الحرب البكتريولوجية
الحرب البكتريولوجية هي الحرب الباردة التي لا يستطيع المقاتل فيها أن يمسك بيده سلاح ليدافع عن نفسه فالطعنه تأتيه من الداخل دون أن يشعر، هي الحرب الجرثومية، الفيروسية التي يجند فيها الفيروسات والميكروبات الفتاكة للقضاء على الكائنات الحية وتسبب الموت المؤكد للعديد من البشر، وتستخدم الأسلحة البكتريولوجية لاستغلال وتهديد أمن وسياسة واقتصاد الدول، فالعدو في هذه المعركة هو المرض.
وفي مقالنا الحالي سنقوم بتوضيح مفهوم هذه الأسلحة وأنواعها والزحف الناعم باستخدام هذه الأسلحة للفوز بثروات دول القارة الأفريقية:
أولا: مفهوم الأسلحة البكتريولوجية:
ثانيا: مواد تصنيع السلاح البكتريولوجي:
ثالثا: نبذه تاريخية للسلاح البكتريولوجي:
رابعا: سبب الزحف الناعم على القارة الأفريقية:
خامسا: الجهود الدولية للحد من انتشار السلاح البكتريولوجي:
أولا: مفهوم الأسلحة البكتريولوجية:
1- نبذه تاريخية عن السلاح البكتريولوجي:
الحركة الاستعمارية التي قامت بها الدول الأوروبية نحو القارة الأفريقية ومحاولتها العديدة للاستيلاء على خيرات وثروات الدول الضعيفة، وقيامها بالزحف نحو الدول الأفريقية والقارة الأفريقية بأكملها، حتى أصبحت هذه القارة نقطة تسارع بين الدول الأوروبية لفرض سيطرتها عليها واستغلال ثرواتها.
وقد تفاعلت عدة عوامل لتقوية هذا التنافس الدولي، والذي كاد أن يتحول إلى مواجهات عسكرية بين الدول الأوروبية فيما بينها، ونظرا لحدة التنافس وتجنبا للدخول في مواجهات عسكرية اتفقت معظم الدول الاستعمارية على عقد مؤتمر ببرلين ما بين الفترة (1884-1885) م، وقد تم فيه تعين مناطق النفوذ لكل دولة على قاعدة التراضي، وَقَسَّمْت القارة الإفريقية على حساب شعوبها دون مراعاة لحقوقهم واحترام أملاكهم وتقاليدهم ومقدساتهم الشخصية والقومية[1].
ولكن ذلك الغطاء المظلم الذي سيطر على هذه القارة بدأ بالتلاشي نتيجة ظهور وانتشار فكر التحرر والثورات، وأخذ بإزالة الاستعمار والاستعباد الذي عانت منه هذه الدول لفترات طويلة، ولكن عندما شعرت هذه الدول الأوروبية بأنها فقدت السيطرة بدأت في البحث عن طريق للعودة مرة أخرى وفرض سيطرتها، فقامت بالتفكير في طرق جديدة وناعمة للزحف مرة أخرى إلى القارة الأفريقية، ولكن هذه المرة بأسلحة مقننة ومدروسة مستعينة في ذلك بالهندسة الوراثية والمواد الحيوية لنشر الدمار والهلاك في دول العالم الثالث واستخدام الأسلحة البكتريولوجية.
2- مفهوم السلاح البكتريولوجي:
وهذه الأسلحة عبارة عن كائنات حية متناهية الصغر، يسبب انتشارها هلاك ليس فقط إنسان أو مجموعة من الكائنات الحية ولكن يمكن ـن يؤدي إلى هلاك امه بأكملها، فالأسلحة البكتريولوجية سلاح سريع الانتشار والتأقلم، فالسلاح البكتريولوجي عبارة عن كائنات دقيقة مجهرية الحجم تتكون من مجموعة من الميكروبات أو الفطريات أو الفيروسات، يتم بث هذه الكائنات لسهولة انتشارها وسرعتها في الانتقال بين الأشخاص والمياه والزرع والمأكولات، لتسبب هذه الكائنات الأمراض الخطيرة التي تؤدي إلى الموت السريع مسببة الدمار لجميع المخلوقات فهي تعد من أسلحة الدمار الشامل.
