دعوى التعويض عن التعدي وفق أحكام قانون العلامات التجارية

دعوى التعويض عن التعدي وفق أحكام قانون العلامات التجارية

إن العلامة التجارية تعد أحد أهم الحقوق التي عنى المشرع الأردني بتنظيم حمايتها، وذلك نظرا  لما يترتب على إغفال تلك الحماية من منازعات وأضرار اقتصادية لا تعد ولا تحصى  تصيب التجار الذين قد تلحقهم خسائر جراء التعدي على علامتهم التجارية، أو الأفراد الذين قد تضيع أموالهم هباء عند شراءهم منتجات تحمل علامات تجارية عالية الجودة، ثم يفاجئوا بأن تلك المنتجات ذات جودة سيئة، وأن تلك العلامات التجارية التي تحملها المنتجات التي قاموا بشرائها، لا تخص المنتجات التي قد رغبوا من الأصل في شراءها، مما ينشأ عنه عزوف الأفراد عن الشراء، خشية تكرار نفس الأمر، مما يصيب سوق المعاملات التجارية بالكساد.

وقد قرر المشرع العديد من وسائل الحماية لمالك العلامة التجارية، كالإجراءات التحفظية والاحترازية أو العقوبات الجزائية قبل المتعدي على علامته الخاصة، إلا أن أهم سبل تلك الحماية والتي تحقق الطمأنينة للتاجر هي تقرير حقه في طلب التعويض جراء ما أصابه من أضرار نتيجة للتعدي على علامته التجارية، وسوف نتناول في هذا المقال التعويض عن التعدي كصورة من صور الحماية وفقا لأحكام قانون العلامات التجارية، على أن نسبق ذلك ببعض التعريفات الهامة التي تساعد القارئ على الإلمام بموضوع المقال وفقا لما يلي:

أولا: تعريف العلامة التجارية وبيان المقصود بمالكها:

ثانياً: صاحب الحق في إقامة دعوى التعويض:

ثالثاً: كيفية المطالبة بالتعويض وفقا لقانون العلامات التجارية:

رابعاً: تقدير التعويض:

أولا: تعريف العلامة التجارية وبيان المقصود بمالكها:

1 – المقصود بالعلامة التجارية وأنواعها:

أ – المقصود بالعلامة التجارية:

هي أي إشارة ظاهرة يستعملها أو يريد استعمالها أي شخص لتمييز بضائعه أو منتجاته أو خدماته عن بضائع أو منتجات أو خدمات غيره.

و يشترط أن تكون العلامة التجارية ذات صفة فارقة من حيث الأسماء أو الحروف أو الأرقام أو الأشكال أو الألوان أو غير ذلك أو أي مجموعة منها، وأن تكون قابلة للإدراك عن طريق النظر، والمقصود بلفظة  فارقة) أن تكون العلامة التجارية موضوعة على شكل يكفل تمييز بضائع صاحبها عن بضائع غيره من الناس.[1]

ب – أنواع العلامات التجارية:

– العلامة التجارية الفردية: وهي العلامة التي يستعملها شخص طبيعي تاجر كان أو صانع أو مقدم خدمة لتمييز بضائعه أو منتجاته أو خدماته عن بضائع أو منتجات أو خدمات غيره.

– العلامة التجارية الجماعية: عرفت المادة الثانية من قانون العلامات التجارية العلامة التجارية الجماعية بأنها: (العلامة التي يستعملها شخص اعتباري لتصديق مصدر بضائع ليست من صنعه أو المواد المصنوعة منها أو جودتها أو طريقة إنتاجها أو الدقة المتبعة في صنعها أو غير ذلك من ميزات وخصائص لتلك البضائع).

