إجراءات الحصول على الدليل الإلكتروني الجنائي
مع اندلاع الثورة الهائلة في مجال التكنولوجيا المعلوماتية وتقنياتها الجديدة التي تعد من أهم إفرازات ونواتج تلك الثورة، ظهر إلى الوجود نوعية جديدة من الجرائم التي تختلف في ظاهرها عن غيرها من الجرائم الأخرى التي نظمتها التشريعات العقابية المختلفة وإن كانت تتفق معها في الهدف المتمثل في ارتكاب فهل يجرمه القانون، ونقصد بذلك الجرائم الإلكترونية.
ونظراً للطبيعة الخاصة لتلك الجريمة فقد كانت عملية إثباتها في أشد الاحتياج لوسائل وأدوات إثبات تتناسب تلك الطبيعة الخاصة، خاصة وأن وسائل الإثبات التي يتم اتباعها في الجرائم التقليدية لا يمكن أن توفر الإثبات الكافي للجريمة الإلكترونية، مما حدا بالمشرع إلى استحداث وسيلة إثبات جديدة في مجال إثبات الجرائم الإلكترونية، وتتمثل هذه الوسيلة في الدليل الإلكتروني، وقد خصصنا هذا المقال لتوضيح مفهوم وماهية الدليل الإلكتروني، وكيفية الحصول عليه بشكل يصلح معه لكي يكون له حجية الدليل الجنائي.
أولاً: مفهوم الدليل الإلكتروني
ثانيا: وسائل الحصول على الدليل الإلكتروني
ثالثا: أنواع الأدلة الإلكترونية
رابعا: الإجراءات العامة للحصول على الدليل الإلكتروني
خامسا: أهم التحديات التي تواجه الحصول على الدليل الإلكتروني
سادسا: أحكام القضاء الأردني المتعلقة بإجراءات الحصول على الدليل الإلكتروني
أولاً: مفهوم الدليل الإلكتروني
1- ما هو المقصود بالدليل؟
قبل أن نتعرض لبيان مفهوم الدليل الإلكتروني يجدر بنا بداية أن نتعرض لبيان ما المقصود بلفظ الدليل بوجه عام، فما هو الدليل؟
يعرف الدليل في اللغة بأنه لفظ يقصد به المرشد، أو الشيء الذي يتم الاستدلال والاسترشاد به، والدليل هو مفرد يجمع بلفظي الأدلة والدلائل.[1]
- وفي الاصطلاح فقد استخدم لفظ الدليل للإشارة إلى ما يمكن اتخاذه سنداً للوصول إلى الحقيقة واكتشافها ومعرفتها.[2]
وعند القانونيين ينظر إلى الدليل باعتباره أداة لكشف الجريمة والوقوف على شخص مرتكبها، فعرف الدليل في هذا الاتجاه بأكثر من تعريف، حيث رآه البعض الوسيلة المشروعة في إثبات واقعة ما لدى المحكمة، بحيث تحقق لديها التأكد ويستقر لديها اليقين ويطمئن وجدانها لثبوتها، ورآه البعض الآخر أنه إجراء يتم في إطار خصومة ما بهدف تحضيرها للطرح على المحكمة، أو لتدعيم موقف طرف من أطرافها، أو يمثل قيمة ما في تلك الخصومة، ويكون القانون قد وضع له الضوابط التي تنظمه بغرض الوصول إلى الحقيقة في الخصومة، وتطبيق القانون عليها بالصورة التي تتفق مع نصوصه.
2- المقصود بالدليل الإلكتروني
نظراً لاعتبارات حداثة ظهور مصطلح الدليل الإلكتروني فقد تباينت التعريفات التي وصل إليها فقهاء القانون في تفسير هذا المصطلح وبيان حقيقة المقصود منه.
