دور الاتفاقيات الدولية في توحيد قواعد التجارة الدولية
تمثل التجارة الدولية عصب الحياة الاقتصادية للعالم، وكلما كانت القوانين والأنظمة والقواعد المتعلقة بها واضحة ومحددة ومتفق عليها كلما ساهم ذلك في نمو التجارة العالمية وازدهارها، ولكن نظرا لاختلاف القواعد والنظم والقوانين المتعلقة بكل دولة – مما يؤدي لنشوء النزاعات والاختلافات فيؤثر ذلك على التجارة الدولية – لذلك فقد سعت المنظمات الدولية والاتفاقيات والمعاهدات لوضع معايير وقواعد تساعد على توحيد قواعد التجارة الدولية وتقلل من الخلافات والنزاعات.
أولا: مفهوم توحيد قواعد التجارة الدولية:
ثانيا: دور لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية “الأونسيترال” في توحيد قواعد التجارة الدولية:
ثالثا: دور المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص في توحيد قواعد التجارة الدولية:
رابعا: دور غرفة التجارة الدولية على توحيد قواعد التجارة الدولية:
أولا: مفهوم توحيد قواعد التجارة الدولية:
1- قانون التجارة الدولية:
قانون التجارة الدولية عبارة عن: مجموعة من القواعد التي تنظم علاقات القانون الخاص المتعلقة بالتجارة على المستوى الدولي.[1]
2- قواعد التجارة الدولية:
يمكن تعريف قواعد التجارة الدولية بأنها: مجموعة قواعد تحكم العلاقة التجارية بين التجار نتجت عن ممارسة التجار لهذه القواعد بانتظام واستمرار حتى أصبح لها قوة ملزمة حتى ولو خالفت القانون الوطني للدولة.[2]
3- معنى توحيد قواعد التجارة الدولية:
يقصد بتوحيد القواعد إما توحيد القواعد الموضوعية للعلاقة القانونية أو توحيد قواعد الإسناد المتعلقة بالقانون الواجب التطبيق.[3]
فتوحيد قواعد التجارة الدولية إما أن يتعلق بالقواعد الموضوعية الواردة في القانون الخاص، أو يتعلق الأمر بقواعد الإسناد.
4- وسائل توحيد قواعد قانون التجارة الدولية:
من أجل الوصول إلى اتفاق وتوحيد على القواعد المتعلقة بقانون التجارة الدولية توجد مجموعة آليات وسائل تحقق هذا الهدف منه هذه الوسائل تتمثل في جمع كل ما يتعلق بالأعراف والعادات التجارية الدولية وتنسيقها وصياغتها في صورة قواعد، ووضع قواعد وشروط عامة يتفق عليها التجار في العالم تنطبق على التجارة الدولية والعقود التجارية الدولية.
وأخيرا اتفاق الدول على معاهدات تتعلق بالتجارة الدولية والمناقشة حولها للوصول لقواعد متفق عليها.[4]
5- العوامل التي تؤدي لتوحيد القواعد التجارية:
لكي يتم توحيد القواعد التجارية توجد عوامل تؤدي لهذا التوحيد وتبدأ هذه العوامل بالحوار والفكرة حول موضوع يتعلق بالتجارة الدولية والنقاش حوله وتوضيح وجهات النظر فيه حتى يتم الاتفاق على بنود معينة، وإعادة النظر أو تأجيل المختلف فيه أو وضع آلية للاستفادة منه.
بعد ذلك تتم عملية تأطير هذه القواعد في صورة اتفاقية دولية تتفق عليها الدول وتوقع عليها وتدخل حيز التنفيذ، ثم يتم إدراج هذه الاتفاقيات في القانون الوطني وتعديل ما يلزم تعديله لكي يتم التوافق والوئام بين الاتفاقية وبين القانون الوطني ، وفي حالة تعدد الاتفاقيات المتعلقة بموضوع واحد يتم العمل على توحيد لهذه الاتفاقيات ووجود آلية لتفادي تتعدد الاتفاقيات عند تعارضها.
ثانيا: دور لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية “الأونسيترال” في توحيد قواعد التجارة الدولية:
أنشئت الأمم المتحدة عام 1945 ونشأ عنها اللجنة المتعلقة بالقانون التجاري الدولي عام 1966، نظرا لوجود عوائق تحول دون تدفق التجارة الدولية من أجل ذلك كانت هذه اللجنة التي تسعى لتوحيد قواعد التجارة الدولية وإزالة المعوقات .
