كيفية تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في لبنان

كيفية تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في القانون اللبناني

أصبح التحكيم من أهم السبل التي يلجأ إليها الخصوم لإنهاء نزاعاتهم، وبلغت أهميته مرتبة جعلته يسير بالتوازي مع القضاء، وانعكست الآثار الإيجابية الملحوظة لذلك على معدلات الفصل في الدعاوى القضائية، وذلك لما حققه التحكيم من تقليل معدلات تكدس المنازعات المعروضة على الجهات القضائية المختلفة.

ومن أهم أسباب الإقبال على اللجوء للتحكيم هو أن أحكام التحكيم لها قوة تنفيذية، بحيث يمكن تنفيذها باستخدام القوة الجبرية كما هو الحال في الأحكام القضائية، ولا تثور أي إشكالية في تنفيذ أحكام التحكيم متى كانت أحكاماً وطنية، ولكننا نجد أنفسنا أمام إشكالية حقيقية متى كان حكم التحكيم المطلوب تنفيذه أجنبياً، فكيف واجه المشرع اللبناني تلك الإشكالية؟

أولاً: نظرة عامة على حكم التحكيم الأجنبي

ثانياً: طرق تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي

ثالثاً: موقف المشرع اللبناني من تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي

رابعاً: نماذج لأحكام قضائية ذات علاقة بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية

خامساً: الخاتمة

أولاً: نظرة عامة على حكم التحكيم الأجنبي

1- ماهية حكم التحكيم بوجه عام

لم يتعرض المشرع اللبناني إلى تعريف حكم التحكيم أو قرار التحكيم كما يسميه المشرع اللبناني، لذلك سيكون ذكر حكم التحكيم في هذا المقال بمسمى حكم التحكيم وأيضاً بمسمى قرار التحكيم، فكلاهما يدل على ذات المعنى.

وبالعودة إلى تعريف قرار التحكيم نجد أن المشرع اللبناني ترك تعريفه للفقه القانوني، والذي بذل جهوداً حميدة في هذا الإطار، وكان نتاج ذلك الكثير من التعاريف التي أمكن حصرها في نطاق نوعين من التعاريف، النوع الأول هو التعريف الواسع لحكم التحكيم والتعريف الضيق لحكم التحكيم.

أ- التعريف الواسع لحكم التحكيم

يستوعب التعريف الواسع لحكم التحكيم كافة التعاريف التي تضع مفهومه بشكا واسع النطاق، ولا يقتصر على الأحكام الفاصلة في النزاع بشكل نهائي وكلي، ولكنه يصدق على الأحكام الفاصلة بشكل جزئي في أحد مكونات وعناصر الدعوى التحكيمية، ومن أهم تلك التعاريف:

– هو القرار الذي يصدره المحكم في المنازعة التحكيمية، ويكون فاصلاً في النزاع بشكل قطعي، سواء كان ذلك في موضوع النزاع أو في أحد المسائل الجزئية التي تخص إجراءات التحكيم، طالما أدى ذلك إلى إنهاء المحكمة للنزاع.

– هو عمل من أعمال المحكم والذي يتمكن من خلاله أن يفصل في المنازعة المطروحة عليه بشكل حاسم ونهائي، سواء كان صادراً في موضوع النزاع أو في الاختصاص أو أياً من المسائل الإجرائية التي تنتهي معها الخصومة[1].

وقد واجه هذا التعريف الواسع لحكم التحكيم العديد والعديد من أوجه النقد، باعتباره لم يفرق بين مضمون الحكم وخصائصه وآثاره، فخرج في صورة مزيج غير مقبول.

ب- التعريف الضيق لحكم التحكيم

معالجة لأوجه القصور التي اعترت التعريف الواسع لحكم التحكيم، فقد اتجه جانب آخر من الفقه القانوني إلى التضييق من نطاق تعريف حكم التحكيم، حيث اعتبرت تعاريف هذا الجانب من الفقه أن حكم التحكيم مقتصر على الأحكام التي تفصل في الخصومة وتنهي المنازعة التحكيمية سواء بصورة جزئية أو كلية، واستبعد من نطاق حكم التحكيم أي قرارات يصدرها المحكم في مسائل إجرائية حتى وإن كانت تخص موضوع المنازعة، طالما لم تكن فاصلة ومنهية للمنازعة التحكيمية كلياً أو جزئياً.

