إثارة الدفوع أمام المدعي العام
تقسم الدفوع القانونية إلى دفوع شكلية ودفوع موضوعية والدفع بعدم القبول ، فهذه الدفوع يلجأ لها المشتكى عليه المتهم مستنداً إلى القانون لكي يدفع الجرم أو التهمة عن نفسه، أو تجنباُ لصدور حكم في الدعوى أو تأخير صدور الحكم عليه، ويقصد بالدفع الموضوعي هي الدفوع التي تتعلق بموضوع النزاع وهي توجه لذات الحق المدعى به كأن ينكر المشتكى عليه الجرم المسند إليه أو يدعي سقوطه أو انقضائه، والدفع بعدم قبول يكون بادعاء لانتفاء مصلحة المدعي فيها أو صفته، أما عن الدفوع الشكلية فهي موضوع حديثنا في هذا المقال، وسنتحدث عن الدفوع الشكلية التي يمكن إثارتها أمام المدعي العام، استنادا لنص المادة 67 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .
المقصود بالدفوع الشكلية
وهي الدفوع التي تتعلق بصحة إجراءات الخصومة وشكلها وكيفية توجيهها، فهذه الإجراءات منصوص عليها في كل من قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون أصول المحاكمات المدنية، فمخالفة هذه الإجراءات تكون سبباً لإثارتها أمام القضاء، والدفوع الشكلية تقسم إلى دفوع شكلية متعلقة بالنظام العام ودفوع شكلية غير متعلقة بالنظام العام وهي التي يمكن إثارتها في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وقد تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها، فما هي الدفوع الشكلية التي من الممكن إثارتها أمام المدعي العام؟
في البداية لا بد من توضيح مفهوم المدعي العام وهو أحد أعضاء النيابة العامة وهو المكلف قانوناً بالتحقيق الابتدائي في الجرائم سواء أكانت من نوع الجنايات أم الجنح وبالذات الجنح البدائية وهي الجنح التي تتراوح عقوبة الحبس فيها من أسبوع إلى ثلاث سنوات. 1
أنواع الدفوع الشكلية التي تثار أمام المدعي العام
من الدفوع التي تثار أمام المدعي العام الدفع بعدم الاختصاص ، والدفع بعدم سماع الدعوى وكذلك الدفع بسقوط الدعوى أيضا الدفع بأن الفعل لا يؤلف جُرماً وأخيرا الدفع بأن الفعل لا يستوجب العقاب.
هذه الدفوع محددة على سبيل الحصر ولا يجوز القياس عليها، سنقوم ببيانها بالتفصيل كم يلي :
الدفع بعدم الاختصاص
يقصد بالاختصاص هو السلطة التي يخولها القانون للمدعي العام للتحقيق في شكوى معينة، والاختصاص يقسم إلى ثلاثة أنواع:
الاختصاص المكاني
وهو ما نص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 5/1 (تقام دعوى الحق العام على المشتكى عليه أمام المرجع القضائي المختص التابع له مكان وقوع الجريمة أو موطن المشتكى عليه أو مكا إلقاء القبض عليه ولا أفضلية لمرجع على آخر الا بالتاريخ الأسبق في إقامة الدعوى لديه)، وقد جاء بقرار لمحكمة التمييز أن الجريمة وعلى فرض ثبوتها قد وقعت في عمان وسجلت الشكوى لدى مدعي عام عمان قبل تسجيلها لدى مدعي عام إربد، فيعتبر مدعي عام عمان هو المرجع المختص للتحقيق في هذه القضية [1] .
الاختصاص النوعي
الاختصاص النوعي هو أن يكون المدعي العام مختصاً بالنظر بالشكوى المرفوعة أمامه، فالمحاكم التي تنظر في القضايا الجزائية تختص كل منها بنوع معين من الجرائم تبعاً لتقسيمها القانوني وذلك حسب العقوبة ،فالجرائم هي جنح وجنايات ومخالفات ، فالجنايات تختص بنظرها محاكم الجنايات، والجنح تختص بنظرها محاكم الصلح أو محاكم البداية ، والمخالفات تختص بنظرها محاكم الصلح ومحاكم البلديات، فلا يجوز مثلاً لمدعي عام المختص بالقضايا الجنحوية أن يباشر إجراءات التحقيق في دعوى من نوع جناية، فهو غير مختص وظيفاً بنظر مثل هذا النوع من القضايا، ووجب عليه إحالتها للمدعي العام المختص.
كما أن للمتهم أن يدفع بعدم اختصاص موظف الضابطة العدلية الذي قام بأحد إجراءات التحقيق في حال كان غير مختص للقيام به من حيث الاختصاص النوعي أو الوظيفي كقيامه بالاستجواب، ذلك أن اختصاص موظفي الضابطة العدلية من النظام العام، الذي لا يجوز مخالفة أحكامه، فإذا ثبت عدم اختصاص الموظف كان الإجراء الذي اتخذه باطلاً.
