواعد الدولية المعاصرة على نحو يحول دون تكرار إيقاع هذا الألم الذي يُعجز عن وصفه وذلك بأن تم تكريس قاعدة تُعد هي الأهم في مجال العلاقات الدولية والتي تقضي بحظر استعمال القوة أو مجرد التهديد باستخدامها في نطاق العلاقات الدولية.
ثانياً: تطور فكرة الأمن الجماعي:
ثالثا: الأمن الجماعي في ظل عُصبة الأمم:
رابعاً: الأمن الجماعي في ظل ميثاق الأمم المتحدة:
أولاً: تعريف الأمن الجماعي:
مؤدى فكرة الأمن الجماعي تتمثل في أن الأمن لا ينقسم ولا يقبل التجزئة الأمر الذي يترتب عليه أن سيادة الأمن في المجتمع الدولي هو أمر لن يتحقق إلا من خلال تضافر كافة الجهود الدولية مجتمعة، حيث ينبغي على كل دولة أثناء محاولة تحقيق أمنها أن تأخذ في الاعتبار أمن غيرها من دول العالم.
وبناء على ذلك فيمكن تعريف الأمن الجماعي بأنه: “نظام يعتمد على حماية حقوق الدولة حال تعرضها لخطر خارجي من خلال التضامن والتعاون الدولي في رد هذا الخطر وليس باللجوء إلى الوسائل الدفاعية التي قد تستخدم من خلالها أو بمساعدة من حُلفائها”.
فهذا النظام يقوم على أساس تحمل الجماعة الدولية مسئولية كل عضو من أعضائها والعمل على تحقيق أمنه من الاعتداء، والتكاتف وتضافر الجهود لرد الاعتداء الواقع عليه بالوسائل التي تكفل حماية العضو المعتدى عليه وحماية المجتمع الدولي على حد سواء.
ومن ثم فيمكن القول – إذن – أن الأمن الجماعي يُعد مبدأ ذات شقين وهما:
1- التحضير الجماعي:
وذلك ما يتمثل في اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية والتي يكون من شأنها أن تحول دون وقوع أي عدوان، ومن التطبيقات على ذلك ما قامت به الأمم المتحدة من النص في ميثاقها على حظر استعمال القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، وكذلك ما ورد بميثاق الأمم المتحدة من ضرورة نشر وتسجيل المعاهدات الدولية وكان ذلك بغية منع الدول من إبرام معاهدات سرية والتي كانت تُعد أحد أهم الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
2- التدخل الجماعي:
يعد هذا الشق ذات طبيعة علاجية بحيث يتجلى في الحالات التي يقع فيها عدوان على أحد أعضاء المجتمع الدولي، فهنا يبدأ دور المجتمع الدولي في التدخل لمنع استمرار هذا العدوان ورفعه وإلزام المعتدي – بدون وجه حق – بتعويض العضو الذي تم الاعتداء عليه.
إلا أنه حتى يتحقق الأمن الجماعي كان لابد أن ينطوي تدخل المجتمع في رفع العدوان على قدر من الحكمة وإلا لما كان هناك فارق بين قيام المجتمع ككل برد العدوان أو لجوء الدولة المعتدى عليها برد العدوان.
ولذلك نجد أنه في الوقت المعاصر إذا حدث عدوان من دولة على أخرى فإن مجلس الأمن هو المنوط به رفع هذا العدوان، ويلاحظ من مطالعة ميثاق الأمم المتحدة وعلى وجه الخصوص الفصلين السادس والسابع أن مجلس الأمن لا يلجأ إلى التدخل العسكري مباشرة، ولكنه يبدأ بحل النزاع بوسائل سلمية فإن فشلت فلن يكون هناك سبيل أمامه سوى توقيع العقوبات على الدولة المعتدية والتي قد تصل – في نهاية المطاف – إلى العقوبات العسكرية.
ثانياً: تطور فكرة الأمن الجماعي:
بدأت ركائز فكرة الأمن الجماعي تترسخ من خلال عقد المؤتمرات والتي كانت تُعد من الضرورات الملحة لحفظ السلام وحقن الدماء، ويُعد واحد من أهم تلك المؤتمرات ذلك الذي عُقد بين ملوك إنجلترا وفرنسا وإسبانيا والبابا ليو العاشر عام 1518م، ولقد تقرر في هذا المؤتمر بين ملوك تلك الدول أنه في حال وقوع اعتداء على أي عضو من جانب عضو أخر من أعضاء المؤتمر فإنه ينبغي على باقي الأعضاء الشروع في حل هذا النزاع ورفع الاعتداء بالطرق السلمية، إلا أن هذا الاتفاق لم يكتب له الاستمرار حيث تم تقويضه بوقوع الصراع بين إسبانيا وفرنسا.
