الموت الرحيم في القانون الأردني والمصري والقوانين الغربية

الموت الرحيم في القانون المصري والأردني والقوانين الغربية

إن حق الإنسان في الحياة هو حق أصيل دافعت عنه كافة القوانين والأديان حول العالم، ورسخت كافة الدساتير هذا الحق في طيات ديباجتها، وأرست فكرة حرمة الجسد وإزهاق الروح كعامل أساسي في قيام الحضارة والمجتمعات المدنية الحديثة، وكذلك جميع الأديان والملل والطوائف، فهو أمر لا خلاف عليه.

بيد أن حياة الإنسان تلك قد تمر بظروف تجعل منها امرأ صعبا وشاقا للغاية لبعض الأشخاص ذوي الحالات المرضية المستعصية، لذلك نشأت فكرة الموت الرحيم – القتل بدافع الرأفة – منذ القدم بين القانونيين والفلاسفة في المجتمعات القديمة،[1] بغية تخفيف تلك المعاناة عن كاهل أولئك المرضى، والنظر إليهم بعين الرحمة .

ومنذ ذلك الحين أثارت تلك الظاهرة العديد من الإشكالات القانونية والمجتمعية التساؤلات حول آلية تحديد الحالة الميؤوس منها من عدمه، فضلا عن مدى مشروعية ذلك من الناحية القانونية والدينية، ومن أجل إيضاح ذلك كان لزاما علينا التعرض للنقاط التالية:

أولاً: معنى الموت الرحيم والفرق بينه وبين القتل العمدي:

ثانياً: أشكال الموت الرحيم:

ثالثاً: لمحة تاريخية عن نشوء فكرة الموت الرحيم:

رابعاً: موقف الشريعة الإسلامية من الموت الرحيم:

خامساً: موقف التشريعات الوضعية من الموت الرحيم:

أولاً: معنى الموت الرحيم والفرق بينه وبين القتل العمدي:

1- تعريف الموت الرحيم:

يعود أصل كلمة القتل الرحيم إلى الإغريق EUTHANATOS وهي تتألف من مقطعين: (Eu الحسن، الطيب، الرحيم أو الميسر)، (thanatos: الموت أو القتل)، مما يعني أن كلمة EUTHANATOS تعني الموت أو القتل الرحيم أو الميسر، وقد درجت اللغات الأجنبية على تسميته ( الاوتانازيا”) وبالفرنسية EUTHANASIE والقتل الرحيم اصطلاحا: إنهاء حياة المريض الميؤوس من شفائه طبيا للحد من آلامه غير المحتملة بناء على طلبه الصريح أو الضمني، أو من ينوبه، وسواء قام بتنفيذه الطبيب أو شخص آخر بدافع الشفقة.(1)

ومن التعريف نجد أن الدافع للقتل هنا ليس إجرامي، عكس القتل العمدي الذي يكون فيه الركن المعنوي هنا هو القصد الإجرامي المبيت لإزهاق الروح، ولمعرفة الفرق بشكل أدق نستعرض في السطور التالية تعريف القتل العمدي :

2- تعريف القتل العمدي:

هو التسبب في إزهاق روح إنسان آخر بصورة غير شرعية بنية وقصد إجرامي مبيت وذلك بسبب دوافع خاصة عند القاتل، فنجد هنا النية والقصد مختلفين عن حالة الموت الرحيم الذي يكون فيه القصد بدافع الشفقة وليس بدافع إجرامي.

ومن هنا أصبحت لدينا إشكالات قانونية في تعريف أركان القتل الرحيم ووصفه كجريمة، في حين أن بعض الدول جعلت منه أمرا مشروعا كما سنعرف لاحقا في سطور المقال.

ثانياً: أشكال الموت الرحيم:

1- القتل الرحيم الطوعي أو الإرادي:

وفيه يكون المريض مدرك وواعي لقرار إنهاء حياته، ورغبته في الموت للتخلص من معاناته، طالبا المساعدة الطبية اللازمة للشروع في ذلك بالطريقة التي يراها مناسبة.

ولعل ذلك النوع يكون شبيه بالانتحار إلا أنه بمساعدة طبية خاصة، ويعتبر هذا الأمر مجرم في العديد من الدول ومنها الدول العربية، إلا أنه يعد قانوني في كل من بلجيكا، وهولندا، وبعض الولايات في أمريكا على سبيل المثال.

2- القتل الرحيم الغير طوعي:

حيث يكون المريض في حالة لا تسمح بإبداء رغبته في الموت، كأن يكون في غيبوبة أو أن يكون طفلا أو فاقدا لعقله، فكل تلك الحالات الواردة على سبيل المثال يكون فيها المريض غير قادر على اختيار موته للتخلص من معاناته مع المرض.

