أسباب اكتساب الإقليم

أسباب اكتساب الإقليم

يُعد إقليم الدولة أحد أهم عناصرها ذلك أنه يُمثل الحيز المكاني الذي تُمارس عليه الدولة سلطاتها واختصاصاتها، والإقليم يُعد مناط وجود الدولة حيث يترتب على زوال الإقليم زوال الدولة برمتها، وهناك العديد من الطرق التي بموجبها تستطيع الدولة أن تكتسب إقليماً، سواء أكان إقليم كامل مما ينبئ عن وجود دولة جديدة، أو إضافة إلى إقليمها الموجود بالفعل.

وفي هذا المقال سوف نتعرف على أساب اكتساب الإقليم سواء تلك المتعارف عليها في القانون الدولي العام التقليدي أم تلك التي ظهرت في ظل القانون الدولي العام المُعاصر:

أولا: الاستيلاء:

ثانيًا: الإضافة أو التوسع:

ثالثاً: التنازل:

رابعاً: الفتح أو الغزو:

خامساً: التقادم:

سادساً: اكتساب الإقليم في القانون الولي المعاصر:

أولا: الاستيلاء:

1- تعريف الاستيلاء:

إن الاستيلاء هو إدخال الدولة إقليما في حيازتها ويكون هذا الإقليم غير خاضع لسيادة أي دولة أخرى وذلك بقصد مباشرة الدولة لسيادتها عليه.

2- شروط الاستيلاء:

من شروط الاستيلاء على الإقليم أن تقوم الدولة باكتشاف الإقليم وتمارس عليه أعمال السيادة تأكيداً لنيتها في إدخاله في ولايتها، حيث لا تكفي مجرد الحيازة الرمزية على الإقليم لتكتمل عملية الاستيلاء. .

حيث لابد من وضع اليد الفعلي على هذا الإقليم وممارسة أعمال السيادة عليه، وهذا ما أكده القضاء الدولي في العديد من الأحكام والقضايا التي أثارت فكرة الاستيلاء على الإقليم.

ومن ثم يتضح أنه لتتم عملية الاستيلاء لا بد من قيام الدولة بممارسة حيازتها الفعلية عليه وذلك بأن تمارس اختصاصاتها وسلطاتها على الإقليم المستولى عليه، مع ملاحظة أن هناك بعض الأحيان التي يتم فيها الاكتفاء بالحيازة الرمزية وذلك في الحالات التي لا يكون فيها الإقليم صالحاً لممارسة السلطات الفعلية عليه وذلك مثل المناطق شديدة البرودة كالقطبين الشمالي والجنوبي.

وفي جميع الأحول يتعين على الدولة التي اكتشفت أي إقليم واستولت عليه ومارست سيادتها عليه أن تقوم بالإبلاغ عن بيان بحدود الإقليم محل الاستيلاء، حيث تقرر في معاهدة غرب إفريقيا والتي وقعتها الدول العظمى في برلين عام 1885 أنه يجب أن يشتمل إعلان ضم الإقليم – بالاستيلاء أو وضع اليد – على بيان حدود الأجزاء التي سيتم ضمها وأن يتم إبلاغ الدول الأخرى بذلك بالطرق الدبلوماسية[1].

3- أهمية الاستيلاء في ظل التطورات الدولية المُعاصرة:

لم يعد الاستيلاء ذات أهمية في الوقت الراهن حيث لم يعد هناك ثمة إقليم غير خاضع لسيادة أي دولة، فكافة الأقاليم – سواء أكانت برية أم بحرية – إما أن تكون خاضعة لدول أو خاضعة لسيادة المجتمع الدولي مثل البحري العالي.

ثانيًا: الإضافة أو التوسع:

إن الدولة تكتسب السيادة على الملحقات التي تكونها الطبيعة دون أي حاجة إلى أي إجراء وإعلان بذلك، ومثال للملحقات الطبيعية (الجزر، والدلتا)، وكذلك الملحقات صناعية التي تبنيها على إقليمها كحواجز الأمواج أو الموانئ التي تنشئها الدول في بحارها الإقليمية.

فالإضافة إذن لها صورتين وهما:

الإضافة الصناعية: وهي تتمثل فيما تقوم به الدولة من أعمال يترتب عليها إضافة أجزاء جديدة إلى إقليمها، مثل عمليات تجفيف المياه بهدف زيادة مساحة في إقليمها البري.

الإضافة الطبيعية: وهي التي تتم بسبب التغيرات التي تطرأ على الإقليم الناتجة عن الظواهر الطبيعية، كأن يتحول مجرى نهري مما يترتب على ذلك ظهور جزيرة عن منبعه تضاف إلى إقليم الدولة.