– العلامة التجارية المشهورة: عرفت المادة الثانية العلامة التجارية المشهورة بأنها: (العلامة التجارية ذات الشهرة العالمية التي تجاوزت شهرتها البلد الأصلي الذي سجلت فيه واكتسب شهرة في القطاع المعني من الجمهور في المملكة الأردنية الهاشمية مع مراعاة التعليمات التي يصدرها الوزير بهذا الخصوص وبما يتفق مع الالتزامات والواجبات المترتبة بمقتضى الاتفاقيات المتعلقة بحماية العلامة التجارية المشهورة والتي تكون المملكة طرفا فيها.

2- المقصود بمالك أو صاحب العلامة التجارية:

– المالك الأصلي للعلامة التجارية: وهو كل من يدعي ابتداء أنه صاحب علامة تجارية استعملت أو لديه النية في استعمالها وقام بتسجيل تلك العلامة عليه في السجل المعد لذلك  وفاقاً للإجراءات المقررة قانونا.

– من انتقلت إليه ملكية علامة تجارية مسجلة مسبقا: وهو كل من ادعى ملكيتهً لعلامة تجارية مسجلة بمقتضى تحويل أو نقل أو معاملة قانونية أخرى، وقام بتسجيل تلك العلامة المذكورة باسمه في السجل المعد لذلك وفقا للإجراءات المقررة قانونا.[2]

وتثبت ملكية العلامة التجارية لصاحبها من تاريخ تسجيلها في السجل المعد لذلك وفقا للإجراءات التي قررها القانون، وتستمر الملكية لمدة عشر سنوات من تاريخ التسجيل ويجوز تجديد تسجيلها لمدد مماثلة وفقا لأحكام القانون.

ثانياً: صاحب الحق في إقامة دعوى التعويض:

قصرت المادة (33) من قانون العلامات التجارية الحق في طلب التعويض – حال التعدي على العلامة التجارية – على صاحب العلامة التجارية الذي بادر إلى تسجيلها وفقا للإجراءات المنصوص عليها في القانون، فنصت على أنه: ( لا يحق لأحد أن يقيم دعوى بطلب تعويضات عن أي تعد على علامة تجارية غير مسجلة في المملكة ).

إلا أنها أعطت لصاحب العلامة التجارية الغير مسجلة الحق في أن يتقدم إلى المسجل بطلب لإبطال علامة تجارية سجلت في المملكة من قبل شخص لا يملكها بعد أن كانت مسجلة في الخارج إذا كانت الأسباب التي يدعيها هي الأسباب الواردة في الفقرات 6 و7 و10 و12 من المادة (8) من هذا القانون.

وقانون العلامات التجارية في قصره الحق في إقامة دعوى التعويض على العلامة المسجلة فقط، قد يراه البعض يتعارض مع قانون المنافسة غير المشروعة الذي اعتبر في (المادة2/ب) أن التعدي على العلامة التجارية المسجلة أو الغير مسجلة عملا من أعمال المنافسة الغير مشروعة، ثم أعطت المادة (3) من ذات القانون الحق لكل ذي مصلحة المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر نتيجة أي منافسة غير مشروعة .

كما قد يراه البعض يتعارض مع القواعد العامة للمسئولية التقصيرية المقررة في (المادة 256) من القانون المدني والتي قررت لكل من إصابة ضرر بشكل عام الحق في المطالبة بالتعويض عن ذلك الضرر، وسوف نتناول هذه المسألة من خلال النقاط الآتية:

1- الأسباب التي دعت المشرع إلى قصر التعويض على العلامة التجارية المسجلة:

يرى البعض أن ما اشتراطه المشرع من ضرورة تسجيل العلامة التجارية في المملكة الأردنية لإمكانية المطالبة بالتعويض في حالة التعدي عليها، يرجع إلى رغبة المشرع في تشجيع أصحاب العلامات التجارية على المبادرة بالقيام بتسجيلها لدى الجهة المختصة بقصد حصرها ومعرفة أصحابها، ووضع قاعدة بيانات تشمل تلك العلامات لتحقيق الاستقرار التجاري ولتلافي أي مشكلات أو معوقات تنشأ من وجود تشابه أو التباس بشأن تلك العلامات.

