فض المنازعات بالطرق الدبلوماسية
تُعد الدبلوماسية أنجح الطرق لتدعيم العلاقات الدولية وتعزيز حقوق الإنسان والتي أصبحت قضية دولية وذلك بموجب ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، حيث تقوم الدبلوماسية بدور هام ومميز في تدعيم العلاقات ومعالجة كافة الشؤون التي تهم العديد من الدول، فمن خلالها تتم تسوية الخلافات وحل المشاكل التي تنشأ بين الدول وبعضها، ومحاولة التوفيق بين المصالح المتعارضة ووجهات النظر المتباينة، فضلا عن إشاعة الود والتفاهم بين الدول، فكل دولة تستطيع أن تعزز نفوذها وتوطد مركزها في مواجهة الدول الأخرى، وفضلا عن تدعيم السلم وتجنب الحرب.
فمما لا شك فيه أن الطرق الدبلوماسية تحدث بعد وقوع المشاكل بين أشخاص القانون الدولي سواء كانت دول أو منظمات دولية، فتتم حل هذه المشكلات بالطرق الدبلوماسية لإنهاء النزاع بين الأطراف المتنازعة وإعادة الوضع الطبيعي إلى ما كان عليه من قبل وقوع النزاع وذلك قبل اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي.
ويهدف مقالنا هذا إلى الكشف عن أبرز الوسائل الدبلوماسية لحل المنازعات الدولية، والى أي مدى يمكن للطرق الدبلوماسية أن تكون عنصرا إيجابيا في فض المنازعات ودعم العلاقات الدولية، وتساهم في تعزيز حقوق الأنسان في العالم.
ثانيا: ماهية وأشكال المنازعات الدولية:
ثالثا: ماهية وأنواع الوسائل الدبلوماسية لفض المنازعات الدولية طبقا لميثاق الأمم المتحدة:
رابعا: معايير التفرقة بين الوسائل الدبلوماسية والوسائل القضائية في حل النزاع:
أولا: تعريف الدبلوماسية:
نستطيع أن نتناول بشيء من التوضيح اصطلاح الدبلوماسية كما تناوله فقهاء القانون الدولي:
حيث عرفها الفقيه ” تشارلس كالفور” أنها علم العلاقات القائمة بين الدول وبعضها والناتجة عن المصالح المتبادلة والنابعة من مبادئ القانون الدولي العام، فضلا عن نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
وعرفها “سموحي فوق العادة ” بأنها : مجموعة القواعد والأعراف الدولية والإجراءات والمراسم والشكليات التي تهتم بتنظيم العلاقات بين أشخاص القانون الدولي: أي الدول والمنظمات والممثلين الدبلوماسيين، مع بيان مدى حقوقهم وواجباتهم وشروط ممارستهم مهامهم الرسمية، والأصول التي يترتب على اتباعها تطبيق أحكام القانون الدولي ومبادئه، والتوفيق بين مصالح الدول المتباينة، كما أنها فن إجراء المفاوضات السياسية في المؤتمرات والاجتماعات الدولية وعقد الاتفاقات والمعاهدات.[1]
ويمكن أن ننتهى من خلال ما سبق إلى أن أغلب الفقهاء يرون أن مفهوم الدبلوماسية هو فن إدارة العلاقات الخارجية للدولة، أي قيام الدولة بممارسة سياساتها الخارجية عن طريق المفاوضات والعديد من الوسائل السلمية الأخرى دون اللجوء إلى الحرب.
ثانيا: ماهية وأشكال المنازعات الدولية:
المنازعات الدولية هي المنازعات الجماعية التي يكون أطرافها الدول أو أشخاص القانون الدولي من غير الدول، فلا بد أن يكون اطراف المنازعة دولا أو أشخاصا من أشخاص القانون الدولي العام، حتى تعد منازعة دولية، كأن تكون المنازعة بين دولتين مستقلتين، أو بين منظمتين أو بين دولة ومنظمة دولية.
