الحياد الدولي

الحياد الدولي

إن تعارض مصالح الدول مع بعضها فرض ضغطًا كبيرًا على المجتمع الدولي، خاصةً مع ازدياد عدد الدول وتشابك علاقتها وتعدد مصالحها أكثر من السابق؛ مما جعل القانون الدولي في حاجةٍ ملحةٍ إلى تنظيم علاقات هذه الدول في حالة الصراع أو في حالة التعاون، وإلا أصبح العالم كله عرضه للهلاك والدمار الشامل؛ وهو ما اضطر القانون الدولي إلى إرساء مجموعة من المفاهيم أو المبادئ الدولية الهامة ومنها مفهوم أو مبدأ الحياد الدولي.

ومفهوم الحياد الدولي قديم جدًا، فهو ليس وليد العصر الحديث، بل إنه متعارف عليه من القدم، ولكن لم يحظ بالتنظيم اللازم؛ لذلك اهتم فقهاء القانون الدولي بتنظيم جميع ما يخص الحياد الدولي في محاولة منهم لبيان ماهيته، وأنواعه، وتحديد واجبات وحقوق الدول المحايدة، والتزامات الدول فيما يخص الحياد الدولي كحق من الحقوق الدولية المتعارف عليها، وهذا ما سنتناوله في هذا المقال عن طريق العناصر الرئيسية الأتية.

أولًا: مفهوم الحياد الدولي

ثانيًا: تاريخ ونشأة الحياد الدولي

ثالثًا: أنواع الحياد

رابعًا: واجبات الدول المحايدة:

خامسًا: حقوق الدول المحايدة

سادسًا: الحياد والحرب العالمية الأولى والثانية

سابعًا: يوم الحياد الدولي

ثامنًا: أمثلة عن الدول والمنظمات الحيادية

تاسعًا: المواد النظامية الخاصة بموضوع الحياد الدولي

ونقدم شرح تفصيلي للعناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:

أولًا: مفهوم الحياد الدولي

“لقد وجدت أكثر من محاولة لتفسير مفهوم الحياد القانوني، أما في الدراسات السياسية فنجد محاولة بطرس غالي في التأصيل اللغوي للحياد والتي يقول فيها (الحياد في اللغة معناه: الابتعاد أو الميل عن الشيء)، وقد جاء في معاجم اللغة: حاد عن الشيء أي مال عنه وعدل، ويشير سامي منصور إلى ما يراه أوبنهايم -أحد المفكرين الإنجليز- من أن الحياد قديم وأنه كان معترفًا به من قبل، وقد احتاج إلى وقت طويل حتى تحددت معالمه الحالية”([1])

ويمكن تعريف الحياد الدولي بأنه: “سياسة دولية تستلزم الحياد في الحرب الباردة وتمارسها في جميع الحالات تقريبًا البلدان المستقلة النامية من أجل العمل معًا على المحافظة على السلم العالمي، وذلك بشن حرب على الاستعمار والتمييز العنصري والتخلف الاقتصادي”([2])

ومن الصعب وضع تعريف معين للحياد الدولي، فهو نظرية لا تتقيد بقيود معينة، بل إنها فكرة متغيرة يتغير مضمونها طبقًا لرغبات وأطماع الأفراد أو الحكومات الذين ينادون بتطبيقها أو يطبقونها بالفعل سواء كانوا رؤساء دول أو رؤساء وزراء أو حكومات مؤتمرة من قِبَل الغير ذي المصلحة في تطبيق الحياد.

ثانيًا: تاريخ ونشأة الحياد الدولي

إن فكرة الحياد في شكلها القانوني الحالي لم تستقر إلا منذ زمن يسير، أما في القرون الماضية فقد نشأت فكرة الحياد الدولي؛ نظرًا للحروب التي نشبت خلال تلك القرون في أوروبا، حيث كانت الدول المتحاربة آنذاك تفرض على الدول المجاورة لها أن ساعدها ضد الدولة التي تحاربها وإلا عدتها خصمًا لها، وانتشر ذلك الأمر كثيرًا إلى أن ظهر ما يعرف “بعصابة الحياد المسلح”، وهو نتاج اتحاد كل من روسيا والسويد والنرويج والدنمارك عام 1770م في محاولة منهم للدفاع عن حيادهم بالقوة في مواجهة الحرب القائمة بين فرنسا وإنجلترا.

