المياه الدولية وقوانين أعالي البحار
تمثل مساحة المياه الموجودة على سطح الأرض 71٪ من مساحتها أي ما يعادل 510 مليون كيلومتر مربع، بينما تمثل اليابسة بذلك 29٪ فقط بجانب مياه البحيرات ومياه المحيطات، فيما تمثل المياه العذبة 3% ممثلة بالأنهار والبحيرات العذبة أي 510 كيلومترات مربعة وقد قررت الاتفاقيات الدولية أن المياه الإقليمية لكل دولة تبدأ بحدودها على الشاطئ عند الجزر حتى عمق 12 ميلا بحريًا.
يتضح مما سبق ذكره أن منطقة “أعالي البحار” أو المياه الدولية هي المنطقة التي تمتد لما بعد المياه الإقليمية وهي تعتبر منطقة مفتوحة أمام أي دولة للصيد والسفر والبحث ولكل الدول حقوق متساوية فيها ويجب على كل منها احترام حقوق الدول الأخرى كما تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.[1]
وفيما يلي توضيح لكافة جوانب الموضوع من خلال عدد من العناصر جاري الحديث عنها كالآتي:
أولًا: ماذا نعني بالمياه الدولية؟
ثالثًا: المبادئ التي رسختها اتفاقيات أعالي البحار
رابعًا: جرائم البحر والنظام القضائي الدولي
أولًا: ماذا نعني بالمياه الدولية؟
في الواقع ليس لمصطلح “المياه الدولية” تعريف محدد في القانون الدولي وهو بذلك يعتمد على الموقع حيث إن جميع مياه المحيطات هي مياه دولية وعلى سبيل المثال في البحار الإقليمية لبلد ما يحق لسفن جميع الدول “المرور البريء”، غير أن مصطلح “المياه الدولية” يستخدم أحيانًا كاختصار غير رسمي يُقصد به الإشارة إلى المياه الواقعة خارج البحر الإقليمي لبلد ما.
ومن المفيد الإشارة في البداية إلى أن المقصود بالمياه البحرية هي تلك المياه المالحة التي ترتبط مناطقها ببعضها البعض بحرية وطبيعية كما أنه من المهم معرفة السفينة لأنها من المحاور الرئيسية التي تناولها القانون الدولي وتمييزها عن باقي المرافق، وهي كما يراها الفقهاء منشأة محمولة وتوجيهية تقوم بتنفيذها عناصر الملاحة البحرية كالمعتاد حيث يتبين لنا أنها تختلف عن غيرها من المنشآت البحرية العائمة مثل الأرصفة العائمة وغيرها والتي لا تصلح عادة للملاحة البحرية.
وفي هذه المياه تتمتع جميع الدول بـ “حرية أعالي البحار” (مثل حرية الملاحة والتحليق) والاستخدامات المشروعة الأخرى للبحار وبشكل عام هذا يعني أن سفن أي بلد – حتى لو كانت السفينة ترفع علم بلد غير ساحلي يحق لها ممارسة هذه الحريات دون تدخل من أي دولة أخرى وينعكس هذا في النظام العرفي للقانون الدولي في اتفاقية قانون البحار.
وقد أعطى القانون الدولي لكل دولة الحرية في تحديد شروط منح جنسيتها للسفن وتسجيلها في أراضيها والحق في رفع علمها وتنقسم السفن إلى سفن عامة وخاصة، فالأولى هي السفن التي تستخدمها السلطات العامة في الدولة لأداء خدمات عامة وغير تجارية أما السفن الخاصة فهي تلك التي تستخدم في أغراض خاصة كالسياحة والنزهة وصيد الأسماك والنقل والتجارة المملوكة للأفراد أو الشركات الخاصة وهناك عدد من القوانين المنظمة للوضع القانوني للسفن في البحر وفقًا للمجال البحري وهي:
1_ المياه الداخلية:
إن (المادة 8) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمعروفة باسم اتفاقية مونتفيديو لعام 1982 عرّفت المياه الداخلية بأنها “المياه الواقعة على الجانب البحري من خط البحر الإقليمي”، وتم تقديم نفس التعريف من قبل اتفاقية جنيف لعام 1958 واتضح أن المياه الداخلية هي جزء من المياه الوطنية للدولة الساحلية وتشمل هذه المياه الموانئ والمرافئ والبحار الداخلية والبحار المغلقة وشبه المغلقة والبحار الداخلية والمضايق والبحيرات والأنهار الدولية.
