التصديق على المعاهدات الدولية

التصديق على المعاهدات الدولية

إن المعاهدة الدولية – كقاعدة عامة – لا تدخل حيز النفاذ إلا إذا تم التصديق عليها، فالتصديق على المُعاهدة يُعتبر أخر إجراء يتم اتخاذه ويترتب عليه دخول المعاهدة حيز النفاذ والتزام الدولة بآثارها وأحكامها، لذلك عادة ما يكون التصديق من اختصاص السلطة التنفيذية أو التشريعية في الدولة، بل وعادة ما ينص دستور الدولة على منح الاختصاص بالتصديق على المعاهدة إلى كل من السلطة التشريعية والتنفيذية.

ولكن في بعض الأحيان قد ينفرد رئيس الدولة – بالمخالفة لأحكام الدستور – ويُصدق على المعاهدة دون عرض الأمر على السلطة التشريعية، وهو ما يُعرف في القانون الدولي بالتصديق الناقص.

وفي مقالنا الحالي سنلقي الضوء على أحكام التصديق بصفة عامة ثم نقوم بعرض أحكام التصديق الناقص والأثر المترتب عليه:

أولا: مفهوم التصديق علي المعاهدات الدولية:

ثانيا: مسئولية الدولة عن عدم التصديق على المعاهدة:

ثالثًا: النظام القانوني للتصديق علي المعاهدات الدولية:

رابعًا: أثر التصديق علي المعاهدات الدولية:

خامسًا: المفهوم القانوني للتصديق الناقص علي المعاهدات الدولية:

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن التصديق على المعاهدة الدولية:

أولا: مفهوم التصديق علي المعاهدات الدولية:

يعرف التصديق بأنه: إقرار السلطات الداخلية المختصة في الدولة بالموافقة علي الالتزام بأحكام المعاهدة بصورة نهائية، وبذلك يضفي التصديق علي المعاهدة قيمة قانونية تتأكد بمقتضاها إرادة الدولة بشأن المعاهدة، ولا تدخل المعاهدة حيز النفاذ بدون التصديق عليها.

كما يعرف بأنه: إجراء جوهري لا يمكن بدونه الالتزام بأحكام المعاهدة – كقاعدة عامة –، ويثبت التصديق في وثيقة مكتوبة أو خطاب تلتزم فيه الدولة بعقد المعاهدة ولا تخالفها مع مراعاة التحفظات إن وجدت.

وقد عرفت اتفاقية فينا لقانون المعاهدات التصديق بأنه: الإجراء الدولي الذي تعرب دولة من خلاله عن رضاها الالتزام بمعاهدة إذا اعتزمت الأطراف التعبير عن رضاها بهذا الإجراء.[1]

ويقتضي الحديث في تعريف التصديق التفرقة بين التوقيع والتصديق؛ فالتوقيع هو تصرف بمقتضاه ينهي أطراف المعاهدة (المفاوضون) الكلام حول مشروع المعاهدة، ويصبح كل طرف علي علم وإحاطة تامة بمشروع المعاهدة، وبالتالي يغلق باب المفاوضة، وتنتهي مراحل المعاهدة.

أما التصديق فهو تصرف آخر الغرض منه إضفاء قوة قانونية ملزمة بشكل نهائي علي المعاهدة، فالتوقيع – وفقاً للقاعدة العامة – لا يجعل المعاهدة ملزمة بالنسبة للدولة التي وقعت على المعاهدة، في حين أن التصديق على المعاهدة يترتب عليه دخول الأخيرة حيز النفاذ.

ثانيا: مسئولية الدولة عن عدم التصديق على المعاهدة:

من الأمور المسلم بها أن الدولة لها مطلق الحرية في التصديق علي المعاهدات الدولية أو عدم التصديق، فإذا قررت عدم التصديق لا تكون المعاهدة نافذة ولا يترتب عليها أية مسؤولية، فالمعاهدة قبل التصديق مجرد مشروع غير ملزم.[2]

ويترتب علي مبدأ حرية الدولة في التصديق عدة نتائج:

  • عدم تحديد موعد التصديق: بمعني أن الدولة حرة في القيام بالتصديق في الوقت المناسب لها
  • للدولة وقف التصديق علي تحقيق شرط سياسي معين: أي تشترط الدولة تحقيق أمور سياسية معينة قبل قيامها بالتصديق.
  • للدولة رفض التصديق دون أن يترتب عليها أي مسئولية دولية: بمعني أن رفض الدولة التصديق علي المعاهدة الدولية لا يترتب عليها أي مخالفة تستوجب المسئولية الدولية.