وما يميز هذه الأسلحة البكتريولوجية أنها لا تحتاج إلى تكلفة عالية في إنتاجها وتصنيعها، كذلك لا تحتاج إلى وقت وجهد كبير مقارنتا بالأسلحة النووية أو الأسلحة التقليدية التي تحتاج إلى معدات وأماكن معينة ومختبرات وتكنولوجية عالية وتجهيزات عديدة، في حين أن الأسلحة البكتريولوجية لا تتطلب سوى بعض المعرفة والبحث العلمي، وبعض التجهيزات البسيطة مثل “المعامل المايكوبيولوجية”، ولا تحتاج وقت للانتشار والتكاثر وإنتاج كميات كبيره منها، فهي أرخص وأسهل ويمكن لها في المستقبل أن تسيطر أيضا علي العناصر البلاستيكية والمطاطية وتؤدي إلى تآكلهم وهلاكهم، ولكن خطورتها تكمن في التأمين الجيد أثناء التخزين والتجهيز.
ثانيا: مواد تصنيع السلاح البكتريولوجي:
تقسم المواد البيولوجية التي يمكن أن تدخل في تصنيع السلاح البكتريولوجي إلى:
1- البكتريا (Bacteria):
وهي من الكائنات الحية متناهية الصغر، تدخل من ضمن الكائنات وحيدة الخلية، وتتركب من ثلاثة مواد: مواد نووية، سيتوبلازم، وعشاء الخلية. تنمو بسهولة وتتضاعف من خلال قيامها بعملية الانقسام، وهذه البكتريا بعضها سام وسبب للأمراض وهو الذي يدخل في صناعة الأسلحة البيولوجية، وهذه البكتريا الضارة يمكن علاجها بالمضادات الحيوية، ولكن هناك سلالات منها لا يمكن ردعها بالمضادات والأدوية العادية.
ومن البكتريا التي تستخدم وتدخل في صناعة الأسلحة البكتريولوجيه: “العصية الجمـرية، ويرسنية الطاعون، وهدبة الكوليرا، وبكتيريا الفرنسيسلة التولارية ، وسلمونيلا التيفية”[2].
2- الفيروسات (Virus):
كائنات حية أيضا مجهرية الحجم، تتكون من حمض نووي يغلف هذا الحمض بروتينات، حجمها أصغر بالنسبة لحجم البكتريا تنمو فقط داخل خلايا الكائنات الحية وتنتشر بكثرة، ومن المعروف أنه من الصعب جدا معالجة الأمراض التي تكون مصاحبة للفيروسات والتخلص منها بسهوله، ومن والفيروسات التي تشارك في تكوين الأسلحة البكتريولوجية: ” داء الالتهاب الدماغي النخاعي الخيلي الفترويلي ، ويبولا،وفيروس هانتان ، وحمى الوادي المتصدع، والحمى الصفراء”[3].
3- الريكسيات (Rickettsia):
كائنات حية مجهاريه الحجم تتشابه مع البكتريا في تركيبها وفي أنها يمكن استخدام المضادات الحيوية في معالجتها، وتتشابه أيضا مع الفيروسات في أنها تفضل النمو داخل الكائنات الحية، لها آثار ضارة على الإنسان فيمكن لها أن تسبب الشلل المؤقت إذا تعرض لها الإنسان.
وأنواع الريكسيات المستخدمة في صنع الأسلحة البكتريولوجيه هي: “كوكسليه البورنيتيه بارتونيللا كينتانا، وريكيتسيا برووازيكياي وريكيتسيا ر يكيتسياي”[4].
4- الفطريات (Fungi):
كائنات مجهرية الحجم أيضا تتعايش على المواد العضوية، وتستهدف النباتات وليس لها أضرار على الأشخاص أو الحيوانات، ويمكن التصدي للأمراض الفطرية بالمعالجات المضادة للجراثيم.
ومن الفطريات التي تدخل للمساهمة في صنع الأسلحة البكتريولوجيه: “كوليتوتريشوم كاناوي، التبقع البني، ومرض ثمار البن، وفطر لفحة أوراق المطاط ، وصدأ الحبوب”[5].
