المسؤولية المدنية للدولة عن أعمال موظفيها

المسؤولية المدنية للدولة عن أعمال موظفيها

متى طرح مصطلح (المسؤولية) على مائدة الحوار، فإن الأذهان تنسبه بشكل تلقائي إلى الشخص الطبيعي، حيث إن هذا المصطلح قد ارتبط منذ نشأته بالإنسان باعتباره مصطلح يعبر عن الالتزام الذي يقع على عاتق الشخص الذي يرتكب عمل ما يشكل خطأ يضر بغيره، والمسؤولية المقصودة هنا هي المسؤولية المدنية بعينها.

إلا أنه ومع تطور المجتمع وظهور الأشخاص الاعتبارية بصورها المختلفة والمتعددة، وما أصبحت تمارسه من تصرفات وأفعال قانونية ومادية يمكن أن تمثل خطأ يصيب الغير بالضرر، فقد أصبح مصطلح المسؤولية أيضاً يرتبط بالشخص الاعتباري أيضاً ولم يعد مقتصراً في ارتباطه على الشخص الطبيعي، وبالتالي بات مصطلح (المسؤولية المدنية للدولة) من المصطلحات المتداولة والشائعة، والتي أصبحت تصل إلى مسامعنا بين الحين والآخر من مصادر الإعلام المختلفة.

أولاً: ماهية المسؤولية المدنية للدولة

ثانياً: من تثبت لهم صفة موظفي الدولة؟

ثالثاً: أساس المسؤولية المدنية للدولة عن أعمال موظفيها

رابعاً: حالة تحقق المسؤولية المدنية للدولة عن أعمال موظفيها

خامساً: حكم تحقق المسؤولية المدنية للدولة في كل صورة من الخطأ

أولاً: ماهية المسؤولية المدنية للدولة

1- مضمون المسؤولية المدنية للدولة

المسؤولية المدنية في معناها المجرد تنصب على ما يتحمله الشخص من التزام بأداء تعويض ناتج عن ارتكابه لفعل يمثل خطأ تسبب في إصابة الغير الذي يستحق التعويض بضرر، وهو ما يتضح معه أن الأساس في المسؤولية المدنية هو ضمان الضرر الناتج عن الخطأ الشخصي.

فإذا ما تعرضنا للمسؤولية المدنية للدولة فيلزم أن ننوه إلى أمر هام لا يجب أن نمر عليه مرور الكرام، ويتمثل هذا الأمر في أن مزاولة سلطات الدولة الإدارية لمهامها ووظائفها يجب أن تكون في نطاق وحدود مبدأ المشروعية، والمقصود بذلك هو ألا تتعدى السلطات الإدارية في عملها للحدود والضوابط التي رسمها القانون، بحيث تلتزم بالقانون في جميع ما تمارسه من أعمال وظيفية[1].

وقد أعفى المشرع في دولة الأردن الدولة كشخص معنوي من تحمل مسؤولية أي خطأ قد ترتكبه السلطة التشريعية أو السلطة القضائية، وبالتالي فإن موظفي السلطة التنفيذية الذين يؤدون مهام ووظائف السلطة التنفيذية هم فقط من تتحمل الدولة المسؤولية المدنية عن أفعالهم.

وبالتالي يمكننا أن نضع تعريف للمسؤولية المدنية للدولة على أنها المسؤولية التي تتحملها الدولة عما يقع من خطأ – سواء كان خطأ مباشر أو غير مباشر – نتيجة أفعال تمارسها للقيام بمهامها ووظائفها الإدارية ويصيب الغير بضرر.

2- التفرقة بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الإدارية للدولة

يتداخل مفهوم المسؤولية المدنية للدولة مع مفهوم مسؤوليتها الإدارية ويختلطان بشكل يصعب معه الفصل بينهما، حيث إن كلاهما يصلح ليكون سنداً لمطالبة الدولة والرجوع عليها بالتعويض، إلا أن الفارق بين هذين النوعين من المسؤولية يكمن في الأساس الذي تتخذه كلاً منهما في تحققها.

حيث نجد أن أساس تحقق المسؤولية الإدارية للدولة هو أن يتحقق الخطأ من جانبها، في حين أن تحقق الضرر يعد هو مناط المسؤولية المدنية بغض النظر عن كون الفعل المرتكب من قبل الدولة خطأ أم لا، فمتى تحقق الضرر تقوم المسؤولية المدنية للدولة، بينما لا تقوم مسؤوليتها الإدارية إلا إذا كان هذا الضرر ناتجاً عن خطأ ينسب إليها.

