حلف وراسو

حلف وراسو

  القانون الدولي هو القانون المنظم للعلاقات الدولية ، وتتعدد أشكال هذه العلاقات وتتنوع حتى أنها تقوم بين دولًا قوية وأخرى ضعيفة وذلك نتيجة الجغرافيا السياسية والقوة الاقتصادية والعسكرية وغيرها من التعقيدات السياسية، وتقوم تلك التحالفات بهدف خلق نوع من التوازن في المجتمع الدولي.

 ولما كانت التحالفات وخاصة العسكرية منها تمثل مظهراً من أهم مظاهر العلاقات الدولية، فإن القانون الدولي قد تناولها بالاهتمام والتنظيم، وقد تعددت التحالفات العسكرية الدولية ولعل أشهر الأحلاف الدولية حلف الناتو (شمال الأطلسي) وحلف وارسو، والأخير هو محل حديثنا في هذا المقال.

أولا : ماهية الحلف :

ثانياً : التفرقة بين الحلف وبعض أشكال التجمعات الدولية الأخرى

ثالثاً : نشأة حلف وارسو

رابعاً : أعضاء حلف وارسو :

خامساً : أهداف حلف وارسو :

سادساً : مدة حلف وارسو :

سابعاً : سقوط حلف وارسو

أولا : ماهية الحلف :

 نظراً لأهمية التحالفات العسكرية وتأثيرها المباشر والقوي في تشكيل المجتمع الدولي فقد نالت قدر كبير من الاهتمام بين فقهاء القانون الدولي وتعددت تعاريف الحلف تبعاً لذلك،  فيرى البعض الحلف بأنه: ” تعاقد بين دولتين أو أكثر بموجبها يتعهد الفرقاء المعنيون بالمساعدة المتبادلة في حالة الحرب ” .([1])

       ويرى البعض الآخر بأنه معاهدات ذات طابع عسكري تبرم بين دولتين أو أكثر للتعاون في تنظيم دفاع مشترك بينهم .

        وعرفه البعض الآخر بأنه عبارة عن: ” اتفاق يقوم بين دولتين أو
أكثر من أجل العمل معا حول مسائل أمنية مشتركة، وتهدف هذه الدول من خلال مشاركتها في هذا الترتيب الأمني التعاوني إلى حماية نفسها من أي خطر مشترك أو محتمل يهدد مصالحها، فهي تعتقد أنها قادرة من خلال حشد الموارد وتوحيد الجهود على زيادة نفوذها في إطار النظام الدولي([2])”.

      والحلف كما ينشأ بصورة رسمية عن طريق أبرام الاتفاقيات بين الدول، يمكن أن ينشأ كذلك بصورة غير رسمية بواسطة تنسيق الجهود بين دولتين أو أكثر لمواجهة قضية معينة دون أن يتم إفراغ هذا في معاهدة رسمية، ولكن الغالب أن ينشأ الحلف عن طريق معاهدات بين الدول . ([3])

        وخلاصة التعريفات السابقة أن الحلف اتفاق بين دولتين أو أكثر بموجب اتفاقية للدفاع المشترك ضد أي اعتداء يقع على أحدهم .

ثانياً : التفرقة بين الحلف وبعض أشكال التجمعات الدولية الأخرى ([4])  :

كما هو معروف فإن القانون الدولي يشمل بين طياته العديد من أشكال الروابط الدولية والتي قد تتشابه مع التحالفات وتلتبس معه وإن كان ذلك من الناحية الظاهرية فقط وسوف نبين الفرق بين الحلف وبعض أشكال التجمعات لدولية الأخرى المشابهة وذلك على النحو التالي :

1_ الحلف والكتلة:

         الحلف هو اتفاقية دولية بين دولتين أو أكثر بغرض الدفاع المشترك، بيد أن الكتلة عصبة أيدولوجية عسكرية تعمل في أوقات السلم والحرب دون تفرقة وتتزعمها دولة قطبية.

        ووجه التشابه بين الحلف والكتلة هو الغرض العسكري بيد أنهما يختلفان في أن الدول الأعضاء في الحلف ملتزمون بالتناصر وقت الحرب فقط أما الدول أعضاء الكتلة فيكون التزامهم دائم أي في وقت السلم والحرب ويعملون في فلك دولة كبيرة أو عظمى تتزعم هذه الكتلة .

