منع التلوث الإشعاعي

منع التلوث الإشعاعي

ظهر استخدام الطاقة النووية منذ بداية اكتشاف الذرة، ولا يخفى علينا أهميتها في العديد من الصناعات مثل الطائرات النفاثة، والصواريخ النووية وغيرها الكثير من الصناعات الأخرى، ولكن الاستخدام المفرط للطاقة النووية يدمر البيئة ويقضي على الأخضر واليابس، ويسبب أضراراً بالغة بالإنسان، لذا فقد تم إبرام العديد من الاتفاقيات التي تحظر استخدام الأسلحة النووية، وحماية البيئة من النفايات المشعة، وهذا ما سنتعرف عليه من خلال مقالنا التالي.

أولاً: تعريف التلوث الإشعاعي وطبيعته

ثانياً: مصادر التلوث الإشعاعي

ثالثاً: آثار التلوث الإشعاعي على صحة الإنسان والبيئة

رابعاً: التشريعات الدولية الصادرة في شأن حماية البيئة من التلوث الإشعاعي:

أولاً: تعريف التلوث الإشعاعي وطبيعته

للتلوث الإشعاعي تعريفات فقهية عديدة نذكر منها أنه: “تسرب مواد مشعة إلى أحد مكونات البيئة من ماء، أو هواء، أو تربة، أو خلافه”[[1]]،

وأيضاً يُعرف بأنه: عبارة عن زيادة في معدل النشاط الإشعاعي، أو تسريب مواد مشعة للبيئة عن الحدود المسموح بها علمياً، مما يؤثر سلباً على عناصر البيئة الطبيعية ويضر بحياة الإنسان[[2]].

أما ما يخص طبيعته، فهو يوجد على هيئة تلوث إشعاعي ثابت، أو تلوث إشعاعي غير ثابت، وذلك نتيجة لبعض العوامل الفيزيائية والكيميائية المصاحبة لعملية التلوث، هذا بالإضافة إلى نوع المصدر المشع والسطح الملوث. ويعرف التلوث الإشعاعي الثابت بأنه: “ذلك التلوث الذي لا يمكن انتقاله من سطح ملوث إلى آخر غير ملوث إذا تلامس السطحان تلقائياً”، أما التلوث الإشعاعي غير الثابت فهو مخالف للتلوث الثابت، إذ يمكن انتقال التلوث من السطح الملوث إلى السطح غير الملوث في حالة تلامس السطحين.[[3]]

ويتضح أن النوع الثاني هو الأكثر خطورة، نظراً لطبيعته الانتشارية.

ثانياً: مصادر التلوث الإشعاعي

للتلوث الإشعاعي مصدرين، يتمثلان في مصادر طبيعية، أو مصادر صناعية كالتالي:

أ_ المصادر الطبيعية للتلوث الإشعاعي:

هي عناصر طبيعية تكونت منذ نشأة الأرض، وتحت تأثير الأشعة الكونية والنظائر المعمرة ونواتج انحلالها المشعة[[4]]، تتمثل في أنواع ثلاثة:

١_ الأشعة الكونية:

تعتبر الأشعة الكونية أحد مصادر الإشعاع النووي إن لم تكن أهمها، تصلنا هذه الأشعة من الشمس ومن داخل وخارج مجرتنا، وتبلغ نسبة التعرض لها بالنسبة للفرد حوالي ٢٠٠مللي ريم كل سنة على الأقل، وتصل الإشعاعات الكونية من الفضاء الخارجي على شكل بروتونات ونيترونات وأشعة ألفا وإلكترونيات وغير ذلك[[5]]، وتمر هذه الإشعاعات عبر الغلاف الجوي الذي يلعب دوراً كبيراً في التخفيف من بعض الإشعاعات الكونية، وتزداد الجرعات كلما ارتفع الإنسان عن مستوى سطح البحر، كما تزداد الجرعة الإشعاعية عند القطبين وتقل كلما اتجهنا نحو خط الاستواء.[[6]]

٢_ إشعاعات القشرة الأرضية:

من المواد المشعة الموجودة بالقشرة الأرضية نجد اليورانيوم والثوريوم الموجودان في الصخور المنصهرة من نوع الجرانيت، فتفتك هذه الصخور يصدر طاقة تعتبر مسئولة عن ارتفاع الحرارة الباطنية للأرض، ومصدراً طبيعياً للأشعة المؤينة[[7]]، ويقدر حجم الجرعة الإشعاعية التي تصل إلى جسم الإنسان من ١٠٠ إلى ٣٠٠مللي رونتجن في السنة، ومن هذه الإشعاعات غاز الكربون -١٢ والذي يُعتَبر من مكونات الغلاف الجوي، وغاز الكربون-١٤.