في حين يرى البعض الأخر أن في ذلك الشرط مخالفة لما ورد في اتفاقية تريبس والتي لم تشترط تسجيل العلامة التجارية لتمكين أصحاب العلامة من المطالبة بالتعويض حال الاعتداء عليها، على الرغم من قصرها للعديد من الآثار القانونية الأخرى على تسجيل العلامة التجارية مثل منح مالك العلامة التجارية المسجلة الحق المطلق في منع الغير من استخدام ذات العلامة أو علامة مشابهه لها في أعماله التجارية بخصوص نفس نوع السلع أو الخدمات المماثلة لتلك التي سجلت العلامة التجارية بشأنها مادام قد تم هذا الاستخدام بدون موافقة مالك العلامة التجارية المسجلة.[3]

إضافة إلى أن (المادة 45) من الاتفاقية قد منحت السلطة القضائية في الدول الأعضاء الموقعين عليها الصلاحية بإلزام المعتدي على العلامة التجارية أن يدفع لصاحبها التعويضات العادلة عن الأضرار التي لحقت به إثر هذا التعدي، ومن ثم فإن الحق بالمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق بصاحب العلامة التجارية جراء التعدي على علامته التجارية يكون غير مرتبط بتسجيل العلامة التجارية.

وفي الواقع فإن الرأي الأول هو الأولى بالتأييد لأن المشرع في بعض الأحيان قد يلجأ إلى إجراءات تحوى على بعض التضييق من أجل الحفاظ على استقرار التعاملات ولتشجيع اتجاه معين يراه المشرع مناسبا لمرحلة معينة قد ينشأ على عدم الالتزام بقواعدها فتح باب المنازعات على مصرعيه بين الأفراد.

وأن في اشتراط تسجيل العلامة التجارية لتمكين صاحبها من المطالبة بالتعويضات الناشئة عن فعل التعدي عليها غلق لباب يقبع خلفه منازعات وخلافات كثيرة بين التجار، والتاجر الذي لا يلتزم بهذا الشرط ولا يبادر إلى تسجيل علامته التجارية الخاصة به يكون هو من أهمل في المحافظة عليها فلا يلوم إلا نفسه عند عدم تمكنه من المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابته، خاصة وأنه إذا التزم جميع التجار بتسجيل علاماتهم التجارية فلن يكون هناك معنى للتفرقة بين العلامة المسجلة والغير مسجلة، لأنه لن يكون هناك وجود للأخيرة من الأصل.

وهناك العديد من التشريعات التي تنظم مسائل خاصة رأى المشرع فيها الخروج عن الأصل العام والتضييق على الأفراد لاعتبارات المحافظة على استقرار التعاملات، مثال ما قرره المشرع المصري من اشتراط تسجيل العقد لنقل الملكية الخاصة بالعقارات خروجا عن الأصل الذي كان مقررا من أن العقد العرفي تنتقل به الملكية وان لم يسجل.

2- هل يحق لصاحب العلامة التجارية الغير مسجلة المطالبة بالتعويض وفقا لقانون المنافسة غير المشروعة، أو القواعد العامة في المسئولية التقصيرية:

يرى البعض أن النقص الذي لحق (بالمادة 33) من قانون العلامات التجارية قد تم معالجته في المادتين (2/ب)، (3) من قانون المنافسة غير المشروعة وأصبح في الإمكان المطالبة بالتعويض عن فعل التعدي على العلامة التجارية ولو كانت غير مسجلة على اعتبار أن هذا التعدي يمثل فعلا من أفعال المنافسة غير المشروعة، طالما أن هذه العلامة تم استعمالها من قبل شخص لفترة من الزمن واشتهرت بين الناس الأمر الذي يؤدي استعمالها من الغير إلى غش وتضليل الجمهور.