كما أن المسؤولية المدنية يمكن أن تظهر في إحدى صورتين، إما أن تكون مسؤولية مباشرة تنسب إلى الدولة مباشرة، أو أن تكون غير مباشرة كما هو الحال في تحمل الدولة مسؤولية أفعال موظفيها، بينما المسؤولية الإدارية هي مسؤولية غير مباشرة فقط.

إلا أننا نجد أنه حتى في المسؤولية الإدارية للدولة فإن الخطأ الذي تقوم على تحققه باعتباره أساس لها لا يتحقق إلا بتوافر الأركان ذاتها التي تقوم عليها المسؤولية التقصيرية في القانون المدني وهي توافر الخطأ والضرر وعلاقة السببية، وهو ما يؤكد على أنهما نظامين مرتبطين ومتداخلين بصورة يعد من الصعب تحديد معالمها بشكل متكامل.

ويمكننا أن نعزي ذلك التداخل إلى أن قواعد المسؤولية الإدارية تم استخلاصها من قواعد المسؤولية المدنية، خاصة وأنه قبل ظهور القانون الإداري ومفاهيمه المختلفة التي من ضمنها المسؤولية الإدارية، فقد كان القانون المدني ما يقره من مسؤولية مدنية هو المطبق على ما ينشأ من منازعات إدارية.

ثانياً: من تثبت لهم صفة موظفي الدولة؟

في معرض الحديث عن المسؤولية المدنية للدولة عن الأعمال التي تصدر من موظفيها يجب علينا أن نتوقف قليلاً لنوضح بداية من هو الشخص الذي تثبت له صفة موظف الدولة؟

الإجابة على هذا التساؤل تتمثل في أن الشخص الذي تثبت له تلك الصفة هو كل موظف يتقلد وظيفة من الوظائف العامة، وقد عرف نظام الخدمة المدنية الأردني رقم (9) لسنة 2020 الموظف العام في (المادة2) بأنه الشخص المعين بقرار من المرجع المختص في وظيفة مدرجة في جدول تشكيلات الوظائف الصادر بمقتضى قانون الموازنة العامة أو موازنة إحدى الدوائر والموظف المعين بموجب عقد ولا يشمل الشخص الذي يتقاضى أجراً يومياً، وبالتالي فإن أي شخص لا تنطبق عليه تلك الشروط التي تضمنتها المادة سالفة البيان فلا يعد من قبيل موظفي الدولة الذين تتحمل الدولة المسؤولية عن أعمالهم.

وبالتالي نجد أن المشرع الأردني في نظام الخدمة المدنية لم يفصل بشكل قاطع في تعريف الموظف العام، فلم يوضع له تعريف متكامل وشامل لكون القانون قد اقتصر على إيراد شروطه وأوصافه، كما أنه لم يشترط في وظيفته أن تكون دائمة، بل اعتبر التعاقد على الوظيفة بمثابة ثبوت صفة الموظف لمن تم التعاقد معه، واستبعد من نطاق الموظف من يتحصل على أجر يومي على الرغم من أن هذه الفئة يمكن أن تمارس أعمال ومهام يمكن أن تصنف على أنها وظائف عامة.

ثالثاً: أساس المسؤولية المدنية للدولة عن أعمال موظفيها

أورد المشرع الأردني بنص (المادة 288/1) من القانون المدني الأردني قاعدة عامة في شأن المسؤولية، وتتمثل تلك القاعدة في أنه لا يسأل أحد عن فعل غيره، وقد استثنى المشرع من تلك القاعدة حالات أجاز فيها للمحكمة بناء على طلب المضرور في ظل وجود مبررات تسوغ ذلك أن يلتزم بالضمان شخص آخر خلاف الشخص الذي تسبب في الضرر، وتتمثل تلك الاستثناءات في مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، ومسؤولية متولي الرقابة عمن هم في رقابته، وجعل المتبوع ومتولي الرقابة ضامنين احتياطيين يمكن تحميلهم المسؤولية.

كما نص القانون المدني أيضاً في (المادة 256) على قاعدة أخرى مهمة في مجال تحديد المسؤولية المدنية، وتتمثل تلك القاعدة في أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر.