وشهد منتصف القرن التاسع عشر الأول نوعًا من المراعاة والاستقرار للأعراف الدولية المتعلقة بشؤون الحياد، فقد نصت بعض المعاهدات والاتفاقات والقرارات الدولية على أمور متعلقة بالحياد، فورد في تصريح باريس البحري عام 1856م بعض الفقرات المتعلقة بتجارة المحايدين، ولم تدون قواعد الحياد إلا في مؤتمر لاهاي الثاني عام 1907م، إذ تم تخصيص الاتفاقيتان الخامسة والثالثة عشر؛ لبيان حقوق المحايدين وواجباتهم في الحرب البرية والبحرية في هذا المؤتمر. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في عام 1914م، واشترك فيها معظم دول أوروبا الوسطى غير أنه هناك بعض الدول الأوروبية فضلت أن تلتزم الحياد في محاولة لحماية الدولة وشعوبها من ويلات الحرب، ولكن الأحداث برهنت أن الدول المتحاربة لا تعطي أهمية لحياد الدول التي تعلن حيادها، وإما أن تكون هذه الدول في صفها أو تكون عدوةً لها.

ومن أهم صور الحياد الدائم ما أعلنته دولة سويسرا في تصريح فيينا عام 1915م كونها أصبحت دولة على حياد دائم بين دول العالم أجمع. كما ورد في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م -الخاصة بحماية ضحايا النزاعات المسلحة من أشخاص وأعيان- مبدأ الحياد الذي ذُكر في الاتفاقية الثالثة والمتعلقة بحماية أسرى الحرب والاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين.

ثالثًا: أنواع الحياد

ينقسم الحياد في القانون الدولي إلى نوعين: حياد مؤقت، وحياد فعلي، ونبين ما يخص كل نوع على حدة فيما يلي:

1-     الحياد المؤقت

ويعني الحياد المؤقت عدم اشتراك دولة ما في أي حرب قائمة بين دولتين أو أكثر، مع امتناعها عن تقديم المساعدات إلى أي من الطرفين المتحاربين في مقابل عدم دخولها في القتال القائم، ويرتبط الحياد المؤقت بفترة نشوب الحرب، فيبدأ ببدايتها وينتهي بنهايتها، وينبثق من هذه النوع مجموعة من الأنواع الأخرى من الحياد المؤقت تتمثل في:

