التصرفات الأحادية للدول
إن التطور الذي حدث في العلاقات الدولية صاحبه تطور موازي في قواعد القانون الدولي العام، فلم تعد تقتصر مصادر القانون الدولي على ما ورد في (المادة 38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وإنما يمكن القول بوجود مصادر أخرى نجدها فيما يسمى بالتصرفات الأحادية أو “الأفعال الانفرادية” التي تصدر عن الدول بإرادتها المنفردة.
وقد يصدر التصرف بالإرادة المنفردة عن الدول في عدة صور، فقد يصدر في صورة إعلان أو إقرار بوضع معين أو رفضه، أو يصدر في صورة احتجاج، وجدير بالذكر أن هذه الأفعال إما تكون مصادر ملزمة مباشرة على المستوى الدولي، أو باعتبارها تساهم في وضع قواعد دولية.
أولا: مفهوم التصرف الأحادي أو (الانفرادي):
ثانيا: أساس الالتزام بالتصرف القانوني الصادر عن الإرادة المنفردة.
ثالثا: الآثار القانونية للتصرفات القانونية الدولية الصادرة عن الإرادة المنفردة:
رابعا: مسؤولية الدولة لإخلالها بالتزاماتها الناتجة عن تصرفاتها الانفرادية:
أولا: مفهوم التصرف الأحادي أو (الانفرادي):
1- تعريف التصرف الانفرادي:
يعتبر العمل المنفرد هو تعبير من جانب واحد عن إرادة أحد أشخاص القانون الدولي حيث يترتب على هذا التصرف آثار قانونية معينة، فلابد من ترتيب آثار قانونية على هذا التصرف، حتى تندرج الأعمال الإرادية الصادرة عن الدولة تحت مفهوم الأعمال القانونية الصادرة عن الإرادة المنفردة.
فلا توجد ثمة مشكلة مالم يكن لهذا التصرف آثار قانونية، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية عندما يترتب على هذا التصرف أثار قانونية تتعلق إما بالدولة صاحبة التصرف الأحادي أو بغيرها من الدول.
2- شروط صحة التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة:
بداية ينبغي الإشارة سريعا قبل الخوض في تفاصيل شروط صحة التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة، أن نشير أولا إلى الشروط الواجب توافرها لانعقاد التصرفات الانفرادية الدولية حيث إن التصرفات الانفرادية كغيرها من التصرفات القانونية لا تقوم إلا بتوافر شروط صحة وشروط انعقاد والمتمثلة في التعبير عن الإرادة والتي من الممكن أن يكون هذا التعبير كتابة سواء بطريقة صريحة أو ضمنية، أو شفاهه كتعبير عن الاتجاه الذي اعتمدته هذه الإرادة.
ننتقل بعد ذلك إلى بيان شروط صحة هذه التصرفات، والتي نجدها في كافة التصرفات الدولية سواء كانت انفرادية أو اتفاقية.
أ- الشروط المتعلقة بمحل التصرف القانوني الصادر عن الإرادة المنفردة:
المقصود هنا بمحل التصرف القانوني، هو أن التصرف يستوجب أن يكون له موضوع أو مضمون ترتبط به الآثار الناتجة عن التصرف، وهذا الموضوع أو المضمون ما يسمى بالمحل.
وبالتالي لابد من أن يكون هذا المحل والذي يعد شرطا من شروط صحة التصرفات القانونية الصادرة عن الإرادة المنفردة، موجود وقابل للتحديد، فضلا عن مشروعية هذا المحل، فمشروعية وقابلية المحل للتحديد شرطين أساسيين يستوجب توافرهما في المحل ليس فقط في التصرفات القانونية الصادرة عن الإرادة المنفردة، ولكن كذلك يعد شرط من شروط صحة التصرفات القانونية أياً كان نوعها.
وبما أن محل التصرف الانفرادي الدولي هو مضمونه، فمن خلال هذا المضمون يمكن خلق التزامات عديدة على عاتق الدولة صاحبة التصرف أو حتى في مواجهة غيرها من الدول لذلك كما سبق وذكرنا آنفا فلابد من أن يكون هذا المحل موجود أو ممكن الوجود.