ففي تلك الحالة يلجأ ذوي المريض إلى إعلان رغبتهم في قتل مريضهم وإنهاء معاناته والتخلص من آلامه التي يكون ميؤوس من شفائها

ج- القتل بدافع الرأفة بالإكراه:

حيث يكون المريض لا يرغب في إنهاء حياته، ولكن شخصا ما قد قرر إنهاء حياة المريض لأنه يرى أن ذلك أفضل له، ويكون ذلك سواء بفعل إيجابي، كحقنه بالعقاقير التي تسرع عملية وفاته، أو بامتناع سلبي، ومثال ذلك عدم إعطائه العلاج المرحلي المطلوب مما يؤدي إلى وفاته.

وقد يتم أيضاً قتل المريض بواسطة إعطائه كميات كبيرة من المسكنات التي تعمل على تخفيف آلامه بصورة نسبية، ولكنها تسرع من وفاته في ذات الوقت[2].

ولعل النوع الأخير قد واجه انتقادات كبيرة من المجتمع الدولي بأكمله، حتى أن جميع القوانين اتفقت على تجريمه بشكل قاطع، عكس الأنواع الأخرى.

ثالثاً: لمحة تاريخية عن نشوء فكرة الموت الرحيم:

إن فكرة الموت الرحيم ليست بالفكرة الحديثة، إنما هي قديمة منذ نشأة المجتمعات والقبائل البدائية، فكانوا قديما يتخلصون من أصحاب الأمراض المعدية خشية من عدواهم لباقي الأفراد في القبيلة، لكن المفهوم الحديث ل “الموت الرحيم ” نشأ مع بداية الحضارة اليونانية وفلاسفة اليونان بالتحديد، في إشارة منهم إلى أنه وسيلة موت سهلة ذات نهاية سعيدة.

وكان أول من استخدم القتل الرحيم كمصطلح هو الفيلسوف الإنجليزي روجيه بيكون، مبرراً ذلك بأنه لابد أن تكون نهاية المريض هادئة وسهلة ولا تحمل أي أنواع من المعاناة.

أما في التاريخ الحديث وفي بداية القرن العشرين كانت الولايات المتحدة هي أول من أجاز فكرة الموت الرحيم عن طريق سن تشريعات تبيحه اختياريا حسب رغبة المريض، لاسيما إذا كانت حالته ميؤوس منها.

وصولا إلى التاريخ المعاصر، نجد أن أغلب التشريعات التي تجيز فكرة القتل أو الموت الرحيم هي تشريعات غربية، فيما اتفقت التشريعات العربية على تجريم ذلك الفعل كما سيتم التوضيح لاحقا في طيات هذا المقال.

رابعاً: موقف الشريعة الإسلامية من الموت الرحيم:

إن من أغلى القيم في الشريعة الإسلامية هي قيمة الحياة، فالله سبحانه وتعالى حرم قتل النفس بغير الحق، يقول سبحانه وتعالى في كتابة العزيز “‏مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً “[3].

وفكره قتل النفس بغير الحق لم تقتصر فقط على أن يقتل المسلم غيره، ولكن الأشد حرمة عند الله هو قتل المسلم لنفسه، وأن من يفعل ذلك يكون قد ارتكب إثماً مبيناً، إذ جعل الله عز وجل من الحفاظ على النفس أمراً أساسيا تقوم عليه ركائز الإيمان بالله سبحانه وتعالي، بل وأكثر من ذلك، فقد أباح الله سبحانه وتعالى المحرمات في سبيل الحفاظ على النفس، فقد أحل الله حالة الضرورة أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر، كل ذلك في سبيل عدم إزهاق النفس، وأنزل آيات بينات تحث على عدم إلقاء النفس في التهلكة.

أما عن حالتنا بالتحديد- الموت الرحيم – فقد ذكرت بشكل واضح وجليا في السنة النبوية، حيث جاء في الحديث عن جندب – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “كان برجل جراح ، فقتل نفسه، فقال الله عز وجل: “بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة”[4]

فنجد أن حالة الألم هنا متوفرة، ولكن لم تبح الشريعة الإسلامية قط الموت بدافع الرأفة، إنما حثت على الصبر وتحمل الألم واحتساب الأجر والثواب من الله.