ومن أبرز تعريفات الفقه للدليل الإلكتروني هو تعريفه بأنه المعلومات المنطقية التي يتقبلها العقل ويقرها العلم ويكون الحصول عليها عبر إجراءات علمية وقانونية يتم من خلالها استخلاص الدليل بترجمة بيانات مخزنة بالحواسب الآلية وما يلحق بها من وسائط وشبكات اتصال، واستخدام ذلك الدليل في مراحل التحقيق أو المحاكمة لإثبات حقيقة واقعة ما أو أمر يخص أحد طرفي الجريمة.[3]
كما عرف أيضاً بأنه الدليل الذي يتم الحصول عليه من أجهزة الحاسب الآلي في صورة نبضات كهربائية ومغناطيسية، والتي يتم جمعها وإخضاعها لعملية تحليل يستخدم فيها تطبيقات وبرامج إلكترونية، وذلك لتحويل المعلومات المتحصل عليها في شكل نصوص مكتوبة أو صور أو أصوات أو غيرها من الصور الأخرى التي تعد معتمدة من قبل القانون لتكون دليلاً.
وعرف في نظر البعض الآخر من الفقه بأنه جملة البيانات والمعلومات والنبضات التي تكون قيد التخزين في جهاز الحاسب الآلي في شكل كهربائي أو مغناطيسي، والتي يتم جمعها وتحليلها عبر برمجيات وتطبيقات محدد ومعدة لذلك، لتصبح في صورة أصوات أو صور أو تسجيلا مرئية أو صوتية.[4]
ومن مجمل هذه التعريفات وغيرها من التعريفات الأخرى التي لا يتسع المقام لإيراد جميعها، فيمكننا أن نعرف الدليل الإلكتروني بأنه حزمة المعلومات والبيانات التي يتم تخزينها على الحاسب الآلي والشبكات المختلفة المستخدمة للاتصال والتواصل، والتي تستخلص بطرق وسبل وإجراءات فنية وقانونية تخرجها في شكل دليل كتابي أو مصور أو مسموع أو مسجل، ليتم استعماله كدليل لإثبات جريمة ما أو نفيها في حق شخص ما، وسواء كان ذلك في مراحل الاستدلال والتحقيق أو أمام المحكمة.
2- الخصائص المميزة للدليل الإلكتروني
نظراً لما يتمتع به الدليل الإلكتروني من طبيعة خاصة، فإن ذلك ترتب عليه أن يتسم أيضاً ببعض الخصائص التي تميزه عما سواه من الأدلة الأخرى التي تستخدم في عملية الإثبات الجنائي، وفيما يلي بيان بهذه الخصائص.
أ- ذو سمة علمية : وترجع تلك الخاصية إلى أن الدليل الإلكتروني يتواجد في وسط يتسم بكونه وسطاً افتراضياً وليس مادياً، وبالتالي فإن استخلاصه من بيئته الافتراضية وتحويله إلى دليل مادي يتمثل في بيانات ومعلومات ملموسة ومادية يمكن استخدامها في عملية الإثبات يقتضي تدخل الأساليب والوسائل ليست العلمية فحسب ولكن التقنية أيضاً، وهو ما جعله يكتسب تلك السمة.[5]
ب – ذو سمة تقنية: وترجع هذه السمة الى أن الدليل الإلكتروني هو بطبيعته دليل يتحصل من وسيلة الكترونية و بطرق وتقنيات معينة تحكها الضوابط والشروط العلمية فهو لا يشابه الدليل العادي في سهولة وجوده في مسرح الجريمة أو سهولة التعرف عليه أو استخلاصه من اصله.
ج- ذو قابلية للنسخ : يقصد بتلك الخاصية أنه يمكن أن يكون للدليل الإلكتروني أكثر من نسخة، وهو ما يميزه عن الأدلة التقليدية التي لا تحقق النسخة التي تؤخذ منها ذات الحجية التي يحققها الأصل، إلا أن الدليل الإلكتروني يمكن أن يتم نسخ أكثر من نسخة منه، وتكون جميعها بمثابة الأصل، ولها حجية وقوة الأصل في الإثبات، فيمكن أن تقدم للمحكمة نسخة عن الدليل الأصلي وتكون لها ذات قوته تماماً.
