مقارنة بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني
يشمل كلاً من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على مجموعة من القواعد القانونية تهدف إلى تحقيق السلام للإنسان في المجتمع الدولي، وبالرغم من أن قواعدهم القانونية لها توجهات مختلفة عن بعضهما البعض إلا أنه يلاحظ وحدة الغرض منهما.
ويتضمن المقال مقارنة كلاً من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني من خلال النقاط الآتية:
أولاً: القانون الدولي لحقوق الإنسان
ثانياً: القانون الدولي الإنساني
أولاً: القانون الدولي لحقوق الإنسان
1_ المفهوم القانوني وطبيعة القانون الدولي لحقوق الإنسان
القانون الدولي لحقوق الإنسان هو القانون الذي نشأ عام 1948 مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو يستهدف حماية الجميع ولا يستهدف فئة معينة ويطبق في كافة الأوقات والظروف وليس في أوقات الحروب أو الظروف الاستثنائية فقط ، وهدفه الأساسي حماية الحق في الحياة وتأمين امتلاك الإنسان لحرياته الكاملة وصيانة كرامته وضمان عدم استغلال الوسائل القانونية المقيدة للحرية استخداماً متعنتاً أو عنصرياً وهو يستمد مبادئه من خلال القوانين الوضعية التي وضعها البشر على مر التاريخ لخدمة مصالحهم وتطبيقاً للتعاليم الإلهية التي صدرت إلى البشر عن طريق الديانات والشرائع الإلهية.[1]
وقد انبثق عن القانون الدولي لحقوق الإنسان عدة وثائق ومعاهدات يمكن تصنيفها إلى فئتين أساسيتين من حيث الإلزام والقانونية.
الفئة الأولى: الإعلانات والثانية: الاتفاقيات. والاختلاف بين الفئتين ينحصر في كون الإعلانات هي مبادئ تقرها الهيئات العالمية ومن أمثالها الجمعية العامة للأمم المتحدة ولكنها لا تعد مبادئ ملزمة قانوناً بالرغم من الالتزام السياسي بمبادئها ومن هذا سميت الإعلانات قوانين غير ملزمة ومثال على هذا النوع معاهدة الأمم المتحدة ولجانها التي لا تتمتع بقدر كافي من السلطة، أما الاتفاقيات فهي تصدر في صورة صكوك قانونية ملزمة تستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان ومن الأمثلة على ذلك النوع المحكمة الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان والتي تؤسس آليات مراقبة لتنفيذ قرارتها ومبادئها وتتمتع بسلطة سياسية وقانونية كبيرة، ومع ذلك تحتل المعاهدات والإعلانات الدولية مكانة القوانين الدولية العرفية، كما يمكن تصنيف تلك المواثيق والمعاهدات من حيث مدى التطبيق إلى فئتين مواثيق عالمية وهي التي يتاح لأي دولة من دول العالم الانضمام إليها فتصبح أحد أطرافها والفئة الثانية هي المواثيق الإقليمية وهي التي تضم الدول الواقعة في نطاق إقليمي واحد من بين الأقاليم في العالم.
2_ صور حقوق الإنسان في ظل القانون الدولي لحقوق الإنسان
أ_ الحقوق الأساسية والعامة للإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
حقوق الإنسان هي كل ما يحتاج إليه الإنسان من حقوق ومطالب لكونه إنساناً وذلك ما ورد في المادة رقم (1) من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على التساوي بين جميع الأفراد من حيث الحرية والكرامة وكافة الحقوق حيث أنهم وهبوا العقل والوجدان وملتزمون بالتعامل بروح الإخاء بين بعضهم البعض، كما ورد في المادة رقم (2) من نفس الإعلان أن الإنسان له الحق في التمتع بكافة الحريات المذكورة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون أي تفرقة أو تمييز يقوم على أي سبب مثل التمييز العنصري الذي يتم على اللون والجنس أو اللغة والدين أو التمييز السياسي ضد الرأي أو التمييز غير السياسي والتمييز على الأصل والوطن أو الثروة أو النشأة أو التمييز الاجتماعي بكل صوره وغيرها من أنواع التمييز المرفوضة من خلال مبادئ الإعلان الدولي لحقوق الإنسان.[2]
ب_ الحريات التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
الولاية الأولى ومسؤولية حماية حقوق الإنسان على المستوى المحلي تستند إلى الدولة ذاتها طبقاً لقناعتها بما يخص ذلك وتعبيرها عن قناعتها بانضمامها الطوعي إلى العهود والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعالج موضوع حقوق الإنسان، كما أنه من الهام والضروري نشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمعات العربية بتوعية الإنسان بحقوقه وحرياته ليعترف ويراعي حقوق وحريات الآخرين وهذا ما يسهم في دفع العالم العربي إلى المكانة التي تكفل له خدمة تلك النوعية من القضايا الإنسانية على كافة المستويات المحلية والعالمية والإقليمية، ولهذا نتطرق في هذا المطلب من البحث إلى تلك الحريات التي تصدى لها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية مع تأصيل المفاهيم الواردة في نصوص العهد وتوضيح المواد التي قد تكون مشتركة في حماية أحد حقوق الإنسان فبعض المواد تكمل بعضها البعض فلا يتعين الاعتماد على مادة بعينها لإثبات أحد الحقوق دون غيرها.