ولأن القوانين العربية معظم أحكامها مستمدة من الشريعة الإسلامية نجد أنها تجرم أي نوع من أنواع الموت الرحيم، إلا بعض الدول مثل لبنان وسوريا واللاتي يُجزن الموت الرحيم في حالات يحددها القانون، وللتعرف أكثر عن نظرة القانون لتلك الفكرة سوف نسرد في العنصر الخامس موقف التشريعات الوضعية من تلك الفكرة، ونبدأها بالقوانين العربية مركزين على القوانين المصرية والأردنية كنموذج هام للتشريعات العربية، ومن ثم استطراد في الحديث عن التشريعات الغربية بين الرفض والتأييد في السطور التالية:

خامساً: موقف التشريعات الوضعية من الموت الرحيم:

كما وضحنا مسبقا أن هناك اختلاف بين الدول حول العالم في تناول فكرة الموت الرحيم، فهناك دول أيدتها واعتبرتها حرية شخصية للمريض، وهناك دول جرمت ورفضت الفكرة من الأساس وهناك دول وضعت شروط خاصة، بل وأنه في نفس الدولة هناك ولايات أيدت فكرة “الموت الرحيم ” وشرعت لها قوانين، وهناك ولايات جرمت ذلك، ومثال حي على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

وهناك دول اعتبرت من ذلك ظرفا مخففا للعقوبة، مثل الإمارات والكويت، فنجد (المادة 96) من قانون العقوبات الإماراتي تنص على أن: (يعتبر دافع الشفقة في القتل عذراً قانونياً مخففاً للعقوبة في بعض القوانين التي تجعل من بين نصوصها أساسا لذلك فإذا اقترنت الرحمة والشفقة بالقتل البسيط وجب على القاضي أن يأخذ هذا الظرف بالاعتبار وفقاً لما بين يديه من نصوص).

وتنص المادة (157) من قانون الجزاء الكويتي على أنه : (يعتبر الإنسان قد تسبب في قتل إنسان آخر ولو كان فعله ليس هو السبب المباشر أو السبب الوحيد في الموت في الحالات الآتية:

  • “رابعا”: إذا كان المجني عليه مصابا بمرض أو بأذى من شأنه أن يؤدي إلى الوفاة وعجل الفاعل بفعله موت المجني عليه.
  • “خامسا”: إذا كان الفعل لا يفضي إلى الموت إلا إذا اقترن بعمل من المجني عليه أو من أشخاص آخرين.

1- الموت الرحيم في القانون المصري والأردني:

إن الشريعة الإسلامية تجرم هذا الفعل كما سبق وتحدثنا عن ذلك بالتفصيل، ولأن الدول العربية هي دولاً إسلامية بطبيعتها،  نجد أنها تتخذ من الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا وهاما في التشريعات الوضعية.

أ- موقف المشرع المصري من فكرة الموت الرحيم.

إن المشرع المصري في قانون العقوبات جعل من فعل إزهاق الروح جريمة يعاقب عليها بالإعدام أو بعقوبة مخففة في حالات معينة، والقانون المصري يمنع تماماً فكرة الموت الرحيم، ويعتبره قتل عمد، حتى لو بإرادة المريض.

فالقانون في مصر لم يتطرق لفكرة الموت الرحيم وإنما جرم الفعل المتسبب في القتل بشكل عام أيا كان الدافع من وراء ذلك، لأن الحق في الحياة هو حق لصيق بالشخص كما هو ثابت في الدستور المصري ، وعليه فأي فعل يؤدي إلى وفاة المريض سواء كان بالسلب أو بالإيجاب هو محل تجريم من منظور الشارع في مصر بغض النظر عن الدافع وراء ذلك حتى ولو تجسد الدافع في إنهاء آلام المريض الميؤوس من شفائه.

ب- موقف المشرع الأردني من الموت الرحيم:

رفض المشرع الأردني فكرة الموت الرحيم نهائيا حيث نص في المادة (16/أ) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم ٢٥ لسنة ٢٠١8 على أن: ” لا يجوز إنهاء حياة متلقي الخدمة أياً كان السبب ولو كان بناء على طلبه أو طلب وليه أو الوصي عليه”.

وعليه نجد عدم جواز إنهاء حياة المريض، حتى لو كان ذلك بناء على طلبه، بل وتطرق إلى أبعد من ذلك في الفقرة الثانية من المادة (١٦) من ذات القانون سالف الذكر، حيث حدد حالات على سبيل الحصر بشأن رفع الأجهزة عن المريض، حيث نصت الفقرة على الآتي : ” لا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن متلقي الخدمة إلا إذا توقف القلب توقفا تاما ونهائيا، أو توقفت جميع وظائف الدماغ توقفا تاما ونهائيا وفقا للمعايير الطبية الدقيقة وقرر الأطباء المعالجون بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.”