2_ البحر الإقليمي:
تجدر الإشارة إلى أن فكرة البحر الإقليمي ليست من فكرة حديثة، بل ترجع إلى الفقهاء، الرومان وقد أعطت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الحق لجميع الدول في تحديد عرض بحرها الإقليمي، ولكن بشرط ألا تتجاوز مسافة اثني عشر ميلاً بحريًا وأن يتم القياس من الخطوط الأساسية وتحتفظ الدولة الساحلية في بحرها الإقليمي بحقوق الصيد والملاحة وإنشاء الجزر الاصطناعية والبحث العلمي وحظر المرور غير البريء بالإضافة إلى الاختصاص بتطبيق القواعد المتعلقة بالصحة والجمارك والأمن.[2]
3_ المنطقة المتاخمة:
وتنص (المادة 33) من الاتفاقية الخاصة بتنظيم أعالي البحار على أن للدولة الساحلية الحق في منطقة مجاورة لبحرها الإقليمي، والمعروفة بالمنطقة المتاخمة لها، ولها الحق في ممارسة السيطرة اللازمة عليها ولا يجوز أن تتجاوز مسافتها 24 ميلاً وخلاصة القول إن هذه المنطقة هي منطقة انتقالية من الحقوق الإقليمية إلى مبدأ حرية أعالي البحار.
4_ المنطقة الاقتصادية:
المنطقة الاقتصادية هي منطقة تم إنشاؤها بموجب اتفاقية عام 1982 وتقع خارج البحر الإقليمي ومجاورة لها ويحكمها نظام قانوني مميز، وتمتد إلى 200 ميل بحري وللدولة الساحلية الحق في القيام بأنشطتها المختلفة على هذه المنطقة مع حقها في الترخيص لمن تريد في الصيد أو البحث العلمي أو أي شيء آخر، وجميع الدول الساحلية لها الحق في المنطقة الاقتصادية مع التمتع بنفس الحقوق التي تتمتع بها في أعالي البحار بما في ذلك الملاحة والطيران ومد الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب.
5_ الجرف القاري:
تُعرِّف الاتفاقية الدولية لقانون أعالي البحار في (المادة 76) الجرف القاري بأنه قاع وتربة المناطق المغمورة التي تمتد إلى ما وراء البحر الإقليمي لمسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس وللدولة الحق في ممارسة حق التنقيب عن الموارد الطبيعية واستغلالها وتلتزم الدولة بمنع عرقلة المرور الحر للبحر الذي قد يتوافق مع المنطقة الاقتصادية التي يعمل فيها نظام الممر الحر.
6_ منطقة أعالي البحار:
تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن أعالي البحار هي جميع أجزاء البحر التي لا تغطيها المنطقة الاقتصادية الخالصة أو البحر الإقليمي أو المياه الداخلية للدولة ولا تغطيها المياه في أعالي البحار، ومن الضروري أن يكون هناك اتصال حر وطبيعي مع البحار مما يعني أن البحار الداخلية تنحرف عن هذا المفهوم مثل (بحر قزوين، البحر الميت) ولجميع الدول الحق في رفع أعلامها فوق هذه المنطقة وحرية المرور وللدولة المجاورة الحق في منع تهريب المخدرات أو البث الإذاعي غير القانوني [3].
7_ منطقة التراث الإنساني المشترك:
يُقصد بها منطقة التراث المشترك وهي المنطقة غير المائية التي تشمل قاع وأسفل المناطق التي تلي الحدود الخارجية للحافة القارية مباشرةً، أما حقوق وواجبات دول هذه المنطقة فيما يتعلق بالمعادن المستخرجة منها فلا يجوز التصرف فيها إلا وفق أنظمة وإجراءات الهيئة وفي حالة استغلالها يجب على الدول تقديم مدفوعات مالية ومساهمات عينية لاستغلال الموارد غير الحية للجرف القاري فيما يتجاوز 200 ميل بحري من خطوط الأساس والسلطة الدولية لقاع البحار مكلفة بالإشراف على التنقيب والاستكشاف والاستغلال ونظام الموافقة على خطط العمل.[4]
ثانيًا: الحريات البحرية
1- حرية الملاحة وأنواع حركة المرور
بالرجوع (للمادة 90) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يحق لكل دولة ساحلية أو غير ساحلية الإبحار بسفنها التي ترفع علمها في أعالي البحار وهناك ثلاثة أنواع من ممرات السفن: مرور مجاني، وممر بريء، ومرور ترانزيت، ويمارس المرور الحر في أعالي البحار من قبل جميع البلدان وكذلك في المضائق الدولية أما بالنسبة للمرور البريء فيطبق هذا النظام على:
– المضايق في جزيرة الدول الساحلية للمضيق وبين هذه الدولة.