ج_ الحريات التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
قد عمد هذا العهد إلى التدرج في استخدام بعض الحقوق إلا أن هناك نوعية من الحقوق لا يجب أن تمر بمراحل تدريجية فعلى الدولة أن تكفلها لمواطنيها بشكل فوري ومن هذه الحقوق عدم التمييز والمساواة بين أفراد المجتمع ولا سيما بين الذكور والإناث وممارسة الحريات بشكل عام فهذه الحقوق لا تتطلب توافر موارد مالية وإنما تستلزم التمكين الآني وبدون أي تباطأ، على عكس بعض الحقوق الاقتصادية التي تتطلب إجراءات منها التشريعية ومنها الاقتصادية فهذا يتطلب من الدولة البدء الفوري في اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لكي يبدأ مواطنيها في التمتع بتلك الحقوق بشكل تدريجي بعد تقييم الوضع بشكل سليم وتحديد ما قد يحتاجه من نفقات ورصد الموارد المالية الكافية لذلك وإصدار التشريعات المطلوبة، فعلى الدولة أن تبدأ بخطوات سريعة وعليها التفريق بين الالتزامات السلوكية التي لا تتطلب تأجيل وبين النتائج المرتبطة بالإمكانيات والموارد وهذه قد تقتضي التنفيذ التدريجي لارتباطه بالالتزام السلوكي من حيث الحركة والفاعلية في العمل.[3]
3_ خصائص القانون الدولي لحقوق الإنسان
ويتميز القانون الدولي لحقوق الإنسان بالعديد من الخصائص التي تتضح من تعريفه وهي ما يلي:
أولاً: أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعد من القوانين التي يكون لها طابق مقيد للدول في المجتمع الدولي، حيث إن الدول تتقيد بحقوق الإنسان المذكورة في الإعلانات الدولية والمواثيق وكذلك التي يكون مصدرها العرف عندما تقوم بوضع التشريعات والقوانين الوطنية وكذلك عند تطبيق العقوبات والإجراءات وغيرها.
ثانياً: يمثل ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نقطة البداية في إلزامية مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان وبذلك يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان احترامه.
ثالثاً: من أبرز خصائص مبادئ حقوق الإنسان إنها لا تتجزأ حيث إنها تهدف لضمان كرامة الإنسان وصون أهم المبادئ التي تعرفه ولذلك لا يمكن تجزئة تلك الحقوق بتطبيق بعضها دون البعض الآخر، ولكن ذلك لا يمنع أن بعض الحقوق قد يتم تطبيقها بشكل مختلف في ظل ظروف معينة وبشروط محددة.
رابعاً: تتسم مبادئ حقوق الإنسان بأنها في تطور مستمر، حيث إنه مع وجود التطورات المختلفة التي تمر بها الإنسانية تحتاج مبادئ حقوق الإنسان إلى مجاراة هذه التطورات والتعامل معها وتحديد نطاق حقوق الإنسان فيها.[4]
ثانياً: القانون الدولي الإنساني
1_ المفهوم القانوني للقانون الدولي الإنساني
تعمل قواعد القانون الدولي الإنساني على حماية الأشخاص وحقوقهم في النزاعات المسلحة حيث تحمي العديد من الفئات التي لم تكن محل اهتمام من القانون الدولي لحقوق الإنسان كالجرحى والغرقى وأسرى الحرب فتحمي الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية أما قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان فإنها تحمي الأشخاص بوجه عام وتنطبق على جميع الأفراد وتنظم العلاقات المختلفة بين الدول والأفراد وتعمل على رعايتها.
وينظم القانون الدولي الإنساني العلاقة بين الأشخاص المشاركين في النزاعات المسلحة الدولية وبين غيرهم من غير المشاركين ويقوم بحمايتهم بشتى الأشكال من خلال إلزام الدول باتخاذ العديد من التدابير والإجراءات القانونية لكي تتوافق التشريعات الوطنية لها مع القواعد الدولية.
ويتم الإشارة إلى القانون الدولي الإنساني باستخدام العديد من المترادفات مثل “قانون الحرب” و”قانون النزاعات المسلحة” وكذلك “القانون الإنساني”.
2_ الحقوق التي يعمل على حمايتها القانون الدولي الإنساني من خلال الاتفاقيات والمعاهدات الدولية
العديد من المبادئ الأساسية والحقوق التي يستند عليها القانون الدولي الإنساني توجد في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 حيث تعمل اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الخاصة بها بوجه عام على تأسيس العديد من مبادئ القانون الدولي الإنساني، فتعد عصب القانون الدولي بأكمله خاصة في أوقات النزاعات المسلحة ومن خلال اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها إذ تعمل على ضبط سلوك الأفراد خلال هذه الأوقات.