ثالثاً: التنازل:

1- تعريف التنازل:

التنازل هو اتفاق دولي بمقتضاه تتنازل دولة عن سيادتها على جزء من إقليمها إلى دولة أخرى، مما يترتب عليه انتقال السيادة على الجزء المعني من الدولة المتنازلة إلى الدولة المتنازل إليها، وهذا الاتفاق قد يكون في صورة طوعية أو جبرية.

وبذلك قد يكون هذا التنازل بمقابل ويتخذ هذا التنازل صورة اتفاق رسمي بين دولتين على تتنازل إحداهما للأخرى عن جزء من إقليمها إما مقابل إقليم أخر أو نظير مبلغ مالي، ومن الاتفاقيات الدولية التي أبرمت وكان مقتضاها التنازل عن جزء من الإقليم لمصلحة دولة أخرى نظير مبلغ مالي ما تم بين الولايات المتحدة الأمريكية والإمبراطورية الروسية حين تنازلت روسيا للولايات المتحدة عن ولاية ألاسكا عام 1867 نظير سبعة مليون ومائتي ألف دولار أمريكي.

وقد يكون أيضا التنازل بدون مقابل حيث يكون إجبارياً تفرضه دولة على أخرى، ويتم عادة في فترة الحروب فتتنازل الدولة المهزومة عن جزء من إقليمها للدولة المنتصرة كشرط من شروط الصلح بين الدولتين لوقف الحرب.

وهذا ما حدث عندما تنازلت فرنسا عن إقليمي الألزاس واللورين لصالح ألمانيا عام 1871 بموجب معاهدة فرانکفورت، وذلك بعد هزيمة فرنسا في الحرب السبعينية.

ولكن يجب الإشارة إلى أنه قد يتم التنازل عن إقليم بدون مقابل بصورة اختيارية نظير اجتذاب صداقة دولة أخرى، ومثال ذلك تنازل عندما وهبت فرنسا مستعمرة لويزيانا إلى إسبانيا عام 1763.

2- شروط صحة التنازل:

إن من شروط صحة التنازل أن يكون التنازل صادر عن دولة كاملة السيادة، لتكون الدولة المتنازلة أهلا لإجراء التصرفات القانونية عند التنازل عن الإقليم.

فالدول ناقصة السيادة ليس لها الحق في التنازل عن جزء من إقليمها إلا في الحدود التي تضعها المعاهدة التي تم بموجب إبرامها وضع هذه الدولة تحت الحماية أو الانتداب، ولا يجوز لتلك الدول في هذه الحالة القيام بأي تصرف قانوني مخالف يخرج عن نطاق سيادتها الناقصة.

وكذلك يجب أن يتوافر هذا الاتفاق الدولي شروط الصحة التي يجب أن تتحلى بها أي معاهدة دولية والتي تتمثل في خلو إرادة أطراف الاتفاقية من غلط أو تدليس أو إكراه.

ويبقى السؤال الآن عن مدى صحة المعاهدة التي بموجبها يتم التنازل عن إقليم لدولة في حالة حرب نظير إنهاء حالة الحرب ووقف إطلاق النار، هل يُمكن فيما بعد المطالبة بإبطال هذا الاتفاق نظراً لانطوائه على إكراه من الدولة المنتصرة واقع على الدولة المهزومة؟

والواقع أن في هذا الصدد استقر العمل الدولي على التفرقة بين نوعين من الإكراه، وهما الإكراه الواقع على ممثل الدولة، والإكراه الواقع على الدولة ذاتها:

أ- فإذا كان الإكراه واقعاً على ممثل الدولة فإن هذا الإكراه من شأنه أن يجعل المعاهدة الدولية قابلة للإبطال.

ب- أما إذا كان الإكراه واقعاً على الدولة فإنه يضحى إكراه غير مُعتد به، لأنه عادة ما يكون منهياً لحالة حرب، لذلك رأى الفقه الدولي أن استقرار المعاملات في المجتمع الدولي وتحقيق السلام الدولي أهم من الاعتداء على إرادة الدولة المنهزمة نظير إنهاء حالة الحرب، لذلك لا يكون لتلك الدولة أن تأتي بعد ذلك وتطالب بإبطال المعاهدة التي بموجبها تنازلت عن جزء من إقليمها للدولة المنتصرة نظير إنهاء حالة الحرب.

