الغش التجاري
ذهب الإسلام إلى تحريم جميع أنواع الغش وعاقب عليها واعتبر فاعلها آثما، ووردت الأحاديث النبوية الكثير التي تجرم الغش وتحرمه ، منها الحديث المشهور الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: “ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني”.
ولم يرد مصطلح الغش التجاري كمصطلح خاص في القانون الأردني، ولكن على ذات السياق ، فقد انتهج التشريع الاردني ذات المنهج في تجريم الغش وذلك بوضع آليات تضمن حقوق الأفراد وتخلق مناخا من الاستقرار في المعاملات بين أفراد المجتمع.
أولاً: المقصود بالغش بدلالة المادة 386 من قانون العقوبات :
ثانيا: الحماية الجنائية للمستهلك من الغش: –
ثالثا: عقوبة جريمة الغش في القانون الأردني: –
أولاً: المقصود بالغش بدلالة المادة 386 من قانون العقوبات :
يُقصد بالغش بصفه عامة: ” كل تغيير أو اختلاق أو تزييف يقع على كل سلعه أو مادة معدة لبيعها أو طرحها للأفراد وذلك بإخفاء عيوبها كدمجها بمادة مغايرة لطبيعتها أو من نفس نوعها ولكن من نوع أقل جودة أو إضفاء شكل أو مظهرا لسلعة أخرى تختلف عنها في عناصرها وصفاتها مما يؤثر على مضمونها وينال من خواصها الأساسية وذلك بقصد خداع الأفراد أو المشتري لهذا المبيع الفاسد أو المغشوش وإيهامه بأن تلك السلعة المعروضة للبيع تتمتع بخواصها مثلها مثل السلع المشابهة لها من نفس النوع ويدخل في دائرة الغذاء كل من الأدوية والعقاقير الطبية والأعشاب والنباتات الطبية فضلا عن المياه التي يتناولها الأنسان”.[1]
ولم يعرف القانون الأردني لحماية المستهلك رقم 7 لسنة 2017 الغش التجاري مثلما عرفه نظيره الإماراتي حيث نصت المادة الأولي من القانون رقم 19 لسنة 2016 في شأن مكافحة الغش التجاري بالإمارات على أنه: “خداع أحد المتعاملين بأي وسيلة كانت وذلك بتبديل وتغيير ماهية السلع أو مقدارها أسعارها أو صفتها الجوهرية أو مصدرها أو منشئها أو مصدرها أو صلاحيتها أو أي أمر أخر متعلق بها أو تقديم بيانات تجارية غير صحيحة أو مضللة عن المنتجات المروجة ويشمل ذلك التدليس وغش الخدمة والتقليد بعدم اتفاقها مع القوانين النافذة بالدولة أو انطوائها على بيانات مضللة أو كاذبة”[2]
وعليه فإن الغش التجاري هو كل شيء مباع أو معروض دخل عليه تغيير أو عُبث به بصورة ما مما أفقده شيئًا من قيمته المادية أو المعنوية، سواء كان ذلك بالإضافة، أو بالإنقاص، أو بالتصنيع، أو بغير ذلك، في طبيعته، أو نوعه، أو صفاته، أو شكله، أو خصائصه، أو مصدره، أو قدره سواء في الوزن، أو الكيل، أو المقاس، أو العدد، أو الطاقة، الخ، أو أي شيء جعله يفقد حقيقته.
ثانيا : الحماية القانونية للمستهلك من الغش :
1_ المقصود بالحماية الجنائية للمستهلك من الغش
ويقصد بالحماية الجنائية من الغش التجاري اعتبار المشرع ارتكاب الغش التجاري جريمة يعاقب عليها القانون عن طريق إسباغ وصف التجريم لكل فعل أو سلوك أو امتناع يعتبره المشرع إضرارا بمصلحة المستهلك سواء كان ذلك من الناحية الاقتصادية أو الصحية أو الفنية أو حتى من الناحية الاجتماعية، أي أن المشرع يعتبر كل تعدى على حق المستهلك في الانتفاع بالسلع والخدمات أثناء عملية الاستهلاك يعتبر جريمة ويعاقب عليها القانون المتعلق بحماية المستهلك.[3]
2_ عقوبة جريمة الغش
عاقب المشرع الاردني مرتكب الغش في البيع والشراء والأعمال التجارية في المادة 386 من قانون العقوبات ، إذ جاء فيها :
” 1- يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين: –
- من غش مواد مختصة بغذاء الإنسان، أو الحيوان، أو عقاقير، أو أشربة، أو منتجات صناعية ،أو زراعية، أو طبيعية معدة للبيع.