– المضائق الواقعة بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة والبحر الإقليمي لدولة أجنبية.
– المياه الأرخبيلية.
– البحر الإقليمي للدولة الساحلية.
ويحق لأي دولة الحق في منع السفن التي تشكل تهديدًا محتملاً لأمنها القومي مثل السفن النووية أما المرور العابر فهو يقتصر على المضائق الدولية الواقعة بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وهذا النوع من المرور غير مسموح به إلا لظروف قاهرة.
2- حرية إنشاء الجزر الاصطناعية
للدولة الساحلية الحق الحصري في المنطقة الاقتصادية في إنشاء والسماح بإنشاء واستغلال واستخدام الجزر الاصطناعية والمنشآت.
3- حرية البحث العلمي
في البحر الإقليمي يكون للدولة الحق الحصري في البحث العلمي، ولكن في المنطقة الاقتصادية والجرف القاري لها الحق في الرفض بشرط أن تقدم تلك الدولة مبررات واضحة لذلك، أما في مجال التراث المشترك فهو غير مقيد بشرط أن يكون سلميًا على سبيل المثال المحيط الهندي الذي تنفذ إليه العديد من الدول العربية أو يعتبر منفذها الوحيد مثل عمان والمملكة العربية السعودية واليمن.
4- حرية الصيد
للدول الساحلية الحق في تحديد كمية الصيد التي تراها مناسبة للحفاظ على أنواعها وإبرام اتفاقيات مختلفة في إطار التعاون الدولي أو الثنائي وتجدر الإشارة إلى أن معظم اتفاقيات الصيد العربية هي اتفاقيات ثنائية مع دول أجنبية مثل اتفاقيات 1977 المغربية – الإسبانية – الموريتانية والتي لها بعد سياسي في المقام الأول كما توجد اتفاقيات ثنائية عربية تجمع موريتانيا مع مصر والمغرب والجزائر، وليبيا، والعراق، والكويت.
ثالثًا: المبادئ التي رسختها اتفاقيات أعالي البحار
في حالات الحرب يسمح القانون الدولي للدول المحايدة بمواصلة التجارة مع الدول المحايدة الأخرى ومع الدول المتحاربة، وفي تلك الحالة يفترض أن السفن لن تقوم الدول المحايدة بنقل التجارة المحظورة في الحرب والدول المتحاربة ومن ثم تقرر المواد التي تعتبرها مهربين، وقد تم إدخال العديد من القيود التي غيرت العديد من المفاهيم الراسخة في النظام القانوني لأعالي البحار تتمثل في:
1_ تكريس مبدأ حرية أعالي البحار
أي أن أعالي البحار تظل حرة لا يمتلكها أحد ولا تخضع لسيادة أو سلطة أو نظام قانوني لأية دولة ولجميع دول العالم الحق في الاستفادة منه على قدم المساواة وفقاً لقواعد القانون الدولي المعمول بها في هذا الشأن منذ نهاية القرن الثامن عشر وقد لجأت بعض الدول قبل هذا التاريخ إلى فرض سيادتها على أجزاء شاسعة من أعالي البحار المقابلة لشواطئها أو المجاورة لها كما حدث عندما ادعت روما سيادتها على حوض البحر الأبيض المتوسط، وهذا ما فعلته بريطانيا أيضًا في شمال المحيط الأطلسي وقد تم بالفعل إبرام العديد من الاتفاقيات الدولية لتنظيم حرية الصيد في أعالي البحار مثل اتفاقية جنيف واتفاقية لندن لعام 1931.