  • حياد عام: ويقع عندما تعلن الدولة بالكامل حيادها عن الحرب، أي يدخل كل إقليم الدولة في إعلان الحياد.
  • حياد جزئي: وهذا يحدث عندما يدخل جزء محدد من إقليم الدولة أو الاتفاق على تحييده بمعاهدة دولية، ومن أمثلة الحياد الجزئي إعلان جزيرة كارفور باكو الحياد، وهذه الجزيرة جزء من الأراضي اليونانية التي لم تعلن الحياد في هذا التوقيت واقتصر الحياد على هذه الجزيرة فقط.
  • حياد مسلح: وهو اتفاق مجموعة من الدولة على إعلان حيادها وفي الوقت ذاته تقرر قيام تحالف مسلح فيما بينها لحماية مصالحها وتجارتها من أعقاب الحرب، ومن أمثلة ذلك تحالف كل من اتحاد كل من روسيا والسويد والنرويج والدنمارك عام 1770م وتكوين عصابة الحياد المسلح؛ للدفاع عن حيادهم بالقوة في مواجهة الحرب القائمة بين فرنسا وإنجلترا.
  • حياد اختياري: “يعني حياد الدولة التي لم تلتزم أو ترتبط بمعاهدة عامة أو خاصة تلزمها بالوقوف موقف الحياد عند نشوب حرب معينة، بل تكون قد وقفت هذا الموقف بمطلق اختيارها وبمحض رضاها”([3])
  • حياد اتفاقي: ويكون حال إعلان الدولة حيادها نتيجة لعقدها اتفاق دولي عام أو معاهدة بين دولتين؛ لذا يطلق عليه حياد اتفاقي.
  • حياد واقعي أو قانوني: وهو الذي يُعرف بالحياد السلبي، حيث تكتفي الدولة المحايدة بتقديم المساعدات لأي من الدول المتحاربة ولا تتدخل في إنهاء الأزمة الناشبة بين الدول المتحاربة، ويشترط لوقوع الحياد القانوني اعتراف الدول المتحاربة بدخول الدولة التي أعلنت حيادها السلبي في حالة حياد، وهذا النوع لا يمكن أن ينشأ إلا إذا اندلعت حرب بالفعل. ويرى البعض أن الحياد السلبي يتنافى مع الواجب الإنساني الذي يقع على الجميع في إنهاء الحرب.
  • حياد إيجابي: ويطلق عليه سياسة عدم الانحياز، ويتمثل في اتخاذ الدولة المحايدة موقفًا إيجابيًا في سبيل تجنب الاشتراك في الحرب التي تدور بين دولتين أو أكثر، وظاهرة الحياد الإيجابي تُعد أحد الظواهر السياسية التي انطلقت في منتصف القرن العشرين، وانبثقت من المعركة التي خاضتها شعوب أسيا وأفريقيا ضد الاستعمار والسيطرة الأجنبية. وعرف الدكتور محمد نعمان جلال الحياد الإيجابي بأنه: “المذهب السياسي الذي يقتضي من الدولة أن تتفاعل سياسيًا مع الأحداث العالمية وأن تشارك في حل مشاكل الأسرة الدولية ويقضي به سلطان الضمير العالمي بإرادتهما بهدف الوصول إلى تحقيق السلام والأمن العالمي الدائم”([4]).
  • الحياد المعلن: هو الذي تعلن فيه الدولة عن رغبتها للدول الأخرى بالطريق الدبلوماسي وقد أدى ظهور الدول الأوروبية الحديثة بعد صلح وستفاليا إلى ظهور هذا النوع من الحياد، وقد سار العرف في هذا النوع من الحياد على منع الأطراف الداخلة في الحرب من اتخاذ أي عمليات عسكرية على إقليم الدول المحاربة.

2- الحياد الدائم

ويقع عندما تتفق دولة ما مع غيرها من الدول على عدم دخولها في حالة حرب قائمة أو مستقبلية إلا للدفاع عن الحياة، ويقوم هذا النوع من الحياد على اتفاقية أو معاهدة دولية تفرض على دولة معينة الالتزام بعدم إعلان الحرب أو الاشتراك بها، كما تلتزم الدول الأخرى المتعاقدة باحترام حالة الحياد الدائم التي أعلنتها هذه الدولة، ومن أمثلة دول الحياد الدائم سويسرا والنمسا.

وقد ساهمت السياسة الأوروبية في القرن التاسع عشر بشكل أساسي في إيجاد نظام الحياد الدائم، وذلك من أجل تحقيق هدفين: الأول حماية الدولة الضعيفة التي اعتبر وجودها ضروريًا للحفاظ على التوازن الدولي آنذاك، منعًا لمحاولة الدول القوية من ضم الدول الضعيفة إليها، والثاني كان الهدف منه حماية السلم الدولي عبر إيجاد حاجز يفصل بين دولتين قويتين لتجنيب الاحتكاك بينهما”([5]).

 ويتميز الحياد الدائم بعدة خصائص تميزه عن الحياد المؤقت، وتتمثل هذه الخصائص فيما يلي:

  • طابع الاستمرار، حيث تستمر الدولة في حيادها إلى الأبد طالما لا يوجد ما يهدد وجودها أو حياة شعبها.
  • ينشأ الحياد الدائم عن معاهدة تُبرم بين دولتين أو أكثر، وتكون الدول الأخرى بمثابة الضامن في التزام كل طرف بواجباته التي فرضها عليه الحياد.
  • المعاهدات الدولية ليست الطريقة الوحيدة لإنشاء الحياد الدائم، بل يمكن أن ينشأ عن طريق فرضه بواسطة التشريع الداخلي للدولة، وتقره الدول الأخرى فيما بعد، ومن أمثلة ذلك حياد دولة النمسا الدائم.
  • يقع الحياد الدائم على إقليم الدولة بالكامل، ولا يمكن أن يقع جزئيًا.
  • يقيد الحياد الدائم سيادة الدولة بشكل نسبي، حيث ينشأ بسببه التزامات أشد صرامة بالنسبة للدولة التي تتخذه مع غيرها من الدول.

