حرية الرأي والتعبير في القانون الدولي
حرية الرأي والتعبير من المواضيع الهامة التي شغلت المجتمع الدولي بأفراده، فقد تم الإيمان بها أنها جزء من حقوق الإنسان ثم عملوا لحمايتها عن طريق مواثيق وقوانين دولية تم الاتفاق عليها بالإجماع وتم التصديق عليها من طرف الدول وتم وضعها بالدساتير والقوانين الداخلية للدول ويتم مراقبتها من قبل مؤسسات دولية، ومن خلال مقالنا التالي سوف نتعرف على كل ما يخص هذا الموضوع بشيء من التفصيل.
أولاً : مفهوم حرية الرأي والتعبير:
ثانياً : أنواع حرية الرأي والتعبير:
ثالثاً : حرية الرأي والتعبير في المواثيق الدولية:
أولاً : مفهوم حرية الرأي والتعبير:
هو استطاعة كل شخص أن يكون رأيه الخاص في الموضوعات المختلفه سياسية دينيه اجتماعية وأن يكون له القدرة في التعبير وأبداء رأيه الخاص دون عراقيل ودون أن يطارَد مستقبلاً نتيجة ذلك الرأي ودون أن يكون عليه مسؤلية قانونية فهو يستطيع إيصال أفكاره الشخصية كيفما شاء.
وهو من المفاهيم اللصيقة بحقوق الإنسان التي عمل المجتمع الدولي على حمايتها، وذلك ما بعد الحرب العالمية الثانية وما حدث بها من جرائم حرب ومن تجارب على البشر والأسلحة الشاملة والكيماوية وقتل كل ما يخالف رؤساء الدول وتعذيبهم والتضييق على النشر والصحافة، لذلك اجتمعت الدول على إعلان عالمي لحقوق الإنسان به المفاهيم الأساسية لما يحتاجه الإنسان.
ويعتبر من حقوقه التي لا يمكن أن تمس بأي شكل من الأشكال كالحق في الحياة وجنسية دولته له ولأولاده وعدم التمييز علي أساس الجنس أو اللون أو العرق، ومنع التعذيب منعاً باتاً ومنع الاسترقاق، وحقه في حرية الرأي والتعبير وهي المبادئ الأساسية التي انتقلت من كونها مباديء داخلية توضع في الدساتير الخاصه للدول لمباديء عالمية اتفقت عليها البشرية جمعاء عن طريق نصوص معاهدات ومواثيق دولية، بل وأجبرت الدول على احترامها ووضعها بدساتيرها وقوانينها الخاصة.
ثانياً : أنواع حرية الرأي والتعبير:
1_ حق التظاهر السلمي:
التظاهر من أولى الوسائل التي عبر بها الإنسان عن نفسه ورأيه ورفضه لقرار ما من قبل الحكومة أو لأيدولوجية ما تطبق عليه، فاتخذ التظاهر له وسيلة لسماع صوته ورأيه حتى ما قبل وضع قوانين ودساتير خاصة للدول وخلق نظام البرلمان والمجالس الشعبية، وإن كانت التظاهرات أكثر صدقاً ولم تكن التظاهرات للآراء الرافضة فقط، بل كانت أيضاَ للتأييد والموافقة أحياناً فالتظاهر كان من أول مظاهر حرية الرأي والتعبير التي خلقها الإنسان لذلك وضعت المواثيق الدولية أطر لحمايتها.
2_ حق النشر والصحافة:
ومع تطور المجتمع ظهرت وسائل توضح الرأي والرأي الآخر وتوصل ما يحدث في الدولة إلى عامة الناس وتظهر آراء وروايات أخرى للحدث الواحد منها، يختار الفرد رأي له مستقل يطمئن إليه وتوضع تلك الوسائل تحت بند النشر والصحافة، لذلك كان يجب على المواثيق الدولية حمايتها ووضع كل الوسائل لتبقى مستقلة تتمتع بحرية في النشر ليتمتع بالمقابل الفرد بحرية اختيار آراء يطمئن إليها بعيداً عن الرأي الموجه خصوصاً أن الصحافة تعرضت للتضييق من قبل الدول في غضون الحرب العالمية الأولى وما قبلها وحتى الآن في بعض الدول، لذلك حرصت المواثيق الدولية على وضع بنود تخص بها الصحافة وحريتها.
3_ حرية العبادة:
العبادة من الأشياء ذات خصوصية وقدسية عند الفرد، والفرد هو انعكاس للمجتمع فإن تم التضييق على الفرد بإيمانه لدين محدد أو عدم إيمانه به ينهار المجتمع وتنهار معه حقوق الإنسان لا حرية التعبير والرأي فقط.