2_ جنسية السفينة في أعالي البحار
يحق لجميع الدول تشغيل سفن ترفع علمها في أعالي البحار سواء كانت دولاً ساحلية أم لا، وتحدد كل دولة وفق نظمها الداخلية شروط منح جنسيتها للسفن وتسجيلها، وتحمل هذه السفن جنسية الدولة التي يرفع علمها بشرط وجود رابط حقيقي بين الدولة والسفينة والمراد بذلك هو الارتباط الحقيقي لما تفعله بعض الدول عندما تشترط لمنح جنسيتها لسفينة أن يكون أصحابها أو بحارتها أو معظمهم من رعاياها أو أن هذه السفينة مسجلة لدى هذه الدولة ولا يجوز لأي سفينة الإبحار إلا تحت علم دولة واحدة فقط وتخضع للاختصاص القضائي الحصري لتلك الدولة ولا يجوز للسفينة أن تغير علمها أثناء رحلتها أو تواجدها في ميناء للزيارة ما لم يكن هناك نقل فعلي للملكية أو تغيير في مكان تسجيل السفينة.
3_ حصانة السفينة في أعالي البحار
من المبادئ الراسخة في القانون الدولي أن السفن في أعالي البحار تخضع من حيث المبدأ فقط للولاية القضائية للدولة التي ترفع علمها وتتمتع السفن العامة المملوكة للدولة لأغراض غير تجارية – سواء كانت سفن حربية أم لا – بحصانة كاملة ولا يجوز اتخاذ أية إجراءات قضائية، أو جنائية، أو مدنية، أو تأديبية ضد قبطان السفينة أو أي شخص آخر يعمل في خدمتها إلا أمام الجهات المختصة بالدولة أو إلى البلدان التي يكون الشخص مواطناً لها.
وتقتصر سلطة دولة العلم فقط على سلطة سحب شهادة الطيار أو الترخيص الصادر له أو إصدار أمر باحتجاز السفينة أو تقييدها أما بالنسبة للسفن الخاصة، فيما عدى ذلك فهي تخضع عمومًا لولاية الدولة التي يرفع علمها فقط مع وجود بعض الاستثناءات وخاصة تلك المتعلقة بمكافحة الإتجار بالمخدرات والرق وقمع القرصنة والتصادم والبث غير المصرح به، وبموجب (المادة 98) من اتفاقية عام 1982 لقانون البحار يجب على كل دولة أن تطالب ربان سفينتها التي ترفع علمها بالسعي قدر الإمكان لعدم تعريض السفينة أو طاقمها أو ركابها لخطر جسيم وتقديم المساعدة للأشخاص والسفن المعرضة للخطر في أعالي البحار.
أ_ واجبات دولة علم السفينة
حددت اتفاقية قانون البحار لعام 1982 واجبات دولة علم السفينة في أعالي البحار على النحو التالي:
- ممارسة الاختصاص والرقابة الفعليين على السفينة في جميع الأمور الإدارية والفنية والاجتماعية.
- الاحتفاظ بسجل يتضمن أسماء السفن التي ترفع علمها وخصائصها الخاصة باستثناء السفن التي لا تنطبق عليها بسبب صغر حجمها واللوائح الدولية المتعارف عليها بشكل عام.
- ممارسة الولاية القضائية وفقا للقانون الداخلي على كل سفينة ترفع علم الدولة وقبطانها وضباطها وأفراد طاقمها فيما يتعلق بالمسائل الإدارية والفنية والاجتماعية المتعلقة بالسفينة.
- اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة لضمان السلامة في البحر وخاصة فيما يتعلق ببناء السفن وصلاحيتها للإبحار وتشكيل وتأهيل أطقم السفن واستخدام الإشارات لمنع الاصطدامات والتفتيش الدوري للسفينة.
- التحقيق في كل حادث بحري أو ملاحي في أعالي البحار تكون لسفينة ترفع علم الدولة مصلحة فيه إذا نتج عنه خسائر أو إصابات جسيمة في الأرواح ومنشآت دولة أخرى أو البيئة البحرية (المادة 94) لسنة 1982 من القانون الدولي.
