بيع الوفاء في القانون الأردني

بيع الوفاء في القانون الأردني

يُعد عقد البيع صُحبة المقايضة أقدم أنواع العقود التي عرفها الأنسان على مر التاريخ، فلم يخل أي مجتمع بدائي أو متحضر من عمليات البيع والشراء، ويمثل عقد البيع الأساس الذي تقوم عليه علاقات تبادل الأشياء والمنافع بين أفرد المجتمع وإن اتخذ ذلك في بعض الأحيان شكل عقود أخرى، إلا أن مرد غالبية هذه المعاملات يرجع لعقد البيع في النهاية، وقد تعددت صوره وتنوعت في ظل التشابك والتعقيد الذي اصطبغت به علاقات الأفراد في المجتمع .

وفي هذا المقال سوف نناقش بيع الوفاء باعتباره أحد صور عقد البيع وذلك على النحو التالي:

أولاً: ماهية بيع الوفاء:

ثانياً: أركان بيع الوفاء:

ثالثاً: خصائص بيع الوفاء:

رابعاً: المراحل التي يمر بها بيع الوفاء:

خامساً: هلاك المبيع في بيع الوفاء:

سادساً: حجج قانونية بيع الوفاء:

سابعاً: حجج عدم قانونية بيع الوفاء:

أولاً: ماهية بيع الوفاء:

لم يتعرض القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 صراحة أو ضمناً لبيع الوفاء فقد خلت نصوصه من أية أحكام تتعلق بهذا النوع من البيع سواء من حيث تعريفه أو أركانه أو أثاره أو حتى مشروعيته من عدمها.

ويمكن الرجوع لتعريف بيع الوفاء لمجلة الأحكام العدلية التي استند إليها القانون المدني الأردني في الكثير من أحكامه .

 وقد عرفت (المادة 118) من المجلة بيع الوفاء بنصها على أنه ” هو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع، وهو في حكم البيع الجائز بالنظر إلى انتفاع المشتري به، وفي حكم البيع الفاسد بالنظر إلى كون كل من الطرفين مقتدراً على الفسخ، وفي حكم الرهن بالنظر إلى أن المشتري لا يقدر على بيعه إلى الغير”.

وجاء تعريف بيع الوفاء في كتاب مرشد الحيران (مادة 454) بأنه ” بيع الوفاء هو أن يبيع شيئاً بكذا أو بدين عليه بشرط أن البائع متى رد الثمن إلى المشتري أو أداه الدين الذي له عليه يرد له العين المبيعة وفاء”.

وأشارت (المادة 465) من القانون المدني المصري للمقصود ببيع الوفاء بإيرادها أنه ” إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع خلال مدة معينة وقع البيع باطلا “.

وخلاصة ذلك أننا نكون بصدد بيع الوفاء متى اشترط البائع عودة الشيء المبيع إليه إذا رد ثمنه للمشتري.

ويلزمنا هنا ربطاً لأوصال الموضوع الإشارة إلى مجلة الأحكام العدلية نظراً لدورها الرئيس في التشريع الأردني والتي يتم الاستناد إليها في كافة الأحكام المتعلقة ببيع الوفاء، فكانت المجلة العدلية تعتبر بمثابة القانون المدني المطبق في الأردن حتى تم سن القانون المدني سنة 1976، ومجلة الأحكام العدلية تعتبر أول قانون مدني إسلامي لأنها قامت على أساس تقنين رسمي للفقه الإسلامي وذلك خلال عهد الإمبراطورية العثمانية حينما صدرت رسمياً بمرسوم السلطان العثماني عبدالعزيز بن محمود الثاني في عام 1286هـ الموافق 1869م وتوطد نفوذها في عام 1293هـ الموافق 1876م في عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني لتطبق أحكامها إلزامياً في محاكم جميع الأقاليم الإسلامية الخاضعة لها، واحتوت المجلة على مواد بلغت 1851 مادة قانونية تضمنت أحكاماً شرعية لمختلف المعاملات المدنية مثل البيع والإيجار والكفالة والوكالة وغيره بشكل محكم نظم المسائل الفقهية المبددة والمتناثرة فأصبحت عملا تشريعياً عظيماً تأصل على أساسها تشريعات عدة[1].