مما يترتب عليه أن ما يصدر في المنازعة من قرارات يصدرها المحكم ولا تفصل في الخصومة هي قرارات تحضيرية يمهد بها للفصل في المنازعة، بينما حكم التحكيم هو القرار الذي يفصل في الخصومة ذاتها أو في جزء منها.

2- حكم التحكيم الأجنبي

نصت (المادة 15) من القانون اللبناني رقم 73 لسنة 1967 بشأن تنفيذ الأحكام والقرارات التحكيمية والسندات الأجنبية على أن: (تعتبر أجنبية بالمعنى المقصود بهذا القانون القرارات التحكيمية الصادرة خارج الأراضي اللبنانية والقرارات التحكيمية الصادرة في لبنان بالاستناد إلى قانون أصول محاكمات أجنبي).

مما يتبين معه أن المشرع اللبناني قد اعتمد معيارين يتم اعتبار حكم التحكيم حكماً أجنبياً وفقاً لأياً منهما، وتثبت له تلك الصفة متى تحقق أحدهما.

أ- المعيار الأول: المعيار الجغرافي 

ما يقصد بالمعيار الجغرافي في شأن تحديد صفة الأجنبي لحكم التحكيم هو المكان الذي تم إصدار حكم التحكيم فيه، أي أن حكم التحكيم وفقاً لهذا المعيار يرتبط بشكل رئيسي بالدولة التي تم إصداره على أرضها، ويكون أجنبياً لدولة أخرى حالة تنفيذه على أرض هذه الدولة الأخرى، ويثور التساؤل في حالة أن يكون التحكيم قد مر بعدة مراحل انعقد فيها، وكانت كل مرحلة في دولة مختلفة، فأي دولة يعتد بها في تحديد جنسية حكم التحكيم؟

وتتمثل إجابة هذا التساؤل في أن حكم التحكيم في تلك الحالة يأخذ جنسية الدولة التي تم انعقاد هيئة التحكيم بها بشكل رئيسي، وتحديداً هي الدولة التي صدر فيها حكم التحكيم من الهيئة التحكيمية[2].

ومن المشرعين العرب الذين أخذوا بهذا المعيار في تحديد الصفة الأجنبية الحكم المشرع الأردني، حيث نص في (المادة 2) من قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية رقم 8 لسنة 1952 على أنه (تعني عبارة (الحكم الأجنبي) الواردة في هذا القانون كل حكم صدر من محكمة خارج المملكة الأردنية الهاشمية (بما في ذلك المحاكم الدينية) يتعلق في إجراءات حقوقية ويقضي بدفع مبلغ من المال أو الحكم بعين منقولة أو تصفية حساب ويشمل قرار المحكمين في إجراءات التحكيم إذا كان ذلك القرار قد أصبح بحكم القانون المعمول به في البلد الذي جرى فيه التحكيم قابلا للتنفيذ كقرار صدر من المحكمة في البلد المذكور).

ب- المعيار الثاني: المعيار القانوني 

المقصود بهذا المعيار هو أن حكم التحكيم يكتسب جنسية القانون المطبق أحكامه على عملية التحكيم، والذي تمت إجراءات التحكيم في ظله، وبالتالي يصبح حكم التحكيم حكماً أجنبياً، حتى لو صدر داخل الدولة التي سيتم تنفيذه فيها، وذلك متى كانت إجراءات التحكيم قد تمت في ظل قانون أجنبي يخص دولة أخرى، كما يكون حكم التحكيم ذو صبغة وطنية، حتى لو صدر خارج حدود الدولة، شريطة أن يكون القانون المطبق على إجراءات التحكيم هو القانون الوطني.

ويتميز هذا المعيار بأنه يمنح الخصوم في التحكيم القدرة على إحكام سيطرتهم الكاملة بشأن تحديد أجنبية حكم التحكيم أو وطنيته بشكل مسبق، وذلك من خلال اتفاقهم على مكاناً لإجراء التحكيم يكون قانونه الإجرائي أجنبياً عن المكان الذي سيتم تنفيذ الحكم التحكيمي فيه[3].