ب – استثناءات من ممارسة الولاية القضائية الوطنية على السفينة
إن مبدأ خضوع السفينة للسلطة القضائية الوطنية لدولة العلم الذي ترفعه ليس مطلقًا دائمًا فبدلًا من ذلك يتم إجراء بعض الاستثناءات لها، وفي حالة تحقيقها تسمح للبلدان الأخرى – بخلاف دولة العلم – ببدء بعض التخصصات في أعالي البحار وعلى السفن الموجودة فيها ويمكن تصنيف هذه الاستثناءات على النحو المحدد في اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن أعالي البحار واتفاقية قانون البحار لعام 1982 على النحو التالي:
حالات الاصطدام:
تحدثت (المادة 16) من اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن أعالي البحار و (المادة 97) من اتفاقية قانون البحار لعام 1982 بشأن قانون البحار ونصت على أنه في حالة وقوع تصادم أو أي حادث ملاحي آخر يتعلق بسفينة في أعالي البحار لا يجوز اتخاذ أي إجراء جنائي أو تأديبي ضد ربان السفينة أو أي شخص آخر يعمل في خدمتها إلا أمام السلطات القضائية والإدارية لدولة العلم أو الدولة التي يحمل الشخص جنسيتها وتختص هذه الدولة أيضًا بسحب شهادة الأهلية أو الترخيص لقبطان السفينة حتى لو لم يكن حاملها من مواطني الدولة التي أصدرتها يحق لدولة العلم فقط احتجاز السفينة حتى لو كان ذلك قيد التحقيق.
تجارة الرقيق:
بدأ التفكير في إلغاء الرق رسمياً في أوائل القرن التاسع عشر خاصة بعد صدور إعلان فيينا عام 1815 م، ثم إبرام معاهدة في عام 1841 م التي تسمح للسفن الحربية للدول المتعاقدة بالحق في تفتيش وضبط السفن التي تنقل العبيد وملاحقة طاقمها أمام محاكم الدولة التي ترفع علمها، وفي عام 1890 م صدرت وثيقة بروكسل التي تنظم وسائل مكافحة الإتجار بالرقيق حتى إبرام اتفاقية سان جيرمان لعام 1919 والتي ألزمت جميع الدول في إفريقيا بحظر تجارة الرقيق تمامًا في البر والبحر في عام 1926 ولقد أصدرت عصبة الأمم إعلانًا تعهدت فيه جميع الدول باتخاذ التدابير المناسبة لمنع الإتجار بالرقيق ومعاقبة مرتكبيه.
قمع القرصنة:
نصت اتفاقية قانون البحار لعام 1982 على ضرورة تعاون الدول إلى أقصى حد ممكن لقمع القرصنة في أعالي البحار أو في أي مكان آخر لا يخضع لسلطة أي دولة.
أما الأعمال التي تشكل قرصنة فهي:
- أي عمل غير قانوني من أعمال العنف أو الاحتجاز أو السطو يرتكب لأغراض خاصة من قبل طاقم أو ركاب سفينة أو طائرة خاصة ويكون موجهًا ضد سفينة، أو طائرة أخرى ،أو ضد أشخاص ،أو ممتلكات على متن تلك السفينة أو الطائرة سواء على متنها أعالي البحار أو في أي مكان لا يخضع لسلطة أي دولة.
- أي عمل من أعمال الاشتراك الطوعي في تشغيل سفينة أو طائرة مع العلم بوقائع تضفي على تلك السفينة أو الطائرة صفة القرصنة.
- أي عمل من شأنه التحريض أو التسهيل عمداً لارتكاب أعمال القرصنة.
- تمرد طاقم أي سفينة حربية أو سفينة أو طائرة حكومية واستيلائهم على سلطة السيطرة، والتي تعتبر بعد ذلك قرصنة ارتكبتها سفينة أو طائرة خاصة بحسب نصوص (المواد من / 100 / إلى / 102 ) من اتفاقية 1982 بشأن قانون البحار.
- حظر الإتجار بالمخدرات: في ضوء الآثار السلبية لتجارة المخدرات وتعاطيها على المجتمع والصحة أكدت (المادة 108) من اتفاقية عام 1982 لقانون البحار على أن تتعاون جميع الدول في قمع الإتجار غير المشروع بالمخدرات والمواد التي تؤثر على المخدرات دون أن يخالف المواثيق الدولية ويمكن لأي دولة لديها أسباب معقولة للاعتقاد بأن سفينة ترفع علمها متورطة في الإتجار غير المشروع بالمخدرات أو المواد التي تؤثر على العقل أن تطلب تعاون الدول الأخرى لقمع هذا الإتجار.