1- أغراض لجنة القانون التجارة:
هذه اللجنة أنشئت من أجل تحقيق أهداف معينة وهي:
التنسيق بين المنظمات والهيئات الدولية المعنية بموضوع التجارة الدولية ووجود آلية التعاون بينها، ثم تقوم بتشجيع الدول وحثها على الانضمام لهذه الهيئات والمنظمات والاتفاقيات، وأيضا إعداد مشاريع ووضع اتفاقيات دولية تتعلق بالتجارة الدولية وتجميع المصطلحات والعادات والأعراف الدولية ونشرها، وجمع المعلومات المتعلقة بالقوانين الوطنية واستخلاص القواعد منها وما يمكن الاتفاق عليه بينها.
2- الأعمال التي قامت بها اللجنة:
ركزت اللجنة على عدة مواضيع تتعلق بالتجارة الدولية وهي:
البيع التجاري الدولي، والتحكيم التجاري، ثم النقل البحري، والملكية الذهنية، والتمثيل التجاري، وكذلك التأمين والوفاء بالديون والأوراق التجارية، وذلك من أجل توحيد القواعد التي تتعلق بهذه المواضيع والاتفاق عليها ونشرها وتعميمها، فنتج عن ذلك اتفاقية نيويورك عام 1974 المتعلقة بمدة التقادم في البيع الدولي للبضائع، واتفاقية النقل البحري للبضائع هامبورج عام 1978، والقانون النموذجي للتحكيم عام 1980، واتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالكمبيالات عام 1987، والقانون النموذجي المتعلق بالتحويلات الدائنة عام 1992.
ثالثا: دور المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص في توحيد قواعد التجارة الدولية:
نشأ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص عام 1926 في روما من أجل توحيد المسائل المتعلقة بالقانون الخاص المتعلقة بالعالم وأصبح هذا المعهد تابع لعصبة الأمم المتحدة عام 1940، ثم أصبح بعد ذلك منظمة دولية مستقلة، وهذا المعهد يقوم بعمل مشاريع قانونية تتعلق بالقانون الخاص فضلا عن المجلة القضائية.
1- أهداف معهد الدولي للقانون الخاص:
هذا المعهد نشأ من أجل القيام بتوحيد القواعد والمبادئ المتعلقة بالقانون الخاص بين دول العالم، فيقوم بإعداد القوانين المتعلقة بالقانون الخاص في مجال القواعد العامة وتنازع القوانين، ويقوم بالتنسيق بين المنظمات والهيئات الدولية التي لها صلة بهذا الشأن، ويضم هذا المعهد في عضويته 85 دولة من دول العالم من بينها مصر وتونس.
2- الأعمال التي قام بها المعهد من أجل توحيد وقاعد التجارة الدولية:
قام المعهد بعدة أعمال تتعلق بالقانون الخاص ساهمت في توحيد القواعد المتعلقة بالتجارة الدولية، ومن بين هذه الأعمال:
- القانون واجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية المتعلقة الاتحاد الأوربي عام 1980 في اتفاقية تمسى اتفاقية روما.
- الاتفاقية المتعلقة بالبيع الدولي للبضائع، وتكوين عقد البيع الدولي للبضائع عام 1964 والتي تسمى اتفاقية لاهاي الأولى والثانية.
- اتفاقية تتعلق بالإيجار التمويلي وعقد التحصيل الدولي عام 1988 والتي تمت في كندا تحت مسمى اتفاقية أوتاوا.
- المبادئ الدولية المتعلقة بعقود التجارة عام 1994، وهناك اتفاقية روما عام 1970 التي تتعلق بالالتزامات التعاقدية.
3- اتفاقية روما 1970:
تعتبر هذه الاتفاقية بمثابة القانون الدولي الخاص المتعلق بالعقود المبرمة في دول الاتحاد الاقتصادي الأوربي والتي استطاعت حسم قضية القانون واجب التطبيق فيما يتعلق بالعقود الدولية التي تتعلق بهذه الدول، ويتناول الباب الثاني من هذه الاتفاقية القواعد الموحدة التي تبنى عليها هذه الاتفاقية وبالأخص الواردة في المادة الثالثة التي تتحدث عن مبدأ حرية أطراف العقد الدولي في تطبيق القانون واجب التطبيق على العقد الدولي، وكيفية تحديد هذا القانون.