ثم توالى عقد المؤتمرات بين مختلف البلدان لترسيخ فكرة الأمن الجماعي حيث عُقد مؤتمر وستفاليا عام 1648، ثم مؤتمر فينيا عام 1815، وتبعه مؤتمر السلام الأول في لاهاي عام 1899 ومؤتمر السلام الثاني عام 1907.
وبعدما تزوق العالم مرارة الحرب العالمية الأولى بدأ المجتمع الدولي يشعر بأهمية إنشاء المنظمات الدولية التي تسعى إلى وضع الحلول السليمة للمنازعات الدولية لدرء اندلاع حروب جديدة، لذلك جاء الاتفاق الدولي عام 1919 بإنشاء منظمة عصبة الأمم والتي ثبت فشلها باندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، إلا أنه بعد انتهاء تلك الحرب وبمقتضى مؤتمر سان فرانسسكو عام 1945 تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة والتي اتخذت من الأمن الاجتماعي نبراساً لها واعتبرت أن حفظ السلم والأمن الدوليين من أوليات اهتماماتها.
ثالثا: الأمن الجماعي في ظل عُصبة الأمم:
بالرجوع إلى مقدمة عهد عُصبة الأمم يتبين أن مبدأ عدم اللجوء إلى الحرب هو القاعدة التي انطلقت منها الدول المتعاقدة للقبول بالالتزامات حيث جاء في مقدمة عُصبة الأمم ” أن الأطراف المتعاقدة السابقة رغبة في الدفع قدماً بالتعاون الدولي وتحقيق السلام والأمن الدوليين نقبل الالتزام بعدم اللجوء إلى الحرب في علاقات الدول ومنازعاتها كطريق لتحقيق التعاون الدولي وتحقيق السلام، وقد رفع العهد هذا المبدأ إلى مصاف القاعدة الدستورية التي تنفرد بميزتي التجريد والعمومية[1].
يتضح إذن أن إنشاء منظمة عصبة الأمم يُعد أحد أهم خطوات المجتمع الدولي لترسيخ فكرة الأمن الجماعي، حيث بإنشائها أصبحت فكرة الحرب لا تعني الدول المتحاربة فقط وإنما تعني الإنسانية جمعاء، فضلاً عن أن عصبة الأمم لم تكن تواجه الحرب باعتبارها مجرد عمل مادي يعود بأثاره المدمرة على المجتمع فحسب، وإنما كانت تعتبر أن الحرب هي عمل سيكولوجي يمثل تهديداً للعلاقات الدولية ويترك على تلك العلاقات آثار سيئة، لذلك أكدت المادة الحادية عشر من عهد عصبة الأمم على المسئولية التضامنية لكافة دول العصبة الجماعية عما يقع داخل المجتمع الدولي من حروب أو تهديدات.
1- تدابير عُصبة الأمم للحفاظ على الأمن الجماعي:
وضعت عُصبة الأمم العديد من التدابير التي تكفل حماية الأمن الجماعي، حيث جاء – مثلاً – بالمادة السادسة من عهد العصبة أنه يكون للأخيرة أن توقع عقوبات عسكرية واقتصادية على كل دولة تلجأ إلى الحرب بالمخالفة لنصوص العهد، إلا أنه يلاحظ أن هذا النص لم يؤت ثماره نظراً لأن توقيع تلك العقوبات كان يتطلب إجماع من كافة أعضاء المنظمة بما فيهم العضو المخالف، ومن العبث أن يكون الشخص حكماً لنفسه لأنه سيأبى أن يدين نفسه أو يوقع عليه عقوبات.
وكذلك فقد اعتبرت عصبة الأمم أن الدولة التي تدخل في حرب قد أخلت إخلال جسيماً بما عليها من التزامات تجاه المنظمة، الأمر الذي يتيح للمنظمة أن تتخذ ضد الدولة المخالفة الأفعال التالية:
- قطع كافة العلاقات التجارية أو المالية مع تلك الدولة.
