المرتزقة في القانون الدولي

المرتزقة في القانون الدولي

تطور مفهوم القتال على المستوى العالمي, فلم معظم الدول تعتمد- في كثير من الأحوال-  على جنودها  الوطنيين, وإنما امتدت حاجتها للغير لخوض غمار الحرب, ولذلك فقد شهد واقع الحال تنامي المرتزقة كمهنة احترافية تلبي طلبات تلك الدول في توفير وسائل الحروب, المتمثلة في الاستعانة بأفراد يقاتلون مقابل المال, كما وجدت شركات تملك السلاح المتنوع والطائرات والأساطيل لتنفيذ مهامها كقوة ردع في القتال.

 وفي مقالنا الحالي سنلقي الضوء على المرتزقة في القانون الدولي, كالتالي:

أولا: تعريف المرتزقة:

ثانيا: المعايير المحددة لوصف المرتزق:

ثالثًا: الوضع القانوني للمرتزقة في القانون الدولي :

رابعا: أنواع المقاتلين الأجانب:

خامسًا: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة:

سادسًا: صور عملية لاستخدام المرتزقة:

سابعًا: محاكمة المرتزقة:

ثامنًا: جهة الاختصاص القضائي لمحاكمة المرتزقة:

تاسعًا: اجتهادات المحكمة الجنائية الدولية بشأن المرتزقة في القانون الدولي:

 

أولا: تعريف المرتزقة:

المرتزق هو الشخص الذي يتخذ من العمل القتالي إلى جانب أحد أطراف النزاع مهنة تعـود عليه بمغنم شخصي بالرغم من أنه ليس من رعايا طرف النزاع, وليس عضوا في القوات المسلحة لأحداها، فهو أجير مقابل المال ويقاتل دون قضية محددة تعنيه، ما يعنيه فقط هو المال.

ثانيا: المعايير المحددة لوصف المرتزق:

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب الفقرة الأخيرة من القرار رقم 3103 عقاب المرتزق كمجرم، وفي عام 1977 قامت بتحديد وصف المرتزق من خلال توافر معايير يجب توافرها في وقت واحد[1]:

·       التطوع دون إجبار.

·       المال هو الدافع.

·       العمل لحساب نفسه.

·       أن يكون أجنبيا عن الجيش الذي ينضم إليه للقتال.

·       أن يشارك فعليا في القتال.

·       أن يندمج في القوات الوطنية.

·       لابد أن نكون بصدد صراع مسلح, لا مجرد غزوات أو غارات أو محاولة قلب نظام حكم.

ثالثًا: الوضع القانوني للمرتزقة في القانون الدولي :

فقد حددت اتفاقية جنيف عام 1949 الفئات التي يجب معاملتهم معاملة أسرى الحرب, ولم تذكر بها المرتزق, مما يترتب عليه خلع أي حماية عنه في القانون الدولي[2]، وقد جاء ذلك صراحة (بالمادة 47/1) من الاتفاقية بأن: (لا يحق للمرتزق التمتع بوضع المقاتل أو أسير الحرب).

كما أن بروتوكول جنيف الأول لعام 1977 زاد من مواجهة المرتزق, حيث عده من عداد  المجرمين سواء بالاشتراك في الأعمال العدائية أو الشروع فيها، ولذلك فإن المرتزقة تفتقد للشرعية الدولية, وقد أجمعت كل من قرارات الأمم المتحدة والجمعية العامة ومجلس الأمن على حظرها في كافة صورها.

ولابد أن نذكر أن تجنيد الأجانب لخوض الحروب هي من قديم الزمن, فقد شهدتها مصر الفرعونية, حيث شهدتها معركة قادش بين المصريين الذين استعانوا بالمحاربين الأجانب, والحيثيين, كما كرر رمسيس الثالث استخدام هؤلاء المرتزقة[3].

ولقد حددت قواعد القانون الدولي المركز القانوني للمرتزقة، فعرفت (المادة 47/2) من بروتوكول1977 الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1949م المرتزق أنه: ( أي شخص يجري تجنيده خصيصاً محلياً أو في الخارج ليقاتل في نزاع مسلح، ويُشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية، ويحفزه أساساً الاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق المغنم الشخصي، ويُقدم له فعلاً من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يُوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يُدفع لهم، وهو ليس من رعايا أي طرف في النزاع، ولا مواطناً مقيماً في إقليم يُسيطر عليه أحد طرفي النزاع، وليس عضواً في القوات المسلحة لأحد طرفي النزاع, وليس موفداً في مهمة رسمية من قبل دولة ليست طرفاً في النزاع بوصفه عضواً في قواتها المسلحة).

 فالمرتزق عسكري سابق محترف لا يهمه سوى الحصول على المال, ويتدخل في القتال بجانب أي دولة مقابل ذلك العائد المادي, ولذلك لا يوصف بالمتطوع، لأنه لا يؤمن بأي قضية سوى المال, وهذا على عكس المرتزق الذي لا يؤمن بأية قضايا إنسانية ودينية, بل إن كل ما يهمه هو الحصول على المال مقابل الاشتراك في الأعمال القتالية.