ووفقاً لما أوردناه من نص المادتين (288) و (256) من القانون المدني فإن الفعل الموجب للتعويض لم يقع من الدولة باعتبارها من الأشخاص الاعتبارية التي لا تقوم بوظيفتها ومهامها بنفسها، حيث يتم ذلك من خلال موظفيها، وهو ما يترتب عليه أن الخطأ أو الفعل المسبب للضرر يتم رده لمن ارتكبه وهو الموظف باعتباره شخصاً طبيعياً[2].

وباعتبار أن الفعل يرد إلى الموظف فيكون هو المسؤول عن الضمان وسداد التعويض، إلا أن الموظف قد لا تكون لديه القدرة واليسار على أن يقدم هذا التعويض، علاوة على ذلك فإن الفعل الذي قام به والذي يمثل جانب الخطأ الذي تسبب في الضرر قد وقع منه بحكم وظيفته وأثناء قيامه بمهامها، مما يقودنا إلى أن مسؤولية الدولة عن هذا الفعل الصادر منه يقوم على أساس حالة من حالات الضمان الاحتياطي التي نصت عليها المادة (288) من القانون المدني وهي حالة مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، حيث تضمن الدولة أخطاء الموظف أثناء عمله باعتباره يرتبط معها بعلاقة تبعية.

رابعاً: حالة تحقق المسؤولية المدنية للدولة عن أعمال موظفيها

يفرض الواقع العملي أن يقع الفعل الممثل للخطأ المحقق للضرر والموجب للضمان (التعويض) في نطاق ثلاث صور محددة وهي الفعل الممثل لخطأ شخصي، والفعل الممثل لخطأ مرفقي، والفعل الممثل لخطأ مشترك.

1- الفعل الممثل لخطأ شخصي

تتحقق هذه الصورة في أعمال الموظف متى كان الفعل الذي يمثل الخطأ قد تم من قبل الموظف بصفته الشخصية وليس الوظيفية، وهو ما يطلق عليه الخطأ الشخصي للموظف، حيث إن هذا الفعل يقوم الموظف بارتكابه خارج إطار وظيفته، أو الذي يقوم بارتكابه داخل في داخل إطار وظيفته، ولكن بشكل يتسم بسوء النية أو بالجسامة الشديدة[3].

وقد اعتمد القضاء الأردني أكثر من معيار في قضايا التعويض لتحديد الخطأ الشخصي للموظف وتفرقته عن الخطأ المرفقي وذلك على النحو التالي:

أ_ معيار محكمة العدل العليا

اعتمدت محكمة العدل العليا على معيار الانفصال عن الوظيفة واعتبرت أن الخطأ يكون شخصياً للموظف متى كان قيامه بالعمل الممثل للخطأ قد تم بصورة منفصلة عن وظيفته، حيث قضت محكمة العدل العليا بأنه:

(الدفع برد الدعوى عن سلطة المياه لانتفاء الخصومة كون أن قرار إحالة العطاء على شركة أخرى قد صدر عن لجنة العطاءات المركزية لسلطة المياه وهي إحدى اللجان التابعة لتلك السلطة، وأعضاؤها موظفون يتبعون لها، وبالتالي فإن السلطة هي المسؤولة عن التعويض عن الأضرار التي يسببها موظفوها للغير باستثناء الخطأ غير الوظيفي فيسأل عنه الموظف شخصياً)[4].

    ب_ معيار محكمة التمييز

اعتمدت محكمة التمييز في قضائها على معيارين مختلفين وهما:

– معيار الخطأ الذي يقبل الفصل عن الوظيفة، حيث اعتبرت أن الخطأ يعتبر شخصي للموظف متى كان يقبل الفصل عن الوظيفة، حيث قضت في حكم لها بأن:

(لا يقبل الرجوع على المحكمة بسبب الضرر الذي أحدثه أحد موظفيها إلا إذا تحققت إحدى حالتين، الأولى أن تكون العناصر التي يتكون منها الفعل الضار غير منفصلة عن أعمال وظيفته أو كانت تدخل في أعمال وظيفته، أو أن يكون في حالة إبرام العقود)[5].