وغاز الرادون المنبعث من الأرض باستمرار لوجود اليورانيوم في جميع الصخور وأنواع التربة تقريباً، ويتبدد الرادون بسرعة في الهواء الطلق، ويقوم الإنسان باستنشاق هذه الغازات المشعة عند استنشاق الهواء فتؤثر في جسمه من الداخل.[[8]]

٣_ الأشعة الطبيعية داخل جسم الإنسان:

وهي عبارة عن نظائر مشعة داخل جسم الإنسان بحكم المواد الداخلة في تركيبه[[9]]، ويأتي الإشعاع الطبيعي للإنسان من الغذاء والماء والهواء. وبناءً على بيانات لجنة الأمم المتحدة لآثار الإشعاعات المؤينة، تقدر الجرعة الإشعاعية التي يتعرض لها الإنسان من الإشعاعات الطبيعية بما يساوي ١,٢ إلى ٢,٤ مللي سيفرت في السنة على سطح البحر[[10]].

ب_ المصادر الصناعية للتلوث الإشعاعي:

إلى جانب المصادر الطبيعية للتلوث الإشعاعي، توجد مصادر صناعية من صنع الإنسان، فهو المسئول الأول والأخير عن الأضرار البالغة التي تصيب الإنسان والبيئة بوجه عام، وهذه المصادر كثيرة نقتصر على ذكر بعضٍ منها:

١_ التجارب النووية:

تقوم بعض الدول بإجراء تجارب نووية دون إيلاء الاعتبار عما قد ينشأ عن هذه التجارب من أضرار بيئية وصحية، وما فرضته الأمم المتحدة من حظر على إجراء مثل تلك التجارب النووية عام ١٩٦٢.

وتهدف هذه التجارب النووية إلى تطوير الأسلحة الذرية وزيادة قدرتها التدميرية إلى أقصى الحدود، وقد تكون لأغراض سلمية مثل تحفيز الغاز والزيت، وسد آبار الغاز والزيت الشاردة، وتخزين الايدرو كربون السائل، التخلص من المخلفات المشعة، إذابة خام النحاس، إنشاء القنوات وإنشاء الموانئ[[11]].

وتكمن خطورة هذه التجارب النووية، أن آثارها السلبية ترتفع ويتسع مداها أثناء التفجيرات فوق سطح الأرض، لأن ذلك يتسبب في حمل كميات من الغبار المشع إلى طبقات الجو العليا وفي البحرة السماوية، وبذلك تصل في المواد المشعة إلى منطقة الستراتوسفير في الغلاف الجوي، ومنها تنتشر إلى مناطق بعيدة عن موقع الانفجار[[12]].

وقد تُجرى مثل تلك التجارب تحت سطح الأرض، وقد يؤدي ذلك إلى تسرب بعضٍ منها إلى المياه الجوفية، ومنها إلى الأنهار والبحيرات مما يسبب أضراراً بالغة.

والتجارب النووية في الفضاء الخارجي، تؤثر بشكل أكثر خطورة، حيث إنها تصل إلى الغلاف الجوي، مما جعلها محرمة دولياً.

٢_ استخدام الأسلحة النووية:

تعد من أخطر أسلحة الدمار الشامل. فقد كان السلاح النووي في المراحل الأولى من تطوره بسيطاً، يتكون من قنبلة ذرية تحمل إلى هدفها على متن طائرة ضخمة تلقيها فوق الهدف مباشرة اعتماداً على عامل الجاذبية الأرضية، لكن نتيجة التطور السريع في تقنية السلاح النووي، فقد تم تدريجياً استبدال القنبلة الذرية الصغيرة الحجم نسبياً بالقنبلة النووية، كما تم استبدال الطائرات الضخمة بنظم استراتيجية جديدة ومتنوعة وأكثر فاعلية، تتراوح من القاذفات الاستراتيجية والصواريخ العابرة للقارات إلى الغواصات النووية أصبحت حالياً أهم نظم السلاح النووي [[13]].