5- التكسينات (Toxins):
وهي من المواد السامة التي يتم استخراجها من أجسام الحيوانات أو النباتات من الكائنات الحية عامة، لا تقوم بالتكاثر لأنها ليست كائن حي فهي تولد بطريقة اصطناعية، والعلاج منها يكون باستخدام العقاقير.
والتكسينات التي تستخدم في إنتاج الأسلحة البكتريولوجية هي” تكسـين البوتيوليـنوم (الـبخص)، والريسـين، وتكسـين المكـورة العنقودية الصفراوية تكسين،والسكستكسينات”[6].
ثالثا: المراحل التاريخية للسلاح البكتريولوجي:
1- فترة ما قبل القانون الدولي:
السلاح البكتريولوجي سلاح مدمر وخطير، وله تاريخ عسكري قديم في الحروب والصراعات التي نشأت بين الأمم، بداية من استخدام هذا السلاح الخطير عن طريق القيام بجمع جثث الموتى المصابون بالأمراض وإلقاء هذه الجثث في مياه الشرب لتلويثها ونشر البكتريا والأمراض وتكاثر الجراثيم فتنتقل هذه البكتريا لإنسان عن طريق هذه المياه، مما يؤدي إلى إصابته بالأوبئة ومن ثم تنشر بينهم بسرعة الريح فتقضي عليهم وتتسبب في موت أعداد كبيرة منهم وانتشار أمراض خطيرة كالطاعون الذي عانت منه الدول قديما لفترات كبيرة.
فإذا رجعنا إلى أصوله القديمة نجد أن الفرس والروم واليونانيون كانوا يقوموا باستخدام السلاح البيولوجي للقضاء على أعدائهم، أيضا الجيوش الإغريقية كانت تقوم بأخذ اليونانيين المصابون وترسلهم إلى معسكرات العدو، واستخدم أيضا السلاح البيولوجي في الحروب الصليبية فكانوا يقوموا بإلقاء الجثث المصابة بالأوبئة الخطيرة في أماكن تواجد الجيوش المصرية والشامية، وذلك لنقل مرض الطاعون بين الحدود.
2- بعد نشأة القانون الدولي:
وفي أوروبا عام 1948م مات العديد من سكانها وذلك بسبب الانتشار السريع الطاعون بين السكان الذي أدى إلى مسرع ربع سكناهم تقريبا حتى أسموه بالموت الأسود. يذكر أيضا حادث الأغطية الملوثة عندما قام قائد إنجليزي بأخذ الأغطية الخاصة بالمصابين بالأمراض من العزل الصحي وقام بتوزيع هذه الأغطية على رؤساء قبائل الهنود الحمر عند قيامهم بغزو شمال أمريكا مما أدى إلى مصرع العديد من هؤلاء السكان.
واهتم المجتمع الدولي بشكل كبير بالأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية لما لهم من تأثير فتاك وخطير، واهتم بتخصيص الموارد البشرية والعلمية لدراسة هذه الأسلحة وتطويرها، فتوصلت بريطانيا إلى إنشاء أول قنبلة بيولوجية في عام 1941م، هذه القنبلة كانت تحتوي على جرثومة “الجمرة الخبيثة”، وقامت بريطانيا بإلقاء هذه القنبلة على جزيرة تسمي “جرينادرد” الأسكتلندية النائية مما أدى إلى القضاء على الكائنات الحية بها وتم إغلاق هذه الجزيرة، وحتى اليوم يعتقد العلماء أن هذه الجزيرة بها أثار لهذه القنبلة باقيه.
ومع بداية القرن العشرين ازداد الاهتمام بهذا السلاح الفتاك من قبل علماء الهندسة الوراثية، وازداد الاهتمام العسكري أيضا، حيث تم اكتشاف العلماء البيولوجيين غاز من الغازات السامة يؤدي هذا الغاز إلى القضاء على الكائنات الحية بمجرد أن تقوم الكائنات باستنشاقه، وكان استعمال هذا الغاز لأول مرة في الحرب العالمية الأولى من جانب الألمان.