وقد اتخذ المشرع اللبناني مسلكاً محموداً في أخذه بكلاً من المعيارين معاً، وذلك لما فيه من تيسير لعملية تنفيذ الأحكام الصادرة في التحكيم، وتحقيقه لمصالح الحاصلين على أحكام تنفيذ أجنبية ويسعون إلى تنفيذها.

ثانياً: طرق تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي

تتباين الطرق التي تقوم من خلالها الدول بتطبيق أحكام التحكيم الأجنبية على أراضيها، فكل دولة تضع الضوابط التي تتناسب مع سيادتها على أرضها، وطبيعتها السياسية، ونظامها القانوني، بل وتكوينها الاجتماعي أيضاً، إلا أنه وبوجه عام لا يخرج تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في أي دولة عن طريقين رئيسيين، الطريق الأول هو نظام الدعوى الجديدة، والطريق الثاني هو نظام الأمر بالتنفيذ.

1- نظام الدعوى الجديدة

يتمثل الطريق الأول من طرق تنفيذ الحكم الأجنبي هو أن يلجأ من صدر لصالحه هذا الحكم ويتمسك بتنفيذه إلى قضاء الدولة المطلوب تنفيذه فيها بدعوى قضائية جديدة، يكون طلبه الأساسي فيها هو تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي الصادر لصالحه.

ويفهم من ذلك أن هذا الطريق يهدر أي حجية لحكم التحكيم الأجنبي، حيث لا يعترف القانون الوطني بأي حجية لهذا الحكم، ويقابل طلب التنفيذ المباشر له بالرفض، ويجبر من صدر لصالحه حكم التحكيم أن يعود إلى دائرة الخصومة أمام القضاء بهدف تنفيذ هذا الحكم، والذي لا يتم تنفيذه إلا إذا صدر له حكماً بذلك في دعواه الجديدة.

ويتعامل القضاء الوطني مع حكم التحكيم الأجنبي في تلك الدعوى باعتباره دليل إثبات من قبل المدعي، ويعتبر الحكم القابل للتنفيذ ليس حكم التحكيم ذاته، ولكن الحكم الصادر في الدعوى الجديدة بتنفيذه[4].

ومن نتائج هذا النظام أن قضاء القاضي الوطني بتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي يكون مبنياً على توافر الشروط الشكلية المطلوبة فيه، دون أن يمتد إلى مضمون حكم التحكيم أو مدى صحته من حيث الموضوع، وهو ما يحفظ للدولة سيادتها من جهة حتى ولو على النطاق الشكلي فقط، كما سيتم تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي من جهة أخرى، مما يصل بنا إلى القول بعدم اختلاف هذا الطريق في جوهره عن طريق الأمر بالتنفيذ والذي سنتعرض إليه تالياً.

2- نظام الأمر بالتنفيذ

يعتبر هذا النظام هو النظام الأكثر انتشاراً في التشريعات العربية بشأن تنفيذ الأحكام الأجنبية داخل أراضيها، ومن أبرز تلك التشريعات الأردني والمصري والفلسطيني، وهو أيضاً النظام الذي اتبعه المشرع اللبناني.

ويتمثل هذا النظام في صدور أمر من القاضي صاحب الاختصاص القانوني والذي بموجبه يتم تذييل حكم التحكيم الأجنبي أو الوطني بالقوة التنفيذية اللازمة لتنفيذه، فيكون من لزوميات تنفيذ حكم التنفيذ الأجنبي تقديم طلب إلى القاضي المختص بتذييل الحكم بالقوة التنفيذية، وذلك بعد التثبت من تحقق مجموعة من الشروط في حكم التحكيم، ومن أهم تلك الشروط أن يكون الحكم صادراً بناء على إجراءات صحيحة، وألا يكون مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة في الدولة المراد تنفيذه بها، فإذا ثبت عدم توافر تلك الشروط في حكم التحكيم يصدر قراراً من القاضي الوطني برفض تنفيذه، بينما إذا توافرت فيه جميع تلك الشرط فيصدر القاضي أمره بتذييل حكم التحكيم بالصيغة التنفيذية.

ولا يقتصر نظام الأمر بالتنفيذ على صورة واحدة يتم من خلالها، بل هناك صورتين له قد يتم بإحداهما.