وقد ذكرت محكمة العدل الدولية في فتواها “خصائص ومخاطر الأسلحة النووية” بالقول بأنه: “لا يمكن للمحكمة أن تغفل خصائص فريدة معينة تتسم بها الأسلحة النووية، فالأسلحة النووية أجهزة متفجرة تنتج طاقتها من اندماج أو انشطار الذرة، ولا تطلق هذه العملية بطبيعتها كميات هائلة من الحرارة والطاقة وحسب، ولكن أيضاً إشعاعات قوية وطويلة الأمد. وهذه الخصائص تجعل الأسلحة النووية تنطوي على آثار مأساوية، ولا يمكن احتواء القوة التدميرية التي للأسلحة النووية لا من حيث الحيز ولا من حيث الزمن، إن لها القدرة على تدمير الحضارة كلها والنظام البيئي بأكمله على الكوكب”[[14]]

ثالثاً: آثار التلوث الإشعاعي على صحة الإنسان والبيئة

للتلوث الإشعاعي أضراراً بالغة على الصحة البدنية والنفسية للإنسان، وتمتد أضراره إلى البيئة، وهو ما سنتعرف عليه من خلال الأسطر التالية:

 أ_ التأثيرات البيولوجية للأشعة المؤينة على جسم الإنسان:

يعتبر الإنسان من أكثر الكائنات الحية تأثرا بالإشعاعات، وأن التأثيرات الضارة للإشعاعات النووية يبدو أنها تتسبب من عملية التأين الناتجة من الخلايا المكونة للأنسجة الحية، وكنتيجة للتأين فإن بعض المكونات الأساسية لقيام الخلايا بوظائفها المعتادة تتغير أو يتم تدميرها. [[15][

وتنقسم التأثيرات البيولوجية للإشعاعات النووية على جسم الإنسان إلى نوعين جسدية ووراثية

1_ التأثيرات الجسدية:

 يمكن أن تحدث التأثيرات الجسدية بتعرض جسم الإنسان إلى كميات كبيرة من الإشعاعات، وتسمى التأثيرات المبكرة أو المباشرة وهي تحدث خلال دقائق أو ساعات أو أيام من وقت التعرض للإشعاعات، ومن الأعراض التي تتسبب بها، أعراض النخاع العظمي، وأمراض الجهاز الهضمي، الأعراض المرضية للجهاز العصبي المركزي.

وقد تكون التأثيرات متأخرة، وهي أن تحدث آثارها على المدى البعيد قد تصل إلى سنوات من وقت تعرض الشخص للإشعاع، ومما تسببه تلك الإشعاعات حالات الكاتاراكت، وأنواع عديدة من السرطانات، وأمراض القلب الوعائية، وتأتي تلك الأمراض نتيجة التعرض لجرعات مرتفعة من الإشعاعات.

2_ التأثيرات الوراثية:

تتسبب تلك الإشعاعات في حدوث تشوهات للأجنة، وإصابات الكروموسومات للأطفال، وقد تسبب العقم، وتشوهات في العظام، وغيرها من الأمراض.

ب_ التأثيرات النفسية للأشعة المؤينة:

زيادة على التأثيرات الجسدية والوراثية للأشعة المؤينة على جسم الإنسان، قد أشارت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى التأثيرات النفسية، وذلك في قرارها رقم 10-531/83 الصادر بتاريخ ٦ ديسمبر 1983، على إثر الطعن المقدم أمامها من طرف مواطن ألماني يسكن بالقرب من محطة الطاقة النووية، واعتبرته خرقا للمادة 08 من ميثاقها، ومع ذلك اعترفت اللجنة في قرارها: « أن من يعيش بالقرب من محطة الطاقة النووية قد يشعر بالتوتر أكثر من غيره أثناء عمله، ويصبح شخصا قلقا على أمنه.»[[16]]

ج. تأثيرات التلوث الإشعاعي على البيئة:

 تلوث عناصر البيئة بالإشعاع النووي معناه: ” ذلك التغير السلبي الذي يطرأ على أحد عناصر البيئة نتيجة إفراط الإنسان في استعمال المواد والنظائر المشعة في مختلف النشاطات الحيوية والصناعية، وينتج عن ذلك زيادة مفرطة في نسبة الإشعاعات النووية في المحيط البيئي عن الحد المسموح به[[17]].