2_ الحلف ونظام الحماية:

         ينشأ الحلف نتيجة اتفاقية ويكون بين دول كاملة السيادة بيد أن نظام الحماية يقوم بين دولتين أو أكثر غير متكافئتين من ناحية السيادة إحداهما كاملة السيادة وهي الدولة الحامية والثانية ناقصة السيادة وهي الدولة المحمية بغض النظر أكانت تلك الحماية اختيارية أي بناء على طلب الدولة المحمية أو استعمارية كما هو حال فرنسا مع كثير من الدول الأفريقية بعد جلاء الاستعمار الفرنسي .

وتتحكم الدولة صاحبة الحماية في تنظيم العلاقات الدولية الخارجية للدولة المحمية وتتعهد بالدفاع عنها عند أي اعتداء، وشاهد الحال يؤكد أنها في غالب الأحيان لا تنفك تتدخل في الشئون الداخلية للدولة المحمية كذلك .

3_ الحلف والنظام الفيدرالي:

        في الحلف تظل كل دولة متمتعة بكامل سيادتها وبشخصيتها القانونية الدولية المستقلة، ولكن في النظام الفيدرالي فإن اندماج الدويلات فيه يترتب عليه ذوبان أو دمج الشخصية القانونية لتلك الدويلات الفيدرالية وظهور كيان دولي جديد بشخصية قانونية جديدة.

 ولا يكون لأي من الدويلات شخصية قانونية في القانون الدولي ويمارس الكيان الجديد الذي نشأ كافة العلاقات الدولية وترتيباً على ذلك فإنه لا يمكن – مثلا- أن ينشأ حلف بين الدويلات الداخلة في النظام الفيدرالي .

4_ الحلف ومواثيق عدم الاعتداء:

        الفارق بين الحلف ومواثيق عدم الاعتداء هو الالتزام بين الدول أعضاء الحلف لالتزام إيجابي يتمثل في الدفاع المشترك ضد أي اعتداء يقع على أيًا من الدول الأعضاء، أما ميثاق عدم الاعتداء فالالتزام فيه سلبي فيبرم بين دولتين أو أكثر يتعهدوا فيه بعدم الاعتداء على بعضهم البعض .

ثالثاً : نشأة حلف وارسو([5]) :

1_ الناحية التاريخية:

        حلف وارسو – ويُطلق عليه رسمياً معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة- ظهر إلى الوجود بموجب اتفاقية ريو دي جانيرو في مايو 1955 وقامت بإنشائه الدول الاشتراكية لمجابهة تحالف حلف شمال الأطلسي والذي ظهر في 1949.

وقد ظهر حلف وارسو بعد تسعة أيام من فقط لما بما سمي بحلف شمال الأطلسي الجديد عقب انضمام ألمانيا الغربية له واعتبارها دولة صاحبة سيادة، وإزاء ذلك وجد الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا أنفسهم مضطرين لاتخاذ تدابير دفاعية جماعية خاصة لمواجهة حلف شمال الأطلسي بعد انضمام ألمانيا الغربية له وخوفاً من تشكيلها خطراً على دول شرق أوروبا باعتبارها قوة عسكرية جديدة في أوروبا، إلا أن هذا ليس السبب الوحيد وراء إنشاء حلف وارسو وإن كان هو السبب الرئيسي .

2_ حلف وارسو في ضوء قواعد القانون الدولي:

       يتعين أن تكون المعاهدات الدولية مشروعة أمام المجتمع الدولي فإذا كان موضوع المعاهدة غير مشروع طبقاً لقواعد القانون الدولي كالاتفاق على مشروعية الإتجار بالبشر أو غسيل الأموال كانت المعاهدة غير مشروعة، ومن غير الممكن أن تكون نافذة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي وتعترف الأمم المتحدة بقيام التحالفات التي تستند على مبدأ الكل ضد العدوان مهما كان أو مبدأ الأمن الجماعي ([6]).

 ولذلك تنص (المادة 51 ) من ميثاق الأمم المتحدة على أنه: ” ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول ، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء (الأمم المتحدة)، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبُلغ إلي المجلس فوراً، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس بمقتضى سلطته ومسئولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق، من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه  “.

كما تنص (المادة 101 ) من ذات الميثاق على أنه: ” إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء “الأمم المتحدة” وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق ” .

        وترتيباً على ما سبق فقد جاء نص (المادة 4 ) من معاهدة إنشاء حلف وارسو متماشياً نصياً على الأقل مع نص (المادة 51 ) من ميثاق الأمم المتحدة فنصت على أنه: ” إذا وقع عدوان مُسلح في أوروبا ضد أي دولة عضو في هذا الحلف من جانب دولة أو مجموعة من الدول فإن على دول الحلف أن تقدم المساعدات الضرورية إلى الدولة التي استهدفها العدوان تمشياً مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع المشترك ” .

