المشاريع الدولية المشتركة

المشاريع الدولية المشتركة

تعد المشاريع الدولية المشتركة تطورا لشكل الاستثمار العابر للحدود السياسية للدول، وذلك عن طريق توظيف أموال دولة معينة داخل حدود دولة أخرى استثمارا حقيقيا يهدف إلى تحقيق الربح.

ولا يمنع أن ترافق تلك الغاية – تحقيق الربح – غاية أخرى مثل دعم القومية، كما في المشروعات فيما بين الدول العربية، فقد سعت الدول العربية إلى زيادة الروابط فيما بينها من خلال إقامة تلك المشروعات، وللوقوف على هذا الشكل الذي فرض نفسه على الساحة نظرا للتطور الحاصل على الصعيد الدولي في مجال الاستثمارات، فلابد أن نحدد ماهية المشروعات الدولية المشتركة، وكذا سماتها، وأشكالها، وذلك من خلال ما سنتناوله في هذا المقال.

أولاً: ماهية المشاريع الدولية المشتركة

ثانياً: الوجه الآخر للمشاريع الدولية المشتركة

ثالثاً: سمات المشاريع الدولية المشتركة

رابعاً: صور المشاريع الدولية المشتركة

خامساً: مميزات المشاريع الدولية المشتركة

سادسا: تطبيقات على المشاريع الدولية المشتركة

سابعًا: الخاتمة

أولاً: ماهية المشروعات الدولية المشتركة

يقصد بالمشروعات الدولية المشتركة تلك المشروعات التي تقام بين الدول، وذلك عن طريق استثمار أموال دولة معينة خارج حدودها من أجل الحصول على الربح، وذلك الاستثمار يكون عن طريقين، إما المشاركة برأس المال بحيث يكون لجميع الأفراد الحق في العناصر المادية للشركة، وإما أن تكون المشاركة عن طريق التعاقد فقط، بحيث تظل كل دولة محتفظة بملكية الأشياء المادية الخاصة بها، وتلتزم الدولة الأخرى بأداء نشاط معين خلال فترة زمنية معينة.

ولقد كانت النشأة لتلك المشروعات في بداية الأمر بهدف زيادة الروابط بين الدول ذات الجوار، والتي تربطها ببعضها روابط قومية كالقومية العربية، إلا أنه ومع التقدم الحاصل على الصعيد الدولي فقد انصهرت العديد من تلك القوميات، وأصبحت المصالح هي الأسس التي ترسى عليها دعائم تلك الشركات، وتدفع لإنشائها بغض النظر عن القرب الحدودي بين الدول الأطراف.

 وهذا وإن كان جيدا من الناحية النظرية كليا لتقريره التعاون الدولي بين الدول من شتى بقاع الأرض، فإنه عمليا وعلى النقيض من ذلك قد يعد ذريعة تفسد التكامل الإقليمي، فالأطراف في المشروعات الدولية المشتركة ليست دائما على قدم المساواة، فقد يكون أحد الأطراف ذا هيمنه على المشروع بحكم التقدم التكنولوجي وما يقدمه من رؤوس الأموال، وذلك يؤدي بالتبعية إلى بسط سلطة الطرف الأقوى على المشروع، والذي قد يكون له تأثيرا على الإقليم الواقع به.

ثانياً: الوجه الآخر للمشروعات الدولية المشتركة

لا يستطيع أحد أن ينكر دور المشروعات الدولية المشتركة بالنسبة للدول النامية، ذات الثروات الفقيرة في رأس المال والخبرة، ذلك أن مشاركة تلك الدول في مثل هذه المشروعات يفتح أمامها الأفق نحو تحقيق التقدم والازدهار، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق الدول الراغبة في الاشتراك معها في تلك المشروعات، مبتعدة بذلك عن السبل الأخرى مثل الاقتراض من المؤسسات العالمية، والتي تكون ذات قيود واشتراطات وفوائد طائلة.