والواقع أن هناك اختلاف في نطاق تطبيق التعويض عن التعدي على العلامة التجارية في قانون العلامات التجارية عنه في قانون المنافسة غير المشروعة، وأيضا عنه في القواعد العامة للمسئولية التقصيرية وذلك من خلال الاتي:

أ – أن التعويض وفقا لقانون المنافسة غير المشروعة يستلزم الخطأ من قبل المعتدي وهو ما يتحقق من خلال صدور أفعال التعدي والتعسف من قبل المعتدي بهدف إلحاق الضرر به دون مبرر،[4] والتعويض هنا يستند إلى (المادة 66) من القانون المدني والتي تنص على أنه : (يجب الضمان على من استعمل حقه استعمالاً غير مشروع، ويكون استعمال الحق غير مشروع:

  • اذا توفر قصد التعدي.
  • إذا كانت المصلحة المرجوة من الفعل غير مشروعة.
  • إذا كانت المنفعة منه لا تتناسب مع ما يصيب الغير من الضرر.
  • إذا تجاوز ما جرى عليه العرف والعادة.

ومن ثم فإن الأساس القانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق هو الخطأ، حيث لا يعتبر الشخص متعسفاً في استعمال حقه لمجرد إصابة الغير بضرر ما دام أن استعمال الحق يتماشى مع السلوك المألوف للرجل المعتاد وفقاً للمعيار الموضوعي.

ب – على عكس التعويض المقرر لصاحب العلامة التجارية في قانون المنافسة غير المشروعة والذي يستلزم خطأ المعتدي، فإن قانون العلامات التجارية يستند في تقرير التعويض إلى القواعد العامة والمنصوص عليها في (المادة  256) من القانون المدني والتي تكتفي بوقوع الضرر دون اشتراط ركن الخطأ في حق المعتدي، ومن ثم فإن نطاق تطبيق قانون العلامات التجارية بشأن تعويض المضرور يكون أعم من نطاق تطبيق قانون المنافسة غير المشروعة والذي يستلزم بجانب الضرر الذي يصيب المضرور، وجود خطأ من جانب المعتدي بهدف إلحاق هذا الضرر بالمضرور.

ج – أنه ومن المستقر قانونا وفقها وقضاء أن القانون الخاص يقيد القانون العام، وحيث أن قانون العلامات التجارية يمثل قانونا خاصا، فمن ثم فإن النصوص الواردة به والمتعلقة بتنظيم التعويض عن الاعتداء على العلامات التجارية، يقيد النصوص الخاصة بتقرير التعويض عن الفعل الضار الواردة بالقانون المدني متى تعلق هذا الفعل بعلامة تجارية، ومن ثم فلا يجوز القول (مثلما يذهب بعض الفقه القانوني) بأنه يمكن لصاحب العلامة الغير مسجلة أن يقيم دعوى التعويض استنادا للقواعد العامة للمسئولية التقصيرية المقررة (بالمادة 256) من القانون المدني بشكل منفرد بمنأى عن قانون العلامات التجارية، حيث يكون مصير هذه الدعوى هو عدم القبول متى كانت العلامة التجارية محل التعدي غير مسجلة بالمملكة الأردنية، حتى لو أدعى رافعها إقامتها استنادا إلى القواعد العامة وليس إلى نصوص قانون العلامات التجارية.

ثالثاً: كيفية المطالبة بالتعويض وفقا لقانون العلامات التجارية:

بداية نشير إلى أنه يتعين الرجوع إلى القانون المدني لمعرفة الأسس التي بناءً عليها يتم تقدير التعويض، لعدم ورود تلك الأسس في قانون العلامات التجارية، وهذا ما يؤكده حكم محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية رقم 3001 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (وبالرجوع إلى نصوص القانون التي تحكم جانب الادعاء بالحق الشخصي بالنسبة لمطالبة المدعي بالتعويض عن الأضرار المادية فباستقراء محكمتنا للنصوص الواردة في قانون العلامات التجارية نجد أن المشرع لم يحدد الأسس الواجب الأخذ بها عند تقدير التعويض الناتج عن التعدي على العلامة التجارية وبالتالي فإن ما يحكم ذلك وهو القواعد العامة في القانون المدني الباحثة في المسؤولية عن الفعل الضار والتي تتطلب توافر أركان وعناصر الفعل الضار وهي الفعل الضار والضرر وعلاقة السببية بينهما).

