الحصار، وآثاره على حقوق الإنسان

الحصار، وآثاره على حقوق الإنسان

الحصار وسيلة مهمة من الوسائل التي لجأت إليها الدول والشعوب والأمم في علاقاتها المتبادلة على مدار التاريخ لتحقيق أهداف مختلفة، وما زال حتّى اليوم من أهم أدوات التأثير والتأثر في العلاقات الدوليّة، فما هو الحصار وما هي أنواعه والأهداف التي يسعى إليها، وما هي الآثار المترتبة عليه فيما يتعلق بحقوق الإنسان.

أولا: مفهوم الحصار:

ثانيا: الأحكام القانونية المتعلقة بالحصار:

ثالثا: ما يجب على الدولة التي تقوم بالحصار:

رابعا: آثار الحصار على حقوق الإنسان:

أولا: مفهوم الحصار:

يتعلق الحديث عن مفهوم الحصار بيان تعريفه، وأنواعه، وأهدافه، وتاريخه

1-تعريف الحصار:

تعددت التعريفات التي تناولت الحصار ومن بين هذه التعريفات المتعددة تعريف الحصار بأنه: عمل من أعمال الحرب يستهدف المجال البحري والبري والجوي لإقليم للعدو أو كان خاضعا لاحتلاله لقطع وتحريم الاتصالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بينه وبين خارجه[1] .

فالحصار يعتبر عمل من أعمال الحرب ضد الدولة المحاصر، ويتخذ صورة مختلفة أما برية أو بحرية أو جوية.

2-أنواع الحصار[2]:

تتعدد أنواع الحصار بحسب التقسيمات المختلفة، فإذا نظرنا إلى إقليم الدولة نجد أن الحصار قد يتعلق بالجو فيكون حصار جويا، وقد يتعلق بالبر فيكون حصارا بريا، وقد يتعلق بالبحر فيكون حصارا بحريا.

وإذا نظرنا إلى تأثيره على الأنظمة فيتعدد الحصار إلى حصار متعلق بالناحية الاقتصادية فيكون حصار اقتصاديا، وقد يتعلق بالناحية الاجتماعية فيكون حصارا اجتماعيا، وقد يتعلق بالناحية السياسية فيكون حصار سياسيا.

وينقسم الحصار أيضا إلى حصار فعال وحصار غير فعال.

3-أهداف الحصار:

تختلف أهداف الحصار بحسب الغرض الذي تسعى إليه الدولة أو الدول المحاصرة، فيمكن أن تكون أهداف الحصار مشروعة لحمل الدولة المحاصرة على الالتزام بحقوق الإنسان أو رفع ظلم واعتداء وقع منها على غيرها، وقد يكون الحصار غير مشروع كما في حصار إسرائيل لغزة وسائر أنواع الحصار غير المشروعة.

وقد يكون للحصار أهدافا سياسية مثل حمل الدولة على اتخاذ موقفا سياسيا أو رفض موقفا آخر، وقد يكون الهدف من الحصار اقتصاديا أي رضوخ الدولة لقرار ما أو الامتناع عنه، فالحصار له أغراض وأهداف متعددة ومختلفة ومتغيره ومتنوعة بحسب الزمان والمكان.

4- تاريخ الحصار:

يعتبر أسلوب الحصار من الأساليب القديمة جدا في التاريخ ، ومن أقدم أنواع الحصار ما حدث من قريش للنبي محمد صلى الله عليه وسلم حينما تم حصاره والصحابة الكرام ومن معهم في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات لحملهم على ترك عبادة الله تبارك وتعالى، إذن الحصار وسيلة قديمة جدا استخدمت منذ زمن بعيد[3].

أمثلة معاصرة للحصار:

يعتبر من نماذج الحصار التي تمت في العصر الحاضر حصار العراق والذي استمر فترة من الزمان،  أيضا حصار بري وجوي وبحري لدولة العراق وكذلك حصار ليبيا في واقعة لوكيري، وما حدث لقطر من حصار من دول مجلس التعاون الخليجي، وكان حصار بريا وبحريا وجويا، وكذلك حصار غزة من قبل إسرائيل المستمر والباقي حتى الآن.

ثانيا: الأحكام القانونية المتعلقة بالحصار:

الحصار يمكن أن يكون من خلال دائرة الأمم المتحدة وممكن أن يتم الحصار خارج دائرة الأمم المتحدة

1- الحصار من خلال الأمم المتحدة:

يرى بعض الفقهاء أن الحصار الذي يتم من خلال الأمم المتحدة يستند إلى (المادة 42) من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على أنه : (إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه، ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء “الأمم المتحدة”.).

