طبيعة الالتزام في المسئولية الطبية

طبيعة الالتزام في المسئولية الطبية

تعتبر مهنة الطب من اهم المهن وأكثرها خطورة على الإطلاق، إذ ينصب عمل الطبيب على جسد الإنسان وصحته مما يجعل على الطبيب أعباء والتزامات طبية وقانونية لضمان قيامه بعمله على وجه يتوافق مع ما تفترضه الأصول العلمية ، ويثور تساءل حول طبيعة تلك الالتزامات وما اذا كانت ذات طبيعة إلزامية يلتزم فيها الطبيب بتحقيق نتيجة، أم أن التزامات الطبيب تقف عند مجرد بذله للعناية والجهد اللازمين ،كما يثار تساءل حول مدى مسئولية الطبيب عن إخلاله بطبيعة الالتزام وأركان تلك المسئولية وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه في هذا المقل على النحو الآتي:

أولا: تعريف المسئولية الطبية:

ثانيا: أركان المسئولية الطبية:

ثالثا: طبيعة التزام الطبيب:

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن طبيعة الالتزام في المسئولية الطبية:

أولا: تعريف المسئولية الطبية:

ولتعريف المسئولية الطبية نتطرق أولا إلى تعريف المسئولية المدنية بشكل عام:

فالمقصود بالمسئولية: هي وجوب مسائلة الشخص عن فعل ارتكبه سبب ضررا للغير، والمسئولية المدنية: هي التزام محدث الضرر بتعويض المضرور نتيجة إخلاله بالتزامه سواء كان هذا الالتزام مصدره العقد، أو مصدره الواجب.

وتعرف أيضا المسئولية المدنية بأنها ما قرره القانون من جزاء مدني على المتسبب في الضرر ويكون في شكل تعويض يدفعه للمضرور.

وعلى ذلك يمكن تعريف المسئولية الطبية بأنها: التزام الطبيب بتحمل تبعات أخطائه الطبية التي نتجت عن تقصير وإهمال منه وعدم اتباعه للقواعد العلمية في علاج المريض.

فالطبيب في هذه الحالة يكون مسئولا مدنيا عن فعله الخاطئ نتيجة لتقصيره في أداء عمله على نحو يشير بأن الضرر الذي لحق بالمريض لم يكن ليلحق به لولا فعل الطبيب الخاطئ.

ثانيا: أركان المسئولية الطبية:

لا تختلف أركان المسئولية الطبية عن ذات أركان المسئولية المدنية في شكلها العام، غاية ما في الأمر هو تطبيق القواعد العامة للمسئولية على مسئولية الطبيب عن أعماله المهنية، وتتمثل أركان المسئولية الطبية في وجود خطأ طبي وأن يترتب على هذا الخطأ ضررا يلحق بالمريض، وأن تتوافر علاقة السببية بين الفعل الخاطئ والضرر على التفصيل الآتي:

1- الخطأ الطبي:

والمقصود بالخطأ الطبي أنه: كل فعل يصدر من طبيب ولا يتفق هذا الفعل مع الأصول الطبية المتفق عليها، أو الأعراف الطبية وسواء كان هذا الفعل إيجابيا، أو سلبيا.[1]

ويعرف أيضا الخطأ الطبي بأنه: كل تقصير يقع فيه الطبيب لا يقع فيه طبيب حذق في نفس الظروف التي أحاطت بالطبيب المخطئ.

والخطأ الطبي له ركن مادي يتمثل في انحراف الطبيب عن قواعد مهنة الطب وأصولها أثناء علاج أحد المرضى، وذلك بالقيام بتصرف إيجابي لكن غير صحيح من الناحية العلمية أدى إلى الإضرار بالمريض، أو تصرف سلبي بامتناعه عن القيام بعمل معين يستوجب قيامه به حتى لا يلحق ضررا ما بالمريض كما أن للخطأ الطبي ركن معنوي يتمثل في إدراك وتمييز وأهلية الطبيب.

فتدخل الطبيب يكون الغرض منه هو تخفيف آلام المريض ومحاولة علاجه من مرضه وتحسين حالته الصحية، ولكن قد يتسبب تدخل الطبيب في تدهورر الحالة الصحية للمريض ويكون هذا التدهور راجعا إلى فعل الطبيب الغير صحيح سواء بتقصيره في بذل الجهد والعناية اللازمين، أو بعدم التزامه بضمان سلامة المريض.

وعلى ذلك إذا ثبت أن الطبيب قد ارتكب خطأ طبيا لا يرتكبه مثله من الأطباء في ذات الظروف ونفس الخبرة يكون مسئولا مدنيا عن خطئه بشرط توافر باقي أركان المسئولية.