– معيار الهدف من القيام بالفعل، وقد استندت إلى ذلك المعيار في حكمها التي قضت فيه بأن:

(العمل الذي قام به الحاكم العسكري وقائد الشرطة بأمرهم لرجال الأمن بإخلاء الأرض وهدم الإنشاءات المقامة عليها بحكم وظيفتهم ولأغراض الحكومة وليس بصفتهم الشخصية ولا لأغراضهم الخاصة، وبالتالي تكون الحكومة مسؤولة عن الضرر الذي أوقعه الحاكم العسكري وقائد الشرطة ورجال الأمن، ولا نحصر التعويض عن الضرر في الحاكم العسكري وقائد الشرطة على فرض ارتكابهما خطأ جسيم، بل إن الدولة التي يعملان لها وباسمها متضامنة معهما في المسؤولية)[6].

2- الفعل الممثل لخطأ مرفقي

يقصد بالخطأ المرفقي الخطأ الذي يتم نسبته للمرفق العام التابع للدولة نفسه، وذلك بغض النظر عن الموظفين العاملين به أو الخطأ الذي تتحمل الدولة المسؤولية عن ضمان الأضرار الناتجة عنه والتعويض عنها.

وبالتالي تتحقق تلك الصورة من صور الخطأ متى كان الفعل الممثل للخطأ قد وقع نتيجة القيام بمهام الوظيفة الإدارية دون أن يكون هناك ثمة خطأ شخصي يمكن أن ينسب للموظف، والأمثلة على هذا الشكل من أشكال الخطأ متعددة بشكل لا يمكن وضع حصر محدد بها، وعلى الرغم من ذلك فقد حدد الفقه ثلاث صور رئيسية لهذا الخطأ وتتمثل في:

– أن يكون الأداء الذي يقوم المرفق العام بتقديمه هو أداء سيء بشكل ملحوظ ومبالغ فيه.

– امتناع المرفق العام عن تقديم الخدمة التي أنشئ من أجل تقديمها.

– أن يكون هناك بطء وتأخير في تقديم المرفق العام للخدمة بشكل يفوق ما هو متعارف عليه ومألوف.

وذلك جميعه في ظل عدم وجود أي مبرر سائغ يبرر للمرفق ارتكابه لأياً من تلك الصور.

3- الفعل الممثل لخطأ مشترك

في تلك الصورة يكون الخطأ الذي ارتكبه موظف الدولة هو خطأ ذو طبيعة مشتركة ومزدوجة، بمعنى أنه خطأ يتشارك فيه الموظف مع الدولة، بحيث يكون هناك شق من هذا الفعل الذي قام به الموظف يمثل خطأ شخصي منه، كما يكون هناك جانب آخر من ذات الفعل عائداً إلى الدولة ومنسوب إليها، وهو ما يمثل خطأ قوامه في شق منه خطأ شخصي وفي شق آخر خطأ مرفقي.

خامساً: حكم تحقق المسؤولية المدنية للدولة في كل صورة من الخطأ

من خلال ما استعرضناه من صور للفعل المكون للخطأ والذي تمثل في ثلاث صور رئيسية، فالتساؤل هنا يثور بشأن المسؤولية المدنية التي تقوم في حق الدولة عن كل صورة من صور الخطأ المبينة سلفاً؟

1- مسؤولية الدولة في الخطأ الشخصي

متى ثبت ارتكاب الموظف لخطأ تم تكييفه بأنه خطأ شخصي للموظف، فعندئذ يتحمل الموظف مسؤوليته المدنية عن الضرر المتحقق وحده، ولا يقع على الدولة أي مسؤولية مباشرة في هذا الشأن، ولكن يكون لها مسؤولية احتياطية غير مباشرة باعتبار الموظف يرتبط معها بعلاقة تبعية.

إلا أن المشرع في مضمون نص (المادة 288/1) من القانون المدني الأردني قد حدد ثلاث ضوابط رئيسية لا تقوم مسؤولية الدولة التبعية تجاه المضرور في هذا النوع من الخطأ إلا بتوافر تلك الشروط مجتمعة، وتتمثل تلك الشروط والضوابط في:

– أن تكون هناك علاقة تبعية ثابتة تربط بين الموظف والدولة، والمقصود بتلك العلاقة أن تتمتع الدولة على الموظف بالسلطات التي يتمتع بها الرئيس على مرؤوسه، وأن تكون تلك العلاقة قائمة أثناء ارتكاب الموظف للخطأ وتحقق الضرر.