ومن ثم يكون للدولة حرية التصديق من عدمه على المعاهدة الدولية، وإذا انتوت التصديق فلها مُطلق الحرية في تحديد الوقت الذي تقرر فيه التصديق على المعاهدة الدولية، فمثلاً نجد أن جمهورية مصر العربية قد وقعت على اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة عام 1953 ولم تصدق عليها إلا عام 1981، وكذلك وقعت على اتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان عام 1966 ولم تصدق عليها إلا عام 1981.

ويُعد واحد من أشهر الأمثلة على رفض الدولة التصديق على المعاهدة هو ما حدث من الولايات المتحدة الأمريكية عندما رفضت التصديق على مُعاهدة فرساي عام 1919 وذلك نظراً للخلاف الذي نشب بين مجلس الشيوخ الأمريكي والرئيس الأمريكي ولسن، مما ترتب عليه عدم انضمام الولايات المتحدة الأمريكية إلى عصبة الأمم.

ثالثًا: النظام القانوني للتصديق علي المعاهدات الدولية:

1- شكل التصديق:

 لا يخضع التصديق لشكل معين فقد يتم في صورة تبادل الوثائق في حالة المعاهدات الثنائية، أو يتم بإيداع الوثائق لدي الدولة المتفق علي إيداع الوثائق لديها، وجري العرف علي أن يكون التصديق مكتوبًا.[3]

2- الحكمة من التصديق:

أ- إعطاء الدول فرصة للتروي وأن تعيد النظر في المعاهدة التي هي بصدد إبرامها قبل الالتزام بها بصورة نهائية؛ لأن التصديق علي المعاهدة يرتب علي الدولة التزامات خطيرة يجب الحذر والتمهل قبل التصديق علي المعاهدة بشكل نهائي.[4]

ب- التصديق علي المعاهدات يتماشى مع النزعة الديمقراطية التي تسود المجتمع الدولي في الفترة الأخيرة، فهو يتيح الفرصة لعرض الأمر علي أكثر من جهة لتبدي رأيها في مدى توافق المعاهدة مع مصالح الدولة وشعبها.

ج- التصديق يبعد الدولة عن الخلافات التي تثور بخصوص سلطة المفوضين عن الدولة في التفاوض وتوقيع المعاهدات.

3- السلطة المختصة بالتصديق:

تتحدد السلطة المختصة بالتصديق بموجب دستور كل دولة على حدى، حيث لا يوجد في القانون الدولي قاعدة مركزية تحدد من هي السلطة المختص بالتصديق، ومن ثم فحتى تُعرف من هي السلطة المختصة بالتصديق يجب أن يتم الرجوع إلى دستور كل دولة، فقد يكون المختص بالتصديق هو رئيس الدولة بصفة منفردة أو قد تمنح الدولة سلطة التصديق على المعاهدات الدولية إلى البرلمان أو قد تكون سلطة التصديق على المعاهدة الدولية مشتركة بين كل من رئيس الدولة والبرلمان.

والمشرع الأردني في بعض المعاهدات جعل الاختصاص مختلط بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وفي معاهدات أخري جعل الاختصاص للملك، وقيد بعض المعاهدات بضرورة الحصول علي موافقة مجلس الأمة. والمشرع المصري لم يختلف كثيرًا عن نظيره الأردني فهو أيضًا يفرق بين المعاهدات قليلة الأهمية والمعاهدات الأكثر أهمية، فالمعاهدات قليلة الأهمية يتم التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية بصفة منفردة بعد إبلاغها لمجلس النواب، أما المعاهدات الأكثر أهمية يلزم التصديق عليها موافقة مجلس النواب قبل إتمام عملية التصديق.

رابعًا: أثر التصديق علي المعاهدات الدولية:

بإتمام عملية التصديق يبدأ نفاذ المعاهدة وفق الكيفية وفي التاريخ اللذين تحددهما المعاهدة ذاتها أو باتفاق أطرافها، وفي حالة غياب كل من النص والاتفاق يبدأ نفاذها تلقائيًا باكتمال تصديقات جميع أطرافها المتفاوضة، وحتي يكون التصديق منتجًا لآثاره في المجال الدولي تقوم الدولتان طرفا المعاهدة بتبادل وثائق التصديق في حالة المعاهدة الثنائية، أما فيما يتعلق بالمعاهدات متعددة الأطراف فيتم إيداع الوثائق الخاصة بها لدي إحدى الدول أطراف المعاهدة التي يتم الاتفاق عليها.