لم يقف الأمر على استعمال الأمراض والفيروسات القاتلة فقط بل امتد لاستعمال الأحماض وبعض الفطريات ذات المفعول السام مثل “الجمرة الخبيثة وغاز الأعصاب، وغازات الخردل”، كل هذا أدى إلى صدور بروتوكول لسنة 1925م لاتفاقية جنيف الخاصة بحظر استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ولكن هذا البروتوكول كان يتخلله بعض الثغرات منها أنه يحظر القيام باستخدام هذه الأسلحة في وقت الحروب فقط ولكنه لم يقم بحظر تخزين أو إنتاج هذه الأسلحة، أيضا سمح هذا البروتوكول للدول الأعضاء فيه أن يكون لهم حق الانسحاب من الاتفاقية والرد علي الأعداء إذا حدث لهم هجوم كان فيه استخدام للسلاح المحظور من جانب دول أخرى.
وخلال فترة الحرب الباردة، قام عدد متزايد من البلدان بوضع برامج لبحوث الحرب البيولوجية، كان أكبرها البرنامج الذي اضطلع به ما كان يعرف حينئذ بالاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وكان من بين المواد البيولوجية المستخدمة في تلك البرامج الجمرة الخبيثة والجدري والطاعون وحمى التولاريمية. ولم تتخذ مبادرات للسيطرة على الأسلحة البيولوجية إِلَّا في أواخر الستينيات. وفي عام ١٩٦٩، أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون، رئيس الولايات المتحدة، التفكيك من جانب واحد لبرنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية للولايات المتحدة. ونتيجة لجهود مطولة قام بها المجتمع الدولي لوضع صك جديد يكمل بروتوكول جنيف لعام ١٩٢٥، تم التفاوض بشأن اتفاقية الأسلحة البيولوجية في جنيف، وفتح باب التوقيع عليها في عام 1972 ودخلت الاتفاقية حَيِّز النفاذ في عام 1975[7].
وبعد تصدع المعسكر الشيوعي وقيام نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي واصلت مسيرة تطوير الأسلحة البكتريولوجية لتفرض حكومتها وهيمنتها على العالم، غير أنه في هذه المرة كانت وجهتها وحقل تجاربها بلدان العالم الثالث وخصوصا القارة الإفريقية ضاربة عرض الحائض بمختلف معاهدات حقوق الإنسان، ومعاهدات حظر الاستخدام الكيميائي أو البيولوجي، وفي تقرير أعده الصحفي الأمريكي “جيفري سيلفرمان ” بأنه يوجد عدد من المعامل والمختبرات البيولوجية الأمريكية التي تتناثر في جميع أنحاء أوروبا الشرقية وتتجنب بشكل صارخ معاهدة الأسلحة البيولوجية، وفي سياق التقرير يذكر جيفري سيلفرمان أن واحد من مختبرات الأسلحة البيولوجية السرية داخل جمهورية جورجيا قام بإرسال غاز السارين للمجموعات المسلحة التي تحارب نظام الرئيس السوري بشار الأسد”[8].
وفي القرن الحادي والعشرين مرت الإنسانية بالكثير من الأمراض والأوبئة التي تعد من الأوبئة الخطيرة، والتي فتكت بأرواح الكثير من البشر، من أشهر هذه الأوبئة البيولوجية “فيروس السارس عام2002م، وبعده جاء فيروس” إنفلونزا الطيور “سنة 2003م، ثم جاءت” إنفلونزا الخنازير “لسنة 2009م، وايبولا 2013م، وانتهت بالفيروس الذي قضى على الكثير من البشر وهدد استقرار العالم ومازال وهو فيروس كرونا” كوفيد 19 “.
هذه الانتهاكات بغض النظر عن مرتكبيها أو العامل الرئيسي فيها والمستفيد الأخير منها إلا أن ذلك يعد من أبشع صور انتهاك الإنسانية واستخدام معاناة البشرية للوصول إلى أهداف ومصالح اقتصادية أو سياسية دون النظر إلى هلاك وفناء المجتمعات واستغلال إنسانيتها.