- منع اتصال رعايا دول المنظمة مع رعايا الدولة التي خالفت أحكام العهد.
- منع كافة الاتصالات المالية مع الدولة التي دخلت في حرب بالمخالفة لأحكام العهد، وهذا المنع يسري على كافة دول العالم سواء كانوا أعضاء في المنظمة أم لا.
- العمل على تكوين قوات عسكرية برية أو بحرية أو جوية لمواجهة الدولة المخلة بأحكام العهد.
2- شروط توقيع الجزاءات على الدولة المخلة بمنظمة عصبة الأمم:
ورد في عهد عُصبة الأمم أنه حتى يمكن توقيع جزاءات على الدولة التي تلجأ إلى الحرب بالمخالفة لأحكام العهد فإنه يجب أن يتوافر الشرطين التاليين:
الشرط الأول: أن يقع إخلال من أي دولة سواء كانت عضو بالمنظمة أم لا، وهذا الإخلال يتمثل – بطبيعة الحال – في اللجوء إلى الحرب على نحو يُخالف أحكام عهد منظمة عُصبة الأمم.
الشرط الثاني: أن يتمثل هذا الإخلال في اللجوء إلى الحرب فقط دون غيرها من وسائل العدوان الأخرى، حيث لا يُعد فعلاً مستوجباً لتلك الجزاءات أن تلجئ الدولة لاستخدام وسائل الإكراه المسلح لحسم النزاعات التي نشبت بينها وبين دولة أو دول أخرى.
3- فشل منظمة عصبة الأمم في تحقيق الأمن الجماعي:
لم تتمكن منظمة عُصبة الأمم من تحقيق الأمن الجماعي نظراً لقصور النظام الجزائي الذي انتهجته والذي كان يتطلب إجماعاً من دول المنظمة لإمكانية توقيع تلك الجزاءات، ناهيك عن أن الحرب – في ظل عهد العصبة – لم تكن محرمة كلية، حيث كان يجوز اللجوء إلى الإكراه المادي لحسم النزاعات الدولية، الأمر الذي ترتب عليه اندلاع العديد من الحروب والتي بدأت بحروب اليابان والصين على إقليم منشوريا وتوالت باعتداء بريطانيا على إثيوبيا، وغيرها من العديد من الحروب والتي انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية.
رابعاً: الأمن الجماعي في ظل ميثاق الأمم المتحدة:
أدرك العالم كم المآسي التي تمخضت عن تلك الحرب الضارية والتي اندلعت بين دول الحلفاء ودول المحور وأطلق عليها الحرب العالمية الثانية، لذلك جاء انشاء منظمة الأمم المتحدة لتكون سياج عتياً يحول دون تكرارا إيقاع ألم اندلاع مثل تلك الحروب ثانية، فجاء ميثاق الأمم المتحدة ليلزم كافة الدول الأعضاء بحل المنازعات التي تنشب بينهم بالحلول السليمة على نحو لا يتعرض معه السلم والأمن الدوليين للخطر.
حيث نصت المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على أن: تعمل الهيئة وأعضاؤها في سعيها وراء المقاصد المذكورة في المادة الأولى وفقاً للمبادئ الآتية:
- لكي يكفل أعضاء الهيئة لأنفسهم جميعاً الحقوق والمزايا المترتبة على صفة العضوية يقومون في حسن نية بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم بهذا الميثاق.
- يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر.
- يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد “الأمم المتحدة”..
- يقدّم جميع الأعضاء كل ما في وسعهم من عون إلى “الأمم المتحدة” في أي عمل تتخذه وفق هذا الميثاق، كما يمتنعون عن مساعدة أية دولة تتخذ الأمم المتحدة إزاءها عملاً من أعمال المنع أو القمع.
- تعمل الهيئة على أن تسير الدول غير الأعضاء فيها على هذه المبادئ بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدولي.
1- أليات الأمم المتحدة في صون الأمن الجماعي:
أ- حظر استعمال القوة أو التهديد باستعمالها:
يتبين إذن أن ميثاق الأمم المتحدة قد انتهج فكرة الأمن الجماعي ورسخها في جانبها السلبي وهذا ما يتبين من نص الميثاق على حظر استعمال القوة في العلاقات الدولية أو مجر التهديد باستخدامها وهو ما ورد بموجب المادة الثانية في فقرتها الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
ومن ثم يترتب على ذلك أن أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة يتبين أنه استعمل القوة أو مجرد تلويحه باستخدامها فإن ذلك من شأنه أن يوقعه تحت مغبة المسئولية الدولية وتعريضه للجزاءات أو العقوبات.