    والمميزات التي تحصل عليها الدول النامية إذا ما أحسنت اختيار الشريك، هو الربح من تلك المشروعات بأقل التكلفة، وكذلك توفير فرص العمل الجيدة برواتب مجزية لأفراد هذه الدولة، إلا أن الرياح تأتي أحيانا بما لا تشتهي السفن، حيث أنه ومع ازدياد معدلات الفقر في تلك الدول، ووجود سلطات حاكمة غير رشيدة لا يهمها الا تحقيق مصالحها الشخصية والغير مهتمة بطبقات الشعب الأخرى، فإن تلك الدول الفقيرة تقع تحت يد دولاً تستغل تلك السلبيات لتلتهم ثرواتها وتترك لها الفتات، لتكشر حينها عن أنيابها ويظهر الوجه المظلم للمشروعات الدولية المشتركة، والذي يتمثل في استغلال بعض الدول الكبيرة للدول النامية، ولك عن طريق تقدير ثرواتها بأثمان بخسة، وإعطاء الدولة النامية أقل الأرباح، ومنح رواتب زهيدة لأفرادها، فيزداد ربح الدولة المستثمرة، وفي المقابل لا تصل الدولة النامية للهدف المنشود من هذه المشروعات، وهو للأسف ما نعيشه واقعاً في دول جنوب إفريقيا.

وبوجه عام يمكن القول إن التعاقدات المنشئة لتلك المشروعات تشبه تلك التعاقدات في القانون الخاص، حيث تدور حول تحقيق مصالح مشتركة لكل دولة طرف في تلك المشروعات خارج حدود دولتها، وتعتمد على قدرة كل طرف في الحصول على الاستفادة المناسبة التي تحقق له أكبر المكاسب، شأنها في ذلك شأن التعاقدات المبرمة بين أفراد القانون الخاص، حيث تغيب سيادة الدولة جزئيا في تلك المشروعات لتتماشى مع ما يقتضيه الميثاق المنشئ للمشروع المشترك.

وجدير بالذكر أن قضاة القانون الدولي الخاص قد وجهوا اهتمامهم نحو تأكيد أن القانون الواجب التطبيق في أي منازعة تثار عند تنفيذ أحكام وقرارات السوق العربية المشتركة هو القانون الخاص[1].

ثالثاً: سمات المشروعات الدولية المشتركة

1-دولية التعاقد

أهم ما يميز المشروعات الدولية المشتركة هو أن أطراف التعاقد فيها تكون دولاً أو هيئات عامة تابعة لدولة وتعمل تحت إشرافها، وهو ما يميزها عن الاستثمار العادي للأشخاص الطبيعيين خارج حدود دولهم، كالشركات الخاصة ذات الأفرع على مستوى العالم، فهي وإن كانت عابرة للحدود إلا أنها لا تكتسب الصفة الدولية المعنية بها المشروعات الدولية المشتركة، والقائمة على التعاون بين الدول.

2-يكون هدفها التنمية الاقتصادية دوليا

 وذلك ما يميز المشروعات الدولية المشتركة عن غيرها من الكيانات، فهي وإن كانت تقوم على توافق وتعاون دولي، فإن الغاية الأهم هي تحقيق الربح، مما يساعد على التنمية الاقتصادية للدول الأطراف في المشروعات الدولية المشتركة.

3- المدة الطويلة نسبيا لعقود المشاريع الدولية المشتركة

 من سمات المشروع الدولي المشترك أنه يقوم على دعائم وأهداف طويلة الأمد نسبيا، خاصة أن التعامل يكون ما بين دول والتي تتسم خططها في الأغلب بأنها خطط طويلة الأمد، ولا يعني ذلك أن تكون تلك المشاريع إلى الأبد، وإنما المقصود أن تتسم بالاستقرار لا أن تكون مجرد أنشطة عرضية مؤقتة.

4- تأثر المشروعات الدولية المشتركة بالقوميات الإقليمية

لا جدال في أن الهدف الرئيسي للمشروعات الدولية المشتركة هو الاستثمار، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تأثير لبعض القوميات الإقليمية التي تربط مجموعة من الدول، حيث تكون من ضمن الدوافع التي تدفع بالدول الأطراف للدخول في المشروعات الدولية المشتركة، كما هو قائم فعلا في بعض المشاريع بين بعض الدول العربية.