وتتمثل عناصر البيئة في الماء، والهواء، والتربة والكائنات الحية غير البشرية، ومن البديهي تعرض تلك العناصر للتلوث الإشعاعي.

فتلوث تلك العناصر يسبب أضراراً بالغة على صحة الإنسان وجميع الكائنات الحية، حيث تتعدى نسبة الإشعاعات الحد المسموح به.

رابعاً: التشريعات الدولية الصادرة في شأن حماية البيئة من التلوث الإشعاعي:

لقد بدأت الجهود منذ النصف الثاني من الأربعينات من القرن 19، بدعوة الأمم المتحدة في قرارها الصادر في 14 ديسمبر 1946 إلى نزع السلاح النووي وضمان حياة آمنة للبشرية، مروراً بأول اتفاقية دولية لحظر التجارب النووية في الجو، الفضاء الخارجي وتحت الماء سنة 1963، ثم معاهدة 1969 الدولية حول الأضرار الناجمة عن استعمالات الطاقة الذرية، والمؤتمر الدولي حول السلامة النووية عام 1991 ومؤتمر الأمان النووي المنعقد بموسكو عام 1996، ولعل الجهود الدولية المبذولة في هذا الشأن تحظى بأهمية أكبر نظراً لشمول تأثيرها على المستويات الإقليمية والوطنية، وذلك لمشاركة مختلف الدول والجماعات الدولية في هذه الجهود[[18]].

وقد تم إبرام الكثير من الاتفاقيات من أجل حظر تجارب الأسلحة النووية حفاظاً على سلامة البيئة وسنذكر نبذة عن كل معاهدة، وذلك على النحو التالي:

1_ معاهدة منطقة القطب الجنوبي 1959:

وقد نصت على جعل المنطقة المتجمدة الجنوبية منطقة منزوعة السلاح، وهي أول معاهدة تضع في حيز التطبيق فكرة المنطقة الخالية من الأسلحة النووية، وطبقت فيما بعد على قاع البحار والفضاء الخارجي وأمريكا اللاتينية، وتحظر هذه المعاهدة إجراء أي مناورات عسكرية في المنطقة المتجمدة الجنوبية وإجراء التجارب على الأسلحة، وبناء المنشآت أو التخلص من الفضلات المشعة التي تنتج عن النشاطات العسكرية[[19]]

2_ معاهدة حظر تجارب الأسلحة النووية في الجو، وفي الفضاء الخارجي وتحت الماء (موسكو1963):

تعد هذه الاتفاقية من أهم ما توصلت إليه الدول في مجال السلاح النووي، فقد توصلت إليها أمريكا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي سابقا، ووقعت عليها في الخامس من أغسطس/أوت ١٩٦٧، ووضعت موضع التنفيذ في العاشر من أكتوبر من نفس العام، وقد وقع عليها ما يربو على مائة وعشرين دولة، وصادقت عليها ثلاثة وتسعون دولة حتى 17/06/1967، تهدف الاتفاقية إلى منع إجراء التجارب النووية في الجو والفضاء الخارجي وتحت الماء، للحد منها بل ونزع السلاح النووي، وبصورة غير مباشرة يمكن استنباط أهداف بيئية أتت لتحقيقها، حيث جعلت البيئة الإنسانية مجالاً للحظر ممثلة بالجو والفضاء وتحت الماء[[20]].

وقد جاء في المادة الأولى فقرة ( أ، ب) أنه تحظر المعاهدة على الدول الأطراف فيها ” إجراء أي تجربة لتفجير سلاح نووي أو أي تفجير نووي آخر، في أي مكان في الجو أو فوق حدوده، بما في ذلك الفضاء الخارجي، وتحت الماء وفي أعالي البحار، وفي أي مكان آخر، إذا ما كان هذا التفجير يسبب نشاطاً إشعاعياً يظهر تأثيره خارج الحدود الإقليمية للدولة التي يجري الانفجار تحت إشرافها أو سلطتها”.