رابعا: سبب الزحف الناعم على القارة الأفريقية:
1- أسباب اختيار القارة الأفريقية:
إن سبب وقوع الاختيار على القارة الأفريقية واتجاه الأعين الأوروبية عليها يرجع لعدة أسباب منها:
أولا: أن القارة الأفريقية تعد المالك الأكبر للذهب الأسود، فالنفط نظراً لأهميته البالغة في الصناعات يعد كالذهب اللامع في أعين الدول الأوروبية، فالمستخرجات الخفيفة منه تدخل في صناعة وقود السيارات والطائرات، والثقيلة منه تدخل في إنتاج الطاقة الكهربائية وتشغيل الآلات الثقيلة والعديد من الصناعات، كما تمتلك الدول العربية الحصه الأكبر من النفط والعديد من الثروات، فالسعودية تملك احتياطي من النفط جعلها من ثاني الدول العشر الكبرى عالميا، حيث يقدر احتياطي النفط للسعودية في عام 2020 نحو 266 مليار برميل من النفط، ويمثل ذلك 15.7 % من احتياطي العالم، وإنتاجها اليومي حوالي 12 مليون برميل من النفط، ثم تأتي العراق في المرتبة الخمسة عالميا بمقدار 8.8 %، والكويت 6 % المرتبة السابعة، والإمارات العربية المرتبة الثامنة بنسبة 5.8 %، أما بالنسبة لاحتياطي الولايات المتحدة الأمريكية فيقدر بنسبة 3 % من الاحتياطي العالمي للنفط، ورغم هذه النسبة إلا أن أنها لا تلبي احتياجات الدولة الأمريكية من النفط فهي تقوم باستيراد نسب كبيرة من النفط لتلبية حاجاتها.
ثانيا: توفر العامل الجيواستراتيجي، حيث تتميز إفريقيا بوجود مناطق استراتيجية هامة، وممرات بحرية تتحكم في حركة النقل البحري الدولي منها ممر قناة السويس، وممر باب المندب، ولعل المتتبع للشأن الإفريقي في السنوات الأخيرة سيلاحظ أن الدول الغنية بالنفط هي الأكثر استهدافا من قبل الدول الإمبريالية، والتي استخدمت الأسلحة البكتريولوجية للسيطرة على هذه الثروات، ولقد كشفت عدة تقارير بأن الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية يخوض حربا جرثومية باختراع وصناعة فيروسات قاتلة ونشرها في القارة الأفريقية وذلك للمزيد من التغلغل وترسيخ الوجود، ولإثارة الخوف والهلع في أوساط السكان، الأمر الذي سينتج عنه حتما آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية تصب في مصلحة الدول الإمبريالية[9].
وبما أن الذهب الأسود أصبح أساسا للصناعات الغربية فقد سعت اتجاهات الدول الصناعية الكبرى إلى وضع يدها والسيطرة على الدول النفطية واستخدام الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية للسيطرة وفرض هيمنتها للفوز بالكعكة النفطية الأفريقية، فتقوم الدول الإمبريالية باستخدام قوتها الناعمة لكي تفرض سيطرتها على القارة الأفريقية بثروتها وذلك دون استخدام القوة العسكرية والحروب.
2- أشكال الحرب الناعمة:
وأخذت الحرب الناعمة على الدول الأفريقية العديد من الإشكال التي بدأت في غزو العالم الآن من شركات متعددة الجنسية والمؤتمرات الدولية والتبادلات الثقافية الدولية وبرامجها التي تكون تحت رعاية هذه الدول الإمبريالية، واستخدام الإعلام لتفرض سيطرتها الفكرية على أفكار وعادات الدول بما يحقق أهدافها ويخدم أمنها القومي، واستخدام العلامات التجارية المنتشرة مثل “ماكدونالدز، كوكا كولا، وغيرها”، وقيامها بافتعال الازامات والصراعات وتدخلها في اللحظة الأخيرة من أجل إنقاذ وحماية الأقلية، فضلاً عن الأمراض والفيروسات المنتشرة وتدخلها ولعبها دور المنقذ.
خامسا: الجهود الدولية للحد من انتشار السلاح البكتريولوجي:
بعد الحرب العالمية الأولى بدأت الجهود العالمية تسعى لتقليل من مخاطر الأسلحة البكتريولوجي’ (البيولوجية) فجاء:
بروتوكول حظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السامة أو مشابها من وسائل بكتريولوجيه لاتفاقية جنيف وذلك في عام 1925م، بموجب هذا البروتوكول حظر استخدام كل من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
وفي عام 1937م أثناء المؤتمر العالمي لنزع السلاح كان هناك محاولات لحظر الأسلحة البيولوجية وتخزينها، ولكن هذه المحاولة لم تنتج شيء وذلك بسبب انهيار المؤتمر.