ثانياً: أركان بيع الوفاء:

لم يرد في القانون الأردني كما سبق أن ذكرنا نص يبيح أو يحظر بيع الوفاء، بيد أن ذلك لا يمنع من أن لهذا البيع أركان وهي لا تختلف عن غيره من العقود فهو عقد رضائي ينعقد بالتراضي بين طرفيه ولا يشترط شكل معين لانعقاده، والثمن، والشيء المبيع محل العقد، ولا يشترط فيه التسليم[2] وقت انعقاد العقد، بل يمكن أن يضرب له أجلاً لأحقاً للتسليم.

ويلاحظ أن الثمن قد يكون نقدياً وقد يكون جزءاً من ريع أو منافع الشيء البيع، فمثلاً لو كان محل البيع بستان فاكهة فيصح أن يكون الثمن نصف أو ربع الثمار الناتجة وذلك طبقاً لنص المادة (398) من مجلة الأحكام العدلية التي أجازت ذلك بقولها ” إذا شرط في الوفاء أن يكون قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك مثلاً : لو تقاول البائع والمشتري وتراضياً على أن الكرم المبيع بيع وفاء تكون غلته مناصفة بين البائع والمشتري صح ولزم الإيفاء بذلك على الوجه المشروح”. وهو يختلف في ذلك عن المعروف في عقد البيع من اشتراط أن يكون الثمن نقدي.

وقد نصت المادة (396) من مجلة الأحكام العدلية على أنه ” كما أن البائع وفاء له أن يرد الثمن ويأخذ المبيع كذلك للمشتري أن يرد المبيع ويسترد الثمن “.

ويشترط هنا لصحة ذلك الشرط الفاسخ توافر شرطين هما :

1- أن يكون الشرط معاصراً لعقد البيع، فإذا ما تم الاتفاق على حق البائع في استرداد المبيع في تاريخ لأحق للعقد كان البيع باتاً، ولا يشترط لصحة الشرط الفاسخ أن يثبت في العقد بل يمكن أن يتم بين العاقدين بأي طريقة أخرى، وكل ما يتطلب أن يكون الاتفاق على الاسترداد وقت انعقد العقد.

2- أن يكون حق الاسترداد محدد بمدة معينة، وهذا الشرط وإن لم يرد النص عليه في مجلة الأحكام العدلية إلا أن طبيعة العلاقة التعاقدية واستقرار المراكز القانونية يقتضي ذلك، وكان التقنين المدني المصري الملغي قد جعل الحد الأقصى لاسترداد المبيع خمس سنوات وذلك قبل النص على بطلان بيع الوفاء في القانون المدني الحالي.

وبيع الوفاء هو بيع معلق على شرط فاسخ، يتمثل في أن يرد البائع الثمن أو المبلغ المتفق عليه للمشتري، فينفسخ العقد ويعود الشيء المبيع إلى ملك البائع بأثر رجعي، وهو بذلك يختلف عن الرهن الرسمي والحيازي فالأول لا يتجرد فيه المالك عن الملك أو الحيازة، بل يظل مالكاً وحائزا، أما الثاني فيتجرد المالك من الحيازة ويظل مالكاً.

ثالثاً: خصائص بيع الوفاء[3]:

يتميز بيع الوفاء بعدة خصائص نظراً لما يتمتع به من طبيعة خاصة بين صور عقود البيع ويمكن أن نجمل تلك الخصائص فيما يلي:

1- عقد معاوضة:

يعد بيع الوفاء من عقود المعاوضة حيث يأخذ كل طرف من طرفيه مقابلاً لما يعطي، كما يلتزم كل طرف بالتزامات في مواجهة الأخر.

2- عقد غير لازم:

ويكون العقد غير لأزم وفقاً لنص (المادة 176) من القانون المدني الأردني بالنسبة إلى أحد عاقديه أو لكليهما رغم صحته ونفاذه إذا شرط له حق فسخه دون تراض أو تقاض، ولكل من طرفيه أن يستقل بفسخه إذا كان بطبيعته غير لأزم بالنسبة إليه أو شرط لنفسه خيار فسخه.