فهذا هو المستند القانوني للحصار من خلال ميثاق الأم المتحدة ، الذي بين أن من بين الوسائل المتخذة الاستعانة بالقوات البرية والبحرية والجوية وهو ما يعني الحصار الكامل البري والبحري والجوي لحفظ السلم والأمن الدولي.

ويرى فريق آخر عدم التمسك بهذه المادة كمستند قانوني لأعمال الحصار، والواضح أن الحصار ليس عملا عسكريا محضا، بل هو عمل مكمل للضغط على الدولة المخالفة للقوانين الدولية لحثها على الرجوع والرضوخ للأحكام الدولية المتفق عليها كما في قضية دخول العراق للكويت وقيام القوات الدولية برد العدوان وحصار العراق، وإن كان بعد رد العدوان أغراض أخرى غير صحيحة.

2- الحصار خارج منظمة الأمم المتحدة:

كثيرا ما يتم الحصار بعيدا عن منظمة الأمم المتحدة، سواء كان ذلك باتفاق بعض الدول، أو قيام دولة بمفردها بعمل حصار لدولة أخرى.

ولكي يتم هذا الحصار لابد من إعلان الدولة التي تقوم بالحصار عنه وبداية القيام به وما هي حدود هذا الحصار، كما حدث في إعلان مجلس التعاون الخليجي الحصار على دولة قطر، ولابد من وجود فعالية للقيام بهذا الحصار، وإذا لم توجد فعالية لهذا الحصار فلا يعد حصار، أي لابد من توفر الإمكانيات والقوات التي تنفذ هذا الحصار.[4]

ثالثا: ما يجب على الدولة التي تقوم بالحصار:

لقد بينت اتفاقية لاهاي لعام 1907 بموجب (المادة 27) شروط الحصار وذلك بنصها على أن: (في حالات الحصار أو القصف يجب اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتفادي الهجوم قدر المستطاع على المباني المخصصة للعبادة والفنون والعلوم والأعمال الخيرية والآثار التاريخية والمستشفيات والمواقع التي يتم فيها جمع المرضى والجرحى، شريطة ألا تستخدم في الظروف السائدة آنذاك لأغراض عسكرية ويجب على المحاصرين أن يضعوا على هذه المباني أو أماكن التجمع علامات ظاهرة محددة يتم إشعار العدو بها مسبقاً.

ومن خلال هذه المادة يتبين لنا أنه يجب على من قام بالحصار تفادي الهجوم على دور العبادة والمستشفيات وأماكن الأعمال الخيرية والآثار، نظرا لأهمية هذه الأماكن، فيحظر استهدافها بأي عمل من الأعمال، وأيضا يجب على الدولة المحاصرة وضع ما يبين أن هذه أمكان عبادة ومستشفيات وآثار تاريخية، بصورة واضحة حتى لا يحدث لبس، ولكن شرطت المادة ألا تستخدم هذه الأماكن لأغراض عسكرية.

وقد أورد دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المتعلق بنزعات البحار عام 1994 ما يتعلق بالحصار وذلك في المواد 39 حتى المادة 104 ما يلي:

1- يجب الإعلان عن أي حصار وتبليغه لكل المحاربين والدول المحايدة.

2- يجب أن يحدد في الإعلان تاريخ بداية الحصار ومدته ومكانه ونطاقه, وكذلك الفترة التي يجوز فيها لسفن الدول المحايدة أن تغادر الخط الساحلي محل الحصار.

3- يجب أن يكون الحصار فعلياً, علماً بأن مسألة معرفة ما إذا كان الحصار فعلياً هي مسألة موضوعية متعلقة بالواقع.

4- يجوز أن ترابط القوة المكلفة بحفظ الحصار على بعد تحدده الضرورات العسكرية.

5- يجوز فرض الحصار وحفظه باستخدام مجموعة من أساليب ووسائل الحرب المشروعة, شرط ألا تؤدي إلى ارتكاب أعمال مخالفة للقواعد المنصوص عليها في هذا الصك.

6- يجوز احتجاز السفن التجارية التي يفترض بصورة معقولة أنها تنتهك الحصار. ويجوز مهاجمة السفن التجارية التي تقاوم احتجازها بعد إنذارها مسبقاً.