- منع البث غير المصرح به: نصت اتفاقية قانون البحار لعام 1982 على ضرورة تعاون جميع الدول في قمع البث الإذاعي غير المصرح به في أعالي البحار ويقصد بذلك إرسال إذاعات صوتية وتلفزيونية من سفينة أو منشأة في أعالي البحار بقصد استقبالها من عامة الناس بما يخالف اللوائح الدولية المعمول بها في هذا الصدد باستثناء إرسال نداءات الاستغاثة.
وبالرجوع إلى (المادة 109) من اتفاقية قانون البحار لعام 1982 يحاكم أي شخص يشارك في البث غير المصرح به سواء أمام محاكم دولة السفينة أو حالة تسجيل المنشأة أو التي يكون الشخص من رعاياها أو أي دولة يمكن أن يتلقى البث فيها أو يتدخل البث مع اتصالاتها اللاسلكية المصرح بها وبالتالي تتمتع كل دولة في أعالي البحار بسلطة قضائية على أي شخص يعمل في البث غير المصرح به بما في ذلك الاستيلاء على أي سفينة تستخدم لهذا الغرض والتحكم في أجهزة الإرسال اللاسلكي.
4- ممارسة حق تتبع السفينة أو مطاردتها فعليا
تجدر الإشارة إلى أن (المادة 110) من اتفاقية قانون البحار لعام 1982 نصت على حق الزيارة أي حق كل سفينة حربية أو سفينة عامة مكلفة بذلك في تفتيش أي سفينة أجنبية خاصة تصادفها في أعالي البحار إذا كان لديها أسباب معقولة للاشتباه في أن السفينة الأجنبية متورطة في القرصنة أو في تجارة الرقيق أو في البث الإذاعي غير المصرح به أو أنها لا تحمل جنسية أي بلد أو أنها من جنسية الدولة التي تنتمي إليها السفينة الحربية، حتى لو كانت ترفع علمًا أجنبيًا أو ترفض رفع علمها.
فيما يحق للسفينة الحربية التحقق من علم السفينة الخاصة والتحقق من مستنداتها إذا ظهر أن شكوكها لا أساس لها في ذلك الوقت ومن ثم يجب تعويض هذه السفينة عن أي خسائر أو أضرار تتكبدها وتنص (المادة 111) من اتفاقية قانون البحار لعام 1982 على أنه يجوز لأي دولة ساحلية ممارسة الحق في تعقب أو مطاردة سفينة أجنبية في أعالي البحار في حال إذا تم استيفاء الشروط التالية:
- أن تكون المطاردة قوية ومستمرة دون انقطاع.
- تبدأ المطاردة عندما تكون السفينة الأجنبية أو أحد زوارقها في المياه الداخلية أو البحر الإقليمي أو المنطقة المتاخمة للدول التي تقوم بالمطاردة.
- لا يجوز المطاردة إذا كانت السفينة الأجنبية في المنطقة المتاخمة ما لم يكن هناك انتهاكات للحقوق التي أنشئت من أجلها هذه المنطقة.
- لا يشترط أن تكون السفينة التي أصدرت أمر التوقف للسفينة الأجنبية موجودة قانونًا داخل البحر الإقليمي أو المنطقة المجاورة.
- لا يجوز أن تبدأ المطاردة إلا بعد إعطاء إشارة ضوئية أو صوتية بالتوقف على مسافة يمكن للسفينة الأجنبية من خلالها رؤية الإشارة أو سماعها.
- يحق فقط السفن الحربية، أو الطائرات العسكرية ،أو السفن، أو الطائرات الأخرى التي تحمل إشارات واضحة تشير إلى أنها في الخدمة الحكومية القيام بالمطاردة.
- ينتهي حق المطاردة الحثيثة بمجرد دخول السفينة التي يتم ملاحقتها البحر الإقليمي للدولة التي تنتمي إليها أو البحر الإقليمي لدولة أخرى.
- أي خسارة أو ضرر يلحق بالسفينة، أو طاقمها، أو ركابها نتيجة إيقافها ،أو حجزها خارج البحر الإقليمي يجب تعويضه في الأحوال التي لا تبرر ممارسة حق المطاردة الحثيثة.