ب- شرط السبب في التصرف القانوني الصادر عن الإرادة المنفردة:
الغرض من اشتراط التسبيب هو معرفة سبب اتخاذ هذا التصرف الأحادي للتأكد والتيقن من عدم مخالفته للقواعد الأمرة للقانون الدولي العام.
وترتيبا على ما سبق، لابد أن تكون الأسباب التي تقصد الدولة الوصول إليها مشروعة وبالتالي فإن هذه الأسباب تحتاج إلى رقابة قضائية تراقب مشروعيتها، فإن لم تتوافر مشروعية الغاية التي تهدف الدولة الوصول إليها وقامت الدولة بهذا التصرف الانفرادي الغير المشروع فإن ذلك قد يعرضها للمسائل الدولية، ويعد بذلك التصرف باطلا.
فإذا ما صدر التصرف دون سببا مشروع يبرر قيام الدولة به، فضلا عن عدم مشروعية السبب ومخالفته للقواعد الآمرة للنظام الدولي فيعد بذلك التصرف باطل بطلانا مطلقا.
3- أنواع التصرفات الأحادية للدول:
أ- تصرفات أحادية مؤسسة على سيادة الدولة:
إن هذه التصرفات تكون نابعة من إرادة الدولة ذاتها، تصدر وفقا لهواها فلا تعلوها أي إرادة ودون أي رابطة عضوية، فهي التي تملك إراداتها باعتبار الدولة ذات سيادة.
ولهذه الفئة من التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة أنواع عدة، ومن أبرزها:
– التصريح (الإعلان):
وهو عبارة عن تصرف تعلن فيه الدولة عن جميع التصرفات التي ترغب في إبلاغها إلى الدول الأخرى وذلك عن واقعة أو مسألة دولية معينة، أو مشكلة لإظهار إرادتها مستقبلا ونيتها في الالتزام بما أعلنت عنه، فضلا عن ذلك قد يكون هذا الإعلان مكتوبا أو شفويا في خطبة عامة أو مؤتمر صحفي، وإن كانت الدولة تعود وتثبت التصريح الشفوي كتابة.
– الاعتراف:
يتم استخدامه على صعيد واسع في العلاقات الدولية فهو من أبرز التصرفات القانونية الصادرة عن الإرادة المنفردة أو الأحادية للدول.
والاعتراف يقصد به عموما التعبير الصريح أو الضمني عن إرادة الشخص القانوني الدولي في اعتبار أن واقعة ما، أو ادعاء معين مقبول من جانبه، فقد يكون محل الاعتراف هنا بعض الأعمال مثل (اتفاقية دولية أو معاهدة)، وقد يكون وقائع جديدة، أو ادعاءات معينة( كفقدان إقليم معين أو سيادة دولة عليه).
وبالتالي يمكن تعريف الاعتراف بأنه إرادة منسوبة لشخص من أشخاص القانون الدولي تملك سلطة الالتزام بشرعية وضع معين وتنتج الآثار القانونية مستقلة عن أي إرادة أخرى.
– الاحتجاج:
وهو عكس الاعتراف الذي ذكرناه آنفا، وبه تؤكد الدولة بعدم اعترافها بادعاء أو وضع معين، ويمكن تعريفه أيضا أنه عملية قانونية تستهدف صون حقوق الدولة المحتجة وإزالة النتائج القانونية الناتجة عن انتهاك هذه الحقوق.
ب- التصرفات الأحادية التي تجد سندها في القانون الدولي العام:
هناك أنواع من التصرفات الأحادية نجد سندها في القانون الدولي ذاته، وذلك بعكس ما تم ذكره آنفا وهو التصرف بالإرادة المنفردة المستمدة من سيادة الدولة والتي لا ترتبط بتنفيذ معاهدة دولية فهذه الإرادة مستمدة من السلطة التقديرية للدولة، ومن ثم نجد أننا في هذه الفئة أمام فرضيتان لهذه التصرفات وهما:
– الفرضية الأولي:
وجود قاعدة دولية تستوجب على الدولة التصرف على نحو معين ونجد ذلك في الإخطار أو (التبليغ)، والإخطار هنا معناه أن تبلغ دولة، دولة أحرى بواقعة معينة ترتب آثار قانونية معينة سواء كانت هذه الواقعة مادية مثل احتلال إقليم معين، أو واقعة قانونية مثل إبرام معاهدة دولية.