وفي عام 1962م تم طرح موضوع الأسلحة البكتريولوجيه والكيميائية في جدول أعمال اللجنة الثامنة عشر لنزع السلاح، ولكن تجمد الموقف في هذه اللجنة دعا بريطانيا بفصل المناقشات في موضوع الأسلحة الكيميائية والأسلحة البكتريولوجية.
1- اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية:
وهكذا ظلت المحاولات والمناقشات حتى جاءت اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البولوجيه) والتكسينية وتدمير تلك الأسلحة وذلك في 10/ أبريل/ 1972م، ووفقا لمواد هذه الاتفاقية حظر على الدول الأعضاء الذي بلغ عددهم (178) دولة فيها تخزين أو إنتاج أو حيازة أي من الأسلحة البكتريولوجيه والتكسينات وذلك وفقا للماد الأولي منه.
وبموجب هذه الاتفاقية تعهدت الدول الأعضاء بتقديم تقارير سنوية بالأشكال المتفق عليها عن أنشطة محددة تتعلق باتفاقية الأسلحة البيولوجية ومنها بيانات عن المراكز والمختبرات البحثية؛ ومعلومات عن مرافق إنتاج اللقاحات؛ ومعلومات عن البرامج الوطنية لبحوث وتطوير الدفاع البيولوجي؛ والإعلان عن الأنشطة السابقة في برامج البحث والتطوير البيولوجية الهجومية أو الدفاعية؛ ومعلومات عن انتشار الأمراض المعدية والأحداث المماثلة الناجمة عن السموم؛ ونشر النتائج وتشجيع استخدام المعرفة والاتصالات؛ ومعلومات عن التشريعات والأنظمة وغير ذلك من التدابير[10].
بعد ذلك عقد عدت مؤتمرات لمتابعة سير العمل بمواد الاتفاقية، منها المؤتمر الثاني لعام 1986م الذي قام على تشجيع الأبحاث ونشر الوعي لتخلص من الأمراض، ثم بعد ذلك شكل “فريق الخبراء الحكوميين” الذي كان مهمته وضع الطرق المناسبة لتحقق من الامتثال لمواد الاتفاقية في عام 1994، ولكن كل هذه المحاولات لم تحقق نجاحا مؤكدا أو أهداف جديه تذكر.
إلى جانب هذه المحاولات التي لم تأت بنتيجة ظهرت محاولة من بعض الدول بالقيام بمراقبة صادرات الدول من المواد التي يمكن أن تكون من مكونات الأسلحة البيولوجية والكيميائية، ومن هذه المجموعات المجموعة الأسترالية التي تأسست عام 1985م، فتقوم هذه الدول بمراقبة صادرات الدول من المواد المذكورة في كشوفات لديهم بالمواد التي لها تأثيرات ممرضة على الحيوانات أو الإنسان أو الكائنات الحية عامة، وتحتوي هذه الكشوف على (93) عاملا، لتتأكد من استخدامات هذه المواد في عمليات تصنيع الأسلحة البكتريولوجية.
2- اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغير في البيئة لأغراض عسكرية:
وفي 5/ أكتوبر/ 1978م وضعت اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى، وهذه الاتفاقية هي اتفاقية متعددة الأطراف تم العمل بها في عام 1978م، وتحظر هذه الاتفاقية أي عمل يؤدي إلى إحداث تغيرات بيئية واسعة الانتشار أو ذو مفعول طويل الأجل، وتكون هذه الأعمال الضارة صادرة عن عمل الإنسان ومن صنعه، كما تحظر أيضا الأفعال التي تحدث تغيرا أو خلل في بنية الأرض ومكوناتها، ويشمل ذلك أي خلل قد يحدث أو يؤثر علي الغلاف الجوي أو الفضاء الخارجي لدولة ما، أو القيام بعمل يصيب ظواهرها الطبيعية مثل الزلازل أو أنماط الطقس أو المناخ.