أ- الصورة الأولى: نظام المراجعة 

يتجسد ذلك النظام في قيام الدولة التي سيتم التنفيذ فيها بعمل مراجعة كاملة لحكم التحكيم، فتلك المراجعة لا تقف عند حد مراجعة الحكم من حيث شروطه الشكلية فقط، بل تمتد إلى مراجعة شروطه الموضوعية أيضاً، بحيث تراجع مدى توافق هذا الحكم مع وقائع المنازعة ونصوص القانون، ويكون للمحكمة التي تراجع الحكم الحق في أن تقبل ما تراه من طلبات جديدة أو خصوم جدد في حكم التحكيم.

إلا أن جانب كبير من الفقه قد هاجم ذلك النظام، وذلك لكونه يهدر أي قيمة أو حجية لحكم التحكيم الأجنبي، ويعيد تنظيم مراكز قانونية استقرت بصدور الحكم التحكيمي، كما أنه يتسبب في إهدار الجهد والمال والوقت، لأن دور القاضي الوطني الذي يقوم بالمراجعة يجب أن يتوقف عند قبول أو رفض تنفيذ الحكم الأجنبي فقط دون أكثر أو أقل.

ب- الصورة الثانية: نظام المراقبة 

في هذا النظام يمارس القاضي الوطني دوراً رقابياً، وينصب هذا الدور على رقابة مدى تحقق شروط محددة في حكم التحكيم، والتي تكون في الأغلب الأعم شروطاً شكلية وليست موضوعية، فلا يحق للقاضي الوطني إدخال أي تعديل على حكم التحكيم، سواء كان هذا التعديل في الموضوع أو الخصوم أو غيره، حيث يقتصر دوره على الأمر بتنفيذه أو رفضه[5].

وبناء على هذا النظام فإن القاضي الوطني المعروض عليه حكم التحكيم الأجنبي تتوقف سلطته في فحص حكم التحكيم عند الجوانب الشكلية له فقط، والتي نوجزها في النقاط التالية:

– التثبت من قيام اتفاق على التحكيم، وأيضاً التأكد من قيام الأهلية القانونية لدى أطراف الحكم.

– أن يكون موضوع الحكم من الموضوعات التي يجيز القانون التحكيم فيها، وأن يكون التحكيم قد تم في الإطار المحدد له، وقام كل محكمة بدوره ولم يتعداه.

– أن يكون حكم التحكيم قد صدر خلال المدة التي يحددها القانون أو الاتفاق.

– توافر الشروط التي استلزم القانون توافرها في حكم التحكيم، وأن يكون المحكم قد اتبع المبادئ الأساسية للتقاضي.

– ألا يكون الحكم مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة.

ومن أهم المشرعين العرب الذين أخذوا بنظام المراقبة في تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية المشرع الأردني، فهو وإن كان لم يورد نصاً صريحاً بذلك في القانون، إلا أنه قد أقره بصورة ضمنية حينما لم يجز للقاضي المعروض عليه طلب تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي أن يتعرض بالمراجعة لمضمون الحكم أو موضوعه، بل جعل مهمته منصبة على التثبت من عدد من الشروط والأوصاف الشكلية للحكم فقط.

وقد أيدت محكمة التمييز الأردنية ذلك فيما قضت به بالحكم رقم 567 لسنة 2009 تمييز حقوق والصادر بجلسة 6/10/2009[6]، وأيضاً في حكمها رقم 1946 لسنة 1997 تمييز حقوق والصادر بجلسة 15/12/1997[7].

كما انتهجه أيضاً المشرع المصري بموجب نص صريح في قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 وتحديداً في (المادة 58) منه، والتي منح فيها المشرع للقاضي المعروض عليه حكم التحكيم الأجنبي سلطة فحص مدى تحقق بعض الشروط الشكلية فيه، دون التطرق إلى موضوعه أو المساس به.

ثالثاً: موقف المشرع اللبناني من تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي

اتبع المشرع اللبناني نظام الأمر بالتنفيذ، إلا أنه لم يأخذ بأحد صورتيه، بل اتبع نظاماً وسطاً جمع فيه بين نظامي المراجعة والمراقبة في آن واحد، بحيث جعل القاعدة العامة هي اتباع نظام المراقبة، وفي حالات استثنائية يتم اتباع نظام المراجعة، وسوف يتبين لنا ذلك من خلال تعرضنا لإجراءات تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في القانون اللبناني.

