استقلال السلطة القضائية في الأردن
من أهم المبادئ والأسس التي تقوم عليها الدول الديمقراطية مبدأ الفصل بين السلطات، وبمقتضى هذا المبدأ تتجه الدول الديموقراطية الحديثة إلى استقلالية السلطات الثلاث القضائية، والتشريعية، والتنفيذية، ويعد هذا المبدأ من أهم التطورات السياسية في العصر الحديث.
ومجاراةً للتطورات العالمية في النظم السياسية اتجهت المملكة الأردنية الهاشمية كغيرها من الدول الديمقراطية إلى تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات.
ونفصل هنا الحديث حول جانب استقلال السلطة القضائية، ويشمل بيان مفهوم السلطة القضائية، ثم تطورات استقلال النظام القضائي في المملكة الأردنية الهاشمية، وأخيرا علاقة السلطة القضائية بغيرها من السلطات.
أولاً: مفهوم استقلال السلطة القضائية:
ثانيا: مراحل استقلال النظام القضائي للمملكة الأردنية الهاشمية:
ثالثا: علاقة السلطة القضائية بالسلطتين التنفيذية والتشريعية:
أولاً: مفهوم استقلال السلطة القضائية:
ومفهوم استقلال السلطة القضائية أكد عليه الدستور الأردني في (المادة 97) حيث نصت على أن: “القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون”، ومفهوم استقلال السلطة القضائية يتحقق بحالتين؛ الأولى: استقلال السلطة القضائية كسلطة من سلطات الدولة الثلاث، والثانية: استقلال القضاة أنفسهم ونبين ذلك على التفصيل الآتي:
1- استقلال السلطة القضائية كسلطة أساسية من سلطات الدولة الثلاث:
ويكون تحقيق هذه الاستقلالية عبر ترك المجال للسلطة القضائية في الفصل بين النزاعات، والحكم فيها، وتكون لها اليد العليا والدنيا في كل الأمور التي تدخل في اختصاص هذه السلطة دون تدخل من السلطتين التشريعية، والتنفيذية.[1]
كما يتحقق أيضا بإعطاء السلطة القضائية حقها الدستوري في كونها سلطة مستقلة بذاتها، حتى يتسنى للقضاء القيام بواجبه كأداة لتحقيق العدالة، وضمان تطبيقها، وترسيخ قواعدها في المجتمع.[2]
2- استقلال قضاة السلطة القضائية كأفراد:
ويُعنى بذلك استقلال القضاة وحريتهم في الحكم في المنازعات دون قيد من السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، فيحكمون طبقا للقانون بما يرونه مراعين في ذلك؛ ضمائرهم، ومبادئ العدالة، وتحري الحق بغير تدخل أو توجيه للقضاة أنفسهم من أي سلطة، أو جهة أخرى.
فاستقلال القاضي يقصد به: تحرر القاضي من أي تدخل يصدر من السلطة التشريعية، أو السلطة التنفيذية.[3]
ثانيا: مراحل استقلال النظام القضائي للمملكة الأردنية الهاشمية:
نقسم الحديث عن استقلال النظام القضائي ومراحل تطوره إلى ثلاثة مراحل؛ الأولى: مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي؛ والثانية: مرحلة ما بعد الفتح الإسلامي؛ والثالثة: مرحلة ما بعد القانون الأساسي عام 1928.
1- مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي:
كانت تسكن في وادي الأردن قبائل عربية وثنية كنعانية يحتكمون إلى الحكماء والكهنة بناء على الأعراف والتقاليد، ثم انتشرت الديانة المسيحية بين هذه القبائل، ولكنها لم تحدث أثرا جزريا في تغير الأنظمة حيث اقتصرت على التبشير والتأكيد على الأخلاق الإنسانية كالرحمة والتسامح.
2- مرحلة ما بعد الفتح الإسلامي:
وفي بداية هذه المرحلة كان النظام القضائي الفردي، وكان القاضي يحكم بناءً على أحكام الشريعة الإسلامية بدون تفريق بين مسلم وغيره حيث أنها لا تعتبر التفريق في الأحكام العملية وتأخذ بمبدأ الناس سواسية أمام الحكام، وتهدف بطبيعتها إلى تحقيق العدل والمساواة بين الناس جميعا.
واستمر الحكم بمقتضى الشريعة الإسلامية فترة من الزمن، مستقراً بدون تغير كبير إلى أواخر العهد العثماني ثم بدأ اختلاط نظام الشريعة الإسلامية بالنظام الأوروبي في العقوبات التي تتعلق بالتجارة وبعض الإجراءات المدنية[4].