7- يجب ألا يحول الحصار دون الوصول إلى موانئ الدول المحايدة وسواحلها.

8- يجب تطبيق الحصار دون أي تحيز على سفن كل الدول.

9- يجب الإعلان عن وقف الحصار أو رفعه مؤقتاً أو فرضه من جديد أو تمديده أو إدخال أي تعديل عليه, والإخطار به وفقاً للفقرتين 93 و94.

10- يحظر إعلان الحصار أو فرضه إذا:

  • كان الغرض الوحيد المتوخى منه هو تجويع السكان المدنيين أو منعهم من الوصول إلى المواد الأخرى الضرورية لبقائهم، أو
  • كانت الأضرار التي تلحق بالسكان المدنيين مفرطة أو يتوقع أن تكون مفرطة بالمقارنة بالفائدة العسكرية الملموسة والمباشرة المنتظرة من الحصار.

11- إذا لم يزود السكان المدنيون المقيمون في الأراضي الخاضعة للحصار بما يكفي من الأغذية والمواد الأخرى الضرورية لبقائهم, وجب على الطرف الذي يفرض الحصار أن يسمح بحرية مرور المواد الغذائية والإمدادات الأساسية الأخرى, شرط أن:

  • يكون للطرف الذي يفرض الحصار الحق في وضع الشروط التقنية لتصريح المرور، بما في ذلك التفتيش.
  • يكون توزيع هذه الإمدادات تحت المراقبة المحلية لدولة حامية أو لمنظمة إنسانية تضمن عدم التحيز، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

12- على المحارب الذي يفرض الحصار أن يسمح بمرور المواد الطبية الضرورية للسكان المدنيين والعسكريين الجرحى أو المرضى, مع مراعاة حقه في وضع الشروط التقنية لتصريح المرور, بما في ذلك التفتيش.

ففي هذا الدليل ما يبين لنا اشتراط إعلان الحصار وتحديد مدته، وأيضا لا يكون الحصار من بين أهدافه تجويع المدنيين، أو أن تكون أضراره بالغة بالنسبة للمدنيين.

رابعا: آثار الحصار على حقوق الإنسان:

لقد اتفقت الجماعة الدولية على حقوق الإنسان وأصبحت مستقرة ومعروفة في الأسرة الدولية والإقليمية والمحلية، فما هو تأثير الحصار على هذه الحقوق، فنتعرض لأهم حقوق الإنسان المنصوص عليها ونثني بتأثير الحصار عليها من خلال ما حدث في غزة:

1- أثر الحصار على حرية التعبير والانتماء السياسي:

نتج عن الحصار الذي تم على غزة من قبل إسرائيل تأثير على الحق في التعبير عن الرأي وحرية الانتماء السياسي، لأنه لما حدث هذا الحصار نتيجة اختيار الشعب لفصيل سياسي معين حشدت إسرائيل قواها للحصار ومعاقبة الشعب على هذا الاختيار، والضغط على الحكومة الفلسطينية بسبب هذا الاختيار، وهو ما يتعارض مع حق الإنسان المستقرة كما سبق بيانه

2- أثر الحصار على الحق في الحياة:

حينما يتم الحصار على المستوى البري والبحري والجوي، نكون بصدد حالة من حالات الإضرار بالحق بالحياة، لأن للإنسان مقومات يقوم عليها منها الحصول على الطعام والشراب وغيره من المتطلبات التي تتغذى عن طريق الإيفاد التجاري من خلال هذه النواحي الجغرافية المتعددة البر والحر والجو، فحركة التجارة تتوقف على هذه المجالات الثلاثاء فانتقال الأغذية والمحاصيل والمقومات الغذائية يكون عن طريق هذه المنافذ، فالحصار يمنع وصولها مما يعرض حياة الإنسان للخطر.

لذلك قد جاء في (المادة 23) من اتفاقية جنيف الرابعة أن: (على كل طرف من الأطراف المتعاقدة أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة وكذلك الترخيص بحرية مرور أي رسالات من الأغذية الضرورية والملابس والمقويات المخصصة للأطفال.

3-آثار الحصار على الجانب الصحي:

قد نصت (المادة 17) من اتفاقية جنيف الرابعة على أن: (يعمل أطراف النزاع على إقرار ترتيبات محلية لنقل الجرحى والمرضى والعجزة والمسنين والأطفال والنساء النفاس من المناطق المحاصرة أو المطوقة ولمرور رجال جميع الأديان وأفراد الخدمات الطبية .”.

