الجاسوس في القانون الدولي

تتداول المجتمعات الإنسانية مصطلح (جاسوس) على نحو متباين، فتارة يكون نعت الشخص بها بمثابة المدح متى كان يعمل لصالحها، وتارة أخرى يكون بمثابة الذم متى كان يعمل ضدها، وبين هذا الموقف وذاك يظل البعض متحيراً حول حقيقة هذا المصطلح في المطلق وبصورة مجردة، خاصة وأن الجاسوسية من أهم وأقدم النشاطات الاستخباراتية التي قام بها الإنسان منذ القدم، والتي تطورت في عصرنا الحالي لتصبح أحد الطرق الرئيسية التي تستند إليه مختلف دول العالم في ضمان أمنها وتدعيم قوتها، بل ولتحقيق التقدم والتفوق في المجالات الحياتية المختلفة.

ونظراً لأن التجسس هو عمل من الأعمال التي تمس العلاقات الدولية، فقد كان على القانون الدولي أن يتصدى لموضوع التجسس ليوضح ماهية الحكم الخاص به، والمقصود هنا بحكم القانون الدولي هو حكمه على التجسس الذي يتم في الأوقات التي يسود فيها السلم، ويرجع ذلك إلى أن التجسس أثناء الحروب حكمه ثابت ومستقر في أحكام القانون الدولي الإنساني، حيث أورد في (المادة 107) منه أن من يتم أسره من مقاتلي الخصم حال قيامهم بأعمال التجسس لا يحق لهم التمتع بوصف أسير الحرب أو التمتع بمعاملته، كما لا يتم إدانتهم أو إصدار أحكام عليهم قبل خضوع لمحاكمة مسبقة.

أولاً: ماهية الجاسوس والجاسوسية

ثانياً: نظرة الفقه الدولي للتجسس

ثالثاً: موقف القانون الدولي ممن يمارس الجاسوسية

رابعاً: عقوبة التجسس في القانون الأردني

أولاً: ماهية الجاسوس والجاسوسية

تمثل عملية التجسس وسيلة من الوسائل الرئيسية لجمع المعلومات خاصة في زمن الحروب، ففي ظل غياب العلاقات الودية بل وانقطاعها تماماً بين الدول المتحاربة، فعندئذ تنقطع الأواصر والقنوات الشرعية التي يمكن من خلالها أن تستمد إحدى تلك الدول معلوماتها عن الأخرى.

1- ما هو المقصود بالجاسوس؟

يقصد بعملية التجسس العملية التي تتم بهدف استقصاء المعلومات والبحث عنها، وذلك تمهيداً لإرسالها إلى آخرين عبر استخدام طرق سرية، حتى يمكن استخدام تلك المعلومات بطريقة تهدد أمن وسلامة من تم جمع المعلومات عنه أو استخدامها لإضعافه سواء كان ذلك قد تم في حال قيام حرب أو أثناء الأوقات التي يسود فيها السلم.

ويرجع ظهور تعريف قانوني واضح لمصطلح الجاسوس إلى الرابع والعشرون من شهر إبريل عام 1863، وهو التاريخ الذي صدر فيه ما يعرف بقانون ليبر (أو كود ليبر) والخاص بتنظيم سلوكيات الجنود خلال وقت الحرب، وقد صدر هذا القانون من قبل الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن خلال الأحداث السائدة في ظل نشوب الحرب الأهلية في ذلك الوقت، وقد تضمن هذا القانون في مادته رقم (88) تعريف الجاسوس باعتباره الفرد الذي يقوم بتصرفاته على نحو خفي وسري أو يستند في تصرفاته لمزاعم كاذبة، وذلك بهدف الوصول إلى معلومات ما تخص منطقة العمليات إحدى الدول المتحاربة لنقلها إلى الدولة المعادية لها، وأيدت ذلك التعريف لائحة لاهاي الخاصة بالحرب البرية والمبرمة في عام 1907 بمادتها رقم (29).