رابعًا: واجبات الدول المحايدة:

إن الحياد الدولي يفرض على الدول الملتزمة به مجموعة من الالتزامات تتمثل فيما يلي:

1-     الالتزام بالامتناع:

تلتزم الدولة الحيادية بالامتناع عن تقديم أي مساعدة لأحد الطرفين المتحاربين سواء أكان ذلك مباشرةً أم بطريق غير مباشر عن طريق أفراد آخرين مع تغاضي الدولة المحايدة عن تصرفاتهم، ويبرز واجب الامتناع في الآتي:

الامتناع عن المشاركة في أعمال القتال

يُحظَر على الدول المحايدة الدخول في أعمال قتالية مع أي من أطراف الدول المحاربة، كما يحظر عليها إمداد تلك الدول بقوات نظامية أو بحرية أو جوية، ولا يكون واجبًا على الدول المحايدة أن تمنع رعاياها من التطوع إلى الحرب مع أي من الدول المحاربة.

– الامتناع عن إمداد المحاربين بالأسلحة والذخائر

تلتزم الدول المحايدة بالامتناع عن إمداد أي من الدول المحاربة بالأسلحة أو الذخيرة أو أي من معدات الحرب.

– الامتناع عن تقديم المعونة المالية لأحد الدول المحاربة

يُحظر على الدول المحايدة إقراض أي من الدول المحاربة، والإقراض هنا لا يقتصر على الإقراض المالي، بل يشمل الإقراض العيني أيضًا، كما تلتزم الدول المحايدة بأن تمنع رعاياها من جمع الإعانات إلى أي من الدول المحاربة إلا إذا كان لغرض المساعدة الإنسانية مثل مساعدة مصابي الحرب.

– الامتناع عن نقل المعلومات لصالح أحد الدول المحاربة

تلتزم الدولة المحايدة بالامتناع عن نقل المعلومات السرية الحربية التي وصلت إليها والخاصة بأحد الدول المحاربة إلى دولة أخرى.

2-     الالتزام بالمنع

ويتضمن هذا الالتزام منع الدولة المحايدة الغير من الإتيان بأي تصرف يخالف ما أعلنت عنه من حياده، وتبرز واجبات المنع في الآتي:

  • منع القيام بأي عمليات حربية في الإقليم المحايد:

وتلتزم الدولة المحايدة -بكل ما لديها من قوة- بمنع أي من الدول المتحاربة بأداء أي عمل حربي على إقليمها أو مياهها الإقليمية أو مجالها الجوي.

  • منع اتخاذ قواعد للأعمال الحربية في الإقليم المحايد:

يقع على عاتق الدول المحايدة الالتزام بمنع استقبال السفن الحربية للدول المتحاربة أو اتخاذ إحدى هذه الدول إقليمها كقاعدة تخدمها في الحرب. ويدخل من ضمن هذا الالتزام منع الدول المحاربة من إنشاء محطات خاصة للاتصال اللاسلكي، أو أي أجهزة أخرى.

  • منع التجنيد في الإقليم المحايد:

تلتزم الدولة المحايدة بمنع تجنيد قوات في إقليمها لتعزيز قوات أي من الدول المتحاربة، وتلتزم بمنع فتح أي مكاتب تكون خاصة بتجنيد القوات على إقليمها، ولكن لا يكون للدولة المحايدة منع رعايا إحدى الدول المتحاربة المقيمين لديها من الانضمام إلى قوات دولتهم.

  • منع القوات المحاربة المرور في الإقليم المحايد:

يجب على الدول المحايدة منع مرور أي من قوات الدول المتحاربة من المرور على إقليمها سواء البحري أو الأرضي أو الجوي، كما أنها تلتزم بمنع نقل الذخائر أو المؤن عبر إقليمها إلى أي من الدول المتحاربة. ولا ينطبق هذا المنع على الجرحى والمصابين التابعين لأي من الدول المتحاربة، ولكن بشرط ألا يكون مرافقًا معهم جنود أو معدات خاصة بالحرب.