ثانيا: وسائل الحصول على الدليل الإلكتروني
يتم الحصول على الدليل الإلكتروني من مصادره الإلكترونية بعدة طرق، إلا أن أهم هذه الطرق التفتيش أو الخبرة:
أ- التفتيش : لا يختلف المقصود بالتفتيش للحصول على الدليل الإلكتروني عن التفتيش الذي يتم للحصول على دليل عادي وتقليدي، فالتفتيش هنا هو أحد الإجراءات التي تدخل في طائفة إجراءات التحقيق، والذي يتم من قبل السلطة المختصة بهدف الولوج إلى نظام المعالجة الخاص بالبيانات الموجودة والمخزنة على الحاسب الآلي للبحث عما يمكن أن يعد دليل إثبات أو نفي على ارتكاب شخص ما لفعل مجرم وغير مشروع يمثل جريمة يعاقب عليها القانون.[6]
– وحتى يكون استخلاص الدليل الإلكتروني قانونياً ومنتجاً لآثاره القانونية كدليل يقره القضاء، فيجب أن يتوافر في عملية التفتيش عن ذلك الدليل مجموعة من الشروط والتي تتمثل في:
1- أن يسبق هذا التفتيش ي إذن بإجرائه صادرا من الجهات المختصة والمعنية بإصدار هذا الإذن، أو أن يكون قد تم حال قيام حالة من حالات التلبس.
2- أن تكون هناك جريمة قد تم ارتكابها فعلاً وليس مجرد شروع فيها أو توقع لحدوثها.
3- أن يكون ما تم ارتكابه من فعل مجرم يمثل جريمة مصنفة ضمن طائفة الجنح أو الجنايات.
- ويكون التفتيش بحثاً عن الدليل الإلكتروني منصباً على كافة المكونات سواء المادية منها أو المعنوية والتي يتكون منها النظام الإلكتروني المطلوب تفتيشه، ويشمل ذلك الذاكرة الرئيسية للحاسب الآلي، ووحدات المدخلات والحساب والمنطق والتخزين الفرعية، وكافة ما يوجد على الحاسب الآلي من تطبيقات أو برامج أو غيرها.[7]
ب- الخبرة : قد يتم جمع الأدلة الإلكترونية من خلال الفنيين ذوي الخبرة التقنية والإلكترونية، وذلك متى كان القائم على التحقيقات وجمع الأدلة ليس لديه الخبرة في التعامل مع تلك الأدلة الإلكترونية، كما هو الحال في الأدلة التقليدية مثل رفع البصمات من مسرح الجريمة، فهي أيضاً تقتضي أن يقوم بها شخص ذو خبرة ومهارة فنية في ذلك المجال.
- وبالتالي فقد أتاح القانون الاستعانة بأهل الخبرة من الفنيين والتقنيين لجمع الأدلة ذات الطبيعة الخاصة التي تقتضي خبرة في مجال معين لجمعها، ومن ضمنها الدليل الإلكتروني باعتبار أن عملية استخلاصه هي عملية فنية بحتة، خاصة وأن هذا النوع من الأدلة لا يكون بطبيعة الحال ظاهراً للعيان، بل يكون متخفياً داخل جهاز الحاسب الآلي في أياً من وحدات التخزين الموجودة به، مما يقتضي خبيراً في التعامل مع الحاسب لاستخراج تلك الأدلة في شكل يمكن معه اعتبارها دليل مُنتِج في عملية النفي أو الإثبات، مع ملاحظة أن انتداب هذا الخبير يجب أن يصدر به أمر من الجهة القائمة على التحقيق سواء كانت النيابة العامة أو المحكمة التي تنظر الدعوى.
- – و إزاء هذه الأهمية الكبيرة للدليل الإلكتروني في كشف الجرائم الإلكترونية ومرتكبيها فقد أسبغ المشرع الأردني على هذا النوع المستحدث من الأدلة الحجية اللازمة واعتبارها أحد أدلة الإثبات المعتبرة والتي يجوز للقاضي أن يقوم قضاءه عليها دون الحاجة لغيرها من أدلة، وذلك ما دامت هذه الأدلة قد تم استخلاصها أو الحصول عليها بالطرق المشروعة التي حددها القانون، و هو ما قرره المشرع الأردني صراحة في المادة (36 ) من قانون الجرائم الإلكترونية الجديد رقم 17 لسنة 2023 وهي مادة مستحدثة لم يكن لها نظير في قانون الجرائم الإلكترونية الملغي رقم 27 لسنة 2015 حيث جاء نصها
- ( أ- يكون للأدلة المقدمة أو المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو برنامج الحاسوب أو مزود الخدمة حجية الإثبات أمام الجهات القضائية.