ونجد هنا أن قرار رفع أجهزة الإنعاش مرتبط ارتباطا وثيقا بتوقف الأجهزة الحيوية، توقفا لا رجعة فيه، أي أن الحالة يستحيل أن ترجع إلى الحياة مرة أخري، وهو ما نسميه “الموت السريري”

وفي العموم نجد أن موقف التشريعات العربية موحد تقريبا، وأنه وحتى وإن كانت بعض الدول العربية تجعل من العقاب ظرفا مخففا، إلا أنها لم تختلف على تجريم الفعل من الأساس، عكس الموقف الغربي من الموت الرحيم، الذي يرى- في بعض الدول – أن للمريض حقاً في اتخاذ قراره، بناء على قناعاته الشخصية دون النظر إلى التشريعات الدينية، ونتحدث في العنصر التالي عن ذلك بالتفصيل.

2- الموت الرحيم في التشريعات الغربية:

إن نظرة الغرب “للموت الرحيم” مختلفة عن الوضع في عالمنا العربي، حيث إنهم يستمدون القوانين بناء على تجربتهم الشخصية والحضارية، خاصة بعد إقصاء الدين تماما عن كافة جوانب الحياة، ونجد أن كل دولة من دول الغرب تتبنى موقف مغاير عن مثيلتها.

 فمثلا ألمانيا قد اعتبرت “الموت الرحيم” عن طريق الطبيب هو جريمة يعاقب عليها القانون، ولم تحظر انتحار المريض بنفسه، فمثلا في حالة إعطاء طبيب عقارا ساما لمريض في درجة متأخرة من السرطان، يكون الفعل معاقبا عليه بالسجن مدة تصل إلى ثلاثة أعوام.

عكس الوضع في (سويسرا)، فقد سمحت بتدخل طرف ثاني – في عملية الموت الرحيم – بناءً على طلب المريض، فيمكن للمريض الطلب من الطبيب المعالج له المساعدة على إنهاء حياته.

والاتحاد الأوروبي بشكل عام مازال يجاهد ليحسم رأيه في تلك القضية، حيث إن بعض الأصوات نادت بإدراج “الموت الرحيم” في قانون الصحة العامة، وإلى الآن انقسمت الآراء داخله بين مؤيد ومعارض .

ومن الدول التي صوت أعضاء برلمانها حديثا لصالح قانون الموت الرحيم هما البرتغال، وفرنسا، حيث مؤخرا تم التصويت بين أعضاء البرلمان لصالح قانون الموت الرحيم، بعد أن كان محظورا فيهما .

أما (هولندا) فهي من الدول التي أقرت الموت الرحيم، ولكن بشروط محددة، حيث نصت (المادة ۲۰) من قانون العقوبات الهولندي على أن القتل الرحيم جريمة معاقب عليها بأكثر من ۱۲سنة حبس إلا إذا طبق من طبيب راعى فيها الشروط المحددة في القانون وهي :

  • أن يعاني المريض من مرض لا يرجى شفاؤه.
  • أن يكون الألم غير محتمل.
  • أن يمنح المريض موافقته في حالة عقلية سليمة.
  • أن يتم استشارة طبيب غير الطبيب المعالج
  • إثبات أن المريض قد ألح في الطلب المساعدة في إنهاء حياته .

وبناءً على ما تقدم نجد أن الموقف في دول الغرب لم يحسم أمره، ولم يتفق على موقفا موحدا، فإن فكرة “الموت الرحيم” تثير عدة إشكالات قانونية في العالم بأثرة، بين مؤيدا ومعارضا لها، وتثير عدة تساؤلات منها كيفية تحديد أن حالة المريض تستدعي قتله رأفة بحاله؟ ومن الشخص الذي يقرر ذلك؟ وهل يكون من تلقاء نفسه أو بناء على طلب المريض أو أحد أقاربه؟، كل ذلك ينشأ حينما يسعى القانونين والبرلمانيين شرعنه الأمر أو تجريمه على حد سواء.

إعداد/ عماد محمد.

(1) أ. بومدين فاطيمة الزهرة ، القتل الرحيم في المنظور الطبي و القانون الوضعي، مجلة جامعة الانبار للعلوم القانونية والسياسية العدد العاشر، ص (198).

[2] أنظر عتيقة بلجبل، القتل الرحيم بين الإباحة والتجريم، 2010، مجلة المفكر، ع6، ص258.

[3] الآية 32، سورة المائدة.

[4] الحافظ الإمام القدوة العابد الحجة أبو محمد البصري، ص 353.

Scroll to Top