حقوق المترجم في قانون حق المؤلف
في مستهل حديثنا عن حقوق المترجم، ينبغي الإشارة إلى الدور الهام الذي لعبته الترجمة في الربط بين الحضارات المختلفة، كوسيلة فعالة لتبادل المعرفة بين المجتمعات والحضارات الإنسانية، ومن هذا المنطلق فلا غنى عن الحديث عن ذلك الإنسان المبدع الذى يقوم بهذه المهمة العظيمة متحملاً ما في هذه الرحلة من جهد وعناء، لكى يظهر لنا قدراته الشخصية وطابعة الابتكاري للتعبير عن المصنف الأصلي بأسلوبه، وبكل دقة وأمانة.
ولقد أهتم المشرع الأردني في قانون حماية المؤلف المعدل بحقوق كل من المؤلف عامة، والمترجم خاصة، وبحماية تلك الحقوق، لذلك سنتناول هذا الموضوع الهام من خلال العناصر الآتية:
أولاً: ماهية الترجمة وأهميتها:
ثانياً: تعريف عمل المترجم وطبيعته القانونية:
خامساً: الحماية القانونية لحقوق المترجم:
أولاً: ماهية الترجمة وأهميتها:
إن الترجمة لا ينحصر دورها فقط في قيام المترجم بنقل المصنف من لغة إلى لغة أخرى، بل تتعدى ذلك إلى تفسير النصوص الغامضة والرموز المبهمة، ولقد لعبت الترجمة دوراً هاماً في تعزيز قيمة اللغة العربية، كما سهلت على الباحثين الوصول إلى المعلومة والمعرفة، بفضل ما قام به المترجمون من جهد وعناء وساهمت في وصول الفكر العربي إلى الغرب، كما أن الترجمة ساعدت في التعرف على الفكر الإنساني الحديث وما توصل إليه علماء الغرب من علوم ومعارف .
ولقد عرفت المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) الترجمة بأنها : (التعبير عن أي مصنفات شفهية أو مكتوبة بلغة غير لغة النص الأصلي، ويجب أن تعبر الترجمة عن محتوى المصنف وأسلوبه على حد سواء بكل دقة وأمانة، ويمنح حق المؤلف للمترجمين تقديراً لهم لاستعمال لغة أخرى بصورة مبتكرة، دون الإضرار بالرغم من ذلك بحقوق مؤلف المصنف المترجم وتخضع الترجمة لتصريح مناسب، حيت أن حق ترجمة المصنف عنصر محدد من عناصر حق المؤلف).
ثانياً: تعريف عمل المترجم وطبيعته القانونية:
عرفت المادة السادسة من اتحاد المترجمين العرب المترجم بأنه: ( كل شخص مختص بالترجمة أو الدراسات المتصلة بها، ويحمل شهادة الماجستير أو الدكتوراه، أو يحمل شهادة جامعية على الأقل، وإما أن يمارس الترجمة بصفة دائمة، أو مؤقتة، وطنية أو دولية، رسمية، أو أن يكون له تراجم تساهم في خدمة النهوض الحضاري للأمة العربية ).
وحيث نصت (المادة 5/أ) من قانون حماية المؤلف الأردني على أنه: (من قام بترجمة المصنف إلى لغة أخرى أو تحويله من لون من ألوان الآداب أو الفنون أو العلوم إلى لون آخر منها أو تلخيصه أو تعديله أو شرحه أو التعليق عليه أو فهرسته أو غير ذلك من الأوجه التي تظهره بشكل جديد ).
أما الفقه القانوني فعرفه بأنه: ( من يقوم بالتعبير عن مصنف بلغة أخرى غير لغته الأصلية، ويكون هذا التعبير نوع من الابتكار يدخل في نطاق التأليف لما فيه من جهد ومشقة ).[1]
وعمل المترجم يحتاج إلى جهد ومشقة كبيرة، بالإضافة لضرورة إلمامه بأساليب الترجمة، وحتى يصل إلى ابتكار المصنف المشتق، وإظهار طابعه الابتكاري، ليستحق بذلك الحماية القانونية المقررة لحق المترجم، مكافأة لجهوده وابتكاره، ولا يفوتنا أن ننوه على أن قيام المترجم بتعديل المصنف حسب أسلوبه يجب ألا يسئ إلى سمعة المؤلف الأصلي.[2]
وعندما يقوم المترجم بترجمة المصنف فإنه يقوم باشتقاق هذا المصنف من مصنف سابق الوجود، لذلك لابد من توافر قدرات خاصة لديه لكى يظهر طابعه الشخصي على المصنف المشتق، وهذا يعنى أن عمل المترجم ينطبق عليه قواعد المصنفات المشتقة أي أن طبيعته أنه مال منقول معنوي، لأنه ينصب على نتاج ذهني وفكري، وطالما أنه مال منقول فيستطيع مالكه التصرف فيه بكافة طرف التصرف وهو قابل للانتقال حسب طبيعته، وتعتبر علاقة المترجم بمصنفه علاقة ملكية، تتمثل في قدرة المترجم على ممارسة حقوقه المادية والمعنوية على مصنفه دون المساس بمصالح صاحب المصنف الأصلي.
وبالنسبة لعلاقة المترجم بالمؤلف الأصلي فإنها تنشأ بمجرد قيام المترجم بترجمة المصنف، حيث يظل للمترجم الحق في أن تنسب إليه ترجمته، ولا يجوز للمؤلف عدم ذكر اسم المترجم على عمله، وفى المقابل يجب ألا يمس المترجم بالحقوق الممنوحة للمؤلف، ويلاحظ أن العلاقة بينهما ليست علاقة تبعية، لأنه بموافقة المؤلف على ترجمة مصنفه ليس له التدخل في عمل المترجم.
ثالثا: الحق المالي للمترجم:
1- مضمون الحق المالي للمترجم:
مما لاشك فيه أن المترجم عندما يقوم بترجمة المصنفات المختلفة يستهدف من وراء عمله الحصول على المقابل المالي مكافأة له على إنتاجه الذهني، ولذلك فالمشرع منح المترجم حق الاستئثار على مصنفه، ليكون له وحده سلطة استغلاله واستعماله والتصرف فيه، ولا يستطيع أي شخص أن يستغل هذا المصنف أو يتصرف فيه دون إذنه.
وغنى عن البيان أن الحق المالي للمترجم حق ذو طبيعة مزدوجة، حيث أن صاحب الحق الأساسي في الترجمة هو المؤلف الأصلي الذى يستطيع الترخيص للمترجم بترجمة مصنفه مقابل حصوله على مقابل مالي، وقد يتفق المؤلف مع المترجم على أن تتم الترجمة دون عوض، ومن ثم فإن الحق المالي للمترجم لا يقتصر آثره على المترجم فقط، بل يشمل أيضاً المؤلف الأصلي ولذا فإن هذا المترجم مقيد، فلا يستطيع المترجم القيام بترجمة المصنف من تلقاء نفسه دون إذن كتابي من المؤلف أو من يخلفه.[3]
ومن خلال استقراء نصوص قانون حماية حق المؤلف الأردني يمكن أن يستفاد منها أن الحقوق المالية للمترجم تتمثل في الآتي:
أ- الحق في استغلال مصنفه:
من المسلم به أن من أهم خصائص الحق الاستئثاري الذى يتمتع به المترجم أنه يستطيع نسخ مصنفه وبيع النسخ، كما أنه يحق له إتاحة المصنف بأي صورة للجمهور: كالتمثيل أو الإلقاء أو من خلال شبكات الإنترنت أو شبكات المعلومات أو شبكات الاتصال وغيرها من الوسائل التي وردت في قانون حماية المؤلف على سبيل المثال لا الحصر، وللمترجم أيضاً الحق في الترخيص للغير باستغلال مصنفه.
ب- الحق في التتبع:
تجدر الإشارة إلى أن المشرع الأردني في المادة (1) من قانون حماية حق المؤلف الأردني قد خول المؤلف الحق في تتبع التصرفات الواردة على مصنفه، وترتيباً على ذلك فإن المترجم أيضاً الحق في تتبع جميع التصرفات المتوالية التي ترد على المصنف المأذون له بالتصرف فيه، أياً كان شكلها أو أنواعها.
٢- خصائص الحق المالي للمترجم:
أ- الحق المالي للمترجم حق استئثاري:
وتظهر هذه الخاصية بوضوح من خلال القراءة الأولية بنصوص قانون حماية حق المؤلف، حيث منح المؤلف الحق في الاستئثار يعمله، ليصبح عمله مصدر دخل له، ويستفاد من مصنفه مادياً بأن يستأثر وحده باستغلاله، والاستئثار في الترخيص والانتفاع به بنفسه أو عن طريق التنازل عنه للغير.
ب- الحق المالي للمترجم غير دائم:
أي أنه مؤقت بمدة معينة يسقط بفواتها لينتفع منه الجميع، مع الاحتفاظ بحق المؤلف الأدبي فلقد نصت المادة (٣٠) من قانون حماية حق المؤلف الأردني على أنه: ( تسرى مدة الحماية على الحقوق المالية للمؤلف المنصوص عليها في هذا القانون طيلة حياة المؤلف ولمدة خمسين سنة بعد وفاته، أو بعد وفاة آخر من بقى حياً من الذين اشتركوا في تأليف المصنف اذا كانوا أكثر من مؤلف واحد).
وهذا النص ينطبق أيضاً على المترجم فيصبح الحق المالي له غير دائم ومؤقت بمدة معينة.
ج- انتقال الحق المالي للورثة:
جدير بالذكر أن الحق المالي للمترجم لا ينتهى بوفاته كما أشار النص سابق بيانه، بل يمتد لبعد وفاته لمدة 50 سنة بالانتقال لورثته عن طريق الإرث، كما أنه يمكن للمترجم أن يوصى بعائد حقوقه المالية سواء لورثته أو لغيرهم.
د- قابلية الحق المالي للحجز:
المشرع الأردني أجاز لدائني المترجم الحجز فقط على نسخ المصنف التي تم نشرها باعتبار أن الحقوق المالية للمترجم تدخل ضمن الذمة المالية له فيجوز الحجز عليها للوفاء بديونه، بينما لم يجز الحجز على المصنف الذى توفى مؤلفه قبل نشره، إلا إذا ثبت موافقته على نشره قبل وفاته، كما منع المشرع الأردني الحجز على الكتب ما لم يكن الدين ناشئاً عن ثمنها.
رابعاً: الحق الأدبي للمترجم:
1- مضمون الحق الأدبي للمترجم:
لعله من المفيد أن نؤكد أن عمل المترجم ذو طبيعة فكرية لتعلقه بنتاج ذهنه وفكره، حيث أنه يعبر عن شخصيته، ويُظهر فيه ما لديه من قدرات خاصة وخبره سابقة، فهو بعمله يعتبر مبتكراً، لذلك كان لزاماً على المشرع تقرير حق المترجم الأدبي على مصنفه، بل وحماية ابتكاره لحفظ حقوقه وعدم تجاهلها، خاصة مع تقدم التكنولوجيا وتطور أساليب القرصنة، وسرقة الإنتاج الذهني، مع مراعاة أن عمل المترجم هذا قد كلفه الكثير من الوقت والمشقة بل والمال أيضاً .
ومن استقراء نصوص قانون حماية حق المؤلف الأردني بمكنها القول بأن الحقوق الأدبية للمترجم تتمثل في الآتي:
أ- حق الأبوة:
المقصود بهذا الحق أن علاقة المترجم بمصنفه تشبه علاقة الأب مع ابنه، فالابن دائماً ينسب لأبيه، كذلك المصنف يجب أن يرتبط في كل الحالات باسم مؤلفه، وكذلك الحال بالنسبة للترجمة فيجب احترام حق أبوة المترجم على مصنفه وأن ينسب إليه المصنف، بحيث يكتب اسم المترجم ولقبه عليه، لأن حق الأبوة هو حق لصيق بشخصية المترجم، ويعد أيضاً حقاً أبدياً لا يسقط بعدم الاستعمال، ولا يرد عليه التقادم المسقط ولا المكسب.
وترتيباً على ما تقدم فإن المشرع الأردني قد قرر في (المادة 8) من قانون حماية حق المؤلف الأردني على أحقية المؤلف في أن ينسب المصنف إليه، ويذكر اسمه على جميع النسخ المنتجة جميعها كلما طرح المصنف على الجمهور، بيد أنه أحياناً قد يقرر المترجم وضع اسم مستعار على المصنف، أو حتى نشره دون وضع اسم، وذلك لاعتبارات شخصية وانتظار مدى نجاح هذا المصنف وقبول الجمهور له، مع احتفاظه بحقه في الكشف عن اسمه الحقيقي ونسبة المصنف إليه احتراماً وتأكيداً لأبوته على المصنف في الوقت الملائم .
ب- حق النشر:
إن حق نشر المصنف هو حق أدبى لصيق بشخصية المترجم، ولا يستطيع أي شخص إكراهه على نشر ترجمة قد يراها لا تصل إلى المستوى الذى يبتغيه أو يكون غير راض عنها، فالمصنف هو نتيجة جهود المترجم وابتكاره، فهو الوحيد القادر على تحديد جاهزية مصنفه للنشر من عدمه، وهذا الأمر يتعلق بشخصية المترجم ومعتقداته وأفكاره، لذا فهو وحده أيضاً الذى يملك الحق في تحديد موعد قابلية المصنف للنشر وطريقة نشره سواء بنفسه أو عن طريق عقد النشر أو يأذن لدار للنشر بنشره، مقابل حصوله على نسبة من الأرباح، أو قيامه ببيع حقوقه المالية على مصنفه مقابل السماح بنشره، ولورثته من بعده ممارسة هذا الحق نيابة عنه إذا توفى ولم يقم بذلك خلال حياته ولم يوصى به.
ج- حق الاحترام:
لقد أشار المشرع الأردني في (المادة 8/د) من قانون حماية حق المؤلف الأردني على حق المؤلف في منع أي تعديل أو إضافة على مصنفه، ومن ثم يتقرر بذلك النص حق للمترجم في احترام الغير لمصنفه ونفاذ ذلك في مواجهة الغير، فللمترجم أن يرفع أي اعتداء يسيئ إلى سمعته الأدبية على مصنفه سواء تمثل هذا الاعتداء في صورة قيام شخص بإضافة بعض الأفكار إلى المصنف التي تسيئ إلى شخص المترجم، أو قيامه بحذف أفكار تؤدى إلى تجهيل الفكرة العامة التي ينبغي المترجم أن يصل بها إلى القارئ، أو يعدل من بعض أفكار المصنف، وينشأ في هذه الحالات للمترجم الحق في الاعتراض، سواء على كل تحريف أو تشويه أو كل ما يمس بسمعته ومكانته.
د- حق السحب أو الندم:
قد ينشر المترجم الترجمة التي قام بها ثم يرى بعد ذلك أنها لا تناسب تطلعاته، ولا تلاءم آماله، ويندم على نشرها، وقد يرى أن فيها أخطاء جوهرية يلزم وتعديلها، وهنا ينشأ له حق سحب هذه التربة من التداول.
ويلاحظ أن هذا الحق هو حق استئثاري للمترجم وحده ولا ينتقل إلى الورثة، ويكون سحب الترجمة من التداول عن طريق طلب يقدم للمحكمة للحكم بمنع طرح مصنفه من التداول أو لسحبه أو لإدخال تعديلات جوهرية عليه.[4]
2- خصائص الحق الأدبي للمترجم:
أ- الحق الأدبي غير قابل للتصرف:
فالحق الأدبي مرتبط بشخصية المترجم ويلتصق بها فهو جزء لا يتجزأ من كيانه ومن ثم لا يجوز التنازل عنه ولا التصرف فيه لأنه ذو طبيعة خاصة.
ب- الحق الأدبي لا يقبل التقادم:
فالحق الأدبي للمترجم يتعلق باحترام نتاج ذهنه ومن ثم لا يجوز أن يرد عليه التقادم المسقط ولا المكسب، ولا يسقط حق المترجم الأدبي بعدم الاستعمال، فهو حق دائم يرتبط بشخصية المترجم.
ج- انتقال الحق الأدبي للورثة:
الأكثر دقة هو القول بأن الذى ينتقل للورثة هو مهمة الحفاظ على الحق الأدبي لمورثهم وليس الحق الأدبي ذاته، حيث يبقى المترجم هو صاحب الحق في نسبة المصنف إليه لأنه مرتبط بشخصيته، والحقوق الشخصية لا تنتقل بالميراث، لذا لا يصح القول بانتقال الحق الأدبي للورثة بل الأصح القول بانتقال مهمة حماية الحق الأدبي للمترجم إلى الورثة.
وترتيباً على ما تقدم فإن الحق الأدبي للمترجم لا يمكن التصرف فيه ولا التنازل عنه ولا يسقط بالتقادم، ويلاحظ أنه إذا لم يوجد وارث أو وصى تنتقل مهمة حماية الحق الأدبي إلى الوزارة المختصة.
خامساً: الحماية القانونية لحقوق المترجم:
مما لاشك فيه أن الحماية القانونية لحقوق المترجم هي العلة الرئيسية لوجود هذه الحقوق، فهي التي تحمى هذه الحقوق من الاعتداء وتحفظها من الزوال، بيد أن المشرع قد تطلب توافر عدة شروط لحماية حقوق المترجم:
1- شروط حماية حقوق المترجم:
أ- الابتكار:
يعد الابتكار العنصر الجوهري الذى يستلزم توافره لحماية حق المترجم، فلا يتمتع المترجم بالحماية إذا لم يظهر الابتكار في ترجمته، بمعنى أنه إذا كان كل ما قام به من عمل هو النقل الحرفي للمصنف من لغة إلى أخرى دون أي مجهود آخر فإنه لا يستحق الحماية القانونية.
فالابتكار يظهر عندما يصطبغ المصنف بشخصية المترجم، وتبدو عليه بصمته الشخصية بشكل واضح وبارز على المصنف، ويتميز الابتكار الذهني أو الترتيب أو التنسيق مع التحلي بالأمانة العلمية.
ب- أن يحصل المترجم على إذن المؤلف:
من البديهي أن يكون المؤلف هو صاحب الحق في الحماية القانونية، لذا فإن المترجم اذا قام بترجمة مصنفه دون إذن المؤلف يعد معتدياً على حق المؤلف ولا يتمتع بالحماية القانونية، لأن الترجمة تعد إحدى صور المصنفات المشتقة التي تستلزم الحصول على إذن صاحب المصنف الأصلي، لكن يستغنى عن هذا الشرط ويستطيع المترجم ترجمة المصنف دون حاجة للحصول على إذن المؤلف في حالة الترخيص الإجباري.
ج- عدم مخالفة المصنف للنظام العام والآداب العامة:
فإذا كان المصنف يحتوى على أمور تخالف النظام العام والآداب العامة كالتحريض على الإرهاب أو القتل أو ممارسة الفجور مثلاً، فإن المترجم الذى يقوم بنشره لا يتمتع بالحماية القانونية، بل ويتعرض المترجم إلى عقوبات وإجراءات تحفظيه لمنع نشر مثل هذه الترجمة .
وتقدير ما إذا كان المصنف يخالف النظام العام من عدمه هي مسألة ترجع لتقدير قاضى الموضوع، ولا يفوتنا أن ننوه على أنه يجب أن يكون المصنف المراد ترجمته منشوراً بشكل شرعي.
د- وجود المصنف بشكل محسوس:
إن الحماية القانونية لا تمنح للأفكار النظرية وأساليب العمل وطرق التشغيل والمبادئ والاكتشافات والبيانات لأنها جميعها مجرد وأفكار لا تستحق الحماية القانونية، لذا يجب أن يظهر المصنف بشكل محسوس إلى الوجود وذلك بإيداعه لدى المكتبة الوطنية الأردنية، أما المصنف غير المودع فليس له أية حماية قانونية .
2- الحماية القانونية لحق المترجم في المصنفات التقليدية:
تعنى هذه الحماية تلك الإجراءات والعقوبات التي فرضها المشرع لمنع الاعتداء على حق المترجم، ويكون موضوعها الحماية القانونية للمصنفات التقليدية والتي تنقسم إلى قسمين :
- حماية مدنية تتعلق بوقف الاعتداء على حق المترجم وطلب التعويض.
- حماية جنائية تتمثل في العقوبات التي تصدرها المحاكم على من يقوم بالاعتداء على حق المؤلف أو المترجم.
أ- الحماية المدنية:
إن الاعتداء على حق المترجم يتسبب له في ضرر يمس شخصيته ويؤثر على مكانته في المجتمع، فمثلاً لو قام شخص بنشر المصنف بشكل غير دقيق، أو ترجمته إلى لغة ثالثة ولكن زور فيها الحقائق الموجودة في المصنف الأصلي، فإن ذلك يمس سمعة المترجم والمؤلف الأصلي في ذات الوقت، فمن هنا جاءت الحماية المدنية لوقف مثل هذا الاعتداء على حق المترجم.
وتعتبر الحماية الوقائية جزء لا يتجزأ من الحماية المدنية، وهى مجموعة من الإجراءات الوقتية منحها المشرع الأردني في قانون حماية حق المؤلف لكى يسهل على المؤلف إثبات الاعتداء، وإزالته وطلب الحصول على تعويض عن الأضرار الناشئة عنه، حيث أعطى للمؤلف (المترجم) الحق في تقديم طلب إلى قاض الأمور المستعجلة اذا أثبت أن وقوع الضرر أصبح وشيكاً، وأنه صاحب الحق المعتدى عليه، ويتضمن الطلب الآتي:
- إصدار الأمر بوقف التعدي.
- ضبط النسخ غير المشروعة وأي مواد أو أدوات لها علاقة بالاستنساخ.
- ضبط العائدات الناجمة عن الاستغلال غير المشروع.
- إلقاء الحجز الاحتياطي على أموال المدعى عليه.
كما حدد المشرع الأردني مدة 8 أيام لكى يقوم صاحب الحق المعتدى عليه سواء المؤلف أو المترجم برفع الدعوى المدنية للمطالبة بالتعويض عن الفعل الضار، وإذا كان الاعتداء يمس سمعة لمترجم سمح المشرع بالإضافة إلى المطالبة بالتعويض بمقابل المطالبة أيضاً بالتعويض العيني، والمتمثل في إتلاف نسخ وصور المصنف المقلد والحجز عليه أو الصور المأخوذ منه بصورة غير مشروعة.
وهكذا يتضح لنا أن التعويض العيني يعنى إعادة الحال إلى ما كانت عليه، ولقد ضمن المشرع الأردني الحفاظ على سمعة المؤلف بنشر قرار الحكم وإدانة المعتدى، حتى يثبت لدى الجميع أن المترجم ليس عليه أي مسئولية مما جاء في المصنف من كتابات تسئ لشخصه أو تخالف النظام العام والآداب العامة.
ب- الحماية الجنائية:
المشرع الأردني نص على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر ولا تزيد عن سنة وغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن ستة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، على من قام بمباشرة حقوق المؤلف دون إذنه، ومن قام باستعمال مصنف غير مشروع بأي طريقة كانت، كما نص على عقوبات تكميلية لهذه العقوبات الأصلية تتمثل في فرض الحد الأعلى لعقوبة الحبس، والحد الأعلى للغرامة، وسمح للمحكمة أن تحكم بإغلاق المؤسسة التي ارتكبت الجريمة لمدة لا تزيد على سنة، أو وقف ترخيص سواء لمدة معينة أو نهائية .
وهكذا ارتأى المشرع الأردني أن الإجراءات التحفظية وتوقيع الجزاء المدني على المعتدى قد لا يكفى لحماية حق المترجم، بل لابد من وجود رادع قوى يتمثل في توقيع العقوبة الجنائية على الجاني.
3- الحماية القانونية لحق المترجم في المصنفات الإلكترونية:
مع انطلاق التطور التكنولوجي وظهور ما يسمى بالمصنفات الإلكترونية التي ينشرها المترجمون عبر شبكة الإنترنت عليها المواقع الإلكترونية المختلفة، للاستفادة من إتاحتها بسهولة لأكبر من الجمهور، بدأت تظهر سرقة المصنفات عن طريق اختراق كل وسائل الحماية التي يستخدمها المترجمون، فنشأت التعديات الجديدة على حقوق الغير، وفى ذات الوقت ظهر ما يطلق عليه المصنفات الرقمية والتي تحلل نسبة السرقات العلمية أقل بكثير.
ويثار تساؤل هام في هذا الشأن، هو ما المقصود بالمصنف الرقمي وما الفرق بينه وبين المصنف التقليدي ؟
إن المصنف الرقمي هو نفسه المصنف التقليدي، بيد أنه يتميز عنه في الطبيعة حيث أن المصنف الرقمي ينتمى إلى البيئة التقنية (الإلكترونية) أما المصنف التقليدي فينتمى إلى البيئة الورقية. ولكى يتمتع المصنفات الرقمية بالحماية لابد من توافر عدة شروط:
أ- الأصالة:
وتعنى أن المصنف يجسد شخصية مؤلفه بما فيه من أفكار ومعلومات، حتى لو كتبه المؤلف في موضوع سبق أن تناوله غيره، ولكن يتناوله هو برؤيته الخاصة المختلفة عن غيره، وتلك مسألة واقعية يقدرها القاضي وتختلف حسب المصنفات وصور الاعتداء عليها.
ب- نشر المصنف:
حيث يتم نشر المصنف عن طريق الوسائل الإلكترونية على المواقع الإلكترونية، ولابد من توثيق هذا النشر ونسبته إليه.
واذا تم انتهاك حقوق المترجم في المصنفات الرقمية فهناك طريقتان رئيسيتان لحماية المصنفات الرقمية:
- الطريقة الأولى: الإجراءات الوقائية التي تهدف إلى تلافى الضرر قبل وقوعه.
- الطريقة الثانية: الحماية التقنية الفيزيائية وذلك مثلا باستخدام مفاتيح إلكترونية أو كلمات سر.
إعداد/ جمال مرعي.
[1] أنظر السنهوري ، عبدالرازق،احمد،٢٠٠٤، الوسيط في شرح القانون المدني ( الجزء الثامن )، ط١ ، الإسكندرية، منشأة المعارف ، ص ٣١٩.
[2] أنظر شلقامي، شحاته، غريب ، محمد، ٢٠١٣، المصنفات الفكرية وتداعياتها القانونية (دراسة مقارنة)، ط١، مصر، جامعة جنوب الوادي، ص ٧٤.
[3] انظر الحريري، داود محمد عيد، ٢٠١٩ ، الآثار القانونية لعمل المترجم في تشريعات الملكية الفكرية: دراسة مقارنة ص ٤٨.
[4] المرجع السابق، ص٦٣.

