دور الأعراف التجارية الدولية كمصدر لقواعد التجارة الدولية

دور الأعراف التجارية الدولية كمصدر لقواعد التجارة الدولية

لما كانت قواعد التجارة الدولية لا تتوقف عن التطور تماشيا مع ضرورات الحياة الاقتصادية السريعة، ونظرا لعجز القوانين عن مواجهة التطور الكبير في هذا المجال، حيث ان التشريعات الوطنية لم تعالج الا العقود التقليدية، وتخلفت معظمها عن التطورات الحديثة لعقود التجارة الدولية مثل عقد (نقل التكنولوجيا) وغيرها من العقود المركبة التي تجعلها طبيعتها مختلفة تماماً عن العقود التقليدية، وتضع القوانين التقليدية في موقف العجز عن تنظيمها، كل ذلك ساعد على ظهور الأعراف التجارية الدولية.

وقد حظيت التجارة الدولية باهتمام بالغ من الهيئات والمنظمات الدولية، حيث بذلت هذه الهيئات والمنظمات جهودا كبيرة في سبيل تيسير انسياب حركة التجارة الدولية، وذلك من خلال تطبيق القواعد الخاصة بالتجارة الدولية بشكل موحد، وعلى سبيل المثال لذلك الجهود التي قدمتها وقامت بها منظمة التجارة الدولية (اليونسترال) في شأن تجميع الأعراف التجارية المتبعة في مجال التجارة الدولية، ووضعها في شكل تقنين يضم بين جنباته قواعد موحدة، وسنتناول في مقالنا هذا دور الأعراف التجارية الدولية كمصدر لقواعد التجارة الدولية.

أولا: مفهوم العرف التجاري

ثانيا: الفرق بين العرف التجاري والعادة التجارية

ثالثا: تعارض العرف التجاري مع النصوص التشريعية

رابعاً: حالات تطبيق المحكم الدولي لأعراف التجارة الدولية

خامساً: أحكام قضائية أردنية معنية بالأعراف التجارية الدولية

سادساً: الخاتمة

 أولا: مفهوم العرف التجاري

هو مجموعة القواعد التجارية التي اعتاد عليها التجار في معاملاتهم التجارية لمدة طويلة مع اعتقادهم بإلزامها.

ويتضح من هذا المفهوم أن العرف التجاري يتألف من ركنين:

الركن المادي: ويتمثل في اعتياد الناس على سلوك معين.

الركن المعنوي: ويتمثل في اعتقاد الناس بإلزامية اتباع هذا السلوك.

ثانيا: الفرق بين العرف التجاري والعادة التجارية

1- الاختلاف من حيث الأركان المكونة لكل منهما

كما أوضحنا سلفاً فإن العرف التجاري يتألف من ركنين (مادي ومعنوي)، في حين نجد أن العادة التجارية لا تقوم إلا على ركن واحد فقط هو الركن المادي، حيث تكون العادة التجارية في الغالب هي عادة تجارية اتفاقية، وبالتالي لا يمكن اعتبارها قاعدة قانونية تتمتع بالقوة الإلزامية، وذلك لأنها لا يتم تطبيقها من قبل المحكمة ومن تلقاء نفسها، بل يجب لتطبيقها أن تتجه إرادة الأطراف إلى ذلك واتفاقهم على تطبيقها، وقد يرد مثل ذلك الاتفاق إما بشكل صريح أو بشكل ضمني تنم عنه وتدل عليه ظروف العقد الواردة به.

2- الاختلاف من حيث المكلف بتحمل عبء الإثبات

فيما يخص المتحمل بعبء الإثبات نجد أنه فيما يخص وجود العرف التجاري وإثبات ذلك الوجود، فإن عبء ذلك يتحمله القاضي مثله في ذلك مثل عبء تحمله التثبت من وجود النص القانوني في التشريع، حيث أن العرف يقع في منزلة التشريع، في حين أن عبء إثبات وجود العادة الاتفاقية يقع على كاهل من له مصلحة من الخصوم في إثباتها والتمسك بها، ويرجع ذلك إلى أن العادة التجارية هي في حقيقتها اتفاقية، وبالتالي فهي تعد بمثابة شرط من الشروط الواردة في التعاقد، فلا يعمد القاضي إلى إنزالها على وقائع النزاع المعروض عليه إلا إذا بادر صاحب المصلحة في ذلك إلى التمسك بوجودها وإثبات هذا الوجود.