ب- تكون للبيانات والمعلومات التي يتم الحصول عليها من الجهات الرسمية من دول أخرى حجية الإثبات أمام الجهات القضائية الأردنية.
ج- لغايات تطبيق أحكام هذا القانون يعتبر العنوان البروتوكولي وسيلة من وسائل الإثبات أمام الجهات القضائية.
د- يعاقب كل من أخفى أو عبث أو أتلف الأدلة المشار إليها في هذه المادة أو آثارها أو أعاق عمل الجهات المختصة للوصول الى تلك الأدلة بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ) .
ثالثا: أنواع الأدلة الإلكترونية
تعرض الفقه القانوني لتقسيم الأدلة الإلكترونية إلى تقسيمات مختلفة سواء من حيث أساس التقسيم أو من حيث مضمونه، إلا أن أبرز تلك التقسيمات وأهمها هو تقسيمها على أساس الغرض منها، فمن تلك الأدلة ما يعد دليلاً للإثبات في طبيعته والهدف من إنشائه، ومنها ما لا يعد قد أنشئ ليكون دليلاً في عملية الإثبات.
1- الدليل الإلكتروني المعد ليكون دليلاً للإثبات : وتلك الصور من الأدلة الإلكترونية تم إيجادها من حيث الأصل لتكون دليلاً يتم استخدامها مستقبلاً في عملية الإثبات، وتتمثل أهم هذه الأدلة الإلكترونية في:
1- السجلات تلقائية الإنشاء والتي ينشئها الحاسب الآلي أو الوسيلة الإلكترونية بشكل آلي وتلقائي وآني، فهي تعتبر آلية تماماً لا يد للإنسان في إيجادها أو في عملية إنشائها، كما هو الحال في سجل المكالمات بالهواتف المحمولة، حيث يتم تسجيل للأرقام الواردة والصادرة وغيرها من المكالمات التي يستقبلها أو يجريها الهاتف، وذلك من صميم آلية عمل الهاتف وتتم بشكل تلقائي دون تدخل من صاحب الهاتف.
2- السجلات التي تتم عملية تخزينها بالجهاز أو الوسيلة الإلكترونية بشكل مختلط، أي أن يكون جانب منها تلقائي يتم من قبل الجهاز أو الوسيلة الإلكترونية ذاتها، وجانب آخر يدوي أي بفعل الإنسان، ومثال على ذلك الإيميلات أو رسائل البريد الإلكتروني، فجزء منها يعود إلى صنع الإنسان والمتمثل في تحرير الرسائل وإرسالها، وجانب آخر من فعل الجهاز ذاته وهو الاحتفاظ باسم المرسل إليه الرسالة ووقت إرسالها، وبل ويتم حفظ نسخة منها في صندوق الرسائل المرسلة.
2- الدليل الإلكتروني الغير معد ليكون دليلاً للإثبات : تتمثل تلك الصورة من الأدلة الإلكترونية في أدلة لا تشارك الإرادة الإنسانية في إيجادها وإنشائها، بل هي أقرب إلى أن تكون ظلاً أو أثراً يتركه الفرد دون وجود أية نية أو قصد في إيجاده، وأطلق البعض على ذلك النوع مسمى الآثار الإلكترونية، بينما أطلق عليها البعض الآخر البصمات الإلكترونية.