3_ معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى 1967:

نصت المادة الرابعة من المعاهدة، على تعهد الدول الأطراف في المعاهدة بعدم وضع أية أجسام تحمل أية أسلحة نووية أو أي نوع آخر من أسلحة التدمير الشامل في أي مدار حول الأرض، أو وضع مثل هذه الأسلحة على أية أجرام سماوية، أو في الفضاء الخارجي بأية طريقة أخرى، وأن تقصر جميع الدول الأطراف في المعاهدة استخدامها القمر والأجرام السماوية الأخرى على الأغراض السلمية، كما يحظر عليها إنشاء قواعد أو منشآت أو تحصينات عسكرية، أو إجراء تجارب بأي نوع من أنواع الأسلحة، وإجراء أية مناورات عسكرية على الأجرام السماوية[[21]].

وقد صدرت هذه الاتفاقية بناءً على القرار رقم ٢٢٢٢ الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بتاريخ ١٩ ديسمبر ١٩٦٦، وتكونت تلك الاتفاقية من ١٧ مادة إلى جانب الديباجة.

ولكن يُأخذ عليها عدم الإشارة إلى الأجسام النووية التي لم تصنع لكي تكون أسلحة رغم خطورتها.

4_ معاهدة تحريم وضع الأسلحة النووية والأسلحة الأخرى ذات التدمير الشامل في قاع البحار أو أرض المحيطات أو في التربة تحتهما (اتفاقية لندن 1971):

لاقت منطقة البحار وأرض المحيطات والتربة تحتهما اهتماماً كبيراً من الأمم، في سبيل تنظيم التعاون الدولي لاستكشاف واستخدام هذه المنطقة، وتأكيد استغلالها من أجل مصلحة البشرية، مع تطبيق الأساليب التكنولوجية الحديثة لتحقيق ذلك[[22]]

وقد استمر النشاط من أجل وقف سباق التسلح النووي في هذه المناطق في اللجنة الثانية عشر لنزع السلاح، وفي أكتوبر سنة 1969 قدم مندوبا الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية مشروعاً مشتركاً لمعاهدة تحريم وضع الأسلحة النووية والأسلحة الأخرى ذات التدمير الشامل في قاع البحار أو أرض المحيطات والتربة تحتهما، وفي 3 ديسمبر قدما مندوبا الدولتين مشروعا معدلاً، وفي 7 ديسمبر اتخذت الجمعية العامة قرارها رقم 2660 (د ٢٤)، بالتوصية بإتمام المعاهدة وطلبت فتح باب التوقيع عليها[[23]].

وتهدف المعاهدة إلى أمور تتعلق بمنع سباق التسلح، وفي صورة أخرى وبصفة غير مباشرة جاءت لتحمي البيئة من التلوث بالأسلحة النووية، بالنظر إلى أنها تتحدث عن وضع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى في قلب البحار والمحيطات وفي التربة تحتهما، وهذا ما تجسد في ديباجتها أنها تهدف إلى ” تحقيق المصلحة العامة للبشرية في تنمية استكشاف واستغلال واستخدام قاع البحار والمحيطات في الأغراض السلمية”، وأضافت أنها :” تعد خطوة في سبيل استبعاد قاع البحار وأرض المحيطات والتربة تحتهما من سباق التسلح”، وبأنها ” تدعم مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بشكل يتوافق مع القانون الدولي دون أن يمس حرية البحار العالية”، وهكذا يتضح أن موضوع المعاهدة يعد من الوسائل اللازمة للحفاظ على البيئة البحرية من التلوث الناجم عن الفعل المحظور بالمعاهدة[[24]]

وفيما يتعلق بالحماية من التلوث الإشعاعي في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأمان النووي فقد كانت هناك العديد من الاتفاقيات نذكر منها :

١_ اتفاقية جنيف بشأن حماية العمال من الإشعاعات المؤينة 1960:

في إطار اهتمامها بشئون العمل والعمال على مستوى العالم، قامت منظمة العمل الدولية (OIT) بالتحضير لإعداد اتفاقية دولية لحماية العمال من التلوث بالإشعاعات المؤينة، وبعد دراسات ومفاوضات موسعة أبرمت الاتفاقية، وتمت الموافقة عليها من جانب المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية في جنيف عام 1960، وبدأ سريانها في 17 يونيو 1962).[[25]]

وقد قررت تلك الاتفاقية بعض الأحكام وهي:

أ)  قررت تلك الاتفاقية على جميع الدول الأطراف، التزاماً بتنفيذ أحكامها، وذلك بإصدار اللوائح والقوانين التي تتفق ونصوص الاتفاقية.