3- الاختلاف من حيث التطبيق

العرف التجاري يصبح واجب التطبيق بمجرد عرض النزاع على المحكمة، ولا يختلف الحال سواء كان علم الخصوم قد اتصل بوجود مثل هذا العرف من عدمه، حيث تتعامل المحكمة مع العرف كتعاملها مع القانون ونصوصه، ويشمل ذلك انطباق قاعدة عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون على الرف بدوره، في حين أن العادة الاتفاقية لا تتمتع بذلك حيث إن تطبيقها يخضع لشرط وهو أن يتمسك من له مصلحة بها بتطبيقها، مما يفترض معه علمهم بها مسبقا.

4- الاختلاف من حيث الخضوع لرقابة محكمة التمييز

باعتبار أن محكمة التمييز هي المنوط بها الاختصاص والسلطة لمراقبة صحة تطبيق القوانين، وباعتبار أن العرف التجاري يقع في منزلة القانون، فإنه بدوره – العرف التجاري – يخضع لسلطة الرقابة من قبل محكمة التمييز، وعلى صعيد آخر نجد أن العادة الاتفاقية تخرج من نطاق إعمال رقابة محكمة التمييز، وذلك باعتبارها من قبيل مسائل الواقع[1].

ثالثا: تعارض العرف التجاري مع النصوص التشريعية

1- تعارض العرف التجاري مع نص القانون التجاري الأمر والمفسر

أ- تعارض العرف التجاري مع نص القانون التجاري الآمر

أجمع فقهاء القانون على أن التعارض بين العرف التجاري وأحد النصوص الآمرة الواردة في القانون التجاري المعمول به هو أمر غير جائز بالمرة، وهو أمر طبيعي ومنطقي باعتبار أن المستقر عليه عملاً أن القواعد القانونية الآمرة وضعت لتحقق الصالح العام وتتوافق مع النظام العام للمجتمع، مما يجعلها ثابتة لا يجوز أن تمس عبر مخالفة ما تقره من مضمون ومبدأ، حتى ولو كان ذلك في مواجهة العرف التجاري المستقر.

ب- تعارض العرف التجاري مع نص القانون التجاري المفسر

يختلف الأمر في حالة وقوع التعارض بين العرف التجاري ونص مفسر في القانون التجاري، حيث يكون العرف التجاري في تلك الحالة مقدماً في تطبيقه على النص المفسر ويتم اللجوء إليه بداية، وذلك لأن النص التجاري المفسر يختلف عن النص التجاري الآمر بأن الأخير وإن كان لا يجوز الاتفاق على مخالفته، فإن الأخير – المفسر – لا يوجد ما يمنع من الاتفاق على مخالفته.

2- تعارض العرف التجاري مع نص القانون المدني الآمر والمفسر

أ- تعارض العرف التجاري مع نص القانون المدني الآمر

لم يبين المشرع الأردني مكانة العرف التجاري باعتباره مصدراً للقانون التجاري، حيث وضعت (المادة 3) من قانون التجارة الأردني العرف التجاري ضمن طائفة المصادر الاسترشادية أو التفسيرية لنصوص القانون، بينما جاءت (المادة 4) من ذات القانون لتضعه في مرتبة تلي كل من القانون التجاري والقانون المدني.

وإزاء هذا الغموض في شأن تلك المسألة جاءت اجتهادات فقهاء القانون في محاولة لكشف حقيقة ذلك الغموض، وقد جاءت تلك الاجتهادات متباينة، حيث اتجه البعض إلى أن التعارض هنا يكون من الناحية الشكلية والظاهرية فقط، وهناك من اتجه إلى تغليب النص المدني، بينما ذهب البعض الآخر إلى تغليب العرف التجاري، ويعد أصوب تلك الاتجاهات المختلفة هو الرأي الذي نادى به السواد الأعظم من فقهاء القانون ومنهم الدكتور علي البارودي، والذي يرى ان العرف التجاري يأتي بعد النصوص التشريعية التجارية وقبل النصوص التشريعية المدنية، والسند في ذلك هو نص (المادة 2/2) من قانون التجارة الأردني، والتي تلزم القاضي عند تطبيقه لأحكام القانون المدني على أي دعوى تجارية ان يراعي المبادئ المختصة بالقانون التجاري، اي ان أحكام القانون المدني لا يمكن تطبيقها اذا كانت متعارضة مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري، و هذه المبادئ هي قواعد العرف التجاري[2].