ومن ثم فإن تقرير التعويض لصاحب العلامة التجارية في حال الاعتداء عليها يكون وفقا لقواعد المسئولية التقصيرية المقررة في المواد ( 256 )، (257)، (258) من القانون المدني والتي تنص أولاهما على أن: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.

وتنص ثانيتهما على انه: “يكون الإضرار بالمباشرة أو التسبب، فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضيا إلى الضرر”.

وتنص ثالثتهم على أنه: “إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر”.

وباستقراء المواد الذكر يتبين لنا أركان المسئولية التقصيرية الموجبة للتعويض عن التعدي على العلامة التجارية والتي تتمثل في:

1- ثبوت وجود الفعل الضار بالتعدي على العلامة التجارية أيا كانت صورة ذلك التعدي:

ولا يشترط الخطأ لقيام المسئولية التقصيرية بل يكفي أن يكون الفعل ضارا أي أن يؤدي الفعل إلي الضرر في ذاته، ولذلك لم يشترط القانون أن يكون المسئول مميزا أي مدركا لما في فعله من معني الانحراف أو التعدي، ومن ثم فإن التاجر المتعدي يلزم بتعويض الأضرار التي يسببها للتاجر الأخر بصرف النظر عما إذا كان فعله يشكل خطأ أم لا.

2- وجود ضرر لحق مالك العلامة من جراء التعدي عليها، و يستوي في ذلك أن يكون الضرر الواقع على مالك العلامة ماديا أو أدبيا:

الضرر هو كل ما يصيب الشخص في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له، والضرر هو أساس المصلحة التي تخول المدعي الحق في دعوى المسئولية،[5] والضرر محل التعويض قد يكون ماديا أو أدبيا على التفصيل الاتي:

أ- الضرر المادي:

وهو الإخلال بحق المضرور أو بمصلحة له ذات قيمة مالية، وعلى سبيل الاستطراد فإن الضرر في الفقه الحديث لم يعد مقتصرا على الإخلال بالمصلحة المالية بل أصبح يشمل الإيذاء البدني للمضرور ولو لم يترتب عليه ضرر مالي،[6] ويشترط أن يكون هذا الضرر محقق الوقوع، ويتوفر ذلك إذا كان الضرر حالا أي وقع فعلا، كما يتوافر كذلك إذا كان الضرر مستقبلا أي لم يقع في الحال ولكنه محقق الوقوع في المستقبل، والضرر المستقبل تقوم أسبابه في الحال وتتراخى أثاره إلى المستقبل، فإذا استطاع القاضي أن يقدر الضرر جميعه حكم بالتعويض الواجب كله في الحال، وان لم يكن من المستطاع تقدير الضرر المستقبل في الحال يكون للقاضي أن يحكم بالتعويض عن الضرر الذي وقع فعلا ويحفظ للمضرور الحق في زيادة التعويض مستقبلا، وسوف نتناول ذلك في بند تقدير التعويض.[7]

ب- الضرر الأدبي:

هو ما يصيب الشخص في مشاعره وأحاسيسه وما يترتب على ذلك من ألام نفسية وضيق، وقد أقرت المادة (267) من القانون المدني الحق في التعويض عن الضرر الأدبي حيث نصت على أنه: “يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك”، فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسئولا عن الضمان.

ومثال الضرر الأدبي الذي قد يصيب التاجر من جراء التعدي على علامته التجارية: ما يصيب نفسية التاجر من آلام بسبب الحط من سمعته التجارية إثر عرض منتجات سيئة الجودة تحمل علامته التجارية المسجلة، لأن ذلك سيؤثر بشكل عكسي على سمعة منتجه أو الخدمة التي يقدمها، مما يضعف إقبال العميل مستقبلا تجاه المنتج أو الخدمة وتجعله غير راغب في التعامل معها مما سيؤثر حتميا على تسويق المنتج أو الخدمة، ومن ثم يتحول الضرر المعنوي إلى ضرر مادي ملموس.