– الفرضية الثانية:
تمتع الدولة بقدر كبير من الحرية، ولكن مع مراعاة أحكام قواعد القانون، ونجد ذلك من خلال التحفظ على المعاهدات.
ويعد التحفظ على المعاهدات الدولية، حق يخول الدولة المتحفظة تعديل الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدة فيما يخص علاقتها ببقية أطراف تلك المعاهدة، أو حق يخول للدولة الطرف في المعاهدة باستبعاد حكم من أحكام هذه المعاهدة والذي ترى سريانه غير مناسب لها.
ثانيا: أساس الالتزام بالتصرف القانوني الصادر عن الإرادة المنفردة.
احتدم الخلاف بين فقهاء القانون الدولي حول أساس الالتزام بما يولده التصرف الصادر عن الإرادة المنفردة للدولة من التزامات دولية، حيث انقسم الفقهاء إلى فريقين، ذهب فريق إلى أن هذا الالتزام ناشئ من قاعدة عرفية مكتوبة، وانتهى فريق آخر إلى اعتبار مبدأ حسن النية هوا أساس الالتزام بالتصرفات الصادرة بالإرادة المنفردة.
ونخلص هنا إلى تحديد هذين الاتجاهين على النحو التالي:
1- العرف كأساس للالتزام بالتصرف الصادر عن الإرادة المنفردة.
لم تتعرض الدراسات المتعلقة بالتصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة لتحديد أساس الالتزام بهذه التصرفات، ولكنها قامت بوضع نظرية عامة ولم تتطرق إلى النقاشات الفقهية التي أثارتها.
ونجد هنا اتجاه فقهى يعد من الدراسات القليلة لفقهاء القانون الدولي يمثله الأستاذ الدكتور “محمد سامي عبد الحميد” والذي يرى أن وجود قاعدة عرفية مكتوبة هيا أساس الالتزام بالتصرفات القانونية الصادرة عن الإرادة المنفردة وذلك إذا ما توافرت كافة ما تشترطه هذه القواعد من شروط الصحة والنفاذ.
ويمكن أن نلخص الاتجاه الذي اعتمده الدكتور محمد سامي، في أن القواعد العرفية يمكن أن تنشئ من خلال تواتر وتكرار التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة بصفة مستمرة مع الشعور بإلزامها، دون وجود اعتراض من جانب أشخاص دولية أخرى، وبذلك تتكون القاعدة العرفية والتي تدخل ضمن إطار الأعراف الدولية، والتي تعد مصدر للالتزامات الدولية ومصدر من مصادر القانون الدولي العام كذلك.
ولكن وجه النقد لهذا الاتجاه الذي انتهجه الدكتور محمد سامي حيث إنه حتى يمكن القول بتوافر التواتر فلابد أن ينتهج الأشخاص المكونين للجماعة نفس السلوك وهذا ما يفرضه العرف، فمن المسلم به توافر سابقتين أو ثلاث على الأقل لوجود العرف.
وبالتالي يمكن أن ننتهي إلى أنه إذا كان العرف يتوافر بتكرار السلوك أكثر من مرة، فأن التصرف الصادر عن الإرادة المنفردة بعكس ذلك لا يحتاج إلى التكرار للقول بخلقه للالتزام على عاتق مصدره، وبالتالي لا يمكن القول هنا بأن العرف هو أساس الالتزام بالتصرف الصادر عن الإرادة المنفردة، فعدم وجود التكرار في التصرف الانفرادي يعنى عدم وجود العرف.
ومن هنا ظهر اتجاه فقهى آخر انتهي إلى وجود أساس آخر غير العرف للالتزام بهذه التصرفات ألا وهو ” مبدأ حسن النية” وهو أحد المبادئ العامة للقانون، كما سنرى لاحقا.