إلا أن هذا التعريف يؤخذ عليه اقتصاره في تعريف الجاسوس على قيامه بالتجسس في وقت تكون فيه حرب قائمة، وهو ما يخرج ممارسة الشخص لأعمال التجسس أثناء فترات السلم من نطاق هذا التعريف، خاصة وأن القانون الدولي لم يتعرض إلى تعريف الجاسوسية في أوقات السلم.

وقد اتجه الفقه الدولي إلى وضع تعاريف للجاسوس كان أبرزها أنه الشخص الذي تقوم بتعيينه دولة ما ليمارس نشاط غير مشروع يستهدف منه جمع معلومات تتسم بالسرية، وتخص هذه المعلومات الأمن الوطني لدولة أخرى.

مما يستشف منه أن القاعدة الأساسية لدى السواد الأعظم من الفقه الدولي تضع التجسس في موضع التعارض مع القواعد التي يقرها القانون الدولي العام، وذلك لما يمثله من خطورة تمس بأمن وسلامة وسيادة الدول التي يمارس ضدها[1].

2- هل يختلف الجاسوس عن العميل؟

يستخدم الكثيرون لفظي (الجاسوس) و(العميل) باعتبارهما يحملان ذات الدلالة والمفهوم، ونحن إذ نقر بأن التشابه بين المصطلحين في الدلالة قد يكون كبيراً، كما أن هناك كثير من التداخل فيما بينهما بحيث يتفقا في عدة جوانب من جوانبهما، إلا أنهما لا يتطابقان بشكل كامل بحيث لا يعد إحلال أحدهما محل الآخر في الاستخدام أمراً صحيحاً أو مقبولاً.

فإذا ما عقدنا مقارنة بين الجاسوس والعميل سيتبين لنا وجود أوجه اختلاف جوهرية بينهما تتمثل أبرزها وأهمها في:

– الغالبية العظمى من الجواسيس يتمتعون بانتماء لدولة خلاف الدولة التي يمارسون عمل الجاسوسية على أرضها، بينما الجانب الأكبر من العملاء يكونون من مواطني وسكان الدولة التي يتم ممارسة أعمال التجسس على أرضها.

– النشاط الرئيسي والأساسي الذي يمارسه الجواسيس هو جمع المعلومات المتعلقة بمجال محدد، بينما العميل هو من يحاول تحقيق استراتيجيات الدولة التي قامت بتجنيده والإيعاز لدى من حوله بتأييدها.

– في الغالب الأعم يكون الجاسوس شخصاً طبيعياً، في حين قد يكون العميل هو شخص طبيعي أو معنوي (الهيئات والمنظمات والمؤسسات وغيرها) ويكون مجال عمله هو تنفيذ أعمال لصالح أجهزة استخباراتية.

ثانياً: نظرة الفقه الدولي للتجسس

على الرغم من أن الفقه الدولي قد أقر من قبل جانب كبير منه بأن التجسس الذي يتم في وقت الحروب هو عمل يتناقض مع القواعد التي أقرها القانون الدولي العام، إلا أن هذا الفقه نفسه قد انقسم حول وضع التكييف القانوني الخاص به في حال حدوثه أثناء حلول السلم، ونتج عن هذا الانقسام ثلاث آراء مختلفة وهي الرأي القائل بمشروعيته، والرأي القائل بعدم مشروعيته، والرأي المحايد.

1- الرأي القائل بمشروعيته

اتجه جانب من فقهاء القانون الدولي إلى اعتبار أن التجسس في حالات السلم يعد من قبيل الأعمال المشروعة، واستندوا في ذلك إلى خلو قواعد القانون الدولي العام من تجريم أو تحريم للتجسس، وحتى يمكن إدانة دولة بتجسسها على دولة أن يكون هناك قاعدة قانونية دولية تجرم الفعل الذي قامت به.