ب) على السلطات المختصة من الدول الأطراف، إجراء مشاورات مع ممثلي أصحاب الأعمال.

ج) صدرت هذه الاتفاقية من أجل جميع العاملين المعرضين لتلك الإشعاعات المؤينة عن طريق عملهم.

د) ويجب بذل الجهد من أجل حماية العمال من مثل تلك الإشعاعات، من أجل الحفاظ على سلامتهم.

ذ) مع ضرورة قيام الدول الأطراف بتحديد النسبة المسموح بها من جرعة الإشعاعات التي تدخل في جسم العامل من مصادر داخلية وخارجية.

ه‍) التحذير من قبول تشغيل العاملين الأقل سناً من ١٦ عام في الأشغال التي تصدر مواد مشعة، وتحديد سن العاملين من ١٨ عام فأكثر.

و) يجب إصدار تعليمات للعاملين باتخاذ كافة التدابير والاحتياطات الأمنية من أجل الحفاظ على سلامتهم.

ي) يجب إجراء الفحص الطبي بصفة دورية على العاملين، بعد العمل مباشرة ثم الاستمرار في إجرائه كل فترة للاطمئنان على صحة العامل.

2_ اتفاقيتي التبليغ المبكر عن الحوادث النووية، وتقديم المساعدة الفنية في حالات الحوادث النووية والطوارئ الإشعاعية 1986:

أ_ اتفاقية التبليغ المبكر عن وقوع حادث نووي أو طارئ إشعاعي:

صدرت هذه الاتفاقية من أجل قيام أي دولة طرف بتبليغ الدولة التي قد تُضار في حالة وقوع أي حادث يصدر من خلاله مواد مشعة في حدود الدولة قد تمتد إلى الحدود الدولية، يجب تبليغها بكافة المعلومات التي من الممكن أن تساعد في تقليل العواقب مثل زمن حدوث الانفجار، وموقعه، وطبيعة الانفجار.

كما جاء بالمادة السابعة من الاتفاقية على أنه: على كل دولة طرف أن تحيط الدول الأطـراف الأخـرى علمـا بسلطاتها المختصة، ونقاط الاتصال المخولة إصدار وتلقي التبليغ والمعلومات، سواء مباشرة، أو عن طريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يتضح مما سبق، أن الاتفاقية تنشئ نظاماً للإبلاغ عن الحوادث النووية التي لها إمكانية الانطلاق عبر الحدود الدولية، الذي يمكن أن تكون له أهمية لدولة أخرى فيما يتعلق بالأمان الإشعاعي، وأنها تشترط على الدول الإبلاغ عن وقت الحادث، ومكانه، والإشعاعات المنطلقة وغير ذلك من البيانات الأساسية من أجل تقيم الحالة[[26]].

ب_ اتفاقية تقديم المساعدة في حالة وقوع حادث نووي أو طارئ إشعاعي:

هدف هذه الاتفاقية هو تقديم المساعدة في حالة وقوع الحادث بوضع آلية عمل دولي، من أجل التخفيف من وطأة الحادث، وتلزم جميع الدول الأطراف بالمشاركة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى تقوم بالمساهمة في حماية الأرواح والبيئة من عواقب هذا الانفجار.

٣_ اتفاقية الأمان النووي 1994:

تم إصدار هذه الاتفاقية في ٢٠ سبتمبر ١٩٩٤ بفيينا، ثم دخلت حيز التنفيذ في ٢٤ أكتوبر عام ١٩٩٦، وقد نشأت من أجل الحفاظ على المنشآت النووية من الأخطار الإشعاعية، والحد منها ومن آثارها.