وتأخذ المنازعات الدولية مجموعة من الصور والأشكال:
1- المنازعات المسلحة (الحروب):
وكانت الحروب إحدى الوسائل المشروعة لحسم ما ينشأ بين الدول من نزاعات في مرحلة ما قبل قيام الأمم المتحدة، ولكن بعد إنشاء الأمم المتحدة اعتبرت الحرب خارج إطار الشرعية القانونية الدولية كوسيلة لتسوية المنازعات الدولية، حيث لم يسمح ميثاق الأمم المتحدة باللجوء إلى الحرب بل وجرم استخدام أنواع معينة من الأسلحة.
ولكن يستثنى من ذلك حالة الدفاع الشرعي لصد عدوان إحدى الدول على دولة أخرى، ويستثنى أيضا حالة إرادة المجتمع الدولي لتحقيق الأمن الجماعي، حيث يجوز في هاتين الحالتين استخدام القوة طبقا لشروط الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
2- المنازعات القانونية والسياسية:
وهذا هو الشكل الثاني من أشكال المنازعات الدولية وهى المنازعات السياسية والقانونية، حيث أن المنازعات المسلحة هي الشكل الرئيسي والأول من أشكال المنازعات الدولية، وما زالت تُبذل جهود مضنية لتضييق نطاق استعمال القوة كوسيلة لفض الخلافات بين الدول.
ونستطيع هنا أن نفرق بين كلا من المنازعة السياسية والقانونية كالآتي:
أ- أسباب نشأة المنازعة:
ترجع المنازعة القانونية إلى حقوق مادية متنازع عليها من قبل اطراف المنازعة، أما بالنسبة للمنازعة السياسية ففي الغالب يمكن إرجاع سبب نشأتها إلى ما يعتري العلاقات الدولية من أزمات أو سوء فهم تصرف الدولة.
ب- أسلوب فض المنازعة:
يمكن حل المنازعة القانونية عن طريق إحالتها إلى التحكيم الدولي أو إلى محكمة العدل الدولية من أجل إصدار قرار قضائي بشأنها، أما بالنسبة للمنازعة السياسية فيمكن حلها عن طريق التفاوض والطرق الدبلوماسية الأخرى وذلك عن طريق أجهزة الأمم المتحدة المعنية فضلا عن المساعي الحميدة من أطراف خارجية فضلا عن الوساطة والتحقيق.
3- منازعات التجارة الدولية:
ويعد هذا النوع هو الشكل الثالث من أشكال المنازعات الدولية، والذى استحدثته منظمة التجارة العالمية والتي تم إنشائها عام 1995، وأسند الاختصاص فيه إلى أحد أجهزتها فيختص بتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية التي تنشأ بين أعضاء المنظمة وهو “جهاز تسوية المنازعات”، وذلك طبقا لأحكام التسوية الواردة في الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف.
ثالثا: ماهية وأنواع الوسائل الدبلوماسية لفض المنازعات الدولية طبقا لميثاق الأمم المتحدة:
هناك نوعين من الوسائل التي تتبع على مر العصور والتاريخ لحل المنازعات الدولية، وهما: إما أن تكون وسائل سلمية أو ودية، وإما أن تكون وسائل غير ودية.
فنجد هنا أن الوسائل الودية أو السلمية تسمى في العرف الدولي “بالوسائل الدبلوماسية” وينظمها القانون الدولي العام، وتشمل هذه الوسائل المفاوضات، والخدمات الودية من طرف ثالث، والوساطة، وإحالة النزاع على مجلس الأمن وعلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتوفيق.
وبجانب تلك الوسائل الودية توجد نوع آخر من الوسائل تعرف بالوسائل القضائية وهما التحكيم الدولي، وإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية أو أي جهة قضائية دولية.
وجدير بالذكر أنه أصبح من اللازم على الدول اللجوء إلى الطرق السلمية لتسوية ما قد يثور بينهم من منازعات دولية وذلك بمقتضي الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
فضلا عن ذلك حددت (المادة 33) من ميثاق الأمم المتحدة الوسائل السلمية التي يتعين اللجوء إليها لتسوية المنازعات الدولية، فجاءت هذه المادة بالآتي: (يجب على أطراف أي نزاع أن يلتمسوا حله أولا عن طريق المفاوضات والتحقيق والتحكيم والتسوية القضائية أو يلجئوا إلى المنظمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية الأخرى التي يقع عليها الاختيار).