كما استشهد أنصار هذا الرأي أيضاً بما تم إسباغه من قبل اتفاقية فينا من مشروعية على صورة من صور التجسس والتي تعرف بالتجسس الدبلوماسي، وذلك فيما أوردته ضمن وظائف البعثات الدبلوماسية من وظيفة استطلاع الأحوال والتطورات في الدولة التي تعتمد البعثة لديها وذلك بجميع الطرق المشروعة، ورفع التقارير التي تلزم بشأنها إلى حكومة دولتهم[2].

2- الرأي القائل بعدم مشروعيته

أخذ جانب آخر من فقهاء القانون الدولي برأي يخالف أنصار الرأي الأول، حيث اتجه هذا الرأي أن التجسس في أوقات السلم لا يختلف عن التجسس في أوقات الحرب فكلاهما غير مشروع، واستندوا في رأيهم هذا إلى أن التجسس بوجه عام يعد بمنزلة خرق صريح لأكثر من مبدأ من المبادئ والثوابت المستقرة، ومن هذه المبادئ والثوابت على سبيل المثال ما يلي:

– إن مجرد عدم حظر أو تجريم قواعد القانون الدولي للتجسس بشكل صريح لا يحول دون وجود هذا الحظر والتجريم ولكن بشكل غير مباشر، واستندوا في ذلك إلى أن نص المادة (1/3/د) من اتفاقية فيينا التي تمسك بها أنصار الرأي السابق قد اشترطت أن يسلك أفراد البعثات الدبلوماسية الطرق المشروعة في جمعهم للمعلومات، وهو ما يخرج جمعهم للمعلومات من نطاق عمل الجاسوس الذي يسلك طرقاً غير مشروعة في سبيل جمعه للمعلومات.

كما استندوا أيضاً إلى أن التجسس على الدول يعد بمثابة مساس بل وانتهاك لما تتمتع به من سيادة على أراضيها، ودخول الجاسوس إليها وممارسة أعماله الغير مشروعة للحصول على المعلومات داخل أراضيها بصورة سرية تتسم بالخفاء يعتبر تعدياً على سيادتها.

وانتهى أنصار هذا الرأي أنه بغض النظر عن مشروعية التجسس أو عدم مشروعيته، فهو يعتبر أمر مرفوض من قبل المجتمع الدولي بأكمله.

3- الرأي المحايد

أما الجانب الأخير من فقهاء القانون الدولي فقد اتخذوا موقعاً وسطياً ومحايداً بين الاتجاهين السابقين، حيث رأى أنصار هذا الاتجاه ومؤيديه أن التجسس لا يمكن الجزم بمشروعيته، كما لا يمكن أيضاً الجزم بعدم مشروعيته.

واستند هذا الرأي إلى أن التجسس يعد من الضروريات للدول التي يكون لها أعداء يتربصون بها، ومخاطر تتهدد أمنها وسلامتها، وبدون أن تلجأ إلى جمع المعلومات التي يمكن من خلالها أن تسبر أغوار أعدائها فلا يمكنها بأي حال من الأحوال توقع الخطر قبل تحققه، كما لن تستطيع أن تمنع أي اعتداء إرهابي قد يصيبها، وهو ما يصعب معه منع مثل تلك الدول عن التجسس متى كان هدفها منه هو حماية أمنها وسلامتها.

وقد انتهى مؤيدي هذا الرأي إلى أن التجسس وإن كان لا يمكن الجزم بمشروعيته من عدمها، إلا أنه في جميع الأحوال يمثل عمل من الأعمال غير الودية.

ثالثاً: موقف القانون الدولي ممن يمارس الجاسوسية

كما أشرنا سلفاً فإن القانون الدولي لم يبت بشكل واضح في مسألة تكييف عملية التجسس من ناحية مشروعيتها من عدمه، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك كان له موقف صريح في شأن ما يرتبه على تحقق فعل التجسس من توابع قانونية، هذه التوابع التي تحمل معنى العقوبة والتي وإن دلت فإنما تدل على أن المرجح في جوهر القانون الدولي العام هو أن التجسس يتسم بعدم المشروعية، خاصة وأن الفعل المشروع لا يرتب ارتكابه توقيع عقوبة على من ارتكبه.