ويقصد بتلك الآثار والبصمات ما يتخلف عن الفرد من آثار تتمثل في معلومات وبيانات، وذلك على إثر استعماله الحاسب الآلي أو ولوجه إلى شبكة الإنترنت لتلقي أو إرسال مكالمات أو رسائل، حيث تحتفظ الشبكة والأجهزة ببيانات هذه المكالمات والمراسلات لمدة تمتد بعد إجرائها بفترات طويلة، بحيث يستطيع المتخصصين والفنيين الحصول عليها واستخراجها من الأجهزة والشبكة باستخدام الوسائل والتقنيات الفنية المعدة لهذا الغرض.[8]
3- مميزات هذا التقسيم
من أهم مميزات تقسيم الأدلة الإلكترونية وفقاً للتقسيم السابق ما يلي:
1- تكون الأدلة الإلكترونية المعدة للإثبات هي الأدلة الأكثر سرعة ويسر في عملية الحصول عليها، ويرجع ذلك إلى طبيعة تلك الأدلة وكونها لم تنشأ من حيث الأصل إلا لتعد كدليل يمكن استخدامه مستقبلاً في عملية الإثبات، بينما الأدلة الإلكترونية التي لم تعد من حيث الأصل لكون دليلاً في عملية الإثبات فهي تتسم بصعوبة الحصول عليها إلا عن طريق متخصصين وباستخدام وسائل ذات تقنية عالية.
2- تنخفض معدلات إمكانية فقد الأدلة المعدة للإثبات باعتبار أن طبيعتها تحتم الحفاظ عليها من أخطار الفقد أو المحو أو التلف لتكون جاهزة لاستخدامها كدليل في أي واقعة مستقبلية، في حين أن الأدلة الإلكترونية الغير معدة للإثبات يمكن فقدها بسهولة ولأكثر من سبب، أبسط مثال على هذه الأسباب أن تنقطع الكهرباء عن الجهاز بشكل مفاجئ.
3- تعتبر الأدلة الإلكترونية غير المعدة للإثبات أعلى مرتبة من حيث أهميتها في الإثبات من الأدلة المعدة لذلك، حيث أنه يكون في كثير من الأحيان ذو حجية أقوى في الإثبات لكونه لم يعد أصلاً للإثبات، فلا مجال للتشكك فيه أو وجود احتمالية للتلاعب فيه، لكونه خارج الإطار العام والأساسي للأدلة المستخدمة في الإثبات، فلا يتصور توقع استخدامه في عملية الإثبات أو التلاعب به بشكل مسبق.
رابعا: الإجراءات العامة للحصول على الدليل الإلكتروني
توجد العديد من الطرق الإجرائية التي تعتمدها نظم وقوانين الإثبات الجنائي للحصول على الدليل الإلكتروني، وهذه الطرق متعددة بشكل لا يمكننا معه حصرها بشكل كامل، لذلك سنتعرض لأهم تلك الطرق وأبرزها وأكثرها شيوعاً في الاستخدام.
1- التتبع : يقصد بهذا الإجراء تتبع ما يخص الفاعل للجريمة من خلال آثاره الإلكترونية، وهذا الإجراء يتم البدء في سلوكه أثناء قيام المحقق بإجراء المعاينة، وباستخدام آليات البحث عن الدليل الإلكتروني فيما تم إجراؤه وتخزينه على الجهاز أو الشبكة من تسجيلات تخص إرسال أو استقبال رسائل إلكترونية، أو السجلات الخاصة بما أجراه من محادثات، أو أي بيانات يمكن أن تساعد في تتبع الفاعل.
2- التحفظ : في إطار الحصول على الدليل الجنائي فإن القانون قد منح المحقق سلطة إصدار الأمر بالتحفظ على كافة الوسائل والأجهزة الإلكترونية التي تخص الجريمة أو يرى أن لها علاقة بارتكابها، وجميع ملحقاتها وما يرتبط معها من أجهزة أو شبكات خاصة أو ملحقات مادية، ويكون الهدف الرئيسي من ذلك الإجراء هو الحفاظ على تلك الأجهزة والمكونات وما تحتويه من معلومات وبيانات، بجانب الحيلولة دون وصول الفاعل إليها والتلاعب فيما تحويه من معلومات أو إتلافها، ويتولى مهمة تنفيذ قرار التحفظ خبراء فنيين متخصصين في التعامل مع مثل تلك الأجهزة.
