شروط قبول الدليل الإلكتروني في الإثبات الجنائي
القاضي الجنائي يختلف عن القاضي المدني في المساحة التقديرية المخولة له في تكوين عقيدته، فللقاضي الجنائي مساحة تقديرية أكبر، تلك المساحة تعطي له الحق في تفنيد الأدلة والقرائن والتمسك ببعضها وطرح البعض الأخر، ولكن هل تلك السلطة التقديرية مطلقة؟ الإجابة لا، فتلك السلطة التقديرية وأن كانت واسعة النطاق فإن بعض الأدلة تقيدها فلا يستطيع القاضي تخطيها والحكم بسلطته التقديرية، فعلى سبيل المثال يعد تقرير الخبراء بأن إمضاء مزورة دليلًا لا يمكن غض الطرف عنه، بل إنه دليل يقطع الصلة التي بين المتهم وبين الورقة المنسوبة إليه، ومع التطور التكنولوجي ظهر نوع أخر من الأدلة فرض نفسه على الواقع العملي ألا وهو الدليل الإلكتروني، فنحن عندما نستخدم الواقع الإلكتروني نترك أثارًا كتلك التي نتركها في الواقع الحقيقي، قد تتمثل تلك الأثار في رسالة مرسلة أو نشر معلومات معينة، تلك الأثار التي نتركها تم استخدامها حديثًا كأدلة في القضايا الجنائية ولكن وفق ضوابط معينة، وهذا ما سنناقشه خلال النقاط الأتية:
أولاً: التعريف بالدليل الجنائي الإلكتروني
ثانيًا: أنماط الأدلة الجنائية الإلكترونية
ثالثًا: شروط قبول الدليل الإلكتروني في الإثبات الجنائي
رابعًا: خاتمة
أولًا التعريف بالدليل الجنائي الإلكتروني
تنقسم الأدلة إلى أدلة قانونية وأدلة فنية وأدلة قولية وأدلة مادية، فإلى أي شكل من هذه الأشكال ينتمي الدليل الإلكتروني؟، الرأي عندنا أن الدليل الإلكتروني ينتمي إلى الأدلة المادية، فالدليل المادي هو الدليل الذي مصدره شيء مادي، هذا الدليل يستخدمه القاضي لبناء قناعته تجاه القضية، مثال على ذلك وجود دماء القتيل على ملابس المتهم، فالأدلة المادية تؤثر بشكل مباشر في قناعة القاضي لاتصالها المباشر بالجريمة.
ومن هذا المنطلق يمكن تعريف الدليل الجنائي الإلكتروني على أنه مجموعة المعطيات المعلوماتية الإلكترونية التي يستخلص منها بواسطة نظام إلكتروني للمعالجة مجموعة من النتائج التي تستخدم في أي مرحلة من مراحل المحاكمة، تلك المعلومات تفيد في الوصول إلى الحقيقة بخصوص جريمة جنائية.
إذا، الأدلة الجنائية الإلكترونية هي معلومات يقبلها المنطق والعقل ويعتمدها العلم، يتم الحصول عليها بإجراءات قانونية وعلمية بترجمة البيانات الحسابية المخزنة في أجهزة الحاسوب وملحقاتها وشبكات الاتصال، ويمكن استخدامها في أي مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة لإثبات حقيقة فعل شيء أو شخص له علاقة بجريمة أو جاني أو مجني عليه.[1]
ثانيًا: أنماط الأدلة الجنائية الإلكترونية
لكي يتثنى لنا الوقوف على الشروط الواجب توافرها في الدليل الإلكتروني لابد أن نتعرف على أنماط الأدلة الإلكترونية، ذلك لأن كلًا من تلك الأنماط له ما يميزه عن غيره من حيث الشروط الواجب توافرها في الدليل الجنائي الإلكتروني، وأنماط الأدلة الإلكترونية هي:
1- المرئيات والسمعيات
تعد تلك الأدلة المرئية والسمعية من أقوى الأدلة الإلكترونية، ذلك لأنها عبارة عن تجميد واقعة معينة من خلال وسائل إلكترونية واستدعائها عند الحاجة.
أ-الصور الفوتوغرافية
نستطيع أن نعرف الصورة الفوتوغرافية بأنها تسجيل ضوئي للواقع على سطح حساس[2]، ولم تعد الصورة تسجل فقط على الورق المعد لذلك، بل يتم تسجيلها على أجهزة الحاسوب والأقراص المدمجة، والصورة كدليل جنائي إلكتروني هي عبارة عن تسجيل للقطة في واقعة جنائية تساعد على الوصول للحقيقة.
ب-الفيديو
هو عبارة عن مجموعة من الصور المتتالية تسجل قدر من الزمن، هذا الوقت يظهر بصورة مشابه للواقع، وهو كدليل جنائي إلكتروني يمكن تعريفه أنه تسجيل قدر من الزمن على وسيلة إلكترونية يمكن استدعائه عند الحاجة إليه، ذلك الوقت من الزمن يستفاد من للوصول إلى الحقيقة في الجريمة الجنائية.
ج-التسجيل الصوتي
التسجيل الصوتي عن حبس للموجات الصوتية على أشرطة أو مساحات إلكترونية وإعادة إخراجها عند الحاجة، ويقصد به كدليل جنائي إلكتروني الصوت المحفوظ على جهاز إلكتروني يمكن استرجاعه حين الحاجة إليه.
2- الأدلة المعلوماتية
يمكن تعريف هذا النوع من الأدلة على أنه مجموعة البيانات التي يتم تداولها عبر الأجهزة الإلكترونية، يتم الاستفادة منها جنائيًا عن طريق تفريغ هذه المعلومات في صورة مستندات إذا كانت عبارة عن مستندات إلكترونية، أو تقارير فنية إذا كانت معلومات متداولة لا تشكل مستند إلكترونيًا.
3- البصمات والسجلات الإلكترونية
أ-البصمة الجنائية الإلكترونية
البصمة الجنائية الإلكترونية هي عبارة عن إثبات صلة الشخص بإجراء معلوماتي بطريقة لا تقبل إثبات العكس، مثال على ذلك سيطرة فرد على حساب إلكتروني بواسطة الاسم والرقم السري بمثابة وجود بصمة إلكترونية للفرد على كل الأعمال التي يقوم بها هذا الحساب.
ب-السجلات الإلكترونية
هي عبارة عن مجموعة من المعلومات المحفوظة إلكترونيًا، بحيث حين عرضها على النظام المعد لعرضها توضح أوقات دخول الفرد على نظام إلكتروني معين، تلك السجلات قد تكون على النظام الإلكتروني الخاص بالمستخدم، مثل قوائم المواقع التي تم زيارتها أخيرًا في متصفحات الإنترنت، أو على الأنظمة التي يتم الولوج إليها مثل قائمة الأحداث في موقع فيس بوك.
ثالثًا: شروط قبول الدليل الإلكتروني في الإثبات الجنائي
لكي يكون الدليل الإلكتروني معتبرًا يؤخذ به في مجال الإثبات الجنائي لابد أن يستوفي مجموعة من الشروط، وسنناقش تلك الشروط في النقاط الأتية:
1- مشروعية الدليل
لابد لكي يؤخذ بالدليل الإلكتروني في المجال الجنائي أن يكون قد تم الحصول عليه بوسيلة مشروعة، لأن الإجراء الباطل في الحصول على الدليل يبطل الدليل، تطبيقًا للقاعدة القانونية (ما بني على باطل فهو باطل)، ويقصد بالمشروعية الإجرائية أن يتم الحصول على الدليل من خلال إجراءات سليمة،
فعلى سبيل المثال بالنسبة لتسجيل المكالمات لابد أن يكون بناء على أمر قضائي، وعليه فكل إجراء يخالف ذلك يعد باطلًا وبالتبعية يبطل الدليل، وفي ذلك نصت المادة (348 ) مكررة من قانون العقوبات الأردني على (يعاقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبالغرامة مائتي دينار كل من خرق الحياة الخاصة للآخرين باستراق السمع أو البصر بأي وسيلة كانت بما في ذلك التسجيل الصوتي أو التقاط الصور أو استخدام المنظار، وتضاعف العقوبة في حال التكرار)
وهذا ما أوصى به المؤتمر الدولي الخامس عشر للجمعية الدولية لقانون العقوبات، والذي عقد في البرازيل 1994 التوصية (18) التي تنص على (كل الأدلة التي يتم الحصول عليها عن طريق انتهاك حق أساسي للمتهم والأدلة الناتجة عنها تكون باطلة، ولا يمكن التمسك بها أو مراعاتها)
ونرى من خلال النظر إلى النص القانون سابق البيان أن المشرع قد كفل الحماية للحياة الخاصة، أما فيما يخص الحياة العامة مثل المصالح الحكومية أو المقاهي أو الشوارع فلا يقع هذا الحظر، حيث يمكن التمسك بأي مما تلتقطه تلك الأجهزة طالما أن نطاق عملها ليس متعديًا على الحياة الخاصة.
فعلى سبيل المثال إذا قام أحد الأفراد بسرقة أشياء من محل للملابس وهذا المحل يوجد به كاميرات مراقبة سجلت سرقته، ففي هذه الحالة لا يمكن للسارق بالتمسك أن التسجيل قد تم دون رغبته لأن المشرع قد حمى في ذلك الحياة الخاصة فقط.
-قيمة الدليل غير المشروع
ذكرنا أنه لابد لكي يكون الدليل معتبر يأخذ به أن يكون مشروعا، ولكن هل هناك قيمة قانونية للدليل غير المشروع، الأصل أن الإجراء الباطل يرتب البطلان على كل ما يليه من إجراءات، وفي هذا الشأن يمكن التفرقة بين دليل الإدانة ودليل البراءة، فدليل الإدانة لا يمكن أن يكون إلا مشروعا وعلة ذلك أن الأصل في الإنسان البراءة، فلا يمكن أن تلحق التهمة بإنسان بناء على دليل باطل، فإذا كان مجرد الشك يفسر لصالح المتهم فما الحال بالنسبة لإجراء باطل؟، والبطلان قد يكون عن طريق عيب في الإجراءات المطلوبة للحصول على الدليل، وقد يكون البطلان بسبب الحصول على الدليل بارتكاب جريمة، مثال على ذلك أن يخترق احد الأشخاص الهاتف لشخص آخر ويقوم بتسجيل المكالمات الخاصة به، فهذا الدليل لا يعد باطلا فقط بل يعد جريمة يعاقب عليها القانون، كما في نص المادة71 من قانون الاتصالات وتعديلاته حيث نصت على – كل من نشر أو أشاع مضمون اي اتصال بواسطة شبكة اتصالات عامة أو خاصة أو رسالة هاتفية اطلع عليها بحكم وظيفته أو قام بتسجيلها دون سند قانوني يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن 100دينار ولا تزيد على 300دينار أو بكلتا العقوبتين- فالمستفاد من نص المادة أن من يقوم بأي من الجرائم التي عددتها المادة يعد مرتكب فعلا إجرامي، فإذا ما قدم هذا الدليل أما محكمة يجب معاقبته لارتكابه الجريمة.
وعلى النقيض نجد أن الآراء قد اختلفت حول دليل البراءة لأنها الأصل المفترض طالما لم يثبت العكس، فذهب رأي إلى المشروعية لابد أن تشمل كلا الدليلين الإدانة والبراءة وعلتهم في ذلك أن القضاء لابد أن يسير على نهج الاتكاء على كل ما هو مشروع فقط في الوصول للحقيقة، والرأي الثاني ذهب إلى ضرورة توافر المشروعية في كلا الدليلين، وعقب على ذلك أن القاضي لا يحتاج لإقرار الدليل غير المشروع لإثبات براءة متهم، فلديه من الصلاحيات ما يجعله يشكك في إدانته فيحكم له بالبراءة، والرأي الثالث ذهب الى التفرقة بين اذا كان تم التواصل للدليل عن طريق ارتكاب جريمة لا يقبل كدليل للبراءة أما إذا لم تعد جريمة فيؤخذ به لإثبات البراءة، والرأي عندنا أنه في حال ما إذا كان الدليل تدور وقائعه بين المتهم والمدعي بالمدني فقط دون المساس بسواهما فيعد دليلا معتبرا يؤخذ به لإثبات براءة المتهم، وعلينا في ذلك أن المدعي بالحق المدني -المجني عليه- عندما حرك دعواه وهو على علم بعدم صدق واقعتها فقد ارتكب جرم في حق المتهم هذا الجرم يغفر للمتهم تعديه على جزء من خصوصية المجني عليه لإثبات براءته، ونشبه في ذلك بأن يسرق الإنسان ماله من عند من قام بالاستلاء عليه.
جاء في شهادة الشاهد — أنه اعتمد على جهاز كان في حوزته على تحديد مكان تواجد حاملي الرقمين مدار التقرير فما هو هذا الجهاز الذي كان في حوزته وما طبيعة عمله وما مدى دقته في العمل حتى تبسط المحكمة رقابتها على مدى مشروعية هذا الدليل.
ولذا وفي ضوء التفصيل السابق وحيث إن الأحكام الجزائية لا تقوم على الشك والتخمين وإنما على الجزم واليقين حيث إن الأصل براءة المتهم حتى تتوافر الأدلة القطعية التي تفيد الجزم واليقين ذلك أن حكم الإدانة لا يقوم على الشك والاحتمال وإن ما تقضي به المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن لقاضي الموضوع في المسائل الجزائية الحق في تقدير الأدلة المقدمة والأخذ بها أو طرحها إذا تطرق إليها الشك دون رقابة من محكمة التمييز في هذه المسألة الموضوعية كما وجدت المحكمة أنه لا يشترط في أدلة النفي أن تقطع بعدم وقوع الجريمة أو نسبتها إلى الفاعل وإنما يكفي أن تثير الشك في ذهن المحكمة لأن الشك يفسر لمصلحة المتهم، وحيث لم تقتنع المحكمة ببينات النيابة العامة ولم تقدم البينة القانونية المقنعة التي تثبت اقتراف المتهمين للجرم المسند إليهما الأمر الذي يستتبع معه وجوب إعلان براءة المتهمين من الجرم المسند إليهما لعدم قيام الدليل القانوني بحقهما.
الحكم رقم 2764 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2020-12-31
2- بلوغ حد اليقين
القاعدة الفقهية الجنائية تقول إن الأحكام الجنائية تبني على اليقين ولا تبكي على الشك، وأن الشك يفسر لصالح المتهم، وانطلاقا من تلك القواعد فالقاضي لابد أن يتيقن من نسب الفعل الإجرامي للمتهم عن طريق الدليل الإلكتروني.
ويلاحظ أنه في بعض الأحيان قد يكون محل الجريمة هو الدليل في حد ذاته، ونرى ذلك في الجرائم الإلكترونية حيث يكون الفعل الإجرامي المنسوب للمجرم هو في ذاته الدليل الإلكتروني الذي يثبت إتيان الفعل، فعلى سبيل المثال في جريمة إعاقة النظام الإلكتروني عن طريق الفيروسات، تكون تلك الفيروسات هي المكون المادي للجريمة، وفي ذات الوقت هي الدليل الإلكتروني لنسب فعل الإعاقة للمجرم.
إنه لم يرد أي دليل قانوني يشير بوجود توقيع الكتروني (بصمة الكترونية) للمتهمين على البيانات المدخلة على جهاز الحاسوب بخصوص المخالفات التي جرى التعديل عليها موضوع الدعوى سوى أن التعديل في إدخال البيانات قد تم عن طريق اليوزر الخاص لكل واحد من المتهمين والذي ثبت من خلال بينات النيابة العامة والمتمثلة بشهادتي الشاهدين (تامر حسين فلاح بني أحمد وتامر عبد الرحمن محمود الحوامدة) أن هذا اليوزر مصروف للمتهمين إلا أن الثابت من خلال شهادتي شاهدي الدفاع أن العرف الجاري لدى محكمة صلح بلدية الرمثا هو أن جميع الموظفين كانوا يستعملون اليوزر الخاص لكلا المتهمين في إدخال البيانات بما ينفي اليقين من أن المتهمين (رنا أبو عاقولة وأحمد الزعبي) هما من قاما بإجراء التلاعب من خلال تعديل بيانات المخالفات المرورية لا سيما أن المحرر ما دام الوضع كذلك ولا يحمل أيضاً توقيعاً الكترونياً يصبح غير صالح كمحرر رسمي للإثبات بما ينفي قيام محل جريمة التزوير (تمييز جزاء رقم 2016/23533) وحيث إن الأحكام الجزائية تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين والاحتمال وحيث لم ترد أية بينة قاطعة تربط المتهمين بجرم التزوير المسند إليهما فيكون المتهمان بريئين من جناية التزوير المسندة لكل منهما خلافاً لأحكام المادة (1/262) من قانون العقوبات وبدلالة المادة ( 260 ) من القانون ذاته والمواد ( 2 و 3/ج و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية والمادة ( 46 /ب) من قانون السير.[3]
3- مناقشة الدليل
يقصد بمناقشة الدليل أن يطرح الدليل في جلسات المحاكمة ليتم مناقشته، وعلة ذلك أنه على الرغم من أن تلك الآلات الإلكترونية تسجل بأعلى دقة إلا أنه يظل تعقيب الخصوم عليها هو الفيصل في استخدامها كدليل أم لا، فعلى سبيل المثال إذا قامت إحدى كاميرات المراقبة بالتقاط صورة للمتهم أثناء نزوله من منزل القتيل، في هذه الحالة لابد أن يعرض هذا الدليل على المتهم ليبدي ما يبدي من دفوع عليه.
فهذه القاعدة تعني أن القاضي لا يجوز أن يؤسس اقتناعه إلا على عناصر الإثبات التي طرحت في جلسات المحكمة، وخضعت لحرية مناقشة أطراف الدعوى إعمالا لمبادئ المحاكمة الجزائية، المتمثلة في مبدأ الشفوية ومبدأ العلنية وكذا مبدأ الوجاهية، وهذه المناقشة عليها أن تأخذ بعين الاعتبار ضرورة احترام حقوق الدفاع، بإعطاء فرصة للمتهم للاستفسار حول كل وسيلة من وسائل الإثبات المقدمة أمام القضاء الجزائي هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتعين توافر المناقشة الحضورية لأنها تعتبر مطلبا منطقيا، وتنطوي على فحص شامل وجماعي لكل وسيلة إثبات.[4]
ومن أمثلة المناقشة في الدليل (وفي الرد على السبب الخامس من أسباب الاستئناف وحاصله انه كان يتوجب على المحكمة الاستعانة بخبير لتحليل الصوت كون المشتكى عليه أنكر ان يكون الصوت المنسوب اليه. تجد المحكمة ان كتاب شركة الاتصالات المؤرخ في 5/7/2017 تضمن ان شركة الاتصالات لا تحتفظ بالتسجيل الصوتي وبالتالي فان التسجيل الصوتي المحفوظ على الفلاش ميموري ادعى انه يعود للمدعى عليه بالحق الشخصي دون تقديم أية بينة تثبت ذلك كما ان التسجيل الصوتي تم على تطبيق الواتس اب وبالتالي فان ما ورد في هذا السبب لا يرد على القرار المستأنف ولا ينال منه.)[5]
4- سلامة الدليل فنيًا
يقصد بسلامة الدليل فنيًا ألا يكون قد طاله العبث بقصد التغير الذي يفقده فاعليته، فلكي ينتج الدليل الجنائي الإلكتروني أثره لابد أن يكون بالصورة التي نشأ عليها، حيث يتميز الدليل الإلكتروني عن الدليل العادي أنه يمكن نسخه العديد من المرات ويظل محتفظًا بقوته في الإثبات طالما أنه لم تنله يد العابثين، وكذلك يدخل في بند السلامة الفنية أن يتم استخلاص الدليل الإلكتروني بطريقة صحيحه لا تؤدي إلى إجراء أي تعديل عليه بدون قصد.
إنه وبتاريخ 7/8/2014 توجه المتهم عماد سعدات داود أبو جاموس والمحكوم عليه محمود صبري عبد الغني السعيد صباحاً بواسطة مركبة هونداي أمانتي إلى منزل المشتكي رمزي علي إبراهيم أبو زيد الكائن في منطقة جبل النظيف – شارع عبد الله بن الزبير حيث قاما بالدخول من باب العمارة المفتوح أصلا وتوجها إلى شقة المشتكي في الطابق الثاني وقاما بخلع باب الشقة بواسطة أداة صلبة ثم قاما بالتوجه إلى غرفة النوم وقاما بخلع باب الغرفة والدخول وسرقة صندوق كان موجود في الخزانة وفي داخله مبلغ (12000) دينار وغادرا بالطريقة ذاتها وقد تمكنت كاميرات المراقبة الموجودة على العمارة من التقاط صورة المركبة التي حضر بواسطتها المتهم والمحكوم عليه وأنه وبتفريغ تسجيلات هذه الكاميرات بالخبرة الفنية تبين بأن هذه المركبة هونداي أمانتي إكس دي لون سلفر كما ظهر بالتسجيلات أيضاً بأن المتهم والمحكوم عليه قاما بنقل المسروقات إلى داخل هذه المركبة وقدمت الشكوى وجرت الملاحقة.[6]
رابعا: خاتمة
الأدلة الجنائية الإلكترونية أضحت ضرورة تفرض نفسها على واقعنا، فلا يستطيع أحد أن ينكر دور تلك الأدلة في تسهيل الوصول للحقيقة، فبعد أن كان تتبع المجرم يقف عند الأدلة المادية محدودة النطاق فقد، جاءت الأدلة لتفتح الأفق في اللاحدودية للوصول للحقيقة، ذلك عن طريق تتبع الآثار الإلكترونية محليا ودوليا.
وتتميز الأدلة الإلكترونية بأنها عالية الدقة إذا ما روعي فيها إجراءات التأكد من سلامة الدليل الإلكتروني، فعلى سبيل المثال تسجيل الفيديو يصعب إنكاره من قبل المجرم. ولقد حرصت التشريعات المتباينة وكذلك التشريع الأردني على عدم الاعتداء على الحياة الخاصة في مقابل الوصول للحقيقة، فعلى الرغم من فاعلية تلك الأدلة إلا أن التشريع الأردني قد جرم الاعتداء على خصوصية الأفراد كما بينا في هذا المقال حينما جرم كل من يقوم بالتصوير متعديا على حياة الأفراد الخاصة.
ونرى أنه لابد من العمل على الاستفادة القصوى من مثل تفك الأدلة عن طريق تفعيلها في الطرق العامة -كاميرات المراقبة- وذلك للحد من الجريمة وسرعة الوصول للجناة، عن طريق التقنيات الحديثة مثل التعرف على الوجه.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] احمد إسماعي عبد الوهاب، حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجنائي، كلية الدراسات العليا، جامعة النيلين، 2018 صـ25
[2]الأستاذة لعرابي هجيرة، محاضرات التصوير الفوتوغرافي، كلية الآداب والفنون، 2020/2021صـ4
[3] الحكم رقم 3217 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية، 10-12-2019
[4] خلود صاولي/مروى مكباش ، حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجنائي، كلية الحقوق والعلوم السياسية 2015-2016 صـ64
[5] الحكم رقم 52 لسنة 2020 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2020-09-23
[6] الحكم رقم 2129 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2020-09-03