ولذلك فقد ميز القانون الدولي بين المحارب وغير المحارب:

المحارب: هو من يقوم بأعمال قتالية, ويتمتع بمعاملة أسرى الحرب.

أما غير المحارب: فليس من حقه الاشتراك في أعمال القتال.

وقد حددت اتفاقية جنيف الثالثة الصادرة في عام 1949 تلك الفئات الأشخاص الذين يجب أن يُعاملوا معاملة أسرى الحرب، فقد عددتهم بانهم:

·       أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع .

·       أفراد القوات المساحة النظامية الذين يُعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.

·       الأشخاص الذين يرافقون القوات المسلحة دون أن يكونوا في الواقع جزءاً منها.

أما عن المرتزق فقد أورد البروتوكول الأول الملحق باتفاقية جنيف الصادر عام 1977 بالمادة 47/1 على بحرمان المرتزق من الحماية بالنص على أنه: (لا يحق للمرتزق التمتع بوضع المقاتل أو أسير الحرب)[4].

رابعا: أنواع المقاتلين الأجانب:

توجد فئتين من المقاتلين :

1- فئة المقاتل الأجنبي القانوني: وهو المقاتل في الجيش النظامي, والميلشيا المتطوعة، وهو يحظى بمعاملة خاصة من العناية, واحترام رفاته.

2- فئة المقاتل غير القانونية: وهو الذي يتجرد من كل حماية قانونية, وهو ما يطلق عليه (المرتزق) الذي يقاتل من اجل الحصول على الرزق فقط[5].

خامسًا: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة:

وهي شكل جديد من أشكال المرتزقة, فقد ضمت كل العاطلين والعسكريين السابقين مقابل المال، وهي تملك السلاح المتنوع والطائرات والأساطيل لتنفيذ مهامها كقوة ردع.

ومن صور تلك الشركات (بلاك ووتر) تلك الشركة التي استعانت بها الولايات المتحدة في العراق, إذ كان يجب الاستعانة بها بعد خوضها الحرب في أفغانستان[6].

وتتنوع وظائف تلك الشركات إلى قتالية وغير قتالية، وذلك على النحو التالي:

1- الوظائف العسكرية القتالية:

وهي التي تشارك في القتال بوصفها قوات مساعدة لقوات الشرطة أو تحل محلها، وهو ما يفتح لها طريق المساومة والضغط على الدولة التي تحتاج إليها.

2- الوظائف العسكرية غير القتالية :

فهي التي تقدم الدعم الإداري اللوجستي والاستشارات العسكرية, فضلا عن الاستخبارات

3-الشركات الأمنية الخاصة:

وهي التي توفر الدفاع والحماية, وكذلك فإنها تتخصص في الحراسات الأمنية للمنشئات والأفراد.

وقد اختلف الفقه في مشروعية نوعي الشركات (العسكرية , الأمنية ) وأيا كان الرأي الصحيح لأيهما, فإن صورة الشركات الأمنية للقيام بمهام غير قتالية تعد الصورة المثلى في التواجد بجانب الدولة بخلاف الشركات الأخرى.

سادسًا: صور عملية لاستخدام المرتزقة:

1- كما سبق القول فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد استعانت بالمرتزقة في حربها ضد العراق، فقد استعانت فيها بشركة ( بلاك ووتر ) التي يمكنها أن تنشر عشرين ألف رجل في وقت واحد ولديها الأسلحة المتنوعة للقيام بمهامها.

2- الاستعمار الأوربي وأفريقيا، فقد استعان بهم الاستعمار الأوربي ليضمن الضغط على أفريقيا اقتصاديا، ولذلك نجدهم قد استعانوا بتلك الشركات العسكرية والأمنية بغرض استخراج الثروات التعدينية، ولعل من الأمثلة على تواجد تلك الشركات بأفريقيا, ما شهدته كل من دارفور, أنجولا, سيراليون.

سابعًا: محاكمة المرتزقة:

قامت الاتفاقية بوضع مبادئ خاصة لمواجهة المرتزقة ومواجهة استخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، وهذه المبادئ من شأنها أن تؤدي إلى ملاحقة كل شخص ينتهك أياً من مبادئ القانون الدولي العام.

كما أوضحت طريقة التعامل معه أثناء التحقيق معه, إذ لها أن تحبسه احتياطيا, أو تتخذ ضده بعض التدابير.

وهو ما نصت عليه المادة الثانية منها بأنه:

“كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقاً لتعريفهم الوارد في المادة (1) من هذه الاتفاقية، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية.”

وقد حددت (المادة 10) منها طريقة التعامل مع المرتزق حال وجوده بالدولة  بالنص على أن:                   1- تقوم أي دولة طرف يوجد في إقليمها الشخص المنسوب إليه ارتكاب الجريمة، لدى اقتناعها بأن الظروف تبرر ذلك، بحبسه وفقاً لقوانينها أو باتخاذ تدابير أخرى لضمان وجوده الفترة اللازمة لإتاحة اتخاذ أية إجراءات جنائية أو إجراءات تسليم وتُجري هذه الدولة الطرف فوراً تحقيقاً أوليا في الوقائع.