     هذا فضلا على أن نظام توازن القوى يسمح بقيام التحالفات والتحالفات المضادة ويمكن أن يكون الهدف منها كذلك تحقيق انتصارات اقتصادية وليست عسكرية فقط.

رابعاً : أعضاء حلف وارسو :

       يضم حلف وارسو عدد من الدول وهم :  الاتحاد السوفيتي ، ألبانيا ، بلغاريا ، المجر ، بولونيا ، رومانيا ، تشيكوسلوفاكيا ، جمهورية ألمانيا الديمقراطية .

خامساً : أهداف حلف وارسو :

         تضمنت معاهدة انشاء حلف وارسو عديد المواد منها ما هو متعارف عليه وتقليدي في المعاهدات ومنها ما يحدد أهداف المعاهدة ونفاذها ومدتها والانسحاب منها.

 وباستقراء نص (المادة 4) من معاهدة الحلف يتبين لنا أن الحلف قد حدد الإطار الجغرافي للعدوان الذي يبرر تدخل الدول الأعضاء بأن يكون واقعاً في أوروبا ،وهو ما دفع الدول الاشتراكية التي لا تقع في أوروبا للعزوف عن الانضمام للتحالف كالصين، وكوريا الشمالية وفيتنام ومنغوليا.

 وذلك بالرغم من نص (المادة 9) من معاهدة وارسو على أن عضوية الحلف مفتوحة لأي دولة بصرف النظر عن طبيعة نظامها الاجتماعي أو السياسي، إذا ما كانت لديها الرغبة في الانضمام للمعاهدة والالتزام بأحكامها والعمل على دعم أمن وسلامة الشعوب التي تمثلها الدول الأعضاء في الحلف .

      بيد أن هذا النص كان واضحاً فيه أنه جاء من أجل هدف سياسي، ومزايدة سياسية ([7]) ، لفتح المجال أمام الدول الأوروبية للانضمام للحلف لمواجهة حلف شمال الأطلسي .

وجاء (بالمادة 11 ) من معاهد وارسو أنه في حالة انشاء نظام للأمن الجماعي في أوروبا، وإبرام معاهدة أوروبية تحقق ذات الغرض فينتهي الحلف بمجرد سريان تلك المعاهدة .

ويرى البعض أن في هذا تحريض واضح للأوروبيين تحت شعار ( أوروبا للأوروبيين وليس لأمريكا )([8])  .

ولم تحو معاهدة وارسو تحديد للمنطقة الجغرافية التي تشملها دفاعات الحلف عكس معاهدة حلف شمال الأطلسي، وإن كانت (المادة 4 ) من معاهدة وارسو شملت أقاليم الدول الأعضاء في أوروبا .

ويمكن تلخيص أهداف حلف وارسو في الآتي :

  • رغبة الدول الأعضاء في مواجهة حلف شمال الأطلسي .
  • رغبة الاتحاد السوفيتي في إضفاء نوع من الشرعية على وجوده في دول شرق أوروبا خاصة في ظل صعوبة الانسحاب من المعاهدة.
  • رغبة الاتحاد السوفيتي في انشاء حلف عسكري لمواجهة حلف شمال الأطلسي لضمان عدم تهديد سيطرة الاتحاد السوفيتي والمحافظة على أمنه القومي، ويتضح ذلك من قيام الاتحاد السوفيتي بالدعوة لمؤتمر عام ينعقد في موسكو يضم الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين 29 أكتوبر و2 ديسمبر 1954 بقصد الوصول لحل المسألة الألمانية تجنباً لانقسام أوروبا نتيجة ذلك إلا أنه لم يحضر أي من الدول الغربية المؤتمر.

سادساً : مدة حلف وارسو :

      جاء في اتفاقية وارسو المبرمة في 14 مايو 1955 أن مدتها عشرون عاماً، وليس لأي دولة حق الانسحاب إلا قبل عام من انتهاء المعاهدة، وتُجدد المعاهدة تلقائياً لمدة عشر سنوات.

كما يجب أن يُراعى نص (المادة 11 ) من المعاهدة أنه في حالة إبرام معاهدة أوروبية تحقق ذات الغرض ينتهي الحلف بمجرد سريان المعاهدة الأوروبية .