ب- الحل السلمي للمنازعات الدولية “دور مجلس الأمن”:
أما عن إعمال فكرة الأمن الجماعي في جانبها الإيجابي فهو أمر يتضح من مطالعة الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة والذي نص على ضرورة اتباع كافة الطرق السليمة لحل النزاعات الدولية، حيث أنه بمجرد نشوب نزاع بين دولتين أو عدة دول ويكون من شأن هذا النزاع أن يهدد الأمن العام فإن مجلس الأمن يتدخل في تلك الحالة ويوصي بحل النزاع بالطرق السليمة، فإن لم تفلح الدول المتنازعة في حل النزاع فإن مجلس الأمن يوصي باتباع عدة وسائل للوصول إلى الحل السلمي للنزاع، فإن فشلت الدول مجدداً فإن مجلس الأمن يرسم لهم طريقاً بعينه يتبعوه لحل النزاع سواء كان اللجوء إلى جهات قضائية أو تحكيمية أو غيرها.
أما إذا بائت تلك المحاولات جميعها بالفشل فإن مجلس الأمن يطبق الفصل السابع في هذه الحالة ويشرع في تطبيق عقوبات على العضو المخالف لأحكام الميثاق والذي تنطوي أفعاله على تهديد بالسلم والأمن الدوليين، وهذه العقوبات قد تكون عقوبات اقتصادية وقد يصل الأمر إلى فرض عقوبات عسكرية.
ج- دور الجمعية العامة للأمم المتحدة:
اعترف ميثاق الأمم المتحدة للجمعية العامة باختصاصات تتعلق بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وتتمثل تلك الاختصاصات فيما يلي:
– ترسيخ المبادئ العامة للسلم والأمن الدوليين والتي تتعلق على وجه الخصوص بنزع السلاح وتنظيم التسليح، ولقد باشرت الجمعية العام تلك الوظيفة للمرة الأولى لها عام 1946 وذلك عندما قامت بناء على طلب الدول الأعضاء الدائمة بدراسة المشاكل المتعلقة باكتشاف الذرة واستعمال الأسلحة الذرية.
– وكذلك يكون للجمعية العامة أن تناقش أي مسألة تتعلق بالسلم والأمن الدوليين، وتتم إحالة تلك المسائل إليها بواسطة أي من أعضائها أو من خلال مجلس الأمن.
– ومن ضمن الاختصاصات التي منحت للجمعية العامة أن لها تنبيه مجلس الأمن بوجود خطر يحيق بالسلم والأمن الدوليين حتى يتدخل المجلس لوضع حداً لهذا التهديد.
– ويكون للجمعية العامة الحق في اتخاذ التدابير اللازمة وإصدار التوصيات الخاصة بتسوية المنازعات بطرق سلمية إذا كان من شأن استمرار تلك المنازعات تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر.
– ومن الاختصاصات الموكلة للجمعية العامة في شأن حفظ السلم والأمن الدوليين أنه يكون لها أن توقف العضو الذي يثبت إخلاله بالسلم والأمن الدوليين وذلك وفقاً لما جاء (بالمادة 5) من ميثاق الأمم المتحدة والتي نصت على أن: (يجوز للجمعية العامة أن توقف أي عضو اتخذ مجلس الأمن قِبَله عملاً من أعمال المنع أو القمع، عن مباشرة حقوق العضوية ومزاياها، ويكون ذلك بناءً على توصية مجلس الأمن، ولمجلس الأمن أن يرد لهذا العضو مباشرة تلك الحقوق والمزايا).
ويصدر قرار وقف العضو بأغلبية ثلثين أعضاء الجمعية العامة باعتبار أن ذلك يُعد من المسائل الهامة وذلك بعد صدور توصية من مجلس الأمن بأغلبية تسعة من أعضائه من بينهم الخمس دول الدائمين أو على الأقل عدم اعتراضهم صراحة.