5_ ممارسة حق المرور العابر للدول غير الساحلية
إن (المادة 3 ) من اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن أعالي البحار و (المادتين 124 و 125) من اتفاقية قانون البحار لعام 1982[5] تضمنت عدة أحكام تتعلق بحق الدول التي ليس لها ساحل بحري في الوصول إلى البحر وتشغيل السفن التي ترفع علمها وبناءً على ذلك تتمتع هذه البلدان بحرية العبور عبر أراضي بلد العبور بجميع وسائل النقل المتاحة بما في ذلك السكك الحديدية والسفن والمركبات البرية والحمالين ويتم تنظيم هذا المرور من خلال إبرام اتفاقيات خاصة بين الأطراف المعنية ويحق لدول العبور أيضًا اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب أي هجمات قد تحدث ضد مصالحها المشروعة.
رابعًا: جرائم البحر والنظام القضائي الدولي
تتمتع الدولة أو الدول المطلة على منطقة أعالي البحار بحقوق سيادية تعطيها الأولوية في استغلال الموارد الطبيعية في المنطقة ولها أيضًا الحق في ملاحقة السفن هناك بشرط أن تبدأ عملية المطاردة من مياهها الإقليمية وتقدم هذه الدول المجاورة المساعدة للسفن المنكوبة وعليها أيضًا التصدي للقرصنة البحرية ويمكن لأي دولة اعتراض القراصنة والقبض عليهم في أعالي البحار وتقديمهم للمحاكمة وهو ما يسمى بمبدأ “الولاية القضائية العالمية”.
وتعد الجريمة الدولية اعتداء على القيم والمصالح التي تهم المجتمع الدولي وهناك العديد من المعاهدات الدولية التي تنظم ذلك ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار بالمخدرات وقد نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في (المادة 109) على تحديد الاختصاص فيما يتعلق بجريمة البث الإذاعي غير المصرح به على النحو التالي: حالة جنسية السفينة وتسجيل السفينة، حالة جنسية المخالف، جميع البلدان التي يمكن استقبال الإرسال فيها.
ولقد أعطت اتفاقية مونتريال لقمع جرائم انتهاك سلامة الطيران المدني لعام 1971 لكل دولة الحق في فرض ولايتها القضائية عند ارتكاب الجريمة في أراضيها حيث أنه للدولة الساحلية الحق في ممارسة الولاية القضائية الجنائية واعتقال الأشخاص وإجراء التحقيقات في حالة أن هذا التفويض ضروري لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمخدرات أما إذا كانت السفينة موجودة في ميناء البلد الساحلي وخرجت باتجاه مياهها الإقليمية وما زالت الإجراءات الجنائية تتخذ في القضايا المخالفة لقانون البحار الدولي، وكذلك الحال بالنسبة للمنطقة الاقتصادية أما في منطقة أعالي البحار فلا يجوز لأي دولة أن تتخذ إجراءات إلا بإذن مسبق من دولة السفينة.[6]
ومع ذلك تتمتع الدولة أو الدول المطلة على منطقة أعالي البحار بحقوق سيادية تعطيها الأولوية في استغلال الموارد الطبيعية في المنطقة ولها أيضًا الحق في ملاحقة السفن هناك بشرط أن تبدأ عملية المطاردة من مياهها الإقليمية وتقدم هذه الدول المجاورة المساعدة للسفن المنكوبة وعليها أيضًا التصدي للقرصنة البحرية ويمكن لأي دولة اعتراض القراصنة والقبض عليهم في أعالي البحار وتقديمهم للمحاكمة وهو ما يسمى بمبدأ “الولاية القضائية العالمية”.
ويعتمد النظام القضائي الدولي للبحار على وسائل تسوية المنازعات المتعلقة بتفسير وتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 ، وهذه الوسائل على النحو التالي:(المحكمة الدولية لقانون البحار – محكمة العدل الدولية – محكمة التحكيم – محكمة التحكيم الخاصة)
كتابة : أميرة سعيد
[1] إبراهيم الدغمة، القانون الدولي الجديد للبحار دار النهضة العربية، القاهرة 1983 ص 30
[2] بدرية عبد الله العوضي، الأحكام العامة في القانون الدولي للبحار الكويت 1988 ص 45
[3] صلاح الدين عامر، القانون الدولي الجديد للبحار، دراسة لأهم أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار دار النهضة العربية، القاهرة 1983 ص173.
[4] عبد الكريم علوان، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الثاني مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان 1997 ص 75
[5] J. COMBACOU, Le droit international de la mer, P. U. F, Que sais- Je, no 2257, Paris, 1995 p155
[6] M. VIRALLY, Le nouveau droit international de la mer Pedone, Paris, 1983 p 220