3- مرحلة ما بعد القانون الأساسي عام 1928:
وضعت الأردن تحت الانتداب البريطاني بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1920، وأعلنت إمارة شرق الأردن عام 1921، وصدر القانون الأساسي عام 1928، الذي نص في بعض جوانبه على تنظيم السلطة القضائية، وعرفت الأردن نظام قضائي آخر بجانب النظام القضائي الشرعي والنظامي يطلق عليه قضاء العشائر ولكنه لم يدم طويلا والغي فيما بعد.
وفي عام 1946 أعلنت الأردن استقلالها باسم المملكة الأردنية الهاشمية، وفي عام 1952 م صدر الدستور الأردني والذي تضمن قواعد نظام الحكم في الأردن وسلطات الدولة بما في ذلك السلطة القضائية واستقلالها.
ثالثا: علاقة السلطة القضائية بالسلطتين التنفيذية والتشريعية:
لابد لمعرفة مدى استقلال السلطة القضائية من تبيين علاقتها بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، وذلك بتفصيل الحديث عن مدى ارتباط وتعاون السلطة القضائية مع السلطتين التشريعية والتنفيذية وذلك مقسماً كالآتي:
1- العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية:
جرت عادة الدول الحديثة أن تنص في الدستور على استقلال السلطة القضائية وذلك غالبا ما يعبر عنه بمبدأ الفصل بين السلطات، ولكن تختلف الدول عن بعضها في تنظيم هذه العلاقة وكما ذكرنا سلفا يتبين من هذا التنظيم مدى استقلال السلطة القضائية عن غيرها.
والحديث هنا عن العلاقة بين السلطتين القضائية والتشريعية في المملكة الأردنية الهاشمية، وهذه العلاقة تكمن في صورتين؛ الأولى: صور تدخل السلطة التشريعية في تنظيم القضاء، الثانية: تدخل السلطة التشريعية في وظيفة القضاء وتنظيمه وتفصيل ذلك كالآتي: –
أ- صور تدخل السلطة التشريعية في تنظيم القضاء:
- التدخل في إجراءات الإحالة غلى السلطة القضائية فيما يتعلق بمحاكمة الوزراء.
- تدخل السلطة التشريعية في تعين القضاء[5].
فضلاً عن كون السلطة التشريعية هي المنظمة للقوانين التي تنظم السلطة القضائية، ويتضح ذلك جليا في نصوص الدستور الأردني من المادة 97 إلى المادة 110[6].
وتدخل السلطة التشريعية الدستورية في تنظيم السلطة القضائية هو أمر طبيعي لا بد منه ولا يعد قدحا في استقلال السلطة القضائية ويتجلى ذلك في (المادة 97) والتي نصت على أن: “القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون”.
ب- رقابة القضاء على السلطة التشريعية:
تُعد رقابة القضاء على السلطة التشريعية من أهم وسائل حماية مبدأ استقلال السلطة القضائية، كما يعد خطاً دفاعيا متينا في مواجهة أي اعتداء قد يمس استقلالية السلطة القضائية، فإذا صدر أي تشريع يمس استقلالية السلطة القضائية كان هذا التشريع باطلاً[7]، ونقسم الحديث في الرقابة على السلطة التشريعية إلى مرحلتين؛ الأولى: ما قبل عام 2011 ، والثانية: ما بعد عام 2011.
– رقابة السلطة القضائية على السلطة التشريعية قبل عام 2011:
إن الرقابة القضائية على دستورية القوانين العادية تختلف عن الرقابة القضائية على دستورية القوانين المؤقتة التي تصدرها السلطة التنفيذية، وذلك أن محكمة العدل تمارس رقابة الامتناع عن تطبيق القوانين العادية، في حين أنها تباشر رقابة وقف العمل بالقانون المؤقت المخالف للدستور.
ويتضح ذلك بأن السلطة التنفيذية لها إصدار القوانين المؤقتة، وتكون محكمة العدل هي صاحبة الاختصاص بالنظر في الطعون التي تقدم إليها فيما يتعلق بطلب وقف العمل بأحكام القوانين المؤقتة المخالفة للدستور، ومن هنا نجد أن لمحكمة العدل صلاحية أوسع فيما يتعلق بالقوانين المؤقتة الصادرة عن السلطة التنفيذية حيث لها وقف العمل بالقانون المخالف للدستور، وذلك بخلاف الأمر فيما يتعلق بالقوانين العادية، حيث تمارس عليها محكمة العدل رقابة الامتناع فقط.