2- مبدأ حسن النية كأساس الالتزام بالتصرف الصادر عن الإرادة المنفردة:
يعتد هذا الاتجاه الفقهي بأن أساس الالتزام بالتصرفات الصادة عن الإرادة المنفردة للدولة، هو مبدأ حسن النية الذي يعتبر مبدأ أساسي في مجال القانون الدولي العام وأحد المبادئ العامة للقانون كما ذكرنا آنفا، فضلا عن كون هذا المبدأ معترف به من طرف معظم التشريعات الوطنية.
وجدير بالذكر أن مصطلح “حسن النية” يولد الثقة لدى الموجه إليه التصرف، ومن ثم يمكن لهذه الثقة أن تغير وتؤثر على موقف المخاطب، وبذلك تنشأ له الحقوق على أساس هذا المبدأ.
إذ بمقتضى بمبدأ حسن النية، يصبح على مُصدر التصرف التزام عام يؤسس على هذا المبدأ، ويصبح للموجه والمخاطب بالتصرف الحق في طلب التعويض وذلك في حالة عدم تنفيذ مُصدر التصرف للالتزامات التي تقع على عاتقه.
فانطلاقا من هذا المبدأ يتحمل مُصدر التصرف الوفاء بالتزامه تطبيقا للثقة المتبادلة بينه وبين المخاطب بالتصرف على أساس الثقة التي نشأت بين أشخاص المجتمع الدولي التي يولدها مبدأ حسن النية كما وضحنا سابقا، وبناءً على ذلك يتولد شعور بالإلزام لدى مُصدر التصرف الانفرادي أو (الأحادي) تجاه المخاطبين بهذا التصرف من أشخاص القانون الدولي نتيجة الثقة المتبادلة بينهم.
كما تم تأكيد هذا القول من قبل القضاء الدولي حيث أكدت محكمة العدل الدولية أن الأساس الملزم للتصرفات الانفرادية هو مبدأ حسن النية، حيث قررت المحكمة أن هذا المبدأ هو أحد المبادئ الأساسية التي تعتبر أساسا في تنفيذ الالتزامات القانونية، بما يولده من واجب الوفاء لدى مصدر التصرف، والثقة لدى المخاطب بالتصرف، فقد كان ذلك بمناسبة نظرها في قضية التجارب النووية لعام 1974.
ثالثا: الآثار القانونية للتصرفات القانونية الدولية الصادرة عن الإرادة المنفردة:
كما هو متعارف عليه أن التصرفات الأحادية (الانفرادية) تحدث آثارا في القانون الدولي، فتعد هذه من أهم السمات التي تتميز بها التصرف الصادر عن الإرادة المنفردة، وهو القدرة على ترتيب الآثار القانونية، سواء كانت التزامات أو حقوق جديدة، وكما ذكرنا آنفا أنه يشترط لحدوث ذلك، أن يكون هذا التصرف منسوب لدولة ما وتتصرف في حدود اختصاصها أو سيادتها، فضلا عن ذلك لابد أن تحظى بالإعلان عنها حتى تصبح معروفة لدى أشخاص المجتمع الدولي.
ولمحاولة فهم أهم الآثار القانونية التي تنجم عن التصرفات الأحادية نتعرض إلى:
آثار التصرفات الأحادية على الدولة الصادر التصرف منها وعلى الدول الأخرى:
1- بالنسبة إلى آثار التصرفات الانفرادية على الدولة الصادة عنها:
ومن خلال بعض السوابق القضائية الدولية والتي تناولت فيها المحكمة قضايا ناشئة عن تصرفات أحادية (أو انفرادية) لدول معينة نستطيع أن نبرز أهم الآثار التي يمكن أن تنتج عن هذه التصرفات والتي تتمثل في:
قرار محكمة العدل الدائمة الصادر في 5/4/1933 في قضية المركز القانوني لغوريلاندا الشرقية، حيث أقرت المحكمة بالطبيعة الإلزامية لتصريح شفوي صادر عن وزير خارجية النرويج بحضور السفير الدانماركي الذي أعلن فيه اعتراف بلاده بالسيادة الدانماركية على الجزيرة، إذ قالت المحكمة: “أن هذا الاعتراف غير مشروط ونهائي، وبالتالي لا يحق للنرويج التراجع عنه، ولا يحق لها احتلال أي جزء من غرويلاندا الشرقية” لأنها اعترفت سابقا بسيادة الدنمارك عليها.([1])
وجدير بالذكر أن آثار التصرفات القانونية قد تخلق للدولة مُصدرة التصرف حقوقا جديدة لم تكن موجودة من قبل، حيث لا يقتصر الأمر على وضع التزامات على عاتق الدولة مُصدرة التصرف.