1- الأثر القانوني للتجسس في أوقات الحرب

من القواعد المستقرة في القانون الدولي العام أن من يتمكن الأعداء من القبض عليه من جواسيس خلال قيام الحرب، فلا يحق لهم المعاملة التي يتم معاملة أسرى الحرب بها، ولا يتمتعون بغطاء الحماية الذي يكفله القانون الدولي الإنساني للأسرى، وعلى الرغم من ذلك يظل للجاسوس المقبوض عليه الحق في محاكمة عادلة، مما يثير تساؤل هام عن كنه القانون الذي يتم محاكمة الجاسوس استناداً إليه.

وبالرجوع إلى قواعد القانون الدولي سنجد أنها قد منحت ذلك الحق لقانون الدولة التي تم القيام بالتجسس ضدها، وذلك باعتبارها الطرف المضرور من جراء أفعال التجسس، وبالتالي متى تم إدانة الشخص المتهم بالتجسس فإن العقوبة التي توقع عليه هي العقوبة التي ينص عليها قانون تلك الدولة.

وتنص الغالبية العظمى من قوانين العقوبات لمختلف الدول على أن عقوبة التجسس هي أشد عقوبة تعتمدها تلك القوانين، وهو ما يجعل عقوبة التجسس تختلف من دولة إلى أخرى بالنظر إلى أقصى عقوبة ينص عليها قانون الدولة التي يحاكم أمامها، فهناك القوانين التي تعتبر عقوبة الإعدام هي أشد عقوبة فيها فتوقعها على من يثبت إدانته بالتجسس، بينما نجد قوانين أخرى تكون عقوبة السجن مدى الحياة هي العقوبة الأشد وهذه القوانين تخص الدول التي اتجهت إلى إلغاء عقوبة الإعدام.

2- قيام المبعوث الدبلوماسي بالتجسس

بالطبع في هذه الصور من صور التجسس فإننا نقصد قيام أعضاء البعثات الدبلوماسية بجمع المعلومات ولكن بطرق غير مشروعة، فعندئذ يحق للدولة الموفد إليها المبعوث الدبلوماسي أن تتخذ كافة الاحتياطات والإجراءات اللازمة تجاهه لضمان سلامتها والذود عن أمنها، ولا يحول دون ذلك ما يتمتع به من غطاء حمائي يتمثل في حصانته الدبلوماسية.

أ_ ماهية الحصانة الدبلوماسية

تعتبر الحصانة الدبلوماسية أحد أهم الدعائم التي يقوم عليها العمل الدبلوماسي في مفهومه الحديث، وأحد المستلزمات الأساسية له التي لا يمكن إتمامه بدونها، حيث تتضمن جميع ما يحصل عليه الدبلوماسي – سواء كان فرد أو بعثة – من امتيازات وحصانات بمختلف أنواعها.

وقد عرفت الحصانة الدبلوماسية بأكثر من تعريف، حيث عرفت من الناحية القانونية بأنها ما يتم منحه من امتيازات إلى مجموعة محددة من الأفراد الذين يتبعون دولة ويعيشون في أراضي دولة أخرى، بحيث تتيح لهم هذه الامتيازات ألا يخضعوا لقانون آخر خلاف قانونهم الوطني[3].

كما عرفت أيضاً بأنها الامتيازات التي تمنحها الدولة المضيفة لمبعوثي الدول الأخرى لديها، وذلك ليتمكن من القيام بمهام وظيفته دون أن يكون لديه قلق أو خوف على نفسه أو أمواله أو معاونيه أو سكنه الخاص.

حيث يتمكن المبعوث الدبلوماسي استناداً إلى تلك الحصانة من أداء عمله بالدولة المبعوث إليها، وذلك في ظل حماية له من أي تعرض أو اعتداء قد يتعرض إليه، ويكون فيه مساس سواء لذاته أو لصفته كمبعوث دبلوماسي.