– رقابة السلطة القضائية على السلطة التشريعية بعد عام 2011:
نص الدستور الأردني في (المادة 59) على أن: “تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة، كما تكون أحكامها نافذة بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه، وتنشر أحكام المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها”.
فيتضح من هذا النص أن المشرع الدستوري الأردني أعطى للسلطة القضائية حق الرقابة على دستورية القوانين، وذلك اختصاصاً مركزيا للمحكمة الدستورية.
2- العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية:
لابد للسلطة التنفيذية أن تتدخل وتؤثر على السلطة القضائية، فمبدأ استقلال السلطة القضائية ليس مطلقا، وليس استقلالاً تاماً، وإنما يُحقق ويُطبق مع مبدأ التكاملية حيث إن سلطات الدولة متكاملة وفي نفس ذات الوقت هذه السلطات مستقلة، فهما مبدأين ظاهرهما التعارض وتجمع بينهما الدولة أو المملكة بحكمة إدارتها وشعوبها.
ولتدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية أشكالاً وصوراً متعددة ونتحدث هنا عن صور تدخل السلطة التنفيذية في القضاء، ثم نتبع ذلك بالحديث عن ضمان استقلال القضاء في مواجهة السلطة القضائية.
أ- صور تدخل السلطة التنفيذية في القضاء:
ونتحدث هنا عن صورتين؛ الأولى: التدخل بشئون القضاء من خلال الانتداب، والثانية: تدخل السلطة التنفيذية بالوظيفة القضائية.
– التدخل بشئون القضاء من خلال الانتداب:
إذا كان الأصل العام أن القضاء لا يتدخل أحد بسلطته في انتداب القضاء من مكان لآخر فالسلطة القضائية وحدها ممثلةً في المجلس القضائي أن تندب من تراه مناسبا في المكان الذي تراه مناسباً، إلا أن قانون استقلال القضاء في (المادة 22/د)نص على أن: “للرئيس بناء على طلب من وزير العدل انتداب أي قاضٍ للقيام بمهام الأمين العام لوزارة العدل لمدة ثلاثة أشهر ولمجلس بتنسيب من الرئيس تمديدها للمدة التي يراها ضرورية”.
فنجد أن هذا النص أورد استثناءاً على الأصل العام وهو استقلال السلطة القضائية في انتداب القضاة وأسند هذا الاختصاص إلى السلطة التنفيذية ويعد هذا استثناءاً على الأصل العام، والقاعدة أن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره[8].
– تدخل السلطة التنفيذية بالوظيفة القضائية:
تدخل السلطة التنفيذية في الوظيفة القضائية يصعب حده وإنما يشمل غالبية القضايا المطروحة على المحاكم بجميع أنواعها؛ سواءً كانت دعاوى جزائية، أم دعاوي مدنية، أم قضايا إدارية، كما أنه ليس محصورا في مرحلة معينة، بل قد يظهر في مراحل عديدة كمرحلة التحقيق، ومرحلة المحاكمة أثناء نظر الدعوى الجزائية أمام المحاكم المختصة.
علاوةً على ذلك أنه قد يتعدى الأمر أن تحكم السلطة القضائية بالبراءة على متهم ما، وتقوم السلطة التنفيذية بمعاقبته إداريا من طريق آخر رغم الحكم عليه بالبراءة طبقا للقانون.
ب- ضمان استقلال القضاء في مواجهة السلطة التنفيذية:
من الضروري وجود عدة ضمانات تحد وتقيد تدخل السلطة التنفيذية في شئون السلطة القضائية سلطةً وقضاةً حتى يتسنى لها ان تؤدي وظيفتها كحكم عدل بين الناس وأن تحافظ على ميزان العدالة ونزاهته وشفافيته، ومن هذه الضمانات: –
– منع السلطة التنفيذية من التدخل في تنظيم القضاء
وهو ما أكدته (المادة 98) من الدستور الأردني حيث جعلت للمجلس القضائي وحده حق تعيين القضاة النظاميين وفق أحكام القانون.
– منع تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في شئون القضاء:
وهذا الضمان لس على إطلاقه وإنما هو كما ذكرنا أن مبدأ استقلال السلطات ومبدأ التكاملية يعملان جنبا إلى جنب تحت الإدارة الحكيمة للدول، ولاستخدامهما بحكمة فوائد كبيرة تؤثر في نهضة وتنمية الدولة ثقافياً، وعلمياً، واجتماعيا، وغير ذلك من صور وأشكال التطور والتنمية، كما أنهما يسهمان بشكل كبير في الحفاظ على استقرار الدولة السياسي وأمنها القومي.