وتشجع الدول الأطراف على تحقيق التزاماتها بشأن الأمان النووي وطنياً، فجميع الدول الأطراف عليهم التزام بتقديم تقارير دورية لبيان عما إذا تم الالتزام بتنفيذ الالتزامات الواردة بالاتفاقية أم لا، وتقوم باقي الدول الأعضاء بمراجعة تلك التقارير.

ونطاق تطبيق الاتفاقية مقصور صراحة على المحطات الأرضية المدنية لتوليد الطاقة النووية، وما يرتبط بها في نفس الموقع من مرافق المناولة والمعالجة والتخزين، ولا يمتد نطاقها ليشمل المنشآت العسكرية، ولا إلى المنشآت البحثية، ولا إلى تلك المنشآت المحمولة بحراً، كما أنها لا تمتد إلى سائر أجزاء دورة الوقود النووي مثل معالجة النفايات، وهذا ما يؤخذ عليها[[27]].

٤_ الاتفاقية المشتركة لأمان وإدارة الوقود المستهلك وأمان وإدارة النفايات الإشعاعية ١٩٩٧:

نصت المادة الأولى من الاتفاقية على أنه: ” تتمثل أهداف هذه الاتفاقية فيما يلي: 2 -ضمان وجود دفاعات فعالة في جميع مراحل إدارة الوقود المستهلك والنفايات المشعة ضد الأخطار المحتملة، لحماية الأفراد والمجتمع والبيئة من الآثار الضارة للإشعاعات المؤينة الآن وفي المستقبل، على نحو يلبي احتياجات وتطلعات الجيل الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها وتطلعاتها.

فهي تهدف إلى حماية الأرواح من خطر الإشعاعات المؤينة حاضراً ومستقبلاً، ولها في سبيل ذلك التصرف في النفايات المشعة بطريقة آمنة للحد من خطرها على البيئة والأفراد.

وهناك بعض الاتفاقيات التي لها صلة مباشرة بهذه الاتفاقية، حيث تهدف إلى حماية البيئة من خطر النفايات الناتجة عن المواد المشعة ومنها:

  • اتفاقية أعالي البحار بجنيف لعام ١٩٥٨ والتي تهدف إلى منع تلوث البحار الناتج عما تخلفه السفن من مواد مشعة ضارة.
  • الاتفاقية الدولية المتعلقة بمنع التلوث البحري الناجم عن إغراق النفايات والمواد الأخرى (لندن في 29/12/1972) والتي تهدف إلى منع إغراق النفايات المشعة ذات المستوى الإشعاعي العالي، وأيضاً حظر إغراق النفايات ذات المستوى الإشعاعي المتوسط.
  • اتفاقية لومي الرابعة (15/12/1989) وتهدف إلى حظر تصدير أي من النفايات المشعة من طرف الدول الأعضاء بالسوق الأوروبية المشتركة، وقد تم انعقاد هذه الاتفاقية بين ١٢ دولة من الدول الأعضاء بالسوق الأوروبية المشتركة و٦٨ دولة من دول (ACP).
  • اتفاقية باماكو(29/01/1991) والتي تهدف إلى منع استيراد النفايات المشعة الخطرة إلى إفريقيا.
  • بروتوكول لندن(7/11/1996) الملحق باتفاقية منع التلوث البحري الناجم عن إغراق النفايات والمواد الأخرى لعام 1972 والتي تحظر إغراق النفايات المشعة ذات المستوى الإشعاعي العالي وفق ما حددته الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ونرى من خلال ما سبق ذكره خطورة الأسلحة النووية لما تسببه من أضرار بالغة على البيئة وجميع الكائنات الحية، لذا فقد تم إبرام كل هذه الاتفاقيات لضمان عدم استخدامها.

إعداد/ نسمه مجدي.

[[1]] طارق إبراهيم الدسوقي عطية، الأمن البيئي النظام القانوني لحماية البيئة، دار الجامعة الجديدة، ط ٢٠٠٥، ص١٩١.

[[2]] صباح العشماوي، المسئولية الدولية عن حماية البيئة، دار الخلدونية، طبعة ٢٠١٠، ص ٤٠.

[[3]] أحمد بن محمد السريع وحسن عثمان محمد، الطرق العلمية لإزالة التلوث الإشعاعي للسطوح والأفراد وأجهزة المختبرات، مطابع جامعة الملك سعود، الطبعة الثانية ١٩٩٩، ص ٩- ١٠.