لـذا فإنـه وعلـى درب التكامـل الاقتصادي في مختلـف مجـالات العمـل العربي المشـترك، فقد صـدرت عـدة اتفاقيـات وقـرارات في هذا الشأن، وجـاءت قمـة عمـان في نـوفمبر 1980 لتتـوج العمل العربي المشترك وتدفعه للأمام من خلال أربعة وثائق هامة هي[2]:

  • وثيقة استراتيجية العمل العربي المشترك بأهدافها، وأولوياتها، وبرامجها، وآلياتها.
  • ميثاق العمل الاقتصادي القومي العربي.
  • عقد التنمية العربية المشتركة.
  • الاتفاقية العربية الموحدة للاستثمار.

رابعاً: صور المشروعات الدولية المشتركة

المشروعات الدولية المشتركة هي مثل نظائرها في القوانين المختلفة، حيث إن لها أشكال وأهداف مختلفة تتفق جميعها في أن لها نظام ثابت، تم تحديده عن طريق الميثاق الذي أبرمته الدول الأطراف، هذا النظام يحكم تنظيم تلك المشروعات من حيث الشخصية القانونية له، وتعيين العاملين به، وكيفية حل النزاعات الناشئة عن تصرفات هذه الشركات، وتتمثل صور هذه المشروعات فيما يلي.

1- الصورة الأولى: الشركة الدولية العادية

وهي الشركات التي يكون هدفها استثماري بحت، حيث يكون جميع الدول الأطراف فيها على قدم المساواة، ولها نظامها الخاص كشخصية مستقلة عن أطرافها.

2- الصورة الثانية: الشركة الوطنية أو شبة الدولية

وهي شركة تنشأ في أحد الدول الأطراف أو في دولة ليست طرف فيها، بحيث تحتكر تلك الدولة إدارة نشاط الشركة وفقا لقانونها الداخلي، ودون التعارض مع الميثاق المنشئ للشركة.

3- الصورة الثالثة: شركة المرفق العام

وهي عبارة عن مشروع دولي مشترك في الأساس، هدفه ليس الربح وإنما هدفه تنمية مشاريع خدمية تخدم الدول الأطراف في المشروع الدولي المشترك، وأهم أمثلتها المصرف العربي الدولي للتجارة والتنمية بين مصر وليبيا وسلطنة عمان.

خامساً: مميزات المشروعات الدولية المشتركة

المشروعات الدولية المشتركة تقوم على التعاون ما بين الأطراف للوصول إلى أفضل المكاسب، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي تتميز به تلك المشروعات؟

1- تدعيم المركز التنافسي                        

المشروعات الدولية المشتركة تكون بين دولتين أو أكثر، مما يؤدي إلى توافر العناصر التي تجعل من تلك المشروعات منافساً قوياً يصعب مجابهته، خاصة مع ارتفاع مواردها، حيث إنها تكون منشأه على أكمل وجه يحقق أقصى استفادة للدول الأطراف.

2- فتح أسواق جديدة

قد تكون المشروعات الدولية المشتركة الطريقة الوحيدة للاستثمار في الدول التي تقيد الاستثمار الداخلي، لتتمكن تلك المشروعات من امتلاك رؤوس أموال في تلك الدول رغم ما تضعه من قيود.

3- زيادة الربح من الصناعة

 تحدث الزيادة الربحية من الصناعة في المشروعات الدولية المشتركة، لأنها تعمل على الاستخدام الأمثل للموارد، ذلك لأنه وكما أوضحنا أنها تقوم على تعاون بين أطراف يمتلك كلاً منهم مورداً معيناً، فإذا ما تجمعت تلك الموارد بإرادة واعية نكون أمام استخدام أمثل للموارد يؤدي بالتبعية للزيادة الربحية.

سادسا: تطبيقات على المشروعات الدولية المشتركة

1- شركة البوتاس العربية

تأسست هذه الشركة عام 1956 كمشروع تجاري عربي، وحصلت على امتياز من الحكومة الأردنية مائة عام لتصنيع وتسويق المعادن المستخرجة من البحر الميت، ولقد تم إنشاء هذا المشروع استناداً إلى الدعامة القومية، حيث إن جميع الأطراف المؤسسة هي دول عربية، وكذا دعامة الاستثمار خارج حدود الدول.

ويتجسد شكل الشركة في وجود المشروع على أرض دولة الأردن، مع مساهمة عدد من الدول العربية إلى جانب الأردن في رأس المال، وهذه الدول هي سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية ولبنان ومصر.