ب_ آثار ممارسة المبعوث الدبلوماسي للتجسس

يترتب على ثبوت ارتكاب المبعوث الدبلوماسي لأعمال التجسس عدة إجراءات يمكن للدولة التي تم التجسس عليها اتخاذها ضده، وذلك في ظل ما تفرضه الحصانة من حظر ملاحقته بالطريق الجنائي، وتتمثل تلك الإجراءات فيما يلي:

– يحق للدولة التي تم ارتكاب جريمة التجسس ضدها أن تقوم بطرد الممثل الدبلوماسي الذي قام بارتكاب هذه الجريمة، ويتم ذلك عن طريق إخطارها لدولته بأنه لم يعد مرغوب في وجوده بأراضيها، مع منح المبعوث الدبلوماسي مهلة ليغادر فيها أراضي الدولة، وفي الغالبية العظمى من هذه الحالات تسارع دولة المبعوث بسحبه وإعادته إليها، ويصبح للدولة المرتكب ضدها جريمة التجسس الحق في الرجوع على دولة المبعوث بطلب معالجة الأضرار التي أصابتها من جراء ذلك.

– كما يمكن للدولة المرتكب ضدها جريمة التجسس بعد ذلك أن تطلب من دولة المبعوث أن تقلل عدد أفراد بعثتها الدبلوماسية لديها، وذلك نظراً لثبوت جريمة التجسس في حق أحد أفرادها، وبالتالي يصبح من تقليل عددها شكل من أشكال الوقاية لها.

– وهناك إجراء آخر ولكنه يعتبر أخطر الإجراءات التي يمكن أن يتم اتخاذها، ويرجع ذلك إلى ما يترتب على ذلك الإجراء من آثار جسيمة، ويتمثل هذا الإجراء في قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولة التي ارتكبت ضدها جريمة التجسس من المبعوث الدبلوماسي ودولة المبعوث، ويترتب على ذلك انتهاء أي علاقات أو روابط ودية بينهما، لذلك فإن هذا الإجراء في الواقع العملي يكون نادر الحدوث.

3- قيام الموظف الدولي بالتجسس

لكي تتمكن المنظمات الدولية من تنفيذ ما تعمل من أجله من أهداف فإنها تلجأ إلى توظيف بعض الأشخاص باختلاف درجاتهم ومهامهم وتخصصاتهم لمساعدتها في ذلك، وقد يكون هؤلاء الأشخاص من العاملين الدائمين أو المؤقتين أو بعضاً من هذا وبعض من ذاك، ويسمى هؤلاء الأشخاص بمسمى الموظفين الدوليين.

وقد عرف الموظف الدولي في القانون الدولي العام بأكثر من تعريف، وكان من أبرزها أن الموظف الدولي هو الشخص الطبيعي الذي يشغل وظيفة إدارية في أي من المنظمات الدولية، أو يكون مكلفاً من قبل إحداها للقيام بمهمة أو وظيفة ما تحقق هدف أو أكثر من أهداف المنظمة، سواء كان ذلك بشكل دائم أو مؤقت، ويكون هذا الموظف خاضعاً لما تضعه منظمته من مبادئ وقواعد أقرتها المنظمة والاتفاقيات الدولية الصادرة بشأنها[4].

ويقر القانون الدولي للموظف العام حصانة تتشابه مع الحصانة التي يقرها للمبعوث الدبلوماسي إلا أنها أقل منها من حيث الكم والنوع، وذلك تيسيراً لهذا الموظف أن يتمكن من تأدية الوظيفة التي تم إيفاده من أجلها، وفي بعض الأحيان قد تكتشف الدولة التي يوفد إليها الموظف الدولي لممارسة مهمته أو وظيفته على أرضها أنه يتجسس عليها، وعندئذ يحق للأمين العام لهذه المنظمة التي أوفدته أن تلجأ إلى رفع حصانته الوظيفية عنه، وذلك تحقيقاً للعدل بإتاحة الفرصة لمحاكمته، بجانب أحقية المنظمة في إصدار ما تراه من عقوبات تأديبية على هذا الموظف.