3- التفتيش: على الرغم من التباين بين طبيعة التفتيش للبحث عن الدليل الإلكتروني والتفتيش للبحث عن الدليل العادي، إلا أن كلاً منهما لا يتم إلا في ظل ما يحكمه من قواعد وضوابط ينص عليها القانون، والذي دائماً ما تستوجب وجود إذن من الجهة المختصة – جهة التحقيق – لإجراء هذا التفتيش، أو تجرى من قبل رجال الضبط القضائي في حالات التلبس، ويكون التفتيش منصباً على الأجهزة والوسائل الإلكترونية وكافة مكوناتها وملحقاتها، والتي إما أن تكون مادية أو معنوية، أو تفتيش الشبكات الإلكترونية المرتبطة بها.
- ومن أهم شروط التفتيش أن تكون هناك جريمة قد حدثت بشكل فعلي ويتعلق بها هذا التفتيش، فلا يجوز إجراء التفتيش من أجل إيجاد دليل على جريمة لم ترتكب، حتى لو كانت احتمالات ارتكابها مستقبلاً هي احتمالات قائمة،[9] وباعتبار أن التفتيش هنا هو مسألة من المسائل الإجرائية التي تستند في قيامها إلى إجراءات محددة، فإن ذلك يترتب عليه استلزام صحة الإجراءات التي تستند إليها عملية التفتيش، حيث أن بطلان تلك الإجراءات سيترتب عليه بطلان التفتيش، وبالتالي بطلان أي دليل إلكتروني يتم الحصول عليه كنتاج لهذا التفتيش الباطل، وهو ما جعل التشريعات الجنائية المختلفة تستلزم في التفتيش كإجراء توافر شرط المشروعية، واعتبرت أن هذا الشرط هو ركن رئيسي لصحة الدليل الإلكتروني وصلاحيته للتمتع بالحجية في عملية الإثبات.
4- استجواب المتهم: في بعض الحالات يتم استخلاص الدليل الإلكتروني من المتهم ذاته أثناء استجوابه، سواء من خلال إدلائه به وبكيفية الوصول إليه والحصول عليه، أو من خلال مواجهته بالبيانات والمعلومات التي تم استخراجها من الأجهزة والوسائل الإلكترونية وملحقاتها، حيث أنه قد ينتج عن تلك المواجهة تفسيره لتلك المعلومات والبيانات بصورة تجعل منها أدلة في القضية، وفي الغالبية العظمى من حالات الاستجواب والمواجهة يكون أحد الخبراء الفنيين المختصين حاضراً، وذلك نظراً لطبيعة الاستجواب وما قد تتضمنه الأسئلة الخاصة به من جانب تقني وفني بحت.
خامسا: أهم التحديات التي تواجه الحصول على الدليل الإلكتروني
1- ضعف الخبرة الفنية لدى جهات التحقيق والضبط القضائي : بالنظر إلى حداثة الجرائم الإلكترونية وتعقد عملية الحصول على الدليل الكتروني لما تتسم به تلك العملية من طبيعة فنية وتقنية بحتة، فإن جانب من المحققين ورجال الضبط القضائي قد يكون الجانب الفني لهم في ذلك الشأن ضعيف، فتنتفي لديهم القدرة الفنية على التعامل مع مثل تلك الأدلة سواء من حيث استخلاصها أو تقدير قيمتها، بجانب ضرورة إتقان اللغة الإنجليزية بشكل جيد حتى يمكن التعامل مع الأدلة الإلكترونية، وهو أيضاً ما يغيب لدى البعض ويجعل من الصعوبة بمكان أن يتعاملوا مع هذا الدليل.
2- قابلية الدليل الإلكتروني للفقد أو التلف أو المحو في مدة زمنية قصيرة : بعض المعلومات والبيانات المكونة للدليل الإلكتروني يمكن أن يتم فقدها متى لم يتم المسارعة بالحصول عليها في مدة زمنية معينة، حيث هناك بعض المواقع التي لا تحتفظ بالمعلومات والبيانات الخاصة بالعمليات التي تمت عليها إلا لمدة 24 ساعة ثم يتم محوها تلقائياً، كما أن عدم دراية وخبرة القائمين على التعامل مع الأجهزة الإلكترونية قد تكون هي في ذاتها السبب في محو المعلومات أو تلف الأجهزة المخزنة عليها مما يستحيل معه استخراجها.