3-     الالتزام بعدم الانحياز:

تلتزم الدول المحايدة بالتعامل مع جميع الدول المتحاربة على قدم المساواة، وأن انحيازها إلى أحد الدول دون الأخرى يكون غير مقبول، بل إن تعاطفها مع أحد المتحاربين يكون غير مقبول، حيث إن الأعمال التي تحمل طابع التعاطف مع أحد الخصمين تعتبر أعمالًا عدوانية بحق الطرف الأخر.

خامسًا: حقوق الدول المحايدة

تتمتع الدولة التي تعلن عن حيادها اتجاه الحرب القائمة بين دولتين أو أكثر بمجموعة من الحقوق، يمكن اختصارها في الآتي:

أ-حصانة أراضي هذه الدول، حيث يُمنع على الدول المتحاربة التعدي على أراضي هذه الدولة أو التعدي على شعوبها.

ب-حرية العلاقات التجارية، حيث تتمتع الدول المتحايدة بالحرية في التجارة مع كل من الدول المتحاربة، ويبرز هذا الحق بالخصوص في حال الحرب البحرية.

وقد ورد في اتفاقية لاهاي الخامسة لسنة 1907م الحقوق والواجبات التي تتمتع بها الدول الحيادية خلال فترة الحرب البرية ([6]).

وأقر بيان لندن المؤرخ 26/2/1909م منع الدول المحايدة من تسليم الدولة المتحاربة بأي صفة كانت سفنًا حربيةً وذخائر وأعتدة حربية ([7]).

ومن المواضيع الشائكة فيما يخص امتناع الدول المحايدة من مساعدة الدول المتحاربة، فقد نصت اتفاقية لاهاي السادسة على إمكانية إصلاح الدول المحايدة لسفن إحدى الدول المتحاربة، ولكن بشرط أن يتم ذلك في أسرع وقت تحت رقابة الدول المحايدة، وأن يؤمن لهذه السفن إمكانية الإبحار فقط لا زيادة إمكانياتها العسكرية ([8]).

سادسًا: الحياد والحرب العالمية الأولى والثانية

لقد كان في متخيل الدول المحايدة أنها ستنجو بسبب إعلانها الحياد من ويلات الحرب العالمية الأولى والثانية، إلا أن أملها قد خاب حيث لم تلتزم الدول المحاربة في أي من الحربين بما أقرته اتفاقية لاهاي للدول المحايدة من حقوق، ووقع الاعتداء على إقليم الدول المحايدة، وعلى شعوبها وأموالها وسفنها التجارية، بل إن منهم من تعرض لضغوط قوية من الدول المحاربة للانضمام إليهم في الحرب؛ مما أدى إلى خروج العديد من الدول عن حالة الحياد والدخول في الحرب.

وظهر في الحرب العالمية الثانية ظاهرة جديدة، حيث خرجت بعض الدول عن حيادها إلا أنها لم تنضم إلى الحرب في الوقت ذاته، وأطلقت على نفسها بالدول غير المحاربة، واقتصر دورها على تقديم المساعدات المالية والعينية إلى الدول المحاربة دون الاشتراك بأي من قواتها في الحرب.

سابعًا: يوم الحياد الدولي

إن الجمعية العامة للأمم المتحدة تدرك أهمية سياسات الحياد الوطني التي ترمي إلى تعزيز استخدام الدبلوماسية الوقائية، وهي من أهم مهام الأمم المتحدة؛ لذلك فقد قررت الجمعية العامة إعلان يوم 12 ديسمبر من كل عام ليكون اليوم الدولي للحياد، وذلك بموجب قرارها رقم (71/275) بتاريخ 2/2/2017م ([9])، ودعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تسليط الضوء على هذا اليوم بوصفه مناسبة لتعزيز الوعي العام بقيمة الحياد في العلاقات الدولية.

ثامنًا: أمثلة عن الدول والمنظمات الحيادية

هناك العديد من الدول التي ارتأت أن اعتناقها لفكرة الحياد الدولي سيكون أفضل بالنسبة إليها وعلى شعوبها؛ لذلك تعددت الدول المحايدة غير أن منها من عاد عن هذه الفكرة بعد انضمامه، وهناك بعض الدول التي أعلنت حيادها إلا أنه غير معترف بحيادها دوليًا، ولبيان تلك الدول نقسمها إلى ثلاثة أقسام حسب الآتي:

1-     الدول المحايدة المعترف بها دوليًا، وتضم الدول الآتية:

– دولة السويد، وتعد أقدم دولة محايدة في العالم، حيث أعلنت حيادها عام 1814م.