فقد كان الأمر قبل هذه الاتفاقية على خلاف بشأن القانون واجب التطبيق وما هو المعيار الذي يخضع له هل هو معيار شخصي أم معيار موضوعي، وفي عام 1994 وفق مجلس إدارة المعهد على نشر المبادئ الموحدة المتعلقة بالقانون الخاص التي أعدتها وأقرتها اللجان داخل المعهد، وجاءت هذه المبادئ في سبعة فصول متنوعة تناولت مبدأ الحرية التعاقدية والقوة الملزمة للعقد ومدى اعتبار الأعراف الدولية والعادات والتقاليد الدولية ومدى إلزاميتها في التجارة الدولية.
وكذلك تناول الفصل الثاني تكوين العقد والمفاوضات وإمكانية التعاقد وفقا للنماذج المعدة، وتناول الفصل الثالث سريان العقد ومبدأ رضائية العقود الدولية وما يتعلق بعيوب الإرادة، بيمنا تناول الفصل الرابع منها تفسير العقد ومعرفة مراد أطراف العقد وظروف التعاقد، وجاء في الفصل الخامس ما يتعلق الالتزامات التعاقدية وتحديد الثمن والالتزام بتحقيق نتيجة والالتزام ببذل عناية، وانهي الحديث في الفصل السادس والسابع يما يتعلق بنظرية الظروف الطارئة وإنهاء العقد.
رابعا: دور غرفة التجارة الدولية على توحيد قواعد التجارة الدولية:
من أهم المنظمات العاملة في مجال التجارة الدولية، ولها دور مهم جدا في توحيد قواعد التجارة الدولية، وقد نشأت هذه الغرفة عام 1919، ومقرها في باريس، من أجل القيام بشئون التجارة الدولية، وقد نشأ من خلال هذه الغرفة محكمة التحكيم الدولية التابعة لهذه الغرفة عام 1923، وانضم لهذه الغرفة آلاف الشركات التابعة لحوالي أكثر من 130 دولة.
وتضم هذه الغرفة مندوبين لأكثر من تسعين دولة، فكان لها دور عظيم في مجال التجارة الدولية، وعقود التجارة الدولية، وتحديد مصطلحات التجارة الدولية، وكذلك تحديد التزامات أطراف العقود وتسوية المنازعات الناشئة عن تنفيذ عقود التجارة الدولية، ونظرا لاختلاف مصطلحات التجارة من دولة لأخرى، فقامت هذه الغرفة بتوحيد المصطلحات التجارية المتعلقة ببيوع التجارة الدولية، وقاعد خاصة بالتحكيم التجاري الدولي ، قواعد تحكيم المستندات، قواعد نقل البضائع.
1- أهداف غرفة التجارة الدولية:
سعت غرفة التجارة لضم كوادر علمية وفنية وطوائف مختلفة كالتجار ورجال الأعمال وقانونيين واقتصاديين من أجل تعزيز التجارة والاستثمار، ويمكن إجمال أهداف غرفة التجارة فيما يلي:
- تحقيق التعاون التجاري الدولي،
- إصدار بحوث ونشرات تمد بها أوساط التجارة الدولية بالمعلومات التي تحتاجها،
- توحيد القواعد المتعلقة بالتجارة الدولية ويكون ذلك من خلال لجان وهيئات غرفة التجارة الدولية المتمثلة في مجالات الصيرفة والتحكيم والضرائب والسياسة التجارية والجمارك والخدمات المالية وغيرها من الأعمال المهمة في مجال التجارة الدولية.
2- أعمال غرفة التجارة الدولية:
أعدت غرفة التجارة الدولية عدد من المعايير والقواعد والمبادئ التي ساهمت في توحيد قواعد التجارة الدولية، ومن هذه الأعمال توحيد المصطلحات التجارية، وعمل مبادئ تتعلق بالممارسات الجمركية والاعتمادات المستندية.
أ- معالجة القضايا وتوحيد المصطلحات:
فمثلا اللجنة المتعلقة بالأنظمة الجمركية تقوم على معالجة كثير من القضايا المتعلقة بالجمارك مثل الإصلاح الجمركي والإجراءات الجمركية، وكذلك لجنة الصيرفة تعمل على معالجة قضايا الاعتمادات المستندية والتعويضات بين البنوك، وتقوم لجنة التجارة الدولية بمعالجة قضايا تتعلق بعمل نماذج من العقود التجارية وكان أبرز أعمال تلك اللجنة ما يسمى بقواعد تفسير اصطلاحات البيوع الدولية نظرا لاختلاف مدلول مصطلح البيوع التجارية من دولة لأخرى فقامت غرفة التجارة بتوحيد تلك المصطلحات وتوحيد المعاني الدالة عليها وأقرت عام 1936 مدونة تضم “11” مصطلح تجاري تسمى Incoterms قواعد الإنكوتيرمز.