3- الكم الهائل من البيانات والمعلومات التي يتم البحث بينها عن الأدلة : وترجع تلك الصعوبة إلى أن الأجهزة الإلكترونية يخزن بها كم هائل من البيانات والمعلومات، مما يجعل البحث فيها عن معلومات أو بيانات تشكل دليل إلكتروني و هو أمر بالغ الصعوبة، كما أنه يقتضي وقت طويل وعدد كبير من الفنيين للبحث عن تلك المعلومات واستخلاصها من هذا الكم الهائل، وفصلها عن غيرها من البيانات والمعلومات الأخرى الغير مجدية.
4- اللجوء لبرامج إخفاء الشخصية والهوية: في حالة أن يكون الدليل الإلكتروني المطلوب استخلاصه يخص مجرماً محترفاً، فإن هذه العملية قد تواجه إحدى الصعوبات والتحديات التي يصعب التعامل معها، وهي استخدام المجرم لبرنامج يمكنه من خلاله إخفاء هويته عند اتصاله بالشبكة أو عند تعامله مع الأجهزة الإلكترونية، ويكون عمل ذلك البرنامج إما بإخفاء هوية مستخدمه مباشرة، أن منحه هوية أخرى تخص شخص آخر، وهو ما يضع العديد من الصعوبات والعوائق أمام جهات التحقيق والضبط القضائي في سبيل تعرفهم على الهوية الحقيقية للمجرم.
سادسا: أحكام القضاء الأردني المتعلقة بإجراءات الحصول على الدليل الإلكتروني
1- حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1305 لسنة 2021 تمييز جزاء، والصادر بجلسة 1/6/2021 والمتضمن أن : (الأفعال التي قارفها المتهم المميز ….. والمتمثلة باتفاقه المسبق مع المتهم الآخر ……. على استلام حقيبتين وكيس من أشخاص سوريين ومعرفته لمكان ووظيفة المتهم الآخر ……. من خلال رؤية مكان وظيفته على خريطة مصورة توضح خط سير التقاء الأشخاص المهربين عند البرج وهو مكان وظيفة المتهم الآخر …… وتقديم المتهم …… إرشاداته للمتهم …… من خلال رسائل الواتس أب عن طريقة وكيفية الاستلام والتسليم وأنه سيقوم بإرسال شخص لاستلام الحقيبتين من المتهم المميز يشكل سائر أركان وعناصر جناية التدخل باستلام ونقل وتسليم مادة مخدرة، ………. وبالنسبة للسبب الرابع نجد أن المدعي العام المنتدب الذي قام بتقديم تقريره الفني المتضمن تفريغ الرسائل الإلكترونية عن تطبيق الواتس أب هو خبير فني ويدخل هذا العمل ضمن اختصاصه مما يتعين رد هذا السبب).
2- حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 3964 لسنة 2018 تمييز جزاء، والصادر بجلسة 13/12/2018 والمتضمن أنه: (وعن السبب الأول ومفاده أن القرار المميز مخالف لصحيح القانون وتحديداً المادتين (184 و186) من قانون الجمارك حيث إن محضر الضبط والتفتيش باطل ولا يصح الاستناد إليه بالإدانة من حيث خلوه من الشرائط التي يتطلبها القانون حيث خلا الضبط المنظم بتاريخ 10/12/2013 والمكتوب بخط اليد من الشرائط التي يتطلبها القانون، وفي هذا نجد ومن الرجوع إلى محضر الضبط المنظم بتاريخ 10/12/2013 فإنه يتعلق بالتحفظ على جهاز كمبيوتر ومجموعة وثائق ضمن مغلف ورقي وذلك من أجل الاطلاع والتدقيق وهذا الضبط منظم وفق الأصول المحددة بالقانون مما يتعين معه رد هذا السبب).