- من عرض إحدى المنتجات أو المواد السابق ذكرها أو طرحها للبيع أو باعها وهو على علم بانها مغشوشة وفاسدة.
- من عرض منتجات من شانها إحداث الغش أو طرحها للبيع أو باعها وهو عالم بوجه استعمالها.
- من حرض بإحدى الوسائل التي نصت عليها (المادة 80) على استعمال المنتجات أو المواد المذكورة آنفا.
2- وعند التكرار يمنع المجرم من ممارسة العمل الذي كان واسطة لارتكاب الجرم”.
كما تنص (المادة 387 ) من القانون سالف الذكر على أنه: “إذا كانت المنتجات أو المواد المغشوشة أو الفاسدة ضارة بصحة الإنسان أو الحيوان قضي بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينارا.
تطبق هذه العقوبات ولو كان الشاري أو المستهلك على علم بالغش أو الفساد الضار به “
كما تنص (المادة 388 ) من القانون ذاته على أنه: “يعاقب بغرامة لا تزيد على عشرة دنانير أو بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بكلتا العقوبتين من أحرز أو أبقى في حيازته في أي مكان بدون سبب مشروع منتجات أية مادة على أنها طعام أو شارب بعد أن أصبحت مضرة بالصحة أو في حالة لا تصلح معها للأكل أو الشرب مع علمه أو مع وجود ما يدعوه للاعتقاد بأنها مضرة بالصحة أو غير صالحة للأكل أو الشرب”.
خامسا: أركان جريمة الغش:
يمكن استنتاج الأركان التي يقوم بها جرم الغش من خلال المواد 386 و387 من قانون العقوبات
أ) الركن المادي:
وهو عبارة عن سلوك إجرامي تقوم به الجريمة بمجرد حدوثه فله صور عدة نص عليها قانون العقوبات الأردني وهي:
- قيام المتهم بالغش في كافة المواد المخصصة لغذاء الإنسان، أو الحيوان، أو عقاقير، أو أشربة، أو منتجات صناعية ،أو زراعية، أو طبيعية.
- عرض المواد المغشوشة أو الفاسدة للبيع.
- طرح المواد المغشوشة أو الفاسدة.
- بيع المواد المغشوشة أو الفاسدة.
- خلق أدوات تساعد على سير عملية البيع.
- تحريض على استعمال المنتجات أو المواد بإحدى الوسائل التحريض المنصوص عليها بقانون العقوبات الأردني.
ب) الركن المعنوي:
ويتمثل في القصد الجنائي إذ يقوم الركن المعنوي في جريمة الغش التجاري على القصد الجنائي بعنصرية العلم والإرادة إذ لا يتحقق قيام تلك الجريمة المنوه عنها بوجود العرض فقط إذ لا بد أن يكون العارض لتلك المواد على علم بالغش الواقع على البضاعة أو المواد المعروضة، فإذا عرض للبيع مادة مغشوشة أو فاسدة وهو لا يعلم بالغش لا تقوم معه الجريمة في حقه لذا يتعين لتوافر وتحقيق جريمة الغش التجاري توافر القصد الجنائي لدى العارض للمبيع وهو على علم بأن المبيع فاسد إرادته على عرضها وعلمه المتعمد بهذا الغش.
ج) النتيجة الإجرامية والعلاقة السببية
ينبغي توافر ركني جريمة الغش التجاري المادي والمعنوي وذلك لقيام الجريمة ولا يشترط تحقيق نتيجة من جراء ذلك الفعل فيكفي توافر السلوك الإجرامي والقصد الجنائي لكي تتحقق جريمة الغش التجاري، فعدم حدوث ضرر من وراء ذلك السلوك والقصد لا يعفي الجاني من العقاب المنصوص عليه بقانون العقوبات الأردني.
د) محل جريمة الغش:
وفقا للمادة 386 فان محل جريمة الغش يقع على المواد المغشوشة، أو الفاسدة المخصصة للغذاء ،أو العقاقير، أو الأشربة، أو المنتجات الصناعية ،أو الزراعية، أو الطبيعية المعدة للبيع.