2- عندما تقوم أي دولة طرف، عملاً بهذه المادة، بحبس أحد الأشخاص أو باتخاذ التدابير الأخرى المشار إليها في الفقرة (1) من هذه المادة، عليها أن تخطر بذلك دون تأخير، سواء مباشرة أو بواسطة الأمين العام للأمم المتحدة، ما يلي:

·       الدولة الطرف التي ارتُكبت فيها الجريمة.

·       الدولة الطرف التي ارتُكبت الجريمة ضدها أو شرع فيها ضدها.

·       الدولة الطرف التي يكون الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي ارتكبت الجريمة ضده أو شرع فيها ضده من مواطنيها.

·       الدولة الطرف التي يكون الشخص المنسوب إليه ارتكاب الجريمة من مواطنيها، أو يكون محل إقامته المعتاد في إقليمها إن كان عديم الجنسية.

·       أي دولة طرف معنية أخرى ترى من المناسب إخطارها.”

ثم قررت (المادة 14) على أن:

” تقوم الدولة الطرف التي يُحاكم فيها الشخص المنسوب إليه ارتكاب الجريمة بإبلاغ النتيجة النهائية لإجراءات المحاكمة، وفقاً لقوانينها، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي عليه أن يحيل هذه المعلومات إلى الدول الأخرى المعنية”.

ثامنًا: جهة الاختصاص القضائي لمحاكمة المرتزقة:

ومن هنا يثور التساؤل عن الجهة القضائية المختصة بمحاكمة المرتزقة؟

وتكمن الإجابة على هذا التساؤل فيما ذهب إليه الفقه بأنه يمكن اللجوء إلى هذه المحكمة في الحالات التالية[7]:

1- إذا كانت الجرائم قد ارتكبت على إقليم إحدى الدول الأطراف.

2- إذا كان المجني عليه ينتمي إلى جنسية إحدى الدول الأطراف في النظام الأساسي لهذه المحكمة، أو أن المنسوب إليه الجريمة ينتمي إلى جنسية إحدى الدول الأطراف في هذا النظام.

3- إذا قرر مجلس الأمن الدولي بماله من سلطات طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بإحالة المتهمين إلى هذه المحكمة لمقاضاتهم عما ارتكبوه من أفعال.

تاسعًا: اجتهادات المحكمة الجنائية الدولية بشأن المرتزقة في القانون الدولي:

تنص (المادة 13) على أن: (للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في (المادة 5) وفقا لأحكام هذا النظام الأساسي في الأحوال الآتية:

إذا أحال مجلس الأمن متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إحالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.

وبالتطبيق لهذا الحكم فقد أحال مجلس الأمن الحالة في دارفور بالسودان إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، حيث أصدر هذا الأخير مؤخرا قرار اتهام ضد اثنين من المواطنين السودانيين[8] .

وقد صدر مؤخرا بتاريخ  27من فبراير سنة  2007حكم محكمة العدل الدولية في المنازعة التي أقامتها دولة البوسنة ضد صربيا بشأن مسؤولية هذه الأخيرة عن جريمة إبادة جماعية على إقليم البوسنة، إلا أن المحكمة انتهت إلى أنه إذا كان فعًلا قد ارتكبت جريمة إبادة جماعية إلا أنه لم تثبت مسؤولية صربيا عن تلك الجريمة.

ومع ذلك فقد انتهت المحكمة إلى أن صربيا أخلت بالتزاماتها بشأن عدم اتخاذها ما يلزم من إجراءات، مفروضة عليها طبقا للاتفاقية، لمنع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية[9].

إعداد/ صلاح عبد الحليم الشريف.


[1] مبادئ القانون الدولي الإنساني، د/ عبد علي محمد سوادي، المركز العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2017، ص 110, 111, 112.

[2] محمد مصطفى يونس، 2000- قانون التنظيم الدولي، دار النهضة العربية، بيروت، ص 512.

[3] المرتزقة جيوش الظل، باسل يوسف النيرب، الرياض، الطبعة الأولى، 2008، ص 11.

[4] د. محمد عرفة، مقال بجريدة الاقتصادية الدولية، عدد الجمعة 1 مايو 2009.

[5] المقاتلين الأجانب ما بين المسئولية والحماية في القانون الدولي الإنساني، د/ محمود مدين، الطبعة الأولى، 2019 – تمهيد وتقسيم.

[6] مشكلة المرتزقة في النزاعات المسلحة ، الطالب / نمر محمد الشهوان، رسالة ماجستير في القانون العام، جامعة الشرق الأوسط، 2012، ص 59.

[7] قضايا المرتزقة.. الاختصاص القضائي –  خالد أحمد عثمان محامي وكاتب سعودي – مقال بجريدة الجزيرة السعودية – عدد  الجمعة / السبت 02 أكتوبر 2020.

[8] المحكمة الجنائية الدولية والجرائم التي تختص بها وفقا لأحكام ميثاق روما 1998 – المستشار/ محمد أمين المهدي – ص 278.

[9] المرجع السابق – ص, 282.

 
Scroll to Top