ونجد من أهم الأمثلة لذلك، التصرف الانفرادي المتمثل في الاحتجاج، الصادر من دولة ما ويرتب آثارا مهمة في مواجهة الدول الأخرى، وهو عدم نفاذ وسريان الحالة أو الوضع الذي احتجت ضده الدولة، إلا أننا نحد أن سكوت الدولة وعدم احتجاجها عن وضع معين فهذا يعد موافقة ضمنية منها يدل على رضاها عن ذلك، وبالتالي يسقط حقها في إثارة أي منازعة بخصوص هذا الأمر التي سكتت عنه والذي عبر عن موافقتها، حتى لو كان ذلك غير متفق مع مصالحها.
ونستطيع أن نوضح ما سبق من خلال التعرض لقضية ” معبر بريا فايهار” عام 1962 بين كلا من تايلاند وكمبوديا، حيث إن تايلاند امتنعت عن الاحتجاج حول صحة الخرائط المرسومة، والتي تظهر وجود أحد المعابد داخل أرض كمبوديا، ومن هنا قدرت محكمة العدل الدولية أن عدم احتجاج تايلاند لمدة طويلة رغم أن الظروف كانت مواتية للاحتجاج ، وإحداث رد فعل يعبر عن عدم موافقتها من جانب سلطات تايلاند، لكنها امتنعت عن ذلك خلال عشرات السنين فهذا يدل على رضاها بهذا الوضع.
وبهذا تعرضنا لبعض السوابق القضائية فيما يخص التصرفات الأحادية لدول معينة، واستخلصنا منها أهم الآثار التي تنجم عن هذه التصرفات، فهي لا تخرج عن نطاق خلق التزامات جديدة تكون ملزمة بها، أو تخلق حقوقا جديدة لم تكن موجود من قبل هذا التصرف ويكون ذلك في مواجهة كافة الدول الأخرى.
2- آثار التصرفات الأحادية على الدول الغير:
نجد هنا أن آثار التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة لا تقتصر فقط على الدولة مُصدرة التصرف من حيث خلق حقوق جديدة أو فرض التزامات يستوجب عليها الوفاء بها كما وضحنا سابقا، ولكن الآثار هنا تتعدى بالنسبة إلى غيرها من الأشخاص الدولية الأخرى.
ويمكن تقسيم التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة إلى تصرفات أحادية مؤسسة على سيادة الدولة، وتصرفات أحادية والتي تتخذ إعمالا لقاعدة عرفية أو اتفاقية، وعليه فإن الآثار المترتبة عن هذه التصرفات بالنسبة للغير تختلف باختلاف الفئة التي تنتمي إليها هذه التصرفات.
فالتصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة للدولة المؤسسة على سيادتها والتي ليس لها علاقة بقاعدة عرفية أو اتفاقية، فلا يمكن الاحتجاج بها في مواجهة الأشخاص الدولية الأخرى إلا في حالة قبولها وقبول النتائج المترتبة عليها.
فعلى سبيل المثال بخصوص قضية غرويلاندا الشرقية والتي ذكرناها سابقا، رأينا في قرار محكمة العدل الدائمة، والذي قضت فيه باعتراف النرويج بالسيادة الدنماركية على الجزر الشرقية، فهو اعتراف لا يمكن الرجوع فيه من طرف النرويج وبهذا يصبح للدنمارك الحق بالاحتجاج بسيادتها على هذه الجزر في مواجهة النرويج كلما دعته إلى ذلك مصلحة لها.
ونجد إذن أن هذا الاعتراف كتصرف قانوني مؤسس على سيادة الدولة وصادر عن الإرادة المنفردة لها، أنشأ التزاما على عاتق الدولة مُصدرة التصرف وفى المقابل أعطي حق للمستفيد في مواجهة المعترف كلما دعته مصلحته لذلك.