وعليه فإن الاختصاص النوعي هو من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته، ويجب على المدعي العام عند تقديم شكوى لديه أن يبحث فيما إذا كان هو مختصاً بنظرها أو لا قبل النظر فيها والسير في إجراءاتها، وإن قبلوا الخصوم هذا الاختصاص، مثال ما قضت به محكمة التمييز أن النظر في تهمة هتك العرض المستندة لمستخدم مدني في الأمن العام يخرج عن اختصاص محكمة الشرطة وتدخل ضمن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى.
الاختصاص الشخصي
هو أن تحدد صلاحية المدعي العام لنظر الشكوى على أساس صفة أو شخصية المتهم، فمثلاً الشكوى المتعلقة بالأحداث تنظر لدى مدعي عام محكمة الأحداث فإذا كان المتهم حدث لا ينظر لنوع الجريمة وإنما لشخص المتهم وسنه القانون، عند تحديد الاختصاص.
الدفع بعدم سماع الدعوى
في حال كانت القضية مقضية ، أي أن سبق وأن صدر حكم بات مبرم في القضية، فيجوز للمتهم أن يدفع أمام المدعي العام بعدم جواز سماع الدعوى، وذلك استناداً لسبب قانوني هو عدم جواز ملاحقة الفعل الواحد إلا مرة واحدة، سنداً لنص المادة 58/1 من قانون العقوبات الأردني، فلا تجوز ملاحقة المتهم عن نفس الفعل مرة أخرى وإن ثبت أن الفعل يندرج تحت وصف أشد من الوصف الجرمي الذي صدر الحكم على ضوئه، كما لو أن المتهم لوحق بجريمة التسبب بالوفاة عن غير قصد ثم صدر قرار بإدانته والحكم عليه، واكتسب الحكم الدرجة القطعية، فلا يجوز بعد ذلك ملاحقته بجرم القتل قصداً ولو ظهرت أدلة جديدة لأنه لا يجوز ملاحقة الفعل إلا مرة واحدة [2].
الدفع بسقوط الدعوى
للمتهم أن يدفع أمام المدعي العام بسقوط الدعوى للتقادم أو للعفو العام، وذلك أثناء التحقيق معه، فقانون العفو العام حين يصدر بجريمة فتعتبر الجريمة معفاة قبل الإدانة وقبل إيقاع العقوبة ويتوجب وقف إجراءات التحقيق وإسقاط الدعوى عن المتهمين فالعفو العام يزيل الصفة الجرمية، وتزول حالة الإجرام من أساسها سواءً صدرت بها أحكام أم لم تصدر، ويقصد بالتقادم هو مرور مدة زمنية على وقوع الجريمة وعدم اتخاذ إجراءات لتحريك دعوى الجزائية والسير فيها، مما يترتب عليه سقوط الحق بتحريها لمرور الزمن المانع من سماعها .
الدفع بأن الفعل لا يؤلف جرماً
للمتهم أن يثير أمام المدعي العام الدفع بأن الفعل الذي ارتكبه لا يشكل جريمة معاقب عليها في قانون العقوبات الأردني، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، سنداً لنص المادة 3 من قانون العقوبات، فإذا كان الفعل المسند للمتهم لا يشكل جريمة بموجب القانون، فيجب على المدعي العام أن يقرر عدم مسؤولية المشتكى عليه، فقد نصت المادة 236 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن تقضي المحكمة بعدم المسؤولية إذا كان الفعل لا يؤلف جُرماً، فمن مبدأ الشرعية لا تستطيع المحكمة إنزال العقوبة بالشخص عن فعله أو سلوكه إلا إذا كان هناك نص يجرم ذلك الفعل ، كما أنه لا يجوز للمحكمة القياس على الجرائم والعقوبات، بمعنى انه إذا كان الفعل غير مجرم بالقانون أن تقضي بأن الفعل مشابه لفعل يشكل جريمة وبناءً على ذلك تقوم بمحاكمة وإدانة المشتكى عليه، حيث أنه في قرار لمحكمة التمييز قالت فيه وبشكل واضح وصريح بعدم جواز القياس في مسألة التجريم والعقاب، وقالت ما يلي : لا سند في القانون يمكن المحكمة من ضرب أمثلة للتدليل على دوافع جريمة معينة والقياس عليها : إذ أن لكل قضية ظروفها ويجب أن تعالج على ما هو ثابت في أوراقها[3] .
الدفع بأن الفعل لا يستوجب عقاباً
في هذا الدفع الفعل المرتكب الصادر عن المشتكى عليه هو فعل مجرم في القانون، إلا أن الظروف التي أحاطت بالفعل أو الجريمة جعلته غير معاقب عليه، فمثلاً ارتكاب المشتكى عليه جريمة تحت تأثير تناوله مادة مخدرة أو مسكره دون رضاه، فيجب أن يقدم من البينات ما يثبت عدم رضاه أو علمه، وأن الجريمة قد وقعت وهو فاقد للوعي والإرادة، فقد نصت المادة 93 من قانون العقوبات أنه لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل لغيبوبة ناشئة عن كحول أو عقاقير مخدرة أياً كان نوعها إذا أخذها من دون رضاه أو على غير علم منه بها .