– أن يصدر من الموظف فعل ضار وغير مشروع يصيب الغير بأضرار، فلا يكون هناك مسؤولية على الدولة متى كان الفعل الضار الذي قام به الموظف له ما يبرره ويجعله فعل مشروع، ومن الأمثلة على الحالات التي لا تقوم فيها مسؤولية الدولة أن يكون الفعل الضار الصادر من الموظف قد جاء بناء على توافر حالة من حالات الدفاع الشرعي، أو أن يكون حدوث هذا الفعل الضار قد تحقق بناء على تدخل قوة قاهرة أو سبب أجنبي.

– أن يكون الفعل الضار قد تم ارتكابه من الموظف أثناء أو بسبب قيامه بأداء مهام وظيفته، فتقوم مسؤولية الدولة متى كان الموظف قد ارتكب الفعل المحقق للضرر خلال قيامه بمهام وظيفته وواجباتها، وبالتالي فإن مسؤولية الدولة لا تتحقق متى كان ارتكاب الموظف لهذا الفعل الضار أثناء ساعات العمل، ولكن يجب أن يكون ذلك الفعل مرتبطاً بأداء مهام وظيفته، كما تقوم مسؤولية الدولة متى ارتكب الموظف الفعل الضار بسببها.

كما أن المقصود بارتكاب الفعل الضار بسبب الوظيفة أن الموظف لو لم يكن شاغلاً لتلك الوظيفة ويمارس مهامها ما كان سيقوم بارتكاب هذا الفعل.

مما يمكننا معه القول في شأن المسؤولية المدنية للدولة في هذه الصورة من صور الخطأ أنها تتحقق متى كان الفعل الضار الذي صدر من الموظف مرتبطاً بأي شكل من الأشكال بوظيفته، وهذه مسألة تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة في استخلاصها لها من وقائع وأوراق الدعوى المعروضة عليها، وبالتالي تكون مسؤولية الدولة ناشئة عن مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، والتي أسسها القانون المدني الأردني استناداً إلى أن المتبوع – وهو الدولة – يثبت في حقه نتيجة للفعل الضار تقصير وعدم احتياط في واجبه الرقابي على تابعه أدى لارتكاب تابعه هذا الفعل.

وقد أيدت محكمة التمييز الأردنية ذلك فيما قضت به من أن:

(تعتبر الحكومة مسؤولة عن ضمان الضرر الذي لحق بأشجار المدعي نتيجة فتح الطريق سواء كانت دائرة الأشغال هي التي باشرت فتح الطريق أو بواسطة متعهد عملاً بالمادة 288 من القانون المدني)[7].

فإذا كانت المسؤولية الاحتياطية للدولة هي التي تحققت بتوافر شروطها وضوابطها، واختار المضرور الرجوع عليها بالتعويض بدلاً من رجوعه على الموظف، فإن الدولة متى سددت مبلغ التعويض للمضرور يكون لها الحق في الرجوع على الموظف بكامل ما قامت بسداده من تعويض.

2- مسؤولية الدولة في الخطأ المرفقي

في هذا النوع من الخطأ تكون مسؤولية الدولة هي مسؤولية مباشرة، حيث تقع المسؤولية المدنية عنه على عاتق الدولة وحدها فقط دون أدنى مسؤولية على الموظف، حيث إن مسؤولية الدولة هنا تكون مسؤولية مباشرة عن الضرر المترتب على فعلها هذا، حتى لو كان القائم على تنفيذه بشكل مادي موظف من موظفيها، حيث ينسب الضرر هنا بشكل مباشر للدولة التي تتحمل تبعته بشكل كامل، وتكون هي المسؤولة وحدها عن سداد مبلغ التعويض للمضرور.

3- مسؤولية الدولة في الخطأ المشترك

في حالة الخطأ المشترك الذي يشترك فيه الموظف والدولة معاً في إحداث الضرر يكون لكل منهما جزء يشارك به في هذا الضرر، فالموظف قد شارك بجزء يتمثل في الخطأ الشخصي له، والدولة تكون قد شاركت بجزء يتمثل في الخطأ المرفقي لها، فيكون تحمل المسؤولية هنا أيضاً مشترك، بحيث يتحمل الموظف جزء من التعويض بقدر مشاركته في الضرر، كما تتحمل الدولة جزء من التعويض بقدر مشاركتها في الضرر، وقد عرف ذلك في مجال التعويض بمبدأ (الجمع بين الخطأ الشخصي والمرفقي).