3- محل التنازل:

ويجب أن يكون محل التنازل مشروع، حيث يتعين على الدولة أن تتنازل عن جزء من إقليم خاضع لسيادتها، فلا يجوز لدولة أن تتنازل لأخرى عن إقليم يخضع لسيادة دولة أخرى أو يخضع لسيادة المجتمع الدولي.

وجديراً بالذكر أن الإقليم الذي يخضع للتنازل هو الإقليم البري فقط، أما الإقليم البحري أو الجوي فلا يخضع أياً منهما للتنازل إلا بصورة تبعية، فإذا تم التنازل عن إقليم بري وكان يتبعه إقليم بحري فإن ذلك يؤدي إلى انتقال الإقليمين (البري والبحري) إلى الدولة المتنازل إليها، ولكن لا يجوز أن يتم التنازل عن الإقليم البحري بصورة مستقلة.

4- دور إرادة السكان في التنازل:

لا يمكن إنكار الأثر القانوني المترتب على التنازل والذي يمس شعب الإقليم المتنازل عنه والمتمثل في اكتساب مواطني هذا الإقليم جنسية دولة جديدة مما يترتب عليه خضوعهم لنظام سياسي جديد، ومن ثم يمكن القول أنه من اعتبارات العدالة أن يتم احترام إرادة هؤلاء السكان بعرض الأمر عليهم في صورة استفتاء شعبي ليتسنى لهم التعبير عن إرادتهم بالموافقة أو القبول.

ولكن الواقع الدولي يشهد غير ذلك، فعلى الرغم من المحاولات الدولية العديدة التي سعيت جاهدة لترسيخ قاعدة حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا أنه – وحتى وقتنا الحالي – لا توجد ثمة قاعدة آمرة ولا عرف دولي يعطي سكان الإقليم المتنازل عنه حق الاستفتاء على عملية التنازل ولا حق تقرير الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية.

رابعاً: الفتح أو الغزو:

1- التعريف بالفتح:

الفتح المقصود به احتلال دولة بالقوة لإقليم تابع لدولة أخرى أو لجزء منه، والفتح لا يتم إلا إذا قامت حرب بين دولتين واحتلت جيوش إحداهما إقليم الأخرى وأعلنت ضمه إليها، ويتم الضم في هذه الحالة بإرادة الدولة المنتصرة وحدها دون اعتبار لإرادة الدولة المنهزمة أو رأي شعب هذا الإقليم الذي تم ضمه.

ومن ثم يمكن القول بأن هناك عنصرين يجب أن يتحققوا حتى يتم اكتساب الإقليم بموجب الفتح وهما:

أ- العنصر المادي: المتمثل في اجتياح جيوش الدولة المعتدية لإقليم الدولة المُعتدى عليها.

ب- العنصر القانوني: والذي يتمثل في قيام الدولة المنتصرة – أو المعتدية – بإعلان ضمها للإقليم المحتل وفرض سيادتها عليه، حيث يتعين أن يقوم القائد العسكري بمباشرة حقوق السيادة على الإقليم المقهور حربياً.

2- الوضع القانوني للفتح في القانون الدولي المُعاصر:

إن الفتح قديماً من أهم الوسائل التقليدية لاكتساب السيادة على الإقليم ولكن في الوقت الحالي بعد تطور الدول والمجتمعات أصبح أغلبية الفقهاء يعتبرون الفتح من قبيل السطو  الغير مشروع بين الدول، فلقد اتجه المجتمع الدولي بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة نحو ترسيخ الأمن الجماعي بين أعضاء المجتمع الدولي، وهو ما تؤكده المواثيق والمعاهدات الدولية ويأتي على رأسها ميثاق الأمم المتحدة والذي نص في (المادة 2/4) على حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.

وفي سبيل تحقيق ذلك فلقد عملت منظمة الأمم المتحدة على خلق آليات سواء كانت سليمة أو غير سلمية لضمان تحقيق الأمن القانون واستقرار السلم والأمن الدوليين، ومن ثم فإذا ما حاولت دولة القيام بالاعتداء على دولة أخرى رغبة منها في ضم إقليمها إليها فإنها ستجد المجتمع الدولي حائلاً أمامها وسيكون لفعلتها ردود دولية قد تصل إلى حد العقوبات العسكرية، وذلك كما حدث في النزاع الذي ثار بين العراق والكويت والذي انتهى بتدخل قوات التحالف الدولية عام 1991 تحت إشراف مجلس الأمن.

خامساً: التقادم:

التقادم هو وضع اليد أو حيازة إحدى الدول لإقليم دولة أخرى على أن تقوم بمباشرة مظاهر سيادتها على هذا الإقليم بصورة هادئة ومستمرة وذلك بغرض إدخاله في ممتلكاتها الإقليمية.