ب- تعارض العرف التجاري مع نص القانون المدني المفسر

عند تعارض العرف التجاري مع نص مفسر في القانون المدني، فإن العرف التجاري يعد هو المقدم في التطبيق على النص المفسر، وذلك لنفس ما سبق وأن أوردناه في شأن تعارض العرف التجاري مع نص مفسر في القانون التجاري، أي أنه متى تعارض العرف التجاري مع نص قانون مفسر أياً كان نوعه تجارياً كان أو مدنياً، فإن العرف التجاري يكون هو المقدم في التطبيق.

رابعاً: حالات تطبيق المحكم الدولي لأعراف التجارة الدولية

خلال نظر المحكم الدولي لما يعرض عليه من منازعات التجارة الدولية، فقد يعمد في بعض الحالات إلى الأخذ بالأعراف المتبعة والمستقرة في معاملات التجارة الدولية، وتختلف كل حالة من تلك الحالات في ظروفها التي تجعل القاضي يلجأ إلى ذلك، ومن أهم تلك الحالات ما سيلي ذكره تباعاً.

1- سد النقص في القوانين الوطنية التي تحكم النزاع

متي تبين للمحكم أن هناك نقص وقصور تشريعي في القانون الوطني الذي يحكم النزاع، فيلجأ عندئذ إلى ما هو مستقر من عادات وأعراف التجارة الدولية، وتظهر غالبا مشاكل النقص التشريعي في النزاعات التي تثار بخصوص الاعتمادات المستندية وعمليات البنوك وكذلك المشاكل المتعلقة ببعض الضمانات في العقود التجارية الدولية وغيرها.

2- تفسير القوانين الوطنية التي تحكم النزاع

كما يلجأ المحكم لتطبيق أعراف وعادات التجارة الدولية متى أراد أن ينزع الغموض عن نص تشريعي وطني بتفسيره[3]، ومن أهم الأمثلة على ذلك القوانين الحاكمة للبيوع التجارية الدولية كمبيعات التجارة البحرية.

3- أن تتجه نية المتنازعين لإخضاع المنازعة لعادات وأعراف التجارة الدولية

وهو ما قد يتبينه المحكم من خلال عدة دلائل منها أن يقع اختيار المتنازعين للتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية كسبيل لفض المنازعة، فيستدل المحكم من ذلك على أن المتنازعين يرغبون في تطبيق أعراف وعادات التجارة الدولية على موضوع نزاعهم.

4- تعذر تطبيق قانون محدد

في بعض الحالات قد يجد المحكم أن القانون المتفق على إخضاع النزاع له من المستحيل تطبيقه أياً كان السبب الذي ترجع له تالك الاستحالة، فلا يجد أمامه سوى أن يقوم بإنزال عادات وأعراف التجارة الدولية، كما هو الحال في خلو الاتفاق بين الخصوم على تحديد القانون الذي يخضع له النزاع، الأمر الذي يستفاد منه أن ذلك اتفاق ضمني على ترك النزاع لتطبق عليه عادات وأعراف التجارة الدولية.

5- تعارض أحكام القانون واجب التطبيق مع النظام العام الدولي

يحق للمحكم أيضاً أن يلجأ إلى إنزال أعراف وعادات التجارة الدولية على وقائع الدعوى التحكيمية المطروحة عليه، مع طرح القانون المتفق على تطبيقه بين الخصوم جانباً، شريطة أن يكون هذا القانون يتضمن أحكام تتناقض مع النظام العام الدولي وتخالفه، وتتحقق هذه الحالة في أغلب صورها متى كان القانون المتفق على تطبيقه هو قانون مالي وطني، والتي يتم سنها من قبل الحكومات لتنظيم الأحكام الخاصة بطرق ووسائل وشروط الدفع فيما يتم إبرامه من تعاملات تجارية دولية، وهي تتناقض في كثير من الأحيان مع الشروط  التي يقتضيها تطبيق شروط ضمان تحويل العملة في العقود التجارية الدولية.