وقد أثر الحصار على نسبة الحصول على الوقود مما كان له التأثير البالغ على نقل المرضى وعربات الإسعاف، وكذلك نقص الأدوية وغلائها مما زاد من عدد الوفيات في غزة.

4- أثر الحصار على حرية التنقل والأمن:

من أهم الحقوق الحق في حرية التنقل فلكل شخص الحق في اختيار محل إقامته وسفره، وأيضا الحق في سلامته، وسلامة نفسه ،وأهله، وماله.

فالحصار يجعل شعب الدولة الواقعة تحت الحصار يعاني من الخوف على نفسه وأهله وماله ويخشى الجوع وعدم توفر الأدوية وعدم انقطاع الكهرباء.

5- آثار الحصار على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:

أ- أثر الحصار على الحق في التعليم:

يترتب على فرض حالة الحصار على دولة ما تدهور حال التعليم بها إلى حد بعيد، وذلك نظراً للمعوقات التي يشكلها الحصار والتي تحول دون انسياب عملية التعليم من شتى جوانبها

ففي غزة كان للحصار الذي وقع عليها أثر كبير على الناحية التعليمية من خلال التأثير على وجود التيار الكهربائي مما أضعف من ممارسة الحق في التعليم والمذاكرة وأثر على بناء المدارس والمعاهد العلمية، وكذلك طباعة الكتب العلمية والمراجع، فضلا عن وفاة أربعين طالب، وإصابة عدد كبير من الطلاب، وكذلك تدمير عدد من المدارس والمعاهد ، وزاد الأمر وبالا حينما تم اعتقال عدد كبير من الطلاب، هذه بعض الآثار، ولكن الواقع أشد من ذلك بكثير.

ب- أثر الحصار على الحق في العمل:

لا يخفى أيضا التأثير المباشر للحصار على بيئة العمل والتقليل من فرص العمل وفرص الاستثمار، واستقرار الوظائف وكذلك مرتبات الموظفين المحولة عبر البنوك.

ج- أثر الحصار على حقوق المرأة والطفل:

– أثر الحصار على حقوق المرأة:

للحصار تأثير كبير على حقوق المرأة وخاصة أثناء الحمل، والمرأة النفساء، لعدم توفر البيئة الملائمة للحامل والجو النفسي وتوفر دور الرعاية لها وتوفير العلاج والمستشفيات، وحرية التنقل للإسعاف وغيره من الأمور التي يعطلها الحصار.

– الحقوق الخاصة بالطفل:

لا يمكن إنكار التأثيرات السلبية التي يرتبها الحصار على الحقوق الخاصة بالأطفال والتي لا يمكن وضعها تحت حصر، فالحصار يؤدي إلى ترويع الأطفال وحرمانهم من ممارسهم حقهم في التعليم والحصول على الرعاية الصحية والحصول على بيئة آمنة يتوفر فيها الحد الأدنى من احتياجاتهم.

وهذا ما يتضح من خلال مطالعة الآثار السلبية التي شكلها الحصار الذي وقع على غزة حيث يقارب عدد الأطفال في عزة مليون طفل، ولا شك أنه كان للحصار الذي وقع عليها تأثير سلبي على حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية، وتلقي العلاج وتوفير بيئة آمنة، مع توفر الغذاء المطلوب لبناء أجسامهم، بجانب توفر الصحة النفسية لهؤلاء الأطفال.

وأخيرا نود أن نشير إلى أن أغلب أنواع الحصار التي فرضت من قبل الجماعة الدولية لم تكن مشروعة، بل كانت لأغراض أخرى غير المعلن عنها، مع إتباع سياسية الكيل بمكيالين، ومثال ذلك حصار العراق وحصار ليبيا والحصار على غزة كشاهد على اتخاذ وسيلة الحصار لتحيق أهداف غير مشروعة.

إعداد/ رشاد حمدي.

[1] – [1]- سعيد العابد، الحصار وأثره على حقوق الإنسان، رسالة دكتوراه، الجزائر، عام 2009،2010م، ص 6.

[2]– سعيد العابد، الحصار وأثره على حقوق الإنسان، رسالة دكتوراه، الجزائر، عام 2009،2010م، ص 6.

[3]– صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، طبعة رابطة العالم الإسلامي، ص 145.

[4] – خولة محي الدين، كلية الحقوق دمشق، الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة في ضوء أحكام القانون الدولي العام، ص 286 ، نقلا عن مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، العدد الرابع 2011.

Scroll to Top