3– الحكم رقم 1701 لسنة 2022 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2022-06-29 حيث جاء فيه : ( وبتدقيق وتمحيص البينة المقدمة من النيابة ممثلة بالمشتكية والمتمثلة بشهادة المشتكية أمام المدعي العام والتقرير الفني من وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية تجد محكمتنا أن الثابت تعرض حساب المشتكية على تطبيق السناب شات (ranasril205) للاختراق من خلال العنوان الرقمي (176.57.1.159) الصادر من شركة مدى (زين) والمسجل باسم المدعو محمد حسن حسين النورس من خلال الهاتف نوع (infinxpr652B) وأن الشبكة
(Alnawarasi4g) والعائدة للمدعو محمد متصلة على الهاتف المذكور أعلاه والذي يحمل الرقم المصنعي (351771880150462) وبداخله شريحة تحمل الرقم (1777141528) المستخدم من قبل المشتكى عليه إلا أن محكمتنا تجد من خلال شهادة المشتكية أنها ذكرت أنها لم تشاهد صورة الشخص الذي قامت بإجراء محادثة الفيديو معه وبالتالي لم يثبت أن المشتكى عليه هو من قارف فعل الدخول قصداً لموقع إلكتروني لتغييره أو إلغائه أو إتلافه أو تعديل محتوياته أو إشغاله أو انتحال صفته أو انتحال شخصية مالكه وأنه هو من ارتكب جرم عرض فعل منافي للحياء إذ أن أدلة الإثبات يجب أن تكون جازمة وقاطعة في إثبات وقوع الفعل ونسبته إلى فاعله وأن مجرد كون المشتكى عليه يستخدم النت من خلال شبكة جاره لا يعني بالضرورة إثبات أنه هو من أقدم على ارتكاب الجرم مما يقتضي معه إعلان براءته عن هذين الجرمين خلاف ما توصلت له محكمة الدرجة الأولى بقرارها وبالتالي فإن أسباب الاستئناف ترد على القرار وتوجب فسخه( .
سابعا: الخاتمة
نظراً لم أوضحناه من تحديات وصعوبات تواجه عملية استخلاص الدليل الإلكتروني لدى جهات التحقيق والضبط القضائي، فنحن نرى أن طرق مواجهة تلك التحديات والصعوبات يسيرة وفي متناول اليد، حيث يلزم تكثيف الدورات التدريبية للمحققين ورجال الضبطية القضائية والخاصة بكيفية التعامل مع الأجهزة الإلكترونية واستخلاص الأدلة منها، بجانب وضع برامج لإتقان اللغة الإنجليزية تقرر بشكل إلزامي عليهم، وغيرها من الأصول الإجرائية التي يجب اتباعها ومراعاتها أثناء التعامل مع هذا النوع من الأدلة توقياً لتلفها أو إفسادها أثناء القيام بالإجراءات الممهدة لعملية استخراجها.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – جميل صليبا – المعجم الفلسفي – دار الكتاب العالمي – لبنان – ج1 – 1994 – ص 564.
[2] – محمد ابن أبي بكر الرازي – معجم مختار الصحاح – المطابع الأميرية – مصر – 2016 – ص 464 وما يليها.
[3] – محمد البشري – التحقيق في الجرائم المستحدثة – ط1 – جامعة نايف للعلوم الأمنية – المملكة العربية السعودية – 2004 – ص 234.
[4] – محمد المنشاوي – سلطة القاضي الجنائي في تقدير الدليل الإلكتروني – مجلة الحقوق – مج 36 – ع (2) – الكويت – 2012 – ص 515.
[5] – أشرف قنديل – الإثبات الجنائي في الجريمة الإلكترونية – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2015 – ص 126.
[6] – أشرف صابر – جرائم الذم والتحقير عبر الوسائل الإلكترونية – رسالة ماجستير غير منشورة – جامعة الشرق الأوسط – 2016 – ص100.
[7] – عبد الفتاح حجازي – الدليل الجنائي والتزوير في جرائم الكمبيوتر والإنترنت – دار الكتب القانونية – مصر – 2005 – ص.42.
[8] – أمير فرج – الإثبات الجنائي للجريمة الإلكترونية والاختصاص القضائي بها – ط1 – مكتبة الوفاء القانونية – مصر – 2016 – ص 290 وما يليها..
[9] – هلالي عبد اللاه – تفتيش أنظمة الحاسب الآلي وضمانات المتهم المعلوماتي – دار النهضة العربية – مصر – 2006 – ص73.