وفى حالة عدم وصول الأطراف المتنازعة لحل لهذا النزاع القائم باستخدام الطرق السلمية التي أشرنا إليها سابقا، فطبقا (للمادة 37) من ميثاق الأمم المتحدة يعرض النزاع على مجلس الأمن كي يقرر ما يراه ملائما من إجراءات لتسوية النزاع.
ومن ثم يمكن القول بأنه تنقسم طرق الوسائل الدبلوماسية لتسوية النزاعات إلى ما يلي:
1- المفاوضات:
تقوم المفاوضات على الاتصالات المباشرة بين الدولتين التي قامت بينهم النزاعات بغية تسوية هذا النزاع فيما بينهم عن طريق اتفاق مباشر، وتجرى هذه المفاوضات ين وزراء خارجية الدول المتنازعة وبين ممثليها الدبلوماسيين، وذلك من خلال مؤتمر دولي أو منظمة دولية، وتمتاز هذه المفاوضات بالمرونة والكتمان، ولذلك تصلح لتسوية كافة أنواع المنازعات باستثناء المنازعات العسيرة، وكثيرا ما تشترط المعاهدات الدوية وجوب الالتجاء إلى المفاوضات الدبلوماسية قبل اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي.
وجدير بالذكر أنه ينبغي أن يكون هناك تعادل في القوى السياسية بن الدولتين المتنازعتين وإلا وقعت الدولة الضعيفة تحت سيطرة الدولة القوية.
وهناك ثلاث طرق للتفاوض يتم استخدامها كالتالي:
أ- طريقة التفاوض اللينة: يريد المفاوض اللين إلى الوصول إلى اتفاق وحلا ودودا وتجنب النزاع الشخصي لذلك يقوم بتقديم التنازلات ولكن سرعان ما ينتهي ذلك بشعور المرارة والاستغلال.
ب- طريقة التفاوض المتشدد: يرى المتفاوض المتشدد الموقف على أنه مباراة في الإرادة من أجل الفوز، لكن ينتهى هذا الموقف في الغالب بموقف متصلب مساو له من قبل الطرف الآخر.
ج- طريقة التفاوض المبدئية: تقع هذه الطريقة بين اللين والشدة، فهذه الطريقة لا تستخدم أي حيلة أو خديعة، فتقترح هذه الطريقة النظر إلى المكاسب المتبادلة والى أين تتعارض المصالح، فهذه الطريقة تمكن المفاوض من أن يكون عادلاً وفي ذات الوقت توفر له الحماية من الاستغلال[2].
2- المساعي الحميدة:
قد يتطور النزاع إلى أن يصل إلى صراع بين الأشخاص ومواقف من الصعب تداركها، وذلك بسبب عدم وجود تفاوض ين الطرفين لحل هذا النزاع القائم، ففي هذه الحالة يتعين أن نفهم أن المساعي الحميدة إنما يقصد بها، العمل الودي الذى يقوم به طرف ثالث يعمل على التخفيف من حدة الخلاف القائم بين الطرفين المتنازعين وإيجاد الحلول الملائمة للوصول إلى تفاهم بينهم واستئناف المفاوضات.
ونجد أن اتفاقيات لاهاي لعام 1889، 1907 قد أشارت إلى المساعي الحميدة كوسائل سياسية سلمية لحل النزاعات الدولية والإقليمية.
ففي النزاع بين بوليفيا والبراجوي عام 1932 ساعدت هذه الوسيلة في حل النزاعات التي حدث قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمة كبيرة.
والهدف من هذه المساعي هو تفادى حدوث نزاع بين الدول والأفراد أيضا، فقد تهدف المساعي الحميدة أيضا إلى وضع حد لحرب قائمة، فخير مثال لذلك قبول هولندا وإندونيسيا المساعي الحميدة للولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب القائمة بينهم وذلك في عام 1974.
وجدير بالذكر أن الطرف الثالث الذى يقوم بالمساعي الحميدة يقوم فقط بالتقريب بين الطرفين المتنازعين ويكتفى بحثهما على استئناف المفاوضات من اجل تسوية النزاع القائم بينهم دون أن يشترك هو في تلك المفاوضات.