فقد رأينا دولاً كثيرة يتم وضع عقوبات عليها من قبل مؤسسات دولية لعدم احترامها لأقليات دينية محددة وتهميشها، أو وضع قوانين خاصة بمنع النقد والرأي في دينٍ ما لتصل أحياناَ للسجن أو الطرد من الدولة أو هروبه خوفاً من القتل، والتاريخ يحفل بجرائم عنيفة أو اقتصادية ارتكبتها دولاً وأشخاص لإجبارهم على الدخول في دين ما أو الخروج من آخر؛ لذلك عملت المواثيق الدولية لحفظ حقوق الأفراد في اعتناق دين يؤمن به ويقدسه، بل ويقيم شعائره بحرية مطلقة أو يسهب برأيه في دين ما دون خوف أو رقيب يمنعه. وغير ذلك من حرية فكرية.
ثالثاً : حرية الرأي والتعبير في المواثيق الدولية:
فقد بدأ إعلان حقوق الإنسان في القرن الثالث عشر، وقد كانت الثورة الفرنسية سبباً في إصدار إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر في ١٧٨٩، حيث نصت المادة (11) منه على أن: (التداول الحر للأفكار والآراء هو أحد حقوق الإنسان الهامة، فيجوز لكل مواطن أن يتكلم ويطبع بصورة حره مع مسؤليته عن سوء استعمال هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون)([1]).
1_ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
نص في المادة (19) منه على أن: (لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقه، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود).
وقد تم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الجمعية العامة في باريس 10 ديسمبر 1948 بوصفه أنه المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم وهو يحدد حقوق الإنسان الأساسية.
ويعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو اللبنة الأساسية التي وضع فيها حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير، وهو يبين مفهوم حرية الرأي والتعبير ويوضح أنه حق لصيق بالإنسان فهو يوضح أنه من حقوق الإنسان الأساسية أكثر من وضعه كقاعدة شارحة له أو قيود علي الدول فجاء بشكل عام دونما تفصيل.
وقد شمل حرية الرأي والتعبير في الإعلان العالمي بحرية نشر المعلومات وتلقيها وأعتناق الآراء رغم أن الإعلان العالمي ذكر حرية الرأي والتعبير بشكل جامع وشامل إلا إنه أخصهما بالذكرللإيمان بمدى أهميتهما في تكوين رأي خاص للفرد به يستطيع ممارسة حريته في التعبير.
2_ العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية:
نص في مادته (18/1) على أن: (لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك أن يدين بدين ما ……).
ونص أيضاً في مادته (19) على أن: (1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقه. 2. لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها).
اعتُمد العهد الدولي بموجب قرار من الجمعية العامة للأمم المتحده في 16 ديسمبر 1966 وبدء التنفيذ في 23 مارس 1976، ويلاحظ أن العهد الدولي جاء أعم وأشمل بألفاظه من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فقد تطرق إلى حرية اعتناق الشخص لدين معين واعتبارها نوع من الفكر كما أوضح نقل الأفكار بكافة الأشكال.
تكلم العهد بشكل مفصل أكثر عن حرية الرأي والتعبير وعن حرية الفرد وحقه في احتضان أياً من الأفكار السياسية والاجتماعية والمقدسة وتطرق إلى حرية النشر والطباعة التي تكن تحت لواء الصحافة دون رقابة وحرية وصول المعلومات له بأي طريقة كانت دون رقابة.
3_ إعلان اليونسكو في 28 نوفمبر 1978:
فقد نصت المادة (2/1) على أن: (أن ممارسة حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الإعلام، المعترف بها كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، هي عامل جوهري في دعم السلام والتفاهم الدولي)، كما نص في الفقرة الثانية من ذات المادة على أنه: (يجب ضمان حصول الجمهور على المعلومات عن طريق تنوع مصادر ووسائل الإعلام المهيأة له، مما يتيح لكل فرد التأكد من صحة الوقائع، وتكوين رأيه بصورة موضوعية في الأحداث).
وهنا تحدث الإعلان من خلال المادة سالفة الذكر بإسهاب أكبر بما يخص حرية الرأي والتعبير وخص بالذات حرية الإعلام كلبنة أساسية في حرية الرأي وأن يتاح أكثر من مصدر للمعلومات بعيداً عن المصدر الواحد أو رواية واحدة، في الأغلب تكون رواية الدولة ذاتها، وذلك ليستطيع الفرد تكوين فكرة أكبر وأشمل للموضوع دون تحيز وأن يعبر عن ذاك الرأي.
4_ مبادئ جوهانسبرج حول الأمن القومي وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات:
فتنص المادة (6) على: (لا يمكن معاقبة التعبير كتهديد للأمن القومي، إلا إذا استطاعت الحكومة أن تثبت أن ذلك التعبير:
ـ يهدف لإثارة العنف الوشيك.
ـ من المحتمل أن يثير مثل هذا العنف.
ـ هناك علاقة مباشرة بين التعبير واحتمال أو وقوع مثل هذا العنف).
كما نصت المادة (7) على: (أن العبارات التي تنتقد السلطة وسياستها والتي تكشف معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل هذه السلطة لا تعتبر مهددة للأمن القومي، وبالتالي لا يجوز وضع قيود لتدفق هذه المعلومات ونشرها)([2]).