دولة سويسرا: وهي من أشهر الدول المحايدة، وقد أعلنت عن حيادها الدائم من عام 1815م، فلا تستخدم قواتها المسلحة إلا للدفاع عن ذاتها.

– دولة أيرلندا: وقد أعلنت نفسها دولة محايدة منذ استقلالها عام 1922م.

– دولة كوستاريكا التي أعلنت عن كونها بلد محايد منذ عام 1949م.

– دولة النمسا: أعلنت رغبتها بالحياد الدائم، بما يضمن سلامتها الإقليمية وسيادتها الوطنية، وتمّ ذلك فعلًا بإبرام معاهدة في 15/5/1955م بينها وبين الدول الكبرى (الولايات المتحدة – الاتحاد السوڤييتي – إنجلترا – فرنسا) أعلنت بموجبه حالة الحياد الدائم، وأقر البرلمان النمساوي قانون الحياد بتاريخ 26/2/1955م.

2-     الدول المحايدة بدون اعتراف دولي، ومنها:

– دولة كمبوديا، فقد أعلنت الحياد عدة مرات خلال الأعوام التالية 1955م-1970م -1993م، وما زالت حتى يومنا هذا تدعي الحياد.

– مولدوفا: لقد نصت المادة (11) من دستور عام 1994م على اعتناق الدولة الحياد الدائم.

3-     دول أعلنت حيادها ثم رجعت عنه، ومنها:

– دولة بلجيكا، التي أعنت حيادها إثر معاهدة لندن عام 1839م، ولكن ألغيت عنها هذه الصفة بموجب معاهدة فرساي لعام 1919م بعد الحرب الأولى، وأكد هذا انضمامها لحلف الناتو 1949م.

– لاوس، التي وقعت على القرار الدولي حول حياد لاوس في جنيف عام 1962م، لكن انتهى حيادها بقيام حرب داخلية فيها قسمتها إلى ثلاث مناطق مختلفة.

– اللوكسمبرج، أعلنت عن حيادها في عام 1839م، وتم إلغاء الحياد مع إقرار دستور 1948م، وأكد على ذلك انضمامها لحلف الناتو 1949م.

تاسعًا: المواد النظامية الخاصة بموضوع الحياد الدولي

– لقد ورد في (المادة 118) من قانون العقوبات الأردني تحت عنوان الجرائم الماسة بالقانون الدولي ما يلي: “يعاقب بالاعتقال المؤقت مدة لا تقل عن خمس سنوات: 1. من خرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب”.

– كما ورد في اتفاقية لاهاي رقم (5) لعام 1907م حقوق وواجبات الدول المحايدة في حالة الحرب البرية

– وورد في اتفاقية لاهاي رقم (13) لعام 1907م حقوق وواجبات الدول المحايدة في حالة الحرب البحرية

– اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م والبرتوكول الأول الإضافي لعام 1977م

– ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945م

وبعد ما ذكرنا فنود أن نشير إلى أن حق الحياد يظل مفهوم غير اتفاقي بين الدول وقليل التطبيق، وليس له معايير محددة، ويختلف نطاق تطبيقه من دولة لدولة أخرى.

إعداد: محمد محمود

[1] الباحثة/ سوسو إبراهيم، كتاب مصر وسياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابي، ص11-12

[2] وليد حداد، الحياد في مفهوم السياسة اللبنانية، ص167

[3] محمد منير المعصرة، سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، ص82

[4] د/ محمد نعمان جلال، حركة عدم الانحياز في عالم متغير، ص24

[5] علي صادق أبو هيف، القانون الدولي العام، ص206-207

[6] انظر اتفاقية لاهاي الخامسة لسنة 1907م

[7] انظر المادة السادسة من بيان لندن المؤرخ في 26/2/1909م

[8] انظر المادة (17) من اتفاقية لاهاي الثالثة عشر 1907م

[9] انظر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (71/275) بتاريخ 2/2/2017م

Scroll to Top