وعدلت كذلك عام 1976 وأضمت لها نوعين آخرين، ثم عدلت عام 1990 وقسمت لمجموعات أربعة تتعلق بالتزامات البائع والتزامات المشتري وهذه المجموعات تشتمل كل مجموعة على حرف معين للدلالة على المجموعة
ب- توحيد القواعد المتعلقة بالاعتمادات المستندية
كذلك ساهمت غرفة التجارة الدولية في توحيد القواعد المتعلقة بالاعتمادات المستندية من أجل تحسين تنفيذ عقود التجارة الدولية، وقد كان آخر تعديل للقواعد المتعلقة بالاعتمادات المستندية عام 1994 وقد تضمن هذه التعديل القواعد المتعلقة الآتية:
الأحكام العامة والمصطلحات والتعريفات الخاصة بالاعتماد المستندي وتمييز الاعتماد المستندي عن عقود البيع، وكذلك تضمنت أنواع الاعتمادات المستندية وكيفية تعديلها والحالات المتعلقة بالإعفاء، ومن بين القواعد أيضا الأحكام العامة التي تتعلق بأنواع البضائع وتحديد الزيادة والنقص فيها وما يتعلق بالشحن الكلي والجزئي، وغيرها من الأحكام التي تم توحديها ووضعها في هذا التعديل.[5]
ومن أجل الوصول إلى تفعيل زيادة توحيد قواعد التجارة الدولية لابد من الاهتمام الزائد بالعناصر الأربعة التالية لوصول للهدف المنشود وهو توحيد قواعد التجارة الدولية:
– قواعد ونماذج موحدة:
حتى يتحقق المراد من أجل توحيد قواعد التجارة العالمية لابد من السعي الحثيث من قبل المنظمات الدولية لإيجاد النماذج الموحدة ويتمثل ذلك بما قامت به قانون الأونسيترال فيما يخص قانون التحكيم الدولي عام 1985.
– اعتماد الأعراف والعادات التجارية
لكي يتم تحقيق توحيد قواعد التجارة الدولية لابد من اعتبار العادات والأعراف التجارية واعتمادها والتي تعلق بعقد معين أو سلعة معينة يتفق عليها التجار ورجال الأعمال حتى تصبح عرفا يعتمد ويرجع إليه كما في حدث في غرفة التجارة الدولية بشأن المصطلحات التجارية واعتمادها.[6]
– الاتفاقيات الدولية:
وهذه الطريقة تعتمد على ما يتم الاتفاق عليه بين الدول بشأن اتفاقيات دولية تخص موضوع معين يتعلق بالتجارة الدولية كما حدث غي اتفاقية الجات، أو كما حدث في الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالازدواج الضريبي.
– إصدار عقود موحدة من قبل هيئات خاصة:
تعتمد هذه الطريقة على وجود عقود موحدة كنموذج يعتمد عليه يُصاغ من قبل هيئات وخبراء في مجال، معين ويتم تعمميه واعتماده مثل عقود الاتصالات وعقد المتعلقة بالإنقاذ البحري الدولي.
إعداد/ رشاد حمدي.
[1] مبارك توفيق، وضع قواعد التجارة الدولية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الجزائر، عام 2009/2010، ص11.
[2] عثمان وهيبة، دور المنظمات التجارية الدولية في توحيد قواعد قانون التجارة الدولية، رسالة ماجستير كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر، 2014، ص 17.
[3] – عثمان وهيبة، دور المنظمات التجارية الدولية في توحيد قواعد قانون التجارة الدولية، رسالة ماجستير كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر، 2014، ص 28.
[4] – حاج عيسى، أهمية وسبل توحيد قواعد قانون التجارة الدولية، جامعة العربي، كلية الحقوق، مذكرة تكميلية لدرجة الماجستير، عام 2019، ص 38. ( انظر مقال محامي تحصيل ديون )
[5] – عثمان وهيبة، دور المنظمات التجارية الدولية في توحيد قواعد قانون التجارة الدولية، رسالة ماجستير كلية الحقوق والعلوم السياسية ، الجزائر، 2014، ص 96.
[6] -مبارك توفيق، وضع قواعد التجارة الدولية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق جامعة الجزائر، عام 2009/2010، ص11.