فيتضح إذن أن كل من التقادم والاستيلاء يتشابهان في أنهما يكونا بوضع يد الدولة على إقليم لضمه إلى إقليمها، ولكن يتجلى الفارق بينهما في أنه يجب في الاستيلاء أن يكون الإقليم الذي تضع الدولة يدها عليه غير خاضع لسيادة أي دولة أخرى وتكتسب الدولة هذا الإقليم بمجرد ممارسة سيادتها الفعلية على هذا الإقليم، أما التقادم فلا يتحقق إلا إذا وضعت الدولة يدها على إقليم خاضع لسيادة دولة أخرى، على أن يُصاحب وضع اليد ممارسة سلطات فعلية على هذا الإقليم، ويتعين أن تستمر تلك الحيازة لفترة من الزمن.

والتقادم ليس من الأمور المبهمة أو القاصرة على القانون الدولي، فهو من الأنظمة الراسخة في النظم القانونية الخاصة والذي بموجبه يمكن اكتساب الملكية في القانون الخاص، فهناك بعض النظم القانونية التي تنص على اكتساب المليكة بالتقادم – في العقارات – إذا استمر وضع اليد عليها لمدة خمسة عشر شريطة أن تكون الحيازة خلال تلك الفترة هادئة ومستمرة.

ولكن يبقى السؤال حول ما هي المدة التي يتعين على الدولة أن تظل واضعة يدها على الإقليم حتى تكتسبه بالتقادم؟

الواقع أن لا يوجد قاعدة في القانون الدولي يمكن الارتكان إليها لبيان تلك المدة، وإزاء ذلك الفراغ التشريعي فهناك من الفقه من ذهب إلى ضرورة استمرار الحيازة لمدة تزيد على أربعين سنة ومنهم من ذهب إلى أن المدة لا يتعين أن تقل عن خمسين سنة.

سادساً: اكتساب الإقليم في القانون الولي المعاصر:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت طرق جديدة لاكتساب الإقليم غير تلك المتعارف عليها في القانون الدولي التقليدي والتي أشرنا لها، فالمجتمع الدولي الراهن يتناول مشكلة الدول الجديدة من زاوية الاعتراف بها بدلاً من زاوية كسبها لملكية الإقليم[2].

فالاعتراف بالدولة هو اكتساب دوله تكونت حديثا وصف العضوية في المجتمع الدولي ويعد وصف العضوية تأكيدا لوجودها القانوني، وهذا الاعتراف يثور في حالة أن هناك دولة ستحل محل دولة أخرى بحيث تصبح خلفاً لها.

والاعتراف بالدولة يأخذ أحد صورتين وهما:

1- الاعتراف المستند إلى الدستور:

ويكون ذلك من خلال عقد اتفاق بين الإرادة القائمة سابقاً والدولة الجديد، حتى يتم نقل السلطة بشكل سلمي ليستطيع الكيان الجديد أن ينال استقلاله وفقاً للأحكام الدستورية القائمة لدى الكيان القديم أو الدولة القديمة، وتلك الصورة هي التي تم اتباعها بين بورما وبريطانيا عام 1947 لتنال بورما استقلالها ويصبح لها وجوداً دولياً مستقل عن بريطانيا.

2- استخدام القوة:

هذا الصورة تناقض الصورة السابقة، حيث يسعى الكيان الجديد الذي يحاول الحصول على استقلاليته إلى استخدام القوة ضد الكيان أو الدولة القديمة وإعلان نفسه أنه أصبح مستقلاً عن تلك الدولة، وما يُساعد الكيان الجديد على نيل استقلاليته في هذه الحالة هو أن ينال اعترافاً من دول في المجتمع الدولي كاملة السيادة الأمر الذي سيجبر الكيان أو الدولة القديمة على الرضوخ إلى الأمر القائم والاعتراف بالكيان الجديد أنه أصبح مستقلاً وهو ما سيتم بينهم في صورة معاهدة دولية.

ومن ثم يمكن القول أن بتشكل دولة جديدة والاعتراف الدولي بها سواء تم ذلك بصورة سلمية أو باستخدام القوة فإن ذلك يعني أن هناك دولة جديدة استطاعت أن تكسب إقليم يكون خاضعاً لسيادتها.

إعداد/ مي عبد الفتاح مدني.

[1] د/ علي ماهر بك، القانون الدولي العام، 1924، ص238.

[2] الدكتور/ طالب رشيد، مبادئ القانون الدولي العام، 2009، 175.

Scroll to Top