وجاء في الاجتماع للجنة الفرعية لمنظمة الطيران المدني الدولي الذي عقد في مونتريال لعام 2008م الذي نص في البند الثاني منه علي “وعرضت ورقتا العمل WP/ 2/ و WP/ 3 العمل على التوالي مشروعي نصين لتجريم النقل غير المشروع والمتعمد على متن الطائرات المدنية للأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية والمواد المرتبطة بها ونقل الإرهابيين الفارين؛ ونظرا لأن النقل الجوي وسيلة مهمة لنقل الأشخاص والبضائع، أكدت ورقتا العمل على أهمية الاضطلاع بعمل مماثل في الإيكاو للمساعدة على ضمان استخدام الطيران المدني الدولي للأغراض السلمية وأن لا تصبح إساءة استخدام الطيران المدني الدولي تهديدا للأمن العام عن طريق تسهيل أعمال الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
هذا القرار الذي جاء متسقا مع التزامات الدول بمقتضى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم (1540) لسنة (2004)، الذي يقرر بالحاجة العاجلة لأن تتخذ جميع الدول تدابير فعالة إضافية لمنع انتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية ووسائل إيصالها[11]، كما سعي أيضا هذا القرار إلى سَدّ أيِّ ثغرات في هذه الصكوك والاتفاقيات المذكورة، وإلى إيجاد إطار قانوني مُلْزِم يشمل أَيْضًا جميع الدول التي ليست أطرافا في المعاهدات المذكورة[12].
جاء قرار الجمعية العامة في 5/ ديسمبر/ 2016م في الدورة الحادية والسبعون ما يلي:
- أكدت في هذه الدورة على قرارها السابق المتصل بالحظر الكامل والفعال للأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدمير هذه الأسلحة.
- كما دعت جميع الدول الموقعة للاتفاقية التي لم تصدق عليها بعد إلى التصديق عليها دون تأخير.
- والتأكيد على أهمية اتخاذ التدابير الوطنية في هذا الشأن وفقا لإجراءات الدستور.
- وقررت أن تدرج في جدول الأعمال المؤقت لدورتها الثانية والسبعين البند المعنون “اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجيه (البيولوجية) والتكسينية وتدمير تلك الأسلحة[13].
إعداد/ يسرا محمد كشك.
[1]) د. رضوان شافو، الحرب البكتريولوجية الاستعمار الناعم لإفريقيا، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد20، 2015،ص76.
[2]) ستيف توليو، توماس شمالبرغر، نحو الاتفاق علي مفاهيم الأمن: قاموس مصطلحات تحديد الأسلحة ونزع السلاح وبناء الثقة، معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح، 2003، ص53.
[3]) ستيف توليو، توماس شمالبرغر ، مرجع سابق، ص55.
[4]) ستيف توليو، توماس شمالبرغر ، مرجع سابق، ص 55.
[5]) ستيف توليو، توماس شمالبرغر مرجع سابق، ص55.
[6]) ستيف توليو، توماس شمالبرغر ، مرجع سابق، ص54.
[7]) ميليسا غيليس، نزع السلاح دليل أساس، مكتب شؤون نزع السلاح، نيويورك، 2018، ص64.
[8]) د. رضوان شافو، الحرب البكتريولوجية الاستعمار الناعم لإفريقيا، مرجع سابق،ص79.
[9]) د. رضوان شافو، الحرب البكتريولوجية الاستعمار الناعم لإفريقيا، مرجع سابق، ص80.
[10]) الأسلحة البيولوجية، موقع الأمم المتحدة للمزيد من المعلومات اتبع الرابط الاتي:
[11]) البند الثاني للجنة الفرعية الخاصة المعنية بإعداد صك واحد أو اكثر من الصكوك التي تعالج التهديدات الجديدة والناشئة، منظمة الطيران المدني الدولي، مونتريال، 2008.
[12]) الاطار القانوني العالمي لمكافحة الإرهاب، وحدت المنشورات الإلكترونية، مكتب الأمم المتحدة في فيينا، 2017.
[13]) قرار الجمعية العامة في الدورة الحادية والسبعون، الأمم المتحدة، 2016.