سابعاً : سقوط حلف وارسو ([9])  :

        يمكننا القول بأن سقوط حلف وارسو وتصفيته قد جاء على مرحلتين أولهما كانت التوقيع على بروتوكول بودابست في 31\3\1991 حيث تم الاتفاق على تصفية الهيكل العسكري للحلف، وتبقى الهيكل السياسي وبذلك فقد زال الغرض الذي من أجله قد تم إنشائه ، وكان ذلك بداية نهاية حلف وارسو.

        أما المرحلة الثانية كانت في آخر اجتماع للجنة الاستشارية للحلف في مدينة براغ بتاريخ 1\7\1991 حيث تم الإعلان عن انتهاء نشاط حلف وارسو وتصفيته، بعد أن ظل قائماً لمدة 36 عاماً .

        فقد اجتمعت في مدينة براغ ستة دول من الموقعين على معاهدة وارسو للتوقيع على بروتوكول إنهاء وجود الحلف وهم : تشيكوسلوفاكيا ، بلغاريا ، المجر ، بولندا ، رومانيا ، الاتحاد السوفيتي .

      وبالنسبة لألبانيا فكانت قد انسحبت نهائياً من الحلف في عام 1968، أما ألمانيا الشرقية لم تكن قائمة آنذاك بعد أن تمت الوحدة الألمانية بين ألمانيا الشرقية والغربية عام 1990 .

ويمكن إرجاع أسباب سقوط حلف وارسو للآتي :

  • انحصار نفوذ الاتحاد السوفيتي باعتباره القوة الأكبر والرئيسية في الحلف، وهو الداعي لإنشاء الحلف والمسيطر على التنظيم السياسي والعسكري للحلف .
  • تغير الأوضاع الدولية ومصادر التهديد بالنسبة للدول أعضاء الحلف، فبعد أن كانت مصادر التهديد بالنسبة لدول شرق أوروبا أعضاء الحلف تتمثل في حلف شمال الأطلسي وألمانيا الغربية بعد انضمامها للأطلسي، ظهرت مصادر تهديد جديدة تارة فيما بين دول الحلف وبعضهم البعض مثل المجر ورومانيا وبولندا وألمانيا الشرقية، وتارة أخرى بين دول الحلف ودول أخرى فقد كانت بلغاريا ترى في تركيا ويوغسلافيا مصدر خطر محتمل بالنسبة لها .

كما أن تقارب ألمانيا الشرقية من دول شرق أوروبا جعل الأخيرة لا تعتبرها كمصدر تهديد لها وبالتالي قلت الحاجة للبقاء في الحلف.

  • التغيير في سياسات الدول أعضاء الحلف وتغير الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في هذه الدول .
  • تغير النظم الموالية للاتحاد السوفيتي في الدول أعضاء الحلف، ومحاربة الاتحاد السوفيتي لحركات التحرر في دول شرق أوروبا .
  • انهيار الاتحاد السوفيتي وسحب جيوشه من دول شرق أوروبا بدية من عام 1985 .

إعداد الباحث \ رفعت حمدي عبد الغني .

[1])). الأحلاف والتكتلات في السياسة المعاصرة ، د \ محمد عزيز شكري ص 11

[2])) المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية ، مارتن غريفثس و تيري أوكالاهان ص 194

[3])) راجع الأحلاف والتكتلات السياسية المعاصرة والآثار المترتبة عليها ، د \ هشام محمد سعيد آل برغش ص 108

[4])) المرجع السابق د \ هشام محمد سعيد آل برغش ص 48: 55.

[5])) المرجع السابق ، د\ محمد عزيز شكري ص 55 وما بعدها.  ويراجع أيضاً المرجع السابق د\ هشام محمد سعيد آل برغش ص 165 .

[6])) موسوعة علم العلاقات الدولية ، د\ مصطفي عبدالله خشيم ص 139 وما بعدها

[7])) المرجع السابق ، د\ محمد عزيز شكري ص 55 وما بعدها.  ويراجع أيضاً المرجع السابق د\ هشام محمد سعيد آل برغش ص 168.

[8])) المرجع السابق د\ هشام محمد سعيد آل برغش ص 168.

[9])) الأحلاف والتكتلات السياسية المعاصرة والآثار المترتبة عليها ، د \ هشام محمد سعيد آل برغش ص 170 : 172  – طبعة دار اليسر ، مدينة نصر ، القاهرة ، الطبعة الأولي 2013 .

Scroll to Top