ويجدر بنا أن ننوه إلى أن ذلك يمكن بشأن الموظفين الدوليين ذوي المناصب الإدارية الدنيا، أما في حالة أن يكون الموظف الدولي المتهم بالتجسس من أصحاب المناصب العليا المتمثلين في الأمين العام للمنظمة وأمنائه المساعدين، فعندئذ ينعقد الاختصاص برفع الحصانة عنهم لجهة وحيدة وهي مجلس الأمن، ويرجع ذلك إلى حساسية مناصبهم، وأيضاً بسبب ما يتمتعون به من حصانة تماثل المقررة للمبعوث الدبلوماسي تماماً.

ويحق للدولة التي قام الموظف الدولي بالتجسس عليها – متى تم إدانته بارتكاب هذا الفعل – أن تخطر المنظمة التي يتبعها بأن موظفها لم يعد مرغوب في تواجده بإقليمها، وذلك لمنح المنظمة الفرصة لسحبه منها قبل أن يصدر قرار بطرده من تلك الدولة.

4_ الموقف الدولي من دولة الجاسوس

لا يقتصر الأمر في حالة اكتشاف شخص يتجسس على دولة لحساب ومصلحة دولة أخرى على عقاب هذا الشخص أو اتخاذ إجراءات ما تجاهه فقط، بل يمتد الأمر ليشمل الدولة التي كان يتجسس لصالحها، حيث أن الدول تعد في نظر القانون الدولي العام أشخاصاً ولكنها أشخاص اعتبارية، مما يجعل قيام هذه الأشخاص الاعتبارية بارتكاب مخالفة دولية متمثلة في القيام بعمل غير مشروع هو أمر وارد، وهو ما يعرف بالمسؤولية الدولية.

ومن أهم ما يرتبه القانون الدولي على عاتق الدولة التي تتحقق لديها المسؤولية الدولية عن عمل غير مشروع أو مخالفة دولية أصابت دولة أخرى بأضرار هو أن تتحمل هذه الدولة مسؤولية إصلاح ما ترتب على فعلها من ضرر، ويكون ذلك في أكثر من صورة أهمها منح الدولة التي أصابها الضرر الترضيات المناسبة، ويمكن أن يكون ذلك عن طريق اعتذار رسمي مقترن بعقوبة يتم توقيعها على من ثبت ارتكابه لذلك الفعل.

وباعتبار التجسس هو أمر غير مشروع فإن الدولة التي يثبت أنها كانت ترعى عملية التجسس، فيكون للدولة التي تم التجسس عليها الحق في مطالبتها بجبر الأضرار التي ترتبت على تلك العملية وإصلاحها، وقد حدد القانون الدولي عدة سبل يمكن من خلالها إصلاح الأضرار وتتمثل أهمها في الترضية المتمثلة في الاعتذار الرسمي، والتعويضات المالية، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه.

رابعاً: عقوبة التجسس في القانون الأردني

نظراً لما تمثله أفعال التجسس من خطورة على أمن الدولة وسلامتها واستقرارها، خاصة وأن عقاب مرتكبي هذه الجرائم يتم وفقاً للقانون الخاص بالدولة التي يتم التجسس عليها، فكان لزاماً تنظيم وضبط ذلك في القانون الوطني، مما حدا بالمشرع الإماراتي إلى فرض حماية مشددة على الأسرار الخاصة بالدولة ووثائقها التي تتعلق بسلامة الدولة وأمنها، وعلى ذلك فقد سن المشرع الإماراتي قانون سمي بـ (قانون حماية أسرار ووثائق الدولة) والصادر في عام 1971.