ولا يقصد من التعويض عن الضرر المادي جبر الضرر الذي لحق التاجر كما في التعويض عن الضرر المادي، إذ أنه من الصعوبة بمكان تقدير الضرر المعنوي تقديرا ماليا مباشرا، ولكن يتم الجبر بطريق غير مباشر من خلال إعطاء المضرور تعويضا ماليا يخفف عنه ما أصابه من ألام نفسيه اثر المساس بسمعة منتجه وشهرته في السوق التجاري.

وتجدر الإشارة إلى أنه يشترط في الضرر المعنوي مثله مثل الضرر المادي أن يكون محقق الوقوع غير احتمالي.

هل يستحق الشخص الاعتباري تعويضا عن الضرر الأدبي؟

 لا يستحق الشخص المعنوي تعويض عن الضرر الأدبي المحض، إلا إذا ترجم هذا الضرر الأدبي إلى ضرر مادي، لأن الضرر الأدبي هو الذي لا يصيب الشخص في ماله ويمكن إرجاعه إلى ما قد يصيبه من أضرار نتيجة ما يصيب الشرف والاعتبار والعرض، أو العاطفة والشعور، أو مجرد الاعتداء على حق ثابت له، وهو ما لا يتصور حدوثه إلا إذا أصابت الشخص الطبيعي، أما الشخص الاعتباري فيكون بمنأى عن ذلك التصور، إلا أنه متى أثبت الشخص الاعتباري أن ضرراً قد حاق بسمعته التجارية في مجال نشاطه وأعماله وقدرته على مباشرة تلك الأعمال بين أقرانه والمتمثل في أحجام الغير عن التعامل معه بما آثر سلباً على حجم نشاطه ومعاملاته فإنه يمكن تصور التعويض عن الضرر في تلك الحالة بوصفه ضرراً مادياً وليس أدبياً.[8]

عبء إثبات الضرر:

ويقع عبء إثبات الضرر على طالب التعويض جراء التعدي على علامته التجارية، ويكون إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات، وخاصة الشهادة والمعاينة والخبرة.

3 – قيام رابطة السببية بين واقعة التعدي والضرر الذي لحق بمالك العلامة التجارية:

وهي العلاقة المباشرة التي تقوم بين الفعل الضار الذي ارتكبه المسئول والضرر الذي أصاب المضرور، فلا يكفي لقيام المسئولية الموجبة للتعويض أن يكون هناك فعل ضار متمثل في التعدي على العلامة التجارية، وأضرار لحقت بمالك العلامة التجارية، بل لابد أن يكون الفعل الضار هو الذي تسبب في الأضرار التي يطالب مالك العلامة التجارية بالتعويض عنها، فإذا أقام تاجر دعوى تعويض عن تعدي على علامته التجارية وان أضرارا لحقته من جراء ذلك تمثلت في تراجع الإقبال على إحدى السلع التي ينتجها، وعند قيام المحكمة بفحص الدعوى تبين أن السلعة الخاصة بالتاجر والتي لحقها الخسارة لا تحمل ذات العلامة التجارية المعتدى عليها، ففي تلك الحالة لا تحكم المحكمة على الشخص المعتدي بالتعويض عن تلك الخسائر لانقطاع رابطة السببية بين فعله وبين تلك الخسارة.

ولا تثير رابطة السببية أي مشكلة إذا كان الضرر الناتج عن الفعل قد تم من خلال فعل المعتدي وحده، ولكن تثور المشكلة إذا اجتمعت عدة أسباب ساهمت في تحقيق الضرر، فيكون على المحكمة في تلك الحالة أن تعتد بالأسباب المنتجة في إحداث الضرر وحدها، وأن تقسم التعويض وفقا لنسبة كل سبب في إحداث الضرر المقامة بشأنه دعوى التعويض.