فإذا تبين إمعان العضو في انتهاك مبادئ السلم والأمن الدوليين فإنه يكون للجمعية العامة أن تصدر قراراً بفصله وذلك استناداً لما جاء (بالمادة 6) من ميثاق الأمم المتحدة والتي نصت على أن: (إذا أمعن عضو من أعضاء “الأمم المتحدة” في انتهاك مبادئ الميثاق جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناءً على توصية مجلس الأمن).
مع ضرورة الإشارة إلى أن قيام الجمعية العامة بمباشرة اختصاصاتها مقيد بعدم جواز مناقشتها لأي مسألة معروضة على مجلس الأمن إلا بعد أن ينتهي منها الأخير أو يسمح لها بمناقشتها، وكذلك يتعين على الجمعية العامة – أثناء ممارستها لتلك الاختصاصات – أن لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 7/2) من ميثاق الأمم المتحدة والتي نصت على أن: (ليس في هذا الميثاق ما يسوغ ”للأمم المتحدة“ أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع).
د- قرار الاتحاد من أجل السلام:
يُعد هذا القرار من صور توسيع اختصاصات الجمعية العامة في حفظ السلم والأمن الدوليين، فلقد صدر هذا القرار في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1950 حاملاً رقم 377، وتضمن أنه يكون للجمعية العامة الحق في اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين حال عجز مجلس الأمن عن اتخاذ أي إجراء بسبب عدم إجماع الدول الدائمة فيه.
وكان سبب إصدار هذا القرار من قبل الجمعية العامة عجز مجلس الأمن عن الاستمرار في عمليات كوريا بسبب استعمال مندوب الاتحاد السوفيتي لحق الفيتو – أو حق الاعتراض – وتدهور الموقف بعد ذلك خاصة بعد أن ظهر اشتراك الصين الشعبية في العمليات الحربية[2].
هـ – دور المنظمات الدولية الإقليمية:
ومن ضمن الأليات التي طبقتها منظمة الأمم المتحدة في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين أنها قد أجازت للمنظمات الدولية الإقليمية أن تقوم بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، ولكن تحن إشراف مجلس الأمن.
ومن تطبيقات ذلك ما ورد (بالمادة 28) من الميثاق المعدل لميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي لسنة 2017 والتي نصت على أن: (للمنظمة أن تتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية).
2- الانتقادات التي وجهت للأمم المتحدة في مجال حفظ الأمن الجماعي:
تم انتقاد ألية الأمم المتحدة في الحفاظ على الأمن الجماعي وذلك لأنه بالنظر إلى تلك الأليات سنجد أن الدور الأعظم فيها مخول إلى مجلس الأمن والذي يكون بيده – عادة – زمام الأمور، وبالنظر إلى طبيعة عمل وتكوين مجلس الأمن سنجد أنه يتكون من خمسة عشر عضو من بينهم خمس دول لهم عضوية دائمة وهم الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا – الاتحاد السوفيتي سابقاً – وإنجلترا وفرنسا، فضلاً عن أن تلك الدول الخمس تتمتع بما يسمى بحق الفيتو – أو حق الاعتراض – وهو حق يخول لأي منهم أن يعترض على صدور قرار بغض النظر عن نسبة الدول التي صوتت بالموافقة على هذا القرار.
وهذا الأمر – بالقطع – قد يجعل مجلس الأمن عاجزاً – في بعض الأحيان – عن اتخاذ ثمة إجراء في مواجهة حالة معينة من شأنها أن تهدد السلم والأمن الدوليين.
ولكن على الرغم من تلك الانتقادات فإنه لا يمكن إنكار دور الأمم المتحدة بوجه عام ومجلس الأمن بوجه خاص في العمل على حفظ السلم والأمن الدوليين، وهذا يتضح من خلال المقارنة بين عدد الحروب التي اندلعت في عصر الأمم المتحدة وعدد الحروب التي اندلعت في عصر عُصبة الأمم، فتلك المقارنة تقطع بيقين أن للأمم المتحدة دور بالغ الأهمية في الحفاظ على الأمن الجماعي للمجتمع الدولي.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] الدكتور/ بن محي الدين إبراهيم، تطور مفهوم الأمن الجماعي في ضوء القانون الدولي العام، 2013، ص 235.
[2] عبد الهادي محمد العشري، نظرية الأمن الجماعي الدولي والنظام العالمي الجديد، 1995، ص233.