وتطبيقا لذلك ، نجد العديد من قرارات المحاكم ومبادئها تسلط الضوء على أركان جريمة الغش حسب نص المادة 386 من قانون العقوبات ، إذ جاء في قرار محكمة بداية عمان بصفته الاستئنافية: ” ومن خلال رجوع محكمتنا للأساس القانوني للتعويض في هذه الدعوى نجده متحققاً في المادة (386/1/أ) من قانون العقوبات والتي جرمت كل ((من غش مواد مختصة بغذاء الإنسان أو الحيوان أو عقاقير أو أشربة أو منتجات صناعية أو زراعية أو طبيعية معدة للبيع)) وعلى ذلك فإن الفعل الموجب للتعويض أمام المحاكم الجزائية في دعوى الحق العام هو فعل الغش الذي لا يتحقق إلا من خلال إثبات سوء النية بأدلة جازمة لدى الفاعل بضرورة انصراف قصده إلى هذا الغش الأمر الذي يعمل على التضييق من دائرة التعويض فيما لو تم إقامة الدعوى أمام المحاكم المدنية للمطالبة بالتعويض عن العيب الخفي ذلك ان موجبات التعويض في إطار المسؤولية المدنية أوسع منها في إطار المسؤولية الجزائية
سادسا: صور الغش:
فالغش التجاري له العديد من الصور التي يتستر خلفها البائع وذلك لإيقاع المستهلك فيه ومن هذه الصور
أ) ارتكاب فعل الغش:
بالنظر إلى أعلاه سنجد أن الغش التجاري هو فعل عمدي إيجابي ينصب على سلعه معينة متى كان ذلك الفعل ينال من خصائصها، أو مواصفاتها، أو ثمنها لتحقيق مكسب ،أو ربح زائد.
ولقد نصت (المادة 6 ) من قانون حماية المستهلك الأردني على الحالات التي تعتبر فيها السلعة معيبة حيث نصت على أنه: ” أ- تعتبر السلعة أو الخدمة معيبة في أي من الحالات التالية:
- عدم توافر متطلبات السلامة فيها لغايات الاستعمال العادي أو المتوقع لها.
- عدم مطابقتها للقواعد الفنية الإلزامية المطبقة.
- عدم مطابقتها للخصائص المعلن عنها أو عدم تحقيقها للنتائج المصرح بها للمستهلك.
- عدم تحقق مستويات الأداء أو الجودة المصرح بها في السلعة، أو الخدمة، أو وجود خلل ،أو نقص فيها أو عدم صلاحيتها للاستعمال وفقا لما أعدت له للمدة التي تتناسب وطبيعتها.”
ب) حيازة الأغذية المغشوشة بقصد تداولها أو طرحها أو بيعها لغرض غير مشروع:
ومن هذا المنطلق يتحقق العرض أو الطرح لسلعه معينه بقصد بيعها بطريقة غير مشروعه بتقديمها إلى المشترى الذي يرغب بشرائها.
ومما سبق نستنتج أنه ينبغي توافر حيازة للعارض أو البائع لتلك السلعة المغشوشة أو الفاسدة.
وهي الحيازة المخالفة لأحكام القانون التي تقع على المواد التي تشكل جريمة الغش التجاري أو العرض أو الطرح للبيع، فالحيازة هنا حيازة فعلية بمعنى أن تكون هذه المواد في محل مالكها ومخزنها وعلى علم منه بفسادها.
وتعد هذه الجريمة من الجرائم العمدية والمستمرة لأن نشاط المتهم فيها من شأنه حيازة المواد المغشوشة أو الفاسدة بقصد التداول بغرض غير مشروع وعلمه بحيازتها وإرادته في الاستمرار فيها.[4]
ج) إنتاج أو استيراد وجلب الأغذية المغشوشة:
وفي هذا المقام يقوم الفرد بإنتاج وتصنيع السلعة أو المادة الفاسدة أو المغشوشة وذلك بأحداث تغيير في مواصفاتها أو ذاتها أو إدخال المواد غير صالحة أو الفاسدة داخل إقليم الدولة بقصد طرحها للتداول.
والإضرار بمصالح الأفراد والمجتمع والتهاون معه في المعاملات التجارية التي تكبد الأفراد والمجتمع خسائر رهيبة من جراء هذا الجرم.
د) التحريض أو المساعدة على استخدام مواد أو سلع فاسدة:
المقصود بذلك قيام الجاني بالمساعدة أو التحريض على شراء تلك السلعة المغشوشة وهو يعلم بذلك ومع ذلك يحرض ويساعد المشتري على شرائها والقيام بخداعة وإيهامه بأن مواصفات الشيء المبيع مطابقه للقانون والأعراف وهو في الأصل عكس ذلك.
إعداد : سامح أحمد
[1] – عمرو درويش سيد العربي – الحماية الجنائية للمستهلك من غش الأغذية –– مصر – 2004 – ص12.
[2]– موزة احمد إبراهيم الباني – حماية المستهلك في القانون الإمارتية ص11
[3]– عمرو درويش سيد العربي – الحماية الجنائية للمستهلك من غش الأغذية –– مصر – 2004 – ص9
[4] – فهد بن إبراهيم – الغش في المعاملات التجارية الإلكترونية بين الفقه والنظام السعودي – 2006 – ص112