وطبقاً لهذا القانون فقد حدد المشرع وقوع جريمة التجسس بأكثر من صورة، ووضع العقوبة الخاصة بكل صورة منها بشكل محدد، وقد جاء ذلك في إطار نصوص المواد (14) و(15) و(16) من القانون، ونوضح تلك الصور وعقوباتها فيما يلي:

1-    الصورة الأولى (المادة 14)

نصت (المادة 14) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة الأردني فيما يتعلق بالدخول لمكان محظور على ما يلي:

“من دخل أو حاول الدخول إلى مكان محظور قصد الحصول على أسرار أو أشياء أو وثائق محمية أو معلومات يجب أن تبقى سرية حرصاً على سلامة الدولة عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة وإذا حصلت هذه المحاولة لمنفعة دولة أجنبية عوقب بالأشغال المؤبدة واذا كانت الدولة الأجنبية عدوة فتكون العقوبة الإعدام.”

فيلاحظ مما سبق أن القانون حددها في شكل محاولة الدخول إلى مكان محظور بغرض الحصول على أسرار أو أشياء أو وثائق محمية أو معلومات يجب أن تظل في طي السرية والكتمان حرصاً على سلامة الدولة.

وقد حدد المشرع عقوبة مرتكب تلك الجريمة في ذات المادة بأنها الأشغال الشاقة المؤقتة، وشددها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان ذلك الفعل قد تم لصالح تحقيق منفعة لدولة أجنبية، وشددها لتصبح الإعدام متى كانت تلك الدولة الأجنبية بينها وبين دولة الأردن عداء.

2-    الصورة الثانية (المادة 15)

نصت (المادة 15) من القانون سالف الذكر فيما يتعلق بسرقة وثائق أو معلومات على ما يلي:

” أ . من سرق أسرار أو أشياء أو وثائق أو معلومات كالتي ذكرت في المادة السابقة أو استحصل عليها عوقب بالأشغال المؤقتة لمدة لا تقل عن عشر سنوات .

ب. اذا اقترفت الجناية لمنفعة دولة أجنبية كانت العقوبة بالأشغال المؤبدة واذا كانت الدولة الأجنبية عدوة فتكون العقوبة الإعدام.”

وتلك الصورة أوردها القانون على أنها سرقة أسرار أو أشياء أو وثائق أو معلومات مثل الواردة بالمادة السابقة ونجح مرتكب الجريمة في الحصول على تلك الأسرار أو الأشياء أو المعلومات.

وقد حدد المشرع لهذه الصورة عقوبة وردت بنفس المادة وهي الأشغال الشاقة المؤقتة التي لا تقل عن عشر سنوات، والتي شددها لتصبح الأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان ذلك الفعل قد تم لصالح تحقيق منفعة لدولة أجنبية، وشددها لتصبح الإعدام متى كانت تلك الدولة الأجنبية بينها وبين دولة الأردن عداء.

وفيما يتصل بذلك فقد أقرت محكمة التمييز بصفتها الجزائية في الحكم رقم 191 لسنة 1996 المبادئ التالية:

1- لمحكمة أمن الدولة بما لها من صلاحية في تقدير الأدلة ووزن البينة عملا بالمادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، وطالما أنها توصلت إلى قناعتها بعد مناقشة الأدلة واستخلاص الواقعة التي توصلت إليها ومنها اعتراف المتهم الصريح ، كما أنها أوضحت عناصر الجرم المسند للمتهم بما فيه الركن المعنوي المتمثل بعلم المتهم أنه يقوم بنقل معلومات عسكرية لدولة أجنبية بوعي وإرادة وسعى إلى تجنيد أحد أفراد القوات المسلحة الأردنية لتحقيق هذه الغاية مما يوفر لديه قصد الحاق الضرر بأمن وسلامة المملكة الداخلي والخارجي مقابل مبلغ زهيد من المال كما ثبت أن المعلومات التي قام بنقلها إلى جهاز المخابرات الإسرائيلية هي معلومات سرية جدا، وعليه فيكون تجريم المتهم خلافا لأحكام المادة (15/أ و ب) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم 50 لسنة 1970 استنادا إلى بينات قانونية ومنها اعتراف المتهم في محله وموافقا للقانون.