1- شرط تنفيذ القرارات التحكيمية الأجنبية

وضع المشرع اللبناني شرطاً أساسياً وجوهرياً استلزم تحققه في أي حكم تحكيم أجنبي يتم تنفيذه داخل لبنان، وذلك حتى يكون لذلك الحكم القوة التنفيذية التي تبيح تنفيذها بوسائل التنفيذ على الأموال والإكراه على الأشخاص، ويتمثل هذا الشرط في ضرورة تذييل هذا الحكم بالصيغة التنفيذية من الجهة القضائية المختصة بذلك في الدولة، وهو ما نصت عليه (المادة 16) من قانون تنفيذ الأحكام والقرارات التحكيمية والسندات الأجنبية اللبناني رقم 73 لسنة 1967.

2- المحكمة المختصة بنظر طلبات تنفيذ القرارات التحكيمية الأجنبية

حدد القانون ذاته في (المادة 17) منه الجهة القضائية المختصة بإصدار الأمر في طلبات تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، وتتمثل تلك الجهة في محكمة الاستئناف المدنية.

3- موانع تذييل القرارات التحكيمية الأجنبية بالصيغة التنفيذية

حدد المشرع اللبناني في (المادة 18) من ذات القانون بعض الحالات التي لا يجيز فيها القانون تذييل حكم التحكيم الأجنبي بالصيغة التنفيذية ولا حتى الاعتراف به من حيث الأصل، وذلك متى تمكن المحكوم عليه أن يثبت أن الحكم يشوبه أحد الأمور التالية:

– أن يكون حكم التحكيم الأجنبي قد صدر مستنداً إلى عقد أو بند تحكيمي غير صحيح، وأن يكون تحديد ذلك قد تم في ضوء الشروط الخاصة بصحة اتفاق التحكيم في القانون الخاضع له هذا العقد أو البند التحكيمي.

– أن يكون حكم التحكيم قد تعرض بالتناول لمنازعة تخرج عن مجال ونطاق موضوع التحكيم، فيحق للمحكمة عندئذ أن تذيل بالصيغة التنفيذية فقرات القرار التحكيمي الخاصة بموضوع منازعة التحكيم والتي يمكن فصلها عن باقي فقراته وعباراته الأخرى.

– أن يكون تشكيل هيئة التحكيم أو ما قامت به من إجراءات أثناء نظر المنازعة التحكيمية قد جاءت بالمخالفة للقانون الخاضع له التحكيم.

– أن يكون المحكوم عليه لم يبلغ بالتحكيم وإجراءاته، أو لم تتاح له فرصة إبداء دفاعه أمام هيئة التحكيم.

– ألا يكون قرار التحكيم قد صدر مستوفياً للصورة التي يقررها قانون البلد الذي يخضع له القرار، عدا الحالة التي يكون فيها القرار التحكيمي ضمن القرارات المؤقتة التي تقبل التنفيذ وفقاً لأحكام قانون البلد الي يخضع له.

– أن يكون قرار التحكيم قد تم إيقاف مفاعيله في البلد الذي يخضع لقانونها، ويحق للمحكمة الوطنية المعروض عليها حكم التحكيم أن ترجئ الفصل في طلب تنفيذه متى كان هناك سبباً لذلك.

– ألا يكون موضوع التحكيم من الموضوعات التي يجيز فيها القانون اللبناني اللجوء للتحكيم.

4- حالات تعرض المحكمة الوطنية لأساس حكم التحكيم الأجنبي

قرر المشرع اللبناني في (المادة 19) بعض الحالات الاستثنائية التي يجوز فيها للمحكمة المعروض عليها حكم التحكيم الأجنبي أن تمارس نظام المراجعة، وذلك بأن تعيد النظر في أساس المنازعة متى طلب منها المحكوم عليه ذلك، وتتمثل تلك الحالات في:

– إذا تمكن المحكوم عليه من إثبات ظهور كذب وثائق استند إليها المحكوم لصالحه للحصول على قرار التحكيم.

– إذا اكتشف المحكوم عليه بعد صدور قرار التحكيم مستندات تغير وجه الرأي في النزاع، وكان أحد أطراف المنازعة هو السبب في منع ظهورها أثناء تداول المنازعة التحكيمية.