[[4]] محمد توفيق سعودي، التلوث البحري ومدى مسئولية صاحب السفينة عنه، دار الأمين، طبعة ٢٠١١، ص٨٥.

[[5]] خالد محمد القاسمي ووجيه جميل البعيني، أمن وحماية البيئة، حاضراً ومستقبلاً، دراسة إنسانية في التلوث البيئي، دار الثقافة العربية، الطبعة الأولى ١٩٩٧، ص٤٤.

[[6]] علي سعيدان، حماية البيئة من التلوث بالمواد الإشعاعية والكيميائية في القانون الجزائري، دار الخلدونية، الطبعة الأولى ٢٠٠٨، ص ٣٠.

   Jean- Francois Beaux, l’environnnement, Nathan, premier èdition 1998, P144. [[7]]

[[8]] علي سعيدان، مرجع سابق، ص٣١.

[[9]] محمد توفيق سعودي، مرجع سابق ص ٨٥.

[[10]] ممدوح عبد الغفور حسن، الثقافة النووية للقرن ٢١، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى ٢٠٠٠، ص١١١.

[[11]] محمد عبد المعبود الجبيلي، التفجيرات النووية للتطبيقات السلمية، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى ١٩٨٢، ص ١٨.

[[12]] عبد القادر رزيق المخادمي، التلوث البيئي مخاطر الحاضر وتحديات المستقبل، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الثانية ٢٠٠٦، ص ١١٢.

[[13]] نعمة الله عنيسي، الإنسان والبيئة، دار المنهل اللبناني، الطبعة الأولى ٢٠٠٢، ص ١٢٥.

[[14]] نعمان عطا الله الهيتي، الأسلحة المحرمة دولياً القواعد والآليات، دار رسلان، الطبعة الأولى ٢٠٠٧، ص ٧٣.

[[15]] حسنين المحمدي بوادي، الإرهاب النووي لغة الدمار، دار الفكر الجامعي، طبعة 2007 ،ص41 .

[[16]] Michel prieur, droit de I’environnement, Dalloz Dalta, 4eme èdition  2001, p656.

[[17]] علي سعيدان، مرجع السابق، ص40.

[[18]] محمد عبد الله محمد نعمان، ضمانات استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، بدون ذكر دار النشر، طبعة 2001، ص158-١٥٩.

[[19]]  محمد عبد الله محمد نعمان، المرجع السابق، ص97.

[[20]] عبده عبد الجليل عبد الوارث، حماية البيئة البحرية من التلوث في التشريعات الدولية والداخلية، المكتب الجامعي الحديث، طبعة 2006 ،ص84.

[[21]] فاروق سعد، قانون الفضاء الكوني، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٧٨، ص ٤٣.

[[22]] محمود خيري بنونة، القانون الدولي واستخدام الطاقة النووية، مؤسسة دار الشعب، الطبعة الثانية ١٩٧١ ص ١١٦، ١١٧.

[[23]] سمير محمد فاضل، المسئولية الدولية عن الأضرار الناتجة عن استخدام الطاقة النووية وقت السلم، عالم الكتب، القاهرة، ١٩٧٦، ص ٩.

[[24]] عبده عبد الجليل عبد الوارث، مرجع سابق، ص ٨٩-٩٠.

[[25]] رياض صالح أبو العطا، حماية البيئة في ضوء القانون الدولي، دار الجامعة الجديدة، طبعة ٢٠٠٩، ص ١٣٥.

[[26]] تقرير الفريق العامل المعني باستخدام مصادر القدرة النووية في الفضاء الخارجي، وثائق الجمعية العامة للأمم المتحدة ٧٨١/١٠٥. A/AC، ١٢ مارس ٢٠٠٢، ص ١٢.

[[27]] عادل محمد علي، التنظيم القانوني والرقابية للاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ورقة علمية مقدمة إلى الملتقى العلمي ” الاستخدام السلمي للطاقة النووية وتأثيرها على الأمن البيئي المنعقد خلال الفترة من ١٨- ٢٠/٣/٢٠١٤، كلية العلوم الاستراتيجية، المنامة، مملكة البحرين، ٢٠١٤، ص ٥.

Scroll to Top