وإذا لم يتمكن مالك العلامة التجارية من إثبات علاقة السببية التي تربط بين فعل التعدي والضرر الذي أصابه فلا يحق له عندئذ المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر، مثال ذلك أن يكون هناك سبب أجنبي هو الذي تسبب في إحداث الضرر المقامة بشأنه دعوى التعويض.

رابعاً: تقدير التعويض:

أوضحت المادة (266) من القانون المدني الأسس التي يقدر القاضي وفقا لها التعويض عن الأضرار التي تصيب مالك العلامة التجارية، حيث نصت على أنه: “يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”.

ويُلاحظ أن كثير من الباحثين قد قصر تقدير التعويض على الخسارة التي لحقت التاجر دون المكسب الذي فاته استنادا لنص (المادة 363) من القانون المدني والتي تنص على أنه: “إذا لم يكن الضمان مقدرا في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلا حين وقوعه”، وذلك على الرغم من عدم انطباق هذا النص على التعويض الناشئ عن المسئولية التقصيرية، إضافة إلى صراحة نص (المادة 266) من القانون المدني والتي قدرت التعويض بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون نتيجة طبيعية للفعل الضار.

لذلك فإنه يتعين التفرقة بين الضرر المحتمل وتفويت الفرصة فالضرر المحتمل لا يعوض عنه أما تفويت الفرصة فيجب التعويض عنه، لأنه إذا كانت الفرصة أمراً محتملاً فإن تفويتها أمر محقق،[9] كما أنه في حالة التعويض عن الضرر فإن الضرر المباشر يشتمل على عنصرين جوهريين هما الخسارة التي لحقت المضرور والكسب الذي فاته فهذان العنصران هما اللذان يقومهما القاضي بالمال ولا يدخل في الحساب عند تقدير التعويض أن يكون الضرر متوقعاً أو غير متوقع ففي المسؤولية التقصيرية يشمل التعويض كل ضرر مباشر متوقعاً كان هذا الضرر أو غير متوقع،[10] والحقيقة أن محكمة التمييز قد حسمت الأمر لصالح هذا الرأي في حكمها الصادر بصفتها الحقوقية رقم 1018 لسنة 2020.

وإذا كان هناك ضررا محقق الوقوع مستقبلا الحقوقية رقمي على العلامة التجارية المسجلة، كأن تكون هناك بضائع قد تم طرحها في السوق بالفعل وقد عمد تجار التجزئة إلى إبلاغ الموزع بعزمهم على إرجاعها نظرا لضعف الثقة في المنتج جراء طرح منتجات تحمل ذات علامته التجارية بجودة سيئة، فإن الضرر هنا لم يتحقق بالفعل لعدم قيام جميع تجار التجزئة بإعادة المنتج إلى الموزع، فيكون هنا للقاضي أن يقدر التعويض عن الضرر الذي تم فعليا، ويحفظ لمالك العلامة التجارية الحق في طلب زيادة التعويض مستقبلا، وهذا بالفعل ما قررته المادة (268) من القانون المدني حين نصت على أنه: “إذا لم يتيسر للمحكمة أن تعين مدى الضمان تعيينا نهائيا فلها أن تحتفظ للمتضرر بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير”.

إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.

[1] المادة ( 7 ) من قانون العلامات التجارية الأردني رقم 33 لسنة 1952.

[2] المادة ( 23 ) من قانون العلامات التجارية الأردني رقم 33 لسنة 1952.

[3] المادة ١٦ من اتفاقية تريبس.

[4] حكم محكمة التمييز  بصفتها الحقوقية رقم 1093 لسنة 2021.

[5] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 487.

[6] م. أنور طلبة، المطول في شرح القانون المدني، ج3، ص 445.

[7] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 489.

[8] نقض مصري – طعن رقم 5209 لسنة 86ق – جلسة 22/10/2018.

[9] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 589.

[10] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في القانون المدني، مصادر الالتزام، ص 971.

Scroll to Top