وتعمل اتفاقيات جنيف على حماية الأشخاص غير المشاركين في الأعمال العدائية أوقات النزاع مثل عمال الصحة والإغاثة والمدنيين وكذلك الجرحى والمرضى والجنود الذين تمكنوا من النجاة من السفن الغارقة وأيضاً أسري الحرب.[5]
وتدعو الاتفاقيات وبروتوكولاتها إلى الإجراءات التي يتعين اتخاذها منعًا لحدوث كافة الانتهاكات أو وضع حد لها، وتشمل قواعد صارمة للتصدي لما يُعرف بـ “الانتهاكات الخطيرة”, إذ يتعين البحث عن الأشخاص المسؤولين عن “الانتهاكات الخطيرة”, وتقديمهم إلى العدالة، أو تسليمهم، بغض النظر عن جنسيتهم.
اتفاقيات جنيف الأربعة :
اتفاقية جنيف لعام 1949 ركزت على وضع مبادئ حماية الجرحى والجنود والمرضى في الحروب البرية، فعملت على إدراج ما يعرف بالشارات المميزة والتي من خلالها يتم التعرف على موظفي الصحة والدين والمدنيين.
أما اتفاقية جنيف الثانية والتي حلت محل اتفاقية لاهاي عملت على حماية الجرحى والمرضى والجنود الناجين من الغرق وعملت على تأسيس مبادئ الحرب البحرية.
والاتفاقية الثالثة اختصت بأسرى الحرب حيث وسعت نطاق فئات الأشخاص الذي ينطلق عليهم وصف أسري الحرب وأقرت بمبدأ إطلاق سراح الأسري، أما اتفاقية جنيف الرابعة فوفرت حماية المدنيين في الأراضي المحتلة وأوضحت أسس وأحكام الإغاثة الإنسانية في الإقليم المحتل.[6]
3_خصائص القانون الدولي الإنساني
أ_ تتمثل المصادر القانونية للقانون الدولي الإنساني في العديد من الاتفاقيات أبرزها اتفاقيات جنيف الأربعة، حيث إن هذه الاتفاقيات وضعت تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ب_ يتم تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني في زمن النزاع المسلح، بينما يتم تطبيق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان زمن السلم والحرب على حد سواء بالرغم من أن هناك بعض الاتفاقيات تحيل من تطبيق بعض الأحكام في النزاع المسلح.
ج_ في إطار القانون الدولي الإنساني نجد أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لها دور أساسي في العمل على تطبيق القواعد الخاصة بقواعد القانون والاتفاقيات المختلفة وتراقب مدى احترامه وتطبيقه، وتلعب أيضاً محكمة العدل الدولية دوراً فعلاً في الرقابة على تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.[7]
د_ قواعد القانون الإنساني قبل أي شيء لها طابع آمر وليست اختيارية. وهكذا فإن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات المؤرخة في 25 مايو 1969ّ بعد أن عرفت في المادة 35 الحكم الآمر بأنه “قاعدة تقبلها وتسلم بها الأسرة الدولية بكافة دولها كمعيار لا يجوز انتهاكه، ولا يمكن تعديله إلا بقاعدة جديدة في القانون الدولي العام تكون لها نفس الصفة، عادت فقررت في (المادة 60 ) أن “الأحكام التي تحظر الانتقام من الأفراد المحميين الواردة بمثل هذه المعاهدات”، تكون لها هذه الطبيعة الآمرة”.[8]
إعداد : فريدة سليمان
[1] مظهر الشاكر ، “حقوق الإنسان بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية”، دراسة قانونية مقارنة، 2012، ص 8، 9.
[2] محمد نور فرحات، “الدليل العربي حول حقوق الإنسان والتنمية”، المنظمة العربية لحقوق الإنسان بالتعاون مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إطار المشروع الإقليمي حول حقوق الإنسان والتنمية البشرية في العالم العربي، 2005، ص 41 – 44.
[3] محسن عوض، “الدليل العربي حول حقوق الإنسان والتنمية”، المنظمة العربية لحقوق الإنسان بالتعاون مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إطار المشروع الإقليمي حول حقوق الإنسان والتنمية البشرية في العالم العربي، 2005، ص 81.
[4] مظهر الشاكر، “حقوق الإنسان بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية “،مرجع سابق، ص 8.
[5] اتفاقيات جنيف 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2010
[6] مايا الدباس، جاسم زكريا، القانون الدولي الإنساني، الجامعة السورية الافتراضية، 2018.
[7] نيلس ميلزر، القانون الدولي الإنساني مقدمة شاملة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2018.
[8] عمر مكي، القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ص 20.