– توفير الحياة الكريمة للقاضي:
وذلك بضمان وتوفير الأموال الخاصة بجعلهم في اكتفاء ذاتي للعيش في ظل حياة كريمة لأن ذلك له عامل كبير في نزاهتهم ومقاومتهم للضغوط التي يوجهونها أثناء تأديتهم واجباتهم.
– حماية القضاة من العزل:
حيث نصت (المادة 25) من قانون استقلال القضاء رقم 29 لسنة 2014 على أنه: ” لا يجوز عزل القاضي أو الاستغناء عن خدمته إلا تأديبيا وبقرار من المجلس وبإرادة ملكية سامية “.
فيتضح أن القانون الأردني منع السلطتين التشريعية والتنفيذية من التدخل في عزل القضاء بالمرة وجعل ذلك قاصراً على المجلس القضائي بإرادة ملكية سامية، ولا شك أن هذا ضمانا للقضاة يحقق استقلالهم ويعزز من سلطاتهم القضائية.
– حماية القضاة من الرقابة:
حيث إن القاضي يتمتع باستقلال كامل حال قيامه بنظر الدعوى التي أمامه بدون أي رقابة أو جهة قادرة على إسقاط حكمه أو فسخه إلا بطريق الطعن إلى جهة قضائية أعلى، وهذا أكده الدستور الأردني.
– عدم جواز القبض على القاضي أو توقيفه:
أكدت (المادة 28) من قانون استقلال القضاء على أنه لا يجوز القبض على القاضي أو توقيفه إلا بعد الحصول على إذن من المجلس القضائي، وفي حالة الجرم المشهود (التلبس) فعلى النائب العام رفع أمر القبض على القاضي إلى المجلس القضائي في مدة ال 24 ساعة التالية، وللمجلس حق الإفراج عنه، أو الاستمرار بتوقيفه للمدة التي يقررها.
– ضمان عدم تدخل السلطة القضائية في تنظيم القضاء:
وهو ما نصت عليه (المادة 19) من قانون استقلال القضاء وذلك حيث نصت على أن: “
أ- لا يجوز ترفيع القاضي إلى درجة أعلى من درجته مباشرة قبل انقضاء ثلاث سنوات على حلوله في تلك الدرجة إلا إذا عين في أعلى مربوطها فيجوز ترفيعه بعد انقضاء سنة واحدة على تعيينه وتعطى الألوية في الترفيع عند التساوي في الكفاءة لمن اجتاز دورات المعهد التي يحددها المجلس .
ب – يرفع القاضي إلى درجة أعلى بعد انقضاء ثلاث سنوات على حلوله في الدرجة إذا كان تقديره في آخر سنتين بدرجة لا تقل عن جيد جداً وفي كل الأحوال يرفع القاضي وجوبياً بعد مرور خمس سنوات على حلوله في الدرجة .
ج – يكتسب أي قاض أكمل خمس سنوات خدمة قضائية متصلة في الدرجة العليا لقب ( نائب رئيس محكمة التمييز ) مهما كانت الوظيفة التي يشغلها”.
إعداد / أيمن عبد الله
[1] السلطة القضائية وتشريعاتها، القاضي نهار الغزو، ص 45
[2] يس عمر يوسف، استقلال السلطة القضائية في النظامين الوضعي والإسلامي، الطبعة الأولى، منشورات دار وكتبة الهلال، مصر، 1995م، ص 118
[3] فاخر صابر بايز، استقلال القضاء بين الشريعة والقانون، ص17
[4] المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة “مشروع تعزيز حكم القانون والنزاهة في الدول العربية”، تقرير عن وضع القضاء في الأردن، مسودة ثانية، إعداد المحامي عبد الغفار فريحات
[5] حيث نص الدستور الأردني في المادة (98/ 1) على أن “يعين قضاة المحاكم النظامية والشرعية ويعزلون بإرادة ملكية وفق أحكام القانون”
[6] دستور الأردن الصادر عام 1952 شاملاً تعديلاته لغاية عام 2011، موقع: constituterproject.org، آخر تصفح 6/8/2021
[7] فاخر صابر بايز، استقلال القضاء بين الشريعة والقانون، ص 169.
[8] محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 5502 لسنة 64 قضائية، الدوائر المدنية – جلسة 3\7\\2004، مكتب فني (سنة 55 – قاعدة 122 – صفحة 664)