وعلى الرغم من أن مباديء جوهانسبرج نصت صراحة ووضعت قيداً مسبقاً على المخاوف والمشكلات التي تثيرها الحكومات غالباً بوضع قيود على الحريات عموماً بحجة الأمن القومي، وهو المستخدم غالباً في نصوص القوانين الداخلية للدول كما سنري في القانون المصري، إلا أنها تحسباً وضعت استثناء، وهو أن ينتج عن التعبير عنف محتمل ولكن وضعت قيد عليه وهو إثباته من قبل الحكومات كما أخرجت التعبير الناقد للحكومة في انتهاكاتها من ذلك الاستثناء وهو تطور في القانون الدولي شهده من أول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كانت ألفاظه عامه تحمل الكثير من المعاني وتستطيع الدول أن تضع قيوداً خاصة في قوانينها الداخلية وصولاً إلى مبادئ جوهانسبرج الدقيقة في تعبيرها وما وضعته على الدول من قيود وعبء الإثبات وإخراج نقد سياسة الحكومات من أي استثناءات، وهذا نشهده في أكثر من دولة خاصة بلداننا العربية في وضع قيود محددة علي نقد سياسة الدولة.
5_ الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب:
نص في مادته (9) على: (من حق كل فرد أن يحصل علي المعلومات، يحق لكل إنسان أن يعبر عن أفكاره وينشرها في إطار القوانين واللوائح).
وقد تم الميثاق من قِبَل مجلس رؤساء الأفارقة في يونيه 1981 ويلاحظ أنه هنا قد وضع حرية التعبير في إطار محدد بوضعه جملة “في إطار القوانين واللوائح”، فقد تم تقييد حرية التعبير بالقانون وتركت لما تضعه الحكومات من قوانين داخلية يمكن أن تسمح بانتهاكات للأفراد والمؤسسات بحجة حفظ الأمن أو إهانة الرئيس أو حجب معلومات والتضييق على الصحافة، فالجملة هنا غير موفقة وهي بحد ذاتها قيد.
وذلك يوصلنا لمشكلة حقيقية في المعاهدات الدولية، وهي تعارضها أحياناً مع القوانين الداخلية للدولة من قبل بعض العبارات الفضفاضة به، ورفض بعض الدول مراقبة دولية من منظمات حقوق الإنسان بحجة أنه شأن داخلي وتعدي على سيادة الدولة وتقييد حق الدولة في التعامل مع رعاياها فبعد التوقيع والتصديق على المعاهدات الدولية بشأن حقوق الإنسان ووضع ذلك في دساتيرها الخاصة ترفض الدول أية آليه تمنح لمراقبة وتنفيذ تلك المعاهدات لتضع في قوانينها ما يقيد تلك الحقوق والحريات ويتم انتهاكها لتصبح معاهدات ظاهرية، ولكن لا تمثل تطبيق حقيقي لتلك المعاهدات على أرض الواقع رغم وضع آليات ونظم لمعاقبة الدول المخالفة منها محكمة العدل الجنائية وهي محكمة لمعاقبة الأشخاص الذين قاموا بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ووضع عقوبات مادية واقتصادية على الدول تصل أحياناً لشن هجمات عسكرية وإن كان في باطنها حماية لمصالح اقتصادية بحتة ولكن هذا غير كافٍ لتحقيق عدالة حقيقية وكفالة للحقوق والحريات للدول ورعاياهم وأن تطور المجتمع الدولي منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حتى الآن.
فيجب أن يتم عمل ندوات تثقيفية للشعوب من قبل المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، فيجب أن يعي الفرد أولاً حقه ليستطيع أن يطالب به سلطته أو يصل هو للسلطة ذاتها وأن يعمل على تحقيقه ولكن دون ذلك ستظل النصوص الدولية حبر علي ورق لم يرقى لتنفيذه على أرض الواقع.
رابعاً: خاتمة:
حرية الرأي والتعبير من الحريات المهمة للفرد والمجتمع ككل، فهي تحفظ العقل والفكر من سيطرة فكرة محددة دون غيرها تضعها السلطة السياسية أو المجتمعية أو السلطة الدينية أحياناً، وتفتح آفاق الفرد للتفكير واختيار رأي محدد بعد تحليله ومناقشته من قبل محتضنين للفكرة أو نشر فكرة ما ونقدها، كما تعطي للفرد حرية الإيمان بشئ أو رفضه دون التفكير بالعواقب؛ لذلك فهي من الحريات التي يجب وضع قواعد لحمايتها وتنفيذ تلك المواثيق في الدول خاصةً دول العالم الثالث كما أوضحنا سلفاً في مشكلات تنفيذ المواثيق الدولية بعمل ندوات مكثفة تثقيفية للأفراد وتمويل المؤسسات الداخلية ومراقبتها جيداً.
فسجن العقل والأفكاروالتجهيل أكثر بشاعة من سجن الجسد.
إعداد/ مروة احمد محمد.
([1]) أحمد نهاد محمد الغول- حرية الرأي والتعبير في المواثيق الدولية والتشريعات المحلية- الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن – 2006- ص8.
([2]) انظر حرية الرأي والتعبير بين المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية – مجلة كلية الأقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة -2018 –ص115