ويكون توزيع مبلغ التعويض بين الموظف والدولة في تلك الحالة بالاستناد إلى السلطة التقديرية للمحكمة التي تنظر دعوى التعويض، بحيث يتم تحميل كلاً منهما بنصيب في التعويض يعادل نسبة مشاركته في حدوث الضرر للمضرور، ويثور هنا تساؤل قوامه ما هو الحال إذا لم تكن نسبة مشاركة كل من الموظف والدولة في تحقق الضرر واضحة بحيث لم تتمكن المحكمة من تحديد نسبة مشاركة كل منهما في إحداث الضرر؟

تتمثل إجابة هذا التساؤل في أنه متى عجزت المحكمة عن استيضاح نسبة مشاركة كل من الموظف والدولة في الضرر المتحقق، فإنها تقوم بتوزيع قيمة التعويض المقضي به بين الموظف – أو الموظفين في حال تعددهم – والدولة – متمثلة في جهة الإدارة – بالتساوي فيما بينهم باعتبار أن مسؤوليتهم جميعاً في تلك الحالة هي مسؤولية تضامنية.

كما يجب أن ننوه إلى أن للمضرور في هذه الحالة – حالة اجتماع الخطأ الشخصي مع الخطأ المرفقي – أن يقيم دعوى التعويض ضد من يختار إقامتها ضده، فيكون له حق إقامة الدعوى ضد الموظف استناداً إلى الخطأ الشخصي، كما يمكن أن يقيمها على الدولة استناداً إلى الخطأ المرفقي، وأخيراً يمكن له اختصام الموظف والدولة معاً استناداً إلى مسؤوليتهم التضامنية.

وخلاصة القول:

أنه وعلى الرغم من الأهمية البالغة التي تشغلها المسؤولية المدنية للدولة عن الأعمال الصادرة من موظفيها، إلا أن القانون الأردني لم يخص تلك المسؤولية بأحكام خاصة بها، بل قام بإخضاعها للقواعد العامة في القانون المدني وتحديداً لقاعدة مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، كما أنه في تعريفه للموظف بقانون الخدمة المدنية قد استبعد من نطاق الموظف العاملين بأجر يومي، وهو ما يجدر بنا معه أن نهيب بالمشرع إلى ضرورة إدخال بعض التعديلات القانونية التي تستهدف تقوية لبعض التفصيلات والجزئيات الخاصة بموضوع المسؤولية المدنية للدولة عن الأعمال الصادرة من موظفيها، والتي سوف تساعد بشكل كبير على زيادة ضبط هذا النوع من المسؤولية وتيسير تنظيمها، وتتمثل هذه التعديلات المنشودة في:

– تخصيص جانب مستقل من القانون المدني يتم جمع القواعد والأحكام التي تؤسس المسؤولية المدنية للدولة عن الأعمال الصادرة من موظفيها وتنظمها.

– تعديل التعريف الخاص بالموظف والوارد بالمادة الثانية من نظام الخدمة المدنية الأردني ليشمل ضمن مفهومه العامل بالأجر اليومي، وذلك باعتبار أن تلك الفئة من العاملين لا يمنع تقاضيهم أجرهم بشكل يومي من ممارستهم لأعمال ومهام يمكن أن تصنف على أنها وظائف عامة، مما يترتب على إدخالهم ضمن من تثبت لهم صفة الموظف تقوية الضمان العام للمضرور الذي قد يصيبه ضرر من جراء فعل ما لأحد أفراد تلك الفئة أثناء قيامه بعمل لصالح الدولة.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – مجدي النهري – مسؤولية الدولة عن أعمالها غير التعاقدية: قضاء التعويض – الطبعة الثانية – دار النهضة العربية – مصر – 1997 – ص8.

[2] – محمد الجميلي – قضاء التعويض: مسؤولية الدولة عن أعمالها غير التعاقدية – دار النهضة العربية – مصر – 1995 – ص314.

[3] – رمزي الشاعر – قضاء التعويض: مسؤولية الإدارة عن أعمالها غير التعاقدية – دار النهضة العربية – مصر – 1989 – ص307.

[4] – محكمة العدل العليا – القرار رقم 246 لسنة 1994 – مجلة نقابة الحامين – 1995 – ص 160.

[5] – تمييز حقوق رقم 359/ 85 – مجلة نقابة المحامين – 1986 – ص 1015.

[6] – تمييز حقوق رقم 304/ 73 – مجلة نقابة المحامين – 1973 – ص 1614.

[7] – تمييز حقوق رقم 224/ 84 – مجموعة المبادئ – ج (5) – القسم الثاني – ص 1046.

Scroll to Top