 ويحق للبائع في بيع الوفاء أن يستعمل حقه في فسخ العقد قبل المدة المحددة في العقد لكون ذلك الشرط قد وضٌع لمصلحته مما يكسبه الحق في التنازل عنه ورد الثمن للمشتر واسترداد المبيع، ولا يجوز للمشتري رد الشيء المبيع للبائع قبل الأجل المحدد والمطالبة برد الثمن الذي قد سبق دفعه، وإذا توفي أحد الأطراف حل محله ورثته.

3- عقد غير ناقل للملكية:

فبيع الوفاء ليس بيعاً باتاً وإنما بيع معلق على شرط فاسخ، فلا يجوز للبائع أو المشتري بيع الشيء محل العقد طبقاً لنص المادة (397) من المجلة والتي نصت على أنه ” ليس للبائع ولا للمشتري بيع مبيع الوفاء لشخص آخر”.

وترتيباً على ما تقدم فإنه لا يجوز كسب الشيء المبيع بالشفعة من المشتري لكونه ليس مالكاً له، ولو تم بيع عقار مجاور له فيكون للبائع حق الأخذ بالشفعة وليس المشتري.

4- عقد منفعة:

وعقد المنفعة هو العقد الذي ينقل منفعة الشيء محل العقد لأخر، وبيع الوفاء يمكن المشتري من الانتفاع بالشيء المبيع واستعماله واستغلاله طوال مدة حيازته له وذلك دون حاجة لأخذ إذن من البائع للقيام بذلك، وهذا ما يميزه عن الرهن الذي لا يوجب تمليك المرتهن منافع الشيء المرهون.

رابعاً: المراحل التي يمر بها بيع الوفاء:

يمر بيع الوفاء بمرحلتين الأولي عند انعقاد العقد والثانية عند استرداد المبيع وسوف نناقش كل مرحلة بشيء من البيان على النحو التالي :

المرحلة الأولى: عند انعقاد العقد:

كما سبق أن ذكرنا أن بيع الوفاء يكون معلقاً على شرط فاسخ، ويتحقق هذا الشرط إذا أدى البائع للمشتري الثمن أو المبلغ المتفق عليه لاسترداد المبيع في خلال المدة المتفق عليها، وفي حال تحقق الشرط الفاسخ ينفسخ العقد بأثر رجعي ويعتبر كأنه لم يكن.

ويُعد المشتري مالكاً في بيع الوفاء وله حق تسجيل العقد، ولكنه يكون مالكاً تحت شرط فاسخ، وإذا تصرف المشتري في الشيء المبيع فإن تصرفه يكون معلقاً على شرط فاسخ كذلك وفي حال تحققه تنفسخ كافة التصرفات التي أجراها المشتري، وللمشتري طلب الأخذ بالشفعة.

كما يحق للمشتري القيام بكافة أعمال الإدارة، فله أن يبرم عقود الإيجار ويكون الإيجار نافذاً في حق البائع حتى مع تحقق الشرط الفاسخ.

المرحلة الثانية: استرداد المبيع:

للبائع حق استرداد المبيع من المشتري، ولورثته أيضاً من بعده، كما يجوز لدائنيه أن يستعملوا حقه في استرداد الشيء المبيع وذلك استناداً لأحكام الدعوي غير المباشرة[4].

ويقع الاسترداد على ذات الشيء المبيع سواء كان كاملاً أو حصة مشاعة في مواجهة المشتري أو ورثته جميعاً إن تعددوا، وللمشتري أيضاً مطالبة البائع أو ورثته إن تعددوا بأن يستردوا الشيء المبيع وذلك كله في أثناء المدة المتفق على الاسترداد خلالها، وإذا ما كان المشتري قد تصرف في العين محل البيع فلا يسري ذلك في مواجهة البائع ويكون له حق استردادها ممن آلت إليه ما لم يكن قد أقر البيع، وفي حال وفاة أحد المتعاقدين يحل ورثته محله في كافة حقوقه والتزاماته المترتبة على العقد وذلك عملاً بنص (المادة 402) من المجلة التي أوردت أنه اذا مات احد المتبايعين وفاء انتقل حق الفسخ للوارث.