خامساً: أحكام قضائية أردنية معنية بالأعراف التجارية الدولية

– الحكم الصادر في الدعوى رقم 43 لسنة 2016 بداية حقوق جمارك بجلسة 31/12/2017، والذي نص في مضمون تسبيبه على أنه (أما فيما يتعلق بالبيان الجمركي رقم ……… بتاريخ …………. مركز جمرك العقبة، وبتدقيق هذا البيان وفضلاً عما ذكرته المحكمة بأنه لا يوجد هناك أسباب مبررة موجبة للتعديل بسبب كفاية الأوراق المقدمة لإثبات سعر الصفقة تجد المحكمة أن المصدر في هذا البيان مختلف عن المصدر في البيانين الجمركيين محل القرار فضلاً عن انه بمجرد الاستيراد بالسعر الوارد بالبيان الجمركي المذكور لا يعني ان السعر الوارد فيه للوحدة محل الاحتساب كأساس للثمن هو الأصل وما تواتر عليه الاستيراد بمعنى عدم كفاية هذه البينة لقبول التعديل مع توافر الأوراق المقدمة لإثبات سعر الصفقة وان المحكمة ترجح الأصل وهو الثمن الذي استناداً اليه تم التخليص على القهوة محل الطعن، فلابد من الأخذ بعين الاعتبار ان الأسعار تختلف باختلاف الوقت وشخص المستورد فيما إذا كان زبوناً للجهة الموردة وفقاً  للأعراف التجارية الدولية).

– الحكم الصادر في الدعوى رقم 2563 لسنة 2014 حقوق شمال عمان بجلسة 29/10/2015، والذي لجأ إلى أعراف التجارة الدولية في نص مضمون تسبيبه (وبرجوع المحكمة إلى المخطط المصور والمحفوظ بين محاضر الدعوى قبل إعلان اختتام المحاكمة والمحدد بالخط الأحمر أمام أطراف الخصومة لبيان مسؤولية البائع والمشتري حسب الأعراف التجارية الدولية وباستخدام مفاتيح التفسير المثبتة في ذلك المخطط يتبين للمحكمة أن: ………..)

سادساً: الخاتمة

لم يخرج المشرع الأردني في تعامله مع موضوع الأعراف التجارية ودورها كمصدر لقواعد التجارة الدولية عن المسلك الذي اتخذته الغالبية العظمى من التشريعات العربية، حيث أخذ قانون التحكيم الأردني الجديد رقم 31 لسنة 2001 في (المادة 36/ج) منه بأنه يجوز للمحكم الدولي تطبيق عادات وأعراف التجارة الدولية، حيث نصت على أنه (في جميع الأحوال يجب أن تراعي هيئة التحكيم عند الفصل في موضوع النزاع شروط العقد موضوع النزاع وتأخذ في عين الاعتبار الأعراف الجارية في نوع المعاملة والعادات المتبعة وما جرى عليه التعامل بين الطرفين)، ونفس الأمر بالنسبة للمشرع المصري الذي نص على ذات الأمر في (المادة 39/3) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994، وحسناً فعل المشرع الأردني حيث أغلق الباب أمام أي نزاع يمكن أن يثور في هذا الشأن.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – فوزي محمد سامي – شرح القانون التجاري الأردني – ج1 – 1988 – ص49.

[2] – علي البارودي – محاضرة ألقيت في نقابة المحامين بالقاهرة عن العرف التجاري ومكانته ودور الفقه والقضاء في احترامه – ع (1) – س (35) – 1987 – ص8.

[3] – علي بركات – خصومة التحكيم في القانون المصري والقانون المقارن – دار النهضة العربية – القاهرة – 1996 – ص 443 وما بعدها.

Scroll to Top