– متى كان هناك تناقض في الفقرة الحكمية من القرار التحكيمي.

– إذا كان القانون الخاضع له القرار التحكيمي يستلزم إعادة النظر في أساس القرارات التحكيمية اللبنانية قبل تذييلها بالصيغة التنفيذية، وذلك طبقاً لمبدأ المعاملة بالمثل.

5- مخالفة حكم التحكيم الأجنبي للنظام العام

قرر المشرع اللبناني في (المادة 20) من القانون أنه يجب على المحكمة المطلوب منها تذييل القرار التحكيمي بالصيغة التنفيذية أن ترد هذا الطلب وترفضه، وذلك إذا تبين لها أن هذا القرار يخالف في مضمونه النظام العام في لبنان.

6- متى يصبح حكم التحكيم الأجنبي قابلاً للتنفيذ؟

متى ثبت للمحكمة المطلوب منها تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي توافر كافة الشروط المطلوبة قانوناً في قرار التحكيم الأجنبي، وتأكدت من عدم إصابته بأي عيب من العيوب التي تجيز رفض الطلب، فإنها توافق على منح القرار الصيغة التنفيذية، وبمجرد تذييله بها يصبح قرار التحكيم الأجنبي بمثابة حكم تحكيم وطني، فيتمتع بذات قوته التنفيذية، ويستفيد من كافة سبل ووسائل التنفيذ المقررة لأحكام التحكيم الوطنية.

رابعاً: نماذج لأحكام قضائية ذات علاقة بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 567 لسنة 2009 تمييز حقوق بجلسة 6/10/2009، والذي جاء في مضمونه: (المحكمة التي يطلب إليها تصديق الحكم الأجنبي أو إسائه صيغة التنفيذ لا تملك مناقشة موضوعه أو التعديل فيه وتنحصر مهمتها بمراقبة توفر شروط تنفيذه حسب أحكام قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية رقم 8 لسنة 1952).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 1946 لسنة 1997 تمييز حقوق بجلسة 15/12/1997، والذي جاء في مضمونه (حيث أن الأسباب التي تعطي للمحكمة حق رفض تصديق الحكم الأجنبي هي حالات محددة استثنائية وعلى سبيل الحصر، وإن ما جاء بأسباب التمييز لا يندرج تحت هذه الحالات المحددة في (المادة 7) من قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية، وأن الحكم المطلوب إكساؤه صيغة التنفيذ يستند إلى وثائق رسمية ومكتسب الدرجة القطعية، وإن المحاكم الأردنية لا يجوز لها بحث الأدلة التي استند إليها الحكم ما دام قد صدر عن محكمة مختصة، واكتسب الدرجة القطعية).

خامساً: الخاتمة

أوضحنا في هذا المقال أهم جوانب وتفصيلات عملية تنفيذ حكم التحكيم أو قرار التحكيم الأجنبي في دولة لبنان، مع الإشارة في بعض المواضع لموقف المشرعين المصري والأردني من ذات الموضوع، وتبين لنا أن كل مشرع قد انتهج الطريق الذي يرى فيه أنه الأفضل والأنسب له، والأكثر توافقاً مع المنظومة القانونية التي يتبعها.

كتابة: أحمد عبد السلام            

[1] – عيد القصاص – حكم التحكيم – دار النهضة العربية – مصر – 2004 – ص 69.

[2] – إبراهيم أحمد إبراهيم – تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية – المجلة المصرية للقانون الدولي – العدد (37) – 1981 – ص 6.

[3] – إبراهيم أحمد إبراهيم – التحكيم الدولي الخاص – ط2 – بدون مكان أو عام نشر – 1997 – ص 132.

[4] – عزت البحيري – تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية – ط1 – دار النهضة العربية – مصر – 1997 – ص110.

[5] – محمد وليد المصري – الوجيز في شرح القانون الدولي الخاص: دراسة مقارنة – ط1 – دار حامد – عمان – 2002 – ص359.

[6] – يراجع القسم (رابعاً) من هذا المقال – البند رقم (1).

[7] – يراجع القسم (رابعاً) من هذا المقال – البند رقم (2).

Scroll to Top