الآثار المترتبة على الاسترداد:

  • انفساخ العقد بأثر رجعي واعتبار العقد كأن لم يكن.
  • التزام البائع بأداء المبلغ المتفق عليه للمشتري.
  • التزام المشتري برد الشيء المبيع للبائع مع التعويض في حالة نقصان المبيع بفعل المشتري، أما إذا كان النقصان ليس راجعاً إلى فعل المشتري أو خطأ منه، فيكون للبائع الخيار بين ألا يسترد المبيع أو يسترده على حالته.

خامساً: هلاك المبيع في بيع الوفاء:

لم يرد ضمن نصوص المجلة العدلية صراحة ما ينظم حالة هلاك الشيء المبيع ومن يقع على عاتقه تحمل تبعة الهلاك، إلا أن المستقر عليه في بيع الوفاء أنه في حالة هلاك الشيء المبيع تحت يد المشتري فإنه يكون مسئولا عن ذلك.

 وفي حال ما إذا كان البيع لسداد دين وهلكت العين المبيعة في يد المشتري فإنه وفقاً لنص المادة (399) من المجلة إذا كانت قيمة المال المبيع بالوفاء مساوية للدين وهلك المال في يد المشتري سقط الدين في مقابلته .

أما إذا كانت قيمة الشيء المبيع أقل من الدين وهلك المبيع في يد المشتري فإنه عملاً بنص (المادة 400) من المجلة يسقط من الدين بقدر قيمة الشيء المبيع ويسترد المشتري الباقي ويأخذه من البائع.

وطبقاً لنص المادة (401) من المجلة فإنه ” إذا كانت قيمة المال المبيع وفاء زائدة عن مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين وضمن المشتري الزيادة أن كان هلاكه بالتعدي وأما إن كان بلا تعد فلا يلزم المشتري أداء تلك الزيادة “.

سادساً: حجج قانونية بيع الوفاء:

لما كان بيع الوفاء لم يرد بشأنه نص في القانون الأردني سواء بمشروعيته أو بعدم مشروعيته مما أدى إلى انقسام الفقه الأردني بين مؤيدين لمشروعية هذا البيع ومعارضين له، وفيما يتعلق بمؤيدين مشروعية هذا البيع فكانت وجهتهم تتمثل فيما يلي:

يرى أصحاب هذا الرأي أنه يصح الأخذ ببيع الوفاء بالرغم من عدم ورود أي نص في القانون المدني الأردني يتعلق به أو ينظم أحكامه صراحة أوضمناً، ويستند أنصار هذا الرأي إلى عدة نقاط أساسية تتمثل في:

1- أن المادة 1448 من القانون المدني الأردني نصت على أنه ” 1- يلغى العمل بما يتعارض مع أحكام هذا القانون من مجلة الأحكام العدلية. 2- عند تطبيق أحكام هذا القانون تراعى أحكام القوانين الخاصة “.

وترتيباً على ذلك يلغى أي نص ورد بمجلة الأحكام العدلية يتعارض مع أحكام هذا القانون وذلك فيما عدا ما ورد بقانون خاص لكون الخاص يقيد العام، وبمطالعة نصوص القانون المدني الأردني نجد أنه لا يوجد فيها ما يشتمل على أي نص يتعارض مع بيع الوفاء أو يقضي ببطلانه.

2- الرجوع لمجلة الأحكام العدلية في الحالات التي لم يرد بشأنها نص في القانون المدني، ويرى انصار هذا الاتجاه أنه بمفهوم المخالفة يتعين الرجوع لأحكام المجلة في الحالات التي لم يرد بشأنها نص في القانون المدني[5]، وقد أيدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في بعض أحكامها فقضت محكمة التمييز بصفتها الحقوقية في القرار رقم 569 \1998 ( هيئة عامة )  بتاريخ 17\2\1999أنه ” ألغت المادة 1448 من القانون المدني العمل بما يتعارض مع أحكام القانون المدني من مجلة الأحكام العدلية وعلى ذلك فلا يشمل الإلغاء النصوص المتعلقة بالحالات التي لم يرد عليها نص في القانون المدني، وتبقى هذه النصوص سارية المفعول، ويتعين إعمال أحكامها “.