كما أن الفعل الجرمي الذي يرتكب نتيجة لحالة الضرورة لا عقاب عليه، فقد نصت المادة 89 من قانون العقوبات على أنه لا يعاقب الفاعل على فعل ألجأته الصرورة إلى أن يدفع به في الحال عن نفسه أو غيره أو عن ملكه أو ملك غيره، خطراً جسيماً محدقاً لم يتسبب هو فيه قصداً شرط أن يكون الفعل متناسباً والخطر.
واجب المدعي العام حال الدفوع التي تثار أمامه
يجب على المدعي العام عند إثارة الدفوع أمامه أن يستمع إلى المدعي بالحق الشخصي وهذا شرط يجب على المدعي العام التقيد به، ومن ثم يجب عليه أن يفصل في الدفع الذي يقدم إليه خلال أسبوع من تاريخ الإدلاء به، فقد نصت المادة 67 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه إذا ادلى المشتكى عليه أثناء التحقيق بدفع يتعلق بعدم الاختصاص، أو بعدم سماع الدعوى ،أو بسقوطها، أو بان الفعل لا يؤلف جرما أو لا يستوجب عقاباً وجب على المدعي العام بعد ان يستمع الى المدعي الشخصي ان يفصل في الدفع خلال أسبوع من تاريخ الإدلاء به.
ماذا لو أن المشتكي لم يكن مدعياً شخصياً؟
من المعروف قانوناً أن المشتكي لا يكون مدعياً شخصياً إلا إذا اتخذ صفة الادعاء بالحق الشخصي بشكل واضح وصريح في الشكوى أو في طلب خطي لاحق قبل فراغ المحكمة الناظرة في الدعوى من سماع بينة النيابة العامة، فإذا لم يكن المشتكي قد اتخذ صفة الادعاء بالحق الشخصي فليس للمدعي العام الاستماع لأقواله وله أن يفصل بالدفع المقدم أمامه خلال أسبوع من الإدلاء به دون الاستماع للمشتكي لانتفاء صفة الادعاء بالحق الشخصي فيه.
مدة الفصل في الدفوع التي تثار أمام المدعي العام
ألزم القانون المدعي العام على الفصل بالدفع الذي يثار أمامه خلال أسبوع من تاريخ الإدلاء به أمامه، فهل يترتب البطلان على الفصل الذي يقع بعد مرور أسبوع؟، لم ينص القانون على البطلان في حالة عدم الفصل في الدفع خلال الأسبوع المحدد، وإنما قد يسأل المدعي العام عن تقصيره في الفصل بالدفع خلال المدة المحددة.
استئناف قرار المدعي العام
يستأنف القرار الذي يصدر عن المدعي العام بخصوص الدفع المثار أمامه أمام النائب العام وذلك خلال يومين من تاريخ تبليغه للمشتكى عليه، وهذا الاستئناف لا يوقف السير في إجراءات التحقيق، وفي حال تم الاستئناف بعد المدة التي حددها القانون وهي يومان من تاريخ تبلغه القرار يكون الاستئناف مردود شكلاً، سنداً لنص المادة 67/2 من ذات القانون والذي جاء فيها: ويكون قراره بهذا الشأن قابلاً للاستئناف للنائب العام خلال يومين من تاريخ تبليغه للمشتكى عليه ولا توقف هذه المراجعة سير التحقيق ، ولم ينص القانون على المدة التي يجب خلال على النائب العام الفصل في الاستئناف المقدم إليه، بل ترك الأمر متروكاً لتقديره.
من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بإثارة الدفوع أمام المدعي العام
الحكم رقم 32 لسنة 2021 – صلح جزاء الوسطية
بتطبيق القانون على الوقائع تجد المحكمة أنه لم يصدر عن المشتكى عليه أي فعل احتيالي من تلك المنصوص عليها في المادة (417) ، إذ لم يثبت من بينة النيابة أن تسليم المال كان وليداً لأفعال احتيالية ارتكبها المشتكى عليه ، بل إنه نفذ جزءاً من وعوده بأن أمّن للمشتكي وسيلة التعارف على الفتاة الكندية للتفاهم معها على مشروع الزواج والتأشيرة ، وأن الخلاف حصل بعد أن تأخر المشتكي بالدفعات المتفق عليها ، لذا فإن فعل المشتكى عليه لا يؤلف جرماً ولا يتعدى أن يشكل إخلالاً أو تأخراً في تنفيذ التزام تعاقدي ، وأن النزاع على فرض ثبوته لا يتعدى أن يكون نزاعاً مدنياً .
تأسيساً على ما تقدم وعملاً بالمادة (178) من قانون أصول المحاكمات الجزائية تقرر المحكمة إعلان عدم مسؤولية المشتكى عليه عن الجرم المسند إليه كون فعله لا يتعدى أن يكون نزاعاً مدنياً.
إعداد المحامية: ليلى خالد
[1] تمييز جزاء 320/94 مجلة النقابة 1995 ص1442 ينظر أيضاً تميز جزاء 60/92 مجلة النقابة ص 930.
[2] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للتوزيع والنشر، 2021، ص 218.
[3] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للتوزيع والنشر،2021، ص 223.