وقد ساهمت المساعي الحميدة فعليا في الوصول إلى تسوية سياسية للعديد من المنازعات الدولية نذكر على سبيل المثال:
أ- المساعي الحميدة التي قام بها الملك عبدالله بن عبد العزيز، لوقف الحرب الأهلية في اليمن بين الرئيس اليمني السابق على عبدالله صالح وبين جماعة الحوثيين، ونتج عن هذه المساعي وقف هذه الحروب.
ب- المساعي الحميدة التي قامت بها الخارجية الأمريكية لتسوية نزاع الحدود بين هندوراس ونيكاراجوا لعام 1918.
ج- المساعي الحميدة التي قام بها المملكة العربية السعودية إبان حكم الملك فهم ابن عبد العزيز لوقف الصراع بين كلا من الفرقاء في أفغانستان والفرقاء في الصومال.
د- المساعي الحميدة التي قام ها الملك عبد الله بن عبدالعزيز لتسوية النزاع القائم إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك والرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد.
3- الوساطة:
إن الطرف الذى يقوم بالوساطة يشترك في المفاوضات التي تتم بين الأطراف المتنازعة، فالوساطة هي مسعى ودي يقوم به طرف ثالث من أجل تسوية النزاع بين طرفين آخرين، ويقوم كذلك باقتراح الحل الذى يراه مناسبا للنزاع مما يساعد الأطراف المتنازعة للوصول إلى نهاية مثمرة في اتصالاتهم، فهو بذلك يشترك في المفاوضات التي تكون بين الطرفين للوصول إلى حل ودي.
وجدير بالذكر أن الأطراف المتنازعة تكون حرة في قبول أو رفض الوساطة، فمن صفات الوساطة أنها اختيارية فالطرف الذى يقوم بالوساطة لحل هذا النزاع يقوم به متطوعا، ولا يمكن فرضها على الأطراف المتنازعة فهي مجردة من كل قوة ملزمة، ولا تعد حكما واجب التنفيذ.
ولكننا نجد أنه قد يكون الالتجاء إلى الوساطة إجباريا وذلك في حالة وجود نص يتضمنه اتفاق دولي، ومن امثله ذلك، نص (المادة 8) من معاهدة باريس لعام 1856، وبموجب هذه المادة فرضت على الدول الأطراف مبدأ الوساطة لتيسير العقبات التي قد تعترض الإمبراطورية وإحدى دول الوفاق الأوروبي.
ولعل من أشهر المنازعات الدولية التي كان للوساطة الدولية دورا في تسويتها، مشكلة الشرق الأوسط، حيث اندلعت هذه المشكلة عقب انتصار الكيان الصهيوني في حرب يونيه 1967 واحتلال الكيان لأجزاء من أراضي مصر وسوريا والأردن وأرض فلسطين، وكان للوسطاء الأمريكيين وزير الخارجية الأمريكية، والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط دور هام في عقد اتفاقات الهدنة وذلك خلال الفترة من عام 1967 وحتى أكتوبر 1973، وجدير بالذكر أيضا أن الوساطة الأمريكية بين كلا من العرب والكيان الصهيوني لم تستطع الحيلولة دون قيام حرب التحرير 1973.
بالإضافة إلى ذلك قامت أيضا الولايات المتحدة الأمريكية بنفس دور الوساطة بين المملكة الأردنية الهاشمية والكيان الصهيوني، وأسفر ذلك عن عقد معاهدة السلام بين الأردن والكيان الصهيوني في 25 من أكتوبر 1994.
4- التحقيق الدولي:
يعتبر التحقيق من أساليب تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية، كما أشارت لذلك (المادة 33) من ميثاق الأمم المتحدة.
وبذلك يمكن تعريف التحقيق بأنه: “فحص وقائع النزاع بواسطة لجنة تحقيق دولية، حيث تتفق الدولتان المتنازعتان على تشكيل هذه اللجنة وتكون مهمتها فحص وقائع النزاع وتقديم تقرير بنتيجة التحقيق التي توصلت إليها، وللدول المتنازعة الحق في ترتيب الأثر الذى تراه مناسبا حيث أن قرار التحكيم ليست له قوة الإلزام على الدول المتنازعة.