أما بالنسبة للتصرفات الانفرادية والتي تتخذ إعمالا لقاعدة عرفية، فنجد أن إعلان حالة الحرب بين دولتين كتصرف صادر عن الإرادة المنفردة ينتج عدة آثار من أهمها استبدال حالة السلم بحالة الحرب، بالإضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، فضلا عن انقضاء المعاهدات المبرمة بين الدول المتحاربة إلا ما كان منها منظما لحالة الحرب، ما لم تنص تلك المعاهدات على غير ذلك.
وبخصوص هذا الشأن يمكننا الإشارة إلى المبدأ الذي يقضى بأنه لا يعتد بالتصرفات الأحادية تجاه الغير إلا إذا قابل ذلك التصرف رضا الطرف الآخر، ولكن يوجد على هذا المبدأ استثناء هام ألا وهو قيام الدولة المعنية بممارسة اختصاصات معترف لها بها وذلك بموجب اتفاقية أو قاعدة عرفية، ونجد خير مثال على هذه الحالة مثل تحديد عرض المياه الإقليمية بحدود 12 ميلا ابتداء من خط الأساس.
ويمكننا أن نستخلص مما سبق فيما يخص آثار التصرفات الأحادية أنه في الوقت الذي تفرض فيه التزامات على عاتق الدولة مصدر التصرف، فأنها تنشأ في نفس الوقت حقوقا لصالح الأشخاص الدولية الأخرى.
رابعا: مسؤولية الدولة لإخلالها بالتزاماتها الناتجة عن تصرفاتها الانفرادية:
إن القانون الدولي يتضمن مجموعة من الحقوق والواجبات التي يتعين على الدول أن تلتزم بها احتراما لهذه القواعد، وإذا خالفت أي من الدول هذه القواعد ولم تنفذها إهمالا أو تقصيرا وتسببت بالضرر للدول الأخرى، فيتعين تحريك المسؤولية تجاه هذه الدولة المخالفة لالتزاماتها والرجوع عليها بتعويض مناسب للضر الذي تسببت فيه.
فقد توصلت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في مشروعها حول موضوع ” المسؤولية الدولية” في مادته الأولى،” بأن كل فعل غير مشروع من جانب دولة ما يرتب المسؤولية الدولية”، حيث إن أساس المسؤولية الدولية هنا هو عدم مشروعية السلوك الذي انتهجه شخص القانون الدولي ومخالفته لما التزم به طبقا لقواعد القانون الدولي سواء كان هذا الشخص منظمة دولية أو دولة، وهو بذلك يرتب مسؤوليته ويلتزم بإصلاح الضرر.
ورغم تسلمينا بأن إتيان الدولة لفعل مخالف للقانون الدولي ومخالف لالتزاماتها الدولية عامة فضلا عن إرادتها المنفردة خاصة يرتب بذلك مسؤوليتها الدولية، فإن ذلك لا يعد كافيا لترتيب تلك المسؤولية على عاتقها، ولكن ينبغي توافر شروط ثلاثة لإثبات هذه المسؤولية وهذه الشروط نخلصها كالآتي:
- وجود فعل أو امتناع عن فعل سواء كان مادي أو معنوي من شخص قانوني دولي.
- لابد أن يكون هذا الفعل أو الامتناع عن الفعل غير مشروع، بالاستناد إلى مبادئ المشروعية الدولية.
- لا بد أن يصاحب هذا الفعل ضرر بشخص قانوني دولي آخر.
وجدير بالذكر أن الضرر الذي تسببت فيه الدولة يعد أساس مهم في ترتيب المسؤولية الدولية مهما يكن إتيان الدولة لعمل غير مشروع أو امتناعها عن الوفاء لالتزاماتها الأحادية، وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في حكمها بشأن قضية مضيق كورفو بتاريخ 9/4/1949، حيث أدانت حكومة ألمانيا لأنها لم تعلن عن وجود ألغام في مياهها الإقليمية للسفن الحربية البريطانية رغم علمها، وبذلك قضت بمسؤوليتها عن الأضرار الجسيمة التي تسببت بها لبريطانيا.
إعداد/ بسمة باسم.
1- بقباقي ليندة، التصرفات الانفرادية للدول كمصدر من مصادر القانون الدولي، سنة 2012-2013، ص 85.