وهذا ما قررته (المادة 24) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بفقرتيها 1-2 حيث قررت أن:

  • يبدأ تنفيذ المعاهدة بالكيفية وفي التاريخ المتفق عليه أو بما نص عليه في المعاهدة.
  • في حالة عدم وجود نص أو اتفاق يبدأ نفاذ المعاهدة فور الموافقة من قبل جميع الدول المتفاوضة.
  • علي أطراف المعاهدة أن ينفذوها بحسن نية طبقًا لما نصت عليه اتفاقية فيينا.
  • علي أطراف المعاهدة بعد التصديق عليها عدم مخالفتها تحت أي ظرف إلا إذا كانت المخالفة واضحة وفيه انتهاك للقانون الداخلي للدولة.

والأصل أن سريان المعاهدة لا يكون له أثر رجعي، بحيث لا تكون المعاهدة ملزمة إلا من وقت ارتضاء الدولة الالتزام النهائي بأحكامها ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك، وهذا ما قررته (المادة 24/3) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بنصها على أن: (إذا تم رضا الدولة الالتزام بالمعاهدة في تاريخ لاحق لدخولها حيز التنفيذ فان المعاهدة المذكورة تصبح نافذة بالنسبة لهذه الدولة في ذلك التاريخ إلا إذا نصت المعاهدة المذكورة على خلاف ذلك).

خامسًا: المفهوم القانوني للتصديق الناقص علي المعاهدات الدولية:

يفترض في التصديق أن يكون غالبًا صحيحًا باحترام الإجراءات الدستورية المنصوص عليها في كل دولة، لكن قد يتم التصديق مخالفًا للإجراءات الدستورية المنصوص عليها، وبناء عليه يسمي هذا التصديق الناقص.

ويعرف التصديق الناقص بأنه: “التصديق الذي لم تحترم فيه القواعد المنصوص عليها في القانون الداخلي، مثل أن يقوم رئيس الدولة بالتصديق علي المعاهدة قبل أن يرجع إلي السلطة التشريعية في الحالات التي يتطلب فيها ذلك”.

وعليه نعرض فيما يلي شروط صحة التصديق ثم موقف الفقه الدولي من التصديق الناقص:

1- شروط صحة التصديق:

  • يجب أن يكون التصديق شامل المعاهدة بأكملها بصيغتها الأصلية من غير تعديل ولا إضافة[5].
  • أن يكون التصديق صادرًا من الجهة المختصة بإصداره.

2- موقف الفقه الدولي من التصديق الناقص:

وهنا نشأ خلاف فقهي نتج عنه عدة اتجاهات:

  • الاتجاه الأول: يعتبر التصديق صحيحًا ومنتجًا لآثاره من الناحية الدولية وذلك لسببين: استقرار العلاقات الدولية من جهة، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول جهة أخري.
  • الاتجاه الثاني: التصديق باطلًا استنادًا لنظرية تجاوز الاختصاص: بمعني يجب لكن يكون أي تصرف صحيح أن يكون صادرًا من ذوي الاختصاص وبالكيفية المنصوص عليها في القانون الداخلي في الدولة، وعليه إذا صدر مخالفًا يترتب علي ذلك بطلان التصديق.
  • الاتجاه الثالث: يحاول التوفيق بين الاتجاهين السابقين بمعني أن يكون التصديق باطلًا في نظر القانون الداخلي، صحيحًا في نظر القانون الدولي استنادًا إلي فكرة حماية الأوضاع الظاهرة وحماية الدول حسنة النية، فضلاً عن الاستناد إلى مسئولية الدولة عن أعمال رئيسها، فالدولة لا تستطيع أن تطالب ببطلان تصرف قائم به رئيسها.
  • الاتجاه الرابع: يميز بين المخالفات الجوهرية والمخالفات الثانوية، فالمخالفات الجوهرية تجعل المعاهدة باطلة، والمخالفات الثانوية لا تؤثر علي صحة المعاهدة.