ويمكن تلخيص إجراءات التحقيق كالآتي:
- يلزم وجود اتفاق بين الدولتين المتنازعتين لتكوين لجنة التحقيق، ويجب الاتفاق على وقائع النزاع والإجراءات الواجب اتباعها من قبل المحكمين.
- وفى حالة عدم الاتفاق بين الدولتين المتنازعتين على تشكيل لجنة للتحقيق، تُشكل لجنة من خمس أعضاء، تقوم كل دولة متنازعة بانتخاب عضويا أحدهما من رعاياها والآخر من غير رعاياها، بعد ذلك ينتخب الأعضاء الأربعة العضو الخامس.
- يمكن للجنة تعيين مساعدين أو محلفين لها.
- تتعهد الدولتين المتنازعتين بعدم اللجوء إلى الحرب حتى صدور قرار اللجنة ومضي ستة اشهر، حيث قد تهدأ فيها الخلافات بين الدولتين.
من أهداف أسلوب التحقيق:
- حسم الخلاف بين الدولتين المتنازعتين حول صحة الوقائع المادية للنزاع القائم.
- حصر النزاع في حدود وقائعه الصحيحة الثابتة.
5- التوفيق:
يعد التوفيق من الوسائل الحديثة نسبيا في تسوية النزاعات الدولية، فبعد عرض النزاع على لجنة التوفيق تقوم هذه اللجنة بالتحقيق في صحة الوقائع ثم إعداد تقرير بما قامت به وتقترح الحلول الممكنة للنزاع.
وبالتالي نستنتج الفرق بين لجنة التحقيق التي لا يجوز لها تقديم أي اقتراحات بخصوص حل النزاع القائم وذلك على عكس لجنة التوفيق، فتقديم الاقتراحات بالنسبة لهذه الأخيرة هو جوهر وأساس عملها، ولكن يجب مُلاحظة أن هذه الاقتراحات لا تحمل صفة الإلزام وإلا اعتبر قرار لجنة التوفيق بمثابة قرار تحكيم دولي، فقرار لجنة التوفق ما هو إلا وسيلة اختيارية تلجأ إليها الدول المتنازعة لتستعيض به عن اللجوء إلى القضاء والتحكيم الدولي.
6- عرض النزاع على المنظمات الدولية والإقليمية:
يوجد في المجتمع الدولي حاليا العديد من المنظمات سواء كانت حكومية عالمية وإقليمية، يكون هدفها الرئيسي هو المحافظة على السلم والأمن الدولي وتسوية المنازعات الوسائل السلمية.
وقد اسند الميثاق وتحديدا في الفقرة الثالثة من المادة الثانية منه مهمة تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية إلى كلا من ( مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة).
وقد جاء الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وحدد اختصاصات وسلطات كلا من مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، في حل المنازعات الدولية كالاتي.
اختصاصات مجلس الأمن في تسوية المنازعات الدولية:
أ- دعوة الأطراف المتنازعة لحل المنازعات التي قد تهدد الأمن والسلم الدولي، وأن يلتمسوا الحل بالطرق المنصوص عليها في الميثاق.
ب- وعند فشل حل النزاع بالطرق الودية، يجب عرض النزاع على مجلس الأمن ويقرر بعد ذلك مجلس الأمن ما يراه مناسبا وفقا لنص (المادة 36) من الميثاق، أو يقوم المجلس بإصدار توصياته إلى أطراف النزاع وفقا لنص (المادة 37) من الميثاق لحل النزاع سلميا، علما بأن القرارات التي يتخذها مجلس الأمن في هذه الحالة غير ملزمة لأطراف النزاع .
وفى حالة تفاقم النزاع أو تطوره لمجلس الأمن في هذه الحالة أن يتخذ قرارات ملزمة لأطراف النزاع ولغيرها من الدول الأعضاء وفقا للفصل السابع من الميثاق.