2- إدانة المتهم بجرم الحصول على معلومات سرية يجب أن تبقى سرية حرصا على سلامة الدولة وذلك لمنفعة دولة أجنبية فان ظروف الدعوى وخطورة الجريمة لا تستدعي استعمال الأسباب المخففة بحقه فمن يقوم بأفعال تضر بوطنه وشعبه لا يستحق الرحمة

الصورة الثالثة (المادة 16)

نصت (المادة 16) من القانون سالف البيان  وفيما يتعلق بحيازة أو علم سر من الأسرار على ما يلي:

“أ . من وصل إلى حيازته أو علمه أي سر من الأسرار أو المعلومات أو أية وثيقة محمية بحكم وظيفته أو كمسؤول أو بعد تخليته عن وظيفته أو مسؤوليته لأي سبب من الأسباب فابلغها أو أفشاها دون سبب مشروع عوقب بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن عشر سنوات .

ب. ويعاقب بالأشغال المؤبدة اذا ابلغ ذلك لمنفعة دولة أجنبية واذا كانت الدولة الأجنبية عدوة فتكون العقوبة الإعدام .”

فهي ثالث صور جرائم التجسس المعاقب عليها في هذا القانون فتتمثل في أن يصل إلى علم الجاسوس أو حيازته أي سر من الأسرار أو المعلومات أو الوثائق المحمية بحكم وظيفته أو كمسؤول أو بعد تخليه عن وظيفته أو مسؤوليته لأي سبب من الأسباب فقام بإبلاغها أو إفشائها دون سبب مشروع.

وقد قرر المشرع عقوبة تلك الجريمة بذات المادة على أنها تكون الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن عشر سنوات، لتشدد وتصبح الأشغال الشاقة المؤبدة متى كان قد أفشى وأبلغ تلك الأسرار أو المعلومات أو الوثائق لدولة أجنبية لتحقق منها منفعة، كما ارتفع بها لتصبح الإعدام متى كان هناك عداء قائم بين تلك الدولة الأجنبية ودولة الأردن.

والخلاصة أن موقف القانون الدولي من التجسس في أوقات السلم لازال يكتنفه الكثير من الغموض، حيث لم يتضح بأي من قواعد ومصادر القانون الدولي العام موقفه الصريح من هذا النوع من التجسس، مما يجعلنا نشدد على ضرورة معالجة جرائم التجسس في القانون الدولي العام بنوعيها سواء التي تتم وقت الحرب أو التي تقع في وقت السلم، حيث أن تلك الجريمة ذات صبغة دولية، حيث يترتب عليها توتر في العلاقات التي تربط دول العالم ببعضها البعض، مما سينعكس بما لا يدع مجالاً للشك على المجتمع الدولي بأسره، وستكون انعكاساته تلك بمثابة خطر يتهدد أمنه واستقراره، مما يوجب التدخل لمنع حدوث ذلك.

 كتابة : أحمد عبد السلام

مراجعة وتدقيق: المحامي سامي العوض

[1] – عبد الرحمن لحرش – التجسس والحصانة الدبلوماسية – مجلة الحقوق – جامعة الكويت – ع (4) – س 27 – 2003 – ص182.

[2] – اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية المبرمة عام 1961 – المادة (1/3/د).

[3] – الموسوعة العربية العالمية – ط2 – مؤسسة أعمال الموسوعة – المملكة العربية السعودية – 1999 – الجزء التاسع – ص 420.

[4] – قيصر يونس – المسؤولية القانونية للموظف الدولي – مجلة الرافدين للحقوق – المجلد الثاني عشر – ع (47) – 2011 – ص160.

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected
%%footer%%