4- موقف اتفاقية فيينا:

ذهبت اتفاقية فيينا إلى التفرقة بين نوعين من التصديقات الناقصة:

النوع الأول: وهو التصديق الذي ينطوي على مُخالفة جوهرية بادية للدولة أو الدول الأخرى وفي هذه الحالة يكون التصديق الناقص باطلاً.

النوع الثاني: التصديق الناقص الذي لا ينطوي على مخالفة جوهرية ولا يمكن للدول الأخرى أن تتبنه، وفي هذه الحالة يكون التصديق صحيح ولا يجوز للدولة التي انفرد رئيسها بالتصديق أن تتمسك ببطلانه.

وهذا ما قررته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 بموجب (المادة 46) والتي نصت على أن: (ليس للدولة أن تحتج بأن التعبير عن رضاها الالتزام بالمعاهدة قد تم بالمخالفة لحكم في قانونها الداخلي يتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال هـذا الرضا إلا إذا كانت المخالفة بينة وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي، تعتبر المخالفة بينة إذا كانت واضحة بصورة موضوعية لأيـة دولة تتصرف في هذا الشأن وفق التعامل المعتاد وبحسن نية).

ويمكن القول أن حالات الدفع ببطلان المعاهدة للتصديق الناقص هي حالات نادرة الوقوع في الواقع العملي، ويمكن أن نذكر إحدى الحالات التي أبطلت فيها المعاهدة نتيجة التصديق الناقص وهي الحالة التي أصدر فيها الرئيس الأمريكي كليفلاند قراره عام 1888 ببطلان معاهدة الحدود المبرمة بين كوستاريكا ونيكاراغوا عام 1858 لعدم مراعاة قواعد التصديق المنصوص عليها في دستور نيكاراغوا.

5- موقف المشرع الأردني من التصديق الناقص:

ذهب المشرع الأردني إلي عدم نفاذ المعاهدة التي أبرمت بناء علي تصديق ناقص، وقد نص المشرع الأردني في (المادة 33/2) من الدستور الأردني علي أن المعاهدة التي لم تستوفي الشكل المطلوب مثل موافقة مجلس الأمة تكون غير نافذة.[6]

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن التصديق على المعاهدة الدولية:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 3049 لسنة 2019 ما يلي:

إن اتفاقية تسليم المجرمين المعقودة بين المملكة الأردنية الهاشمية ودولة قطر لم تمر بالمراحل الدستورية ولم يصادق عليها مجلس الأمة لأن معاهدات تسليم المجرمين من المعاهدات التي تمس حقوق الأردنيين العامة والخاصة ولا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة عمــــلاً بأحكام المادة (33) من الدستور وعلى نحو ما استقــــــر عليـــه اجتهــــاد محكمة التمييز في العديد من قراراتهــا.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 65 لسنة 2019 ما يلي:

وحيث إن القرار المميز جاء مستوفياً لشروطه القانونية ومعللاً التعليل الكافي والوافي ومدعماً بالحجج القانونية وكما هو وراد بكتاب وزير العدل رقم 10948 تاريخ 27/8/2018 الذي مفاده أن اتفاقية تسليم المجرمين الفارين بين الأردن والولايات المتحدة الأميركية لعام 1995 المنشورة بعدد الجريدة الرسمية رقم 4055 تاريخ 16/7/1995 غير نافذة كونها لم تستكمل مراحلها الدستورية لنفاذها وذلك بعرضها على مجلس الأمة فإن القرار المطعون فيه والحالة هذه يكون واقعاً في محله وما ورد بأسباب التمييز لا يرد عليه مما يتعين ردها.

إعداد/ صلاح الدين منصور.

مراجعة وتدقيق/ المحامي سامي العوض.

[1] اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، الأمم المتحدة 1969م، م 14.

[2] أنظر د/ عبدالغني محمود، القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، الطبعة الأولي، ص58.

[3]  شارل روسو، القانون الدولي العام، الأهلية للنشر والتوزيع بيروت، ص45.

[4] محمد محمد نصرو، الوسيط في القانون الدولي العام، ص145.

[5] الدكتور/ على صادق أبو هيف، القانون الدولي العام: النظريات والمبادئ، دار منشأة المعارف بالإسكندرية، ص421.

[6] الدستور الأردني 1952م، المادة 33.

Scroll to Top