اختصاصات الجمعية العامة للأمم المتحدة في تسوية النزاعات الدولية:
أ- بحث أية قضية لها علاقة وصلة بحفظ السلم والأمن الدولي يرفعها إليها مجلس الأمن أو أي عضو آخر في الأمم المتحدة.
ب- التوصية باتخاذ التدابير الممكنة لتسوية أي نزاع يهدد الأمن والسلم الدولي، مع مراعاة توافق هذه التوصيات مع قرارات مجلس الأمن الدولي.
ج- يجب على الجمعية العامة الالتزام في توصياتها بأحكام ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي العام.
د- يحق للجمعية العامة إصدار أي توصيات ملزمة أدبيا لأعضائها في المنازعات التي من شأنها تهديد السلم الدولي بأغلبية ثلثي أعضائها[3].
رابعا: معايير التفرقة بين الوسائل الدبلوماسية والوسائل القضائية في حل النزاع:
تتنوع الوسائل السلمية التي أقرتها ميثاق الأمم المتحدة تحديدا في المادة 33 منه إلى نوعين هما:
- وسائل ذات صفة سياسية خالصة.
- وسائل تضع النزاع أمام جهة قضائية دولية محايدة تصدر حكم قضائي يمون ملزم ونافذ في حق اطراف النزاع.
ونجد أن هذين النوعين من الوسائل ملزمة لكافة الدول وذلك طبقا لأحكام (المادة 33) المشار إليها أعلاه، فلا يكون أمام الدول حين ينشأ نزاع دولي فيما بينهما إلا أن تلتمس تسويته بإحدى هذين النوعين من الوسائل وذلك قبل اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.
ويوجد بعض المعايير الأخرى للتفرقة ين كلا من النوعين سواء الوسائل الدبلوماسية أو الوسائل القضائية في حل النزاعات كالتالي:
1- معيار الطرف الثالث: إن التسوية القضائية تعنى منح شخص أو جهة غير أطراف النزاع إصدار قرار ملزم للفصل في النزاع سواء كان محكمة دولية، أو لجنة تحكيم دولية، أما بالنسبة لحل النزاع من خلال الطرق السياسية، فهو يبقى محصورا بين طرفيه وذلك عن طريق المفاوضات المباشرة بين طرفيه، حتى وإن تطلبت هذه المفاوضات وساطة أو مساعي حميدة.
2- معيار الأساس في حل النزاع: يمكن تسوية المنازعات القانونية بالطرق القضائية، مثل المنازعات التي تتعلق بتوارث ممتلكات الدولة ومحفوظاتها، والمنازعات المتعلقة بتفسير معاهدة دولة، والمنازعات المتعلقة بإهدار حصانات مقار البعثات الدبلوماسية وغيرها، فالأساس القانوني لحل هذ المنازعات هو تطبيق قواعد القانون الدولي العام.
أما الخلافات السياسية المتعلقة بالعلاقات بين الدول، كإنهاء حالة الحرب بين دولتين متنازعتين، أو منازعات تعيين وترسيم الحدود البحرية والبرية، أو عدم الاحترام الكامل لسيدة واستقلال الدولة، فنجد أن مثل هذه المنازعات السياسية تحل عن طريق المفاوضات المباشرة وغير المباشرة للوصول إلى حل لهذه النزاعات قبل إلى صراع مسلح ويؤدى إلى توتر العلاقات بين الدولتين المتنازعتين.
وجدير بالذكر أنه لا يوجد ما يمنع في فقه القانون الدولي العام من فض المنازعات السياسية بالوسائل القضائية كالتحكيم وإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، وأيضا لا يوجد ما يمنع من فض المنازعات القانونية بالوسائل السياسية والسلمية التي ذكرنها آنفا وهيا المفاوضات والوساطة والمساعي الحميدة.
إعداد/ بسمة باسم.
[1] عبد المجيد بن يكن، الطرق الدبلوماسية ودورها في فض النزاعات الدولية وحماية حقوق الأنسان، ص 399
[2] أنظر صداقة، صليحة على، حل النزاعات الدولية وفن التفاوض، سنة 2016، ص104
[3] العنزي، عبدالرحمن عيسي دخيل الله، الوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية في اطار قواعد القانون الدولي العام، 2016، ص 262