وقد حصلت شركة البوتاس العربية على الامتياز رقم (1370 تاريخ 18/2/1958) ومدته مائة عام، وذلك لإنشاء الصناعات اللازمة لاستخراج الكيماويات من البحر الميت وتسويقها في كل أنحاء العالم، وهو ما يوضح ما يمكن أن تحصل عليه المشروعات الدولية المشتركة من امتيازات قد لا تستطيع المشروعات العادية الوصول إليها بسهولة.

وبالفعل فقد حقق المشروع الربح العالي عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد، حيث إن انخفاض الأجور في الأردن عنه في البلدان التي تنافس الشركة، واستخدام الطاقة الشمسية لتبخير مياه البحر الميت من الملاحات بما يشكل مصدرا مجانيا للطاقة، قد قرب الأردن من مراكز استهلاك البوتاس، سواء العربية منها أو الأسيوية أو الأفريقية أو الأوروبية، إلى جانب امتيازات أخرى مختلفة ومتنوعة.

كذلك فقد وفر المشروع للأردن أرباح عالية ووفر أعداد كبيرة من فرص العمل، مما يعد شكلا من أشكال المشروعات الناجحة بالنسبة للأردن، حيث إنها قد استفادت من رؤوس الأموال التي تم ضخها من خلال الدول العربية الاستفادة المثلى.

2- اتحاد المستثمرين العرب

تم اتخاذ القرار بإنشاء هذا الاتحاد خلال انعقاد ندوة نظمتها مؤسسة الأهرام المصرية بالقاهرة في أوائل 1995 قبيل المؤتمر السادس حول آفاق الاستثمار العربي والقرن الحادي والعشرين، وبناء على اقتراح من الأمانة العامة لمجلس الوحدة، ينطلق من أسلوب مجلس الوحدة في إقامة اتحادات عربية، ويهدف إلى تنمية علاقات الاستثمار العربية والتوفيق بين مصالح المستثمرين العرب من جهة، وبين دعم التنمية والتكامل الاقتصادي العربي من جهة أخرى، وتقديم خدمات حيوية للمستثمر العربي المشارك من جهة ثالثة[3].

سابعًا: الخاتمة

 وفي النهاية وبعد أن عرضنا من خلال الأسطر السابقة شرحا مبسطا للمشروعات الدولية المشتركة، وذكرنا بعض أهم تطبيقاتها، فإننا نرى وبحق أن مثل تلك المشروعات وخاصة على الصعيد العربي، كفيلة بتغيير النظم الاقتصادية للدول العربية، وتحقيق التكامل فيما بينها.

إعداد: محمد السعيد عبد المولى

– [1] ﻋﻤر اﻟﻔﺎروق – اﻟﻨظﺎم اﻟﻘﻀﺎﺌﻰ ﻟﻼﺘﺤﺎد اﻟﻌرﺒي – ﻤﺠﻠة اﻟﻤﺤﺎﻤﺎة – السنة الخمسون – اﻟﻌـدد اﻟﺤـﺎدى ﻋﺸـر -نوفمبر 1970-ص102.

[2] الأمانة العامة لجامعة الدول العربية – تونس 1985 ص 113 ،114)

[3] انظر اﻷﻤﺎﻨﺔ اﻟﻌﺎﻤﺔ ﻟﻤﺠﻠس اﻟوﺤدة اﻻﻗﺘﺼﺎدﻴﺔ: ﻤوﻗف اﺘﻔﺎﻗﻴﺔ اﻟوﺤدة اﻻﻗﺘﺼﺎدﻴﺔ اﻟﻌرﺒﻴﺔ وﺠﻬود ﻤﺠﻠﺴـﻬﺎ ﻓـﻰ ﻤﺠــﺎﻝ دﻋــم دور اﻟﻘطــﺎع اﻟﺨــﺎص ﻓــي اﻟﺘﻌــﺎون واﻟﺘﻛﺎﻤــﻝ اﻻﻗﺘﺼــﺎدي اﻟﻌ رﺒــي ﻤــذﻛرة ﻤﻘدﻤــﺔ إﻟــﻰ اﻟﻤــؤﺘﻤر اﻟﺴــﺎدس 1995/5/31- 29ﻟرﺠﺎﻝ اﻷﻋﻤﺎﻝ واﻟﻤﺴﺘﺜﻤرﻴن اﻟﻌرب، اﻻﺴﻛﻨدرﻴﺔ.

Scroll to Top