وأكدت ذلك بقرارها رقم 425\ 2000بصفتها الحقوقية ( هيئة خماسية ) بتاريخ 4\4\2000 بقولها ” لم يتضمن القانون المدني أحكاماً تتعلق بإحداث الجار مطلات تكشف مقر النساء العائد لجاره، وحيث أن المادة 1448 من ذات القانون تضمنت إلغاء العمل بمجلة الأحكام العدلية بما يتعارض وأحكام القانون المدني فإن أحكام المادة 1204 من المجلة هي التي تحكم هذه المسألة باعتبارها لا تتعارض وأحكام القانون المدني”.

2- نصت المادة (766\4) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني على أنه ” رؤي أن يكون نص (المادة 1448) على الوجه المذكور للأسباب التالية:

للأسباب المذكورة رؤي النص على إلغاء ما يتعارض مع أحكام هذا القانون من المجلة فقط، وفي هذه الحالة يعتبر ما لا يتعارض منها مع أحكام القانون غير ملغى . خصوصا أنه قد نص في المادة الثانية من هذا المشروع أنه في حالة عدم وجود نص يرجع إلى أحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة، وأحكام المجلة من جملتها وأيضا بعض أحكام المجلة مثل أدب القاضي وغيرها لا يزال محتاجا إليه في جميع أنواع القضاء الأردني”.

وخلاصة ما تقدم أنه متى لم يكن هناك نص في القانون المدني بشأن مسألة معينة تعين اللجوء لأحكام مجلة الأحكام العدلية، ولما كان بيع الوفاء لم يرد بشأنه نص في القانون المدني الأردني فإنه يتعين اللجوء للنصوص الواردة بشأنه في المجلة ، وحيث أن المادة 118 من المجلة قد أجازت بيع الوفاء فإنه يتعين الأخذ به خاصة وأن القانون المدني الأردني قد خلا من النص صراحة أو ضمناً على بطلان بيع الوفاء.

سابعاً: حجج عدم قانونية بيع الوفاء:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن المشرع الأردني قد ألغى بموجب نص (المادة 1448) منه كل ما يتعارض مع أحكامه من مجلة الأحكام العدلية، وأن الإلغاء لا يشترط أن يكون صريحاً، بل يمكن أن يكون ضمنياً،  فقد يكون ذلك بتعمد المشرع إهمال النص على مسألة معينة أو ترك تنظيمها في التشريع الجديد الذي أُلغي بموجبه التشريع القديم ويمكن حصر الأسباب التي يستندوا إليها في الآتي :

1- المادة (5) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أنه ” لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع “.

ويستند أنصار هذا الرأي إلى أن تعمد المشرع عدم تنظيم بيع الوفاء في القانون المدني بمثابة إلغاء له، فلو أراد المشرع إقراره لنص عليه صراحة في ظل تنظيمه لصور البيع الأخرى المختلفة.

2- كما يستند أنصار هذا الرأي إلي أن المشرع قد غير نظرته لما يعد مخالفاً للنظام العام وعليه فقد رأى المشرع بطلان بيع الوفاء لمخالفته للنظام العام نظراً لكونه يكون عادة ستاراً لتصرف غير مشروع فقد نصت (المادة 640) من القانون المدني على أنه ” إذا اشترط في عقد القرض منفعة زائدة على مقتضى العقد سوى توثيق حق المقرض ألغي الشرط وصح العقد ” ونظراً لكون بيع الوفاء غالباً ما يتخذه المتعاقدان وسيلة لستر تصرف آخر يكون رهناً غالباً أو قرضاً يشترط فيه المشتري في حالة رد المبيع للبائع مرة أخري أن يتقاضى ثمناً اكبر من الذي قام بدفعه فيعد الأمر بمثابة عقد قرض بربا فاحش، ولما كان القانون الأردني يعتبر الفقه الإسلامي مصدر رئيسي لأحكامه وكان بيع الوفاء بهذه الشاكلة يعد ربا وهو محرم في الإسلام لقوله تعالى “وأحل الله البيع وحرم الربا”.

3- يضاف إلي ذلك أنه لما كان نص (المادة 32) من مجلة الأحكام العدلية يجري على أنه ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة أو خاصة، ومن هذا القبيل تجويز البيع بالوفاء حيث أنه لما كثرت الديون على أهل بخاري مست الحاجة إلى ذلك فصار مرعيا “.

ولما كان السبب في إجازة بيع الوفاء وفقاً لنص (المادة 32) من المجلة سببه كثرة القروض والديون وعدم قدرة الأفراد على سدادها، فكان بيع الوفاء بمثابة المخرج لهم من هذا الضيق والعوز[6] ، فالبائع يخرج من أزمته المالية بالثمن الذي يحصل عليه، والمشتري يكون له ضمان عودة المال إليه مرة أخري عند رد المبيع للبائع ولكنه في هذه الحالة يستغل البائع بطلب ثمن أكبر من الذي قام بدفعه هو له، وفي حالة عجز البائع عن استرداد المبيع مرة أخرى يصير المبيع ملكاً للمشتري والذي كان سبق أن اشتراه ثمن زهيد، فكان بيع الوفاء بمثابة حيلة ربوية لا أكثر ومحاولة للهروب من أحكام الشرع الصريحة بحرمة الربا.

3- مخالفة بيع الوفاء لنص (المادة 465) من القانون المدني الأردني والتي تنص على أنه “البيع تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض “.

فلما كان الأصل في البيع أن يكون باتاً أي لأزما لا رجعة فيه، وكان لعقد البيع ركنان إذا تخلف أحدهما فلا يمكن أن يسمى العقد بيعاً وهما التزام البائع بنقل ملكية شيء أو حق مالي آخر والثمن النقدي. ويجب أن يتوافر في هذا الركن الثاني ثلاثة شروط وهم[7] أن يكون هناك مقابل حقيقي، وأن يكون هذا المقابل نظير نقل ملكية شيء أو حق مال آخر، وأن يكون هذا المقابل نقدياً لا عينياً.

ولما كان بيع الوفاء يخالف ذلك لكون البيع فيه غير بات، لما للبائع من حق في استرداد المبيع من المشتري وهذا يغاير بالطبع ويختلف عن الشرط الفاسخ أو الجزائي، فلا يشترط لاسترداد البائع للمبيع في بيع الوفاء إخلال المشتري بأي التزام من التزاماته ولا يكون له الحق في الامتناع عن رد المبيع للبائع مرة أخري في حال رده وتنتقل الالتزامات الناشئة عن بيع الوفاء لورثة الطرفين، مما يؤدي إلى القول ببطلان عقد بيع الوفاء.

وهذا البطلان المتعلق بالنظام العام لا تلحقه الإجازة، ولا يسري عليه التقادم، ولكل ذي مصلحة التمسك به، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يرتب أثراً سواء فيما بين المتعاقدين أو الغير، ويتم رد المبيع للبائع والثمن للمشتري وذلك طبقاً لقواعد استرداد غير المستحق الواردة بالقانون.

إعداد/ رفعت حمدي عبد الغني المحامي.

[1] راجع د/ يوسف محمد قاسم عبيدات، قواعد بيع الوفاء في قانون الموجبات والعقود اللبناني ومدى إمكانية تطبيقها في القانون المدني الأردني، مجلة الشريعة والقانون، العدد 47، يوليو 2011، هامش 28، ص 171، مشار إليه أيضاُ بموقع وزارة العدل الفلسطينية.

[2] راجع د/ عبدالرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الرابع ، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ص 152.

[3] راجع في ذلك هدى مجذوب الربيع، بيع الوفاء موقف القانون والقضاء السوداني منه، رسالة ماجستير، جامعة النيلين، الخرطوم، سنة 2014.

[4] المرجع السابق د/ عبدالرزاق السنهوري ص 155.

[5] راجع المرجع السابق د/ يوسف محمد قاسم عبيدات، ص 172.

[6] راجع في ذات المعنى المرجع السابق د/ يوسف محمد قاسم عبيدات، ص 177 ، 178.

[7] راجع د/ محمد عبد الظاهر حسين، عقد البيع، دار الثقافة العربية للنشر والتوزيع ، مصر 2011\2012، ص 21.

Scroll to Top