وقد قضت محكمة استئناف عمان في حكمها رقم  30232 لسنة 2014 بأن: (والمعيار الذي يستدل منه على وقوع الخطأ الطبي هو معيار الرجل العادي (الوسط) من ذوي المهنة نفسها من المستوى نفسه في الظروف الخارجية نفسها المحيطة بالطبيب المعالج (تمييز حقوق 1202/2016) حيث أن طبيعة التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة حيث أنه لا يطلب من الطبيب تحقيق الشفاء لأن ذلك يتم بإرادة رب العالمين ومنوط بعوامل كثيرة متنوعة ليس للطبيب سيطرة عليها مثل العوامل الوراثية والجينية واستجابة المريض للعلاج وهي تختلف بالطبيعة بين مريض وآخر.

ولتحديد ما إذا كان الطبيب قد ارتكب خطأ ما في علاج المريض فإنه يتم اللجوء إلى الخبرة الفنية الطبية للتأكد إن كان الطبيب قد قام بجميع الإجراءات التي تحددها البروتوكولات الطبية المعتمدة في الوسط الطبي في مجال التخصص العائد له حيث أن الخبرة تُعتبر من عداد البينات المنصوص عليها في المادة (2) من قانون البينات لبيان فيما إذا اتبع الطبيب المعالج القواعد التي يقضي بها العلم وأصول الخبرة الفنية فإذا أخل الطبيب بهذه القواعد دون قصد سئل عن خطأ طبي والجهة القادرة على تحديد مسؤولية الطبيب هي الخبرة الفنية (تمييز حقوق 1438/2008 ) فإن توصلت الخبرة إلى أن الطبيب بذل من العناية الكافية متبعا كافة هذه البروتوكولات فإن ذلك ينفي عنه مسؤوليته عن أي ضرر لحق بالمريض وبعكس ذلك فإنه بطبيعة الحال يكون مسؤولا عن تعويض المريض عن التقصير الذي بدر منه وتسبب بالضرر للمريض).

2- أن يلحق بالمريض ضررا نتيجة خطأ الطبيب:

لا يكفي مجرد خطأ الطبيب لتقرير مسئوليته المدنية عن خطأه بل يجب أأأن يكون قد نتج عن هذا الخطأ ضررا قد لحق بالمريض وسواء كان هذا الضرر ماديا يتمثل في تدهور حالته الصحية، أو فقده منفعة عضو بشكل كلي، أو جزئي نتيجة لخطأ الطبيب، أو ضررا معنويا كأن يترتب على خطا الطبيب ضررا معنويا يلحق بسمعة، أو شرف، أو حالة المريض النفسية نتيجة فعل الطبيب الخاطئ.

والمقصود بالضرر الطبي هو ما ينتج عن فعل طبي من أذى يلحق بأحد الأفراد في جسده وما يترتب على ذلك من نقص في حالة الفرد الصحية أو المعنوية .[2]

ويشترط في الضرر أن يكون قد وقع فعلا أو أن وقوعه في المستقبل أمر مؤكدا وأن يكون الضرر مباشرا بحيث يكون ناتجا وبشكل مباشر عن خطأ الطبيب المهني.

3- توافر علاقة السببية بين فعل الطبيب الخاطئ وبين الضرر الذي لحق بالمريض:

يشترط أن يكون فعل الطبيب الخاطئ يرتبط بعلاقة سبية مع الضرر الواقع على المريض بحيث يكون الضرر قد لحق بالمريض نتيجة لفعل الطبيب الخاطئ، وهذه العلاقة ضرورية ولا يمكن فصلها عن باقي أركان المسئولية الطبية ذلك لأن الطبيب لا يسأل إلا عن فعله الخاطئ الذي سبب الضرر، ولا يسأل عن فعل غيره كذلك قد يستطيع الطبيب نفي علاقة السببية بين فعله الخاطئ وبين الضرر ويثبت أن الضرر قد نتج عن سبب أجنبي آخر لا علاقة له بفعله الخاطئ، وهو في هذه الحالة يكون قد دفع عن نفسه المسئولية الطبية وذلك تطبيقا لنص (المادة 261) من القانون المدني الأردني والتي نصت على: (إذا اثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كآفة سماوية أو حادث فجائي، أو قـوة قاهرة، أو فعل الغير أو فعل المتضرر كان غير ملزم في الضمان ما لـم يقضـي القـانون أو الاتفاق بغير ذلك).

ثالثا: طبيعة التزام الطبيب:

الأصل أن التزام الطبيب تجاه المريض لا يكون إلا التزاما ببذل جهد وعناية بهدف الوصول إلى النتيجة المنشودة وهي شفاء المريض، والطبيب في هذه الحالة يلتزم ضمنيا بأن يبذل الجهد الوفير والعناية اللازمة معتمدا على الثوابت العليمة والقواعد المهنية السليمة في تحقيق الهدف المنشود، لكن هناك حالات يكون فيها التزام الطبيب بتحقيق نتيجة وفي حالة عدم تحققها يمكن مسائلته، وعلى ذلك يمكن تقسيم أنواع التزام الطبيب إلى نوعين التزام الطبيب ببذل عناية وثانيا التزام الطبيب بتحقيق نتيجة وسنوضح كل منهما في مطلب على النحو الآتي:

1- التزام الطبيب ببذل الجهد والعناية:

كما هو المقرر فإن الأصل أن الطبيب لا يلتزم إلا ببذل العناية الفائقة والجهد المضين للوصول إلى النتيجة المنشودة وهي شفاء المريض، أو تخفيف آلامه وهو يفعل ذلك عن طريق التزامه بالقواعد المهنية والأصول العلمية المتفق عليها في علاج المرضى، وطالما أثبت الطبيب قيامه ببذل العناية والجهد اللازمين فتبرأ ذمته ولا يكون مسئولا عن ضرر المريض حتى لو لم تتحقق النتيجة. [3]

ذلك لأن الوصول إلى النتيجة المنشودة وهي شفاء المريض يتوقف على عدة عوامل أخرى ليس للطبيب يد فيها مثل مناعة جسم المريض، والعوامل الوراثية والقدرات الفنية الطبية التي قد لا تحقق المساعدة الكاملة للطبيب فطالما اثبت الطبيب بذله للجهد والعناية الفائقة فهذا كافي لدرء شبهة إهماله، أو تقصيره وبالتالي تبرأ ذمته، ولا يمكن مسائلته مدنيا أو جنائيا عن النتيجة التي انتهت إليها حالة المريض

كما يوجد بعض العوامل التي تساعد في الوقوف على التزامات الطبيب منها:

أ- مستوى الطبيب المهني: وللوقوف على مستوى الطبيب المهني يتم مقارنة أداء الطبيب بطبيب آخر قرين له في نفس المجال وفي نفس التخصص وتحت نفس الظروف، فيتم مثلا مقارنة الطبيب الجراح بطيب جراح مماثل له في التخصص وفي الإمكانيات والأدوات الطبية وتحت نفس الظروف، للوقوف على مدى التزام الطبيب بأداء ما يجب عليه من التزامات أم انه قصر وخالف الأصول المهنية المتبعة.

ب – الظروف المحيطة: يجب أيضا لتحديد التزام الطبيب النظر إلى الظروف المحيطة بالطبيب أثناء قيامه بأداء مهمته، مثل الوسائل والطرق المتاحة للعلاج ومدى توفر العلاجات والأدوية التي يرى الطبيب ضرورتها لحالة المريض، فقد يكون الطبيب يعالج المريض في مستشفى تفتقد للوسائل والأجهزة الطبية اللازمة لعلاج المريض مما يستتبع بالطبع صعوبة الوصول إلى النتيجة المنشودة، مما يقلل من التزامات الطبيب لأقصى حد لكونه لا يمتلك الأدوات التي يمتلكها طبيب آخر في مستشفى مزودة بأحد الأجهزة والوسائل الطبية.[4]

ج- ما بذله الطبيب من مجهود : يساعد أيضا في تحديد مدى التزام الطبيب ما بذله من مجهود أثناء محاولته علاج المريض ومدى توافق هذا المجهود مع ما تفترضه الأصول العلمية، فإذا ثبت أن الطبيب قد بذل مجهودا لعلاج المريض واتبع في ذلك ما تفترضه الأصول العلمية لمهنة الطب وحاول مواجهة ظروف نقص الأدوية، أو الوسائل والأجهزة الطبية اللازمة لمعالجة المريض، نكون أمام طبيب قد بذل الجهد والعناية المطلوبين والتي يمتنع معها مسئوليته عما لحق بالمريض من ضرر، أو عدم تحقق النتيجة وهي علاجه وتخفيف الآمه، ذلك لأن الظروف المحيطة تشير إلى أن الطبيب قد بذل جهدا مضنيا لتحقيق النتيجة إلا أن الظروف المحيطة لم تساعده في تحقيق ذلك.

لكن إن ثبت أن الظروف المحيطة بالطبيب أثناء معالجته للمريض مثالية بأن كانت المستشفى التي يتم بها العلاج بها أحدث وسائل العلاج لذات المرض ومتوفر بها كل الإمكانيات اللازمة ومع ذلك لم يلتزم الطبيب بأداء واجبه وفقا للأصول العلمية المتبعة يكون قد قصر في التزامه في اتجاه المريض مما يستوجب مسائلته طبيا.

والأصل أن الطبيب غير ملزم بإثبات بذله للعناية والجهد في علاج المريض بل يقع عبء الإثبات على المريض الذي يدعى أن الطبيب قد قصر في بذل العناية والجهد اللازمين.[5]

وفي الفقه الفرنسي نجد أن هناك اتفاق على أن التزام الطبيب من حيث الأصل التزاما عاما ببذل العناية والجهد دون الالتزام بشفاء المريض باعتبار أن عملية شفاء المريض تخضع لعوامل أخرى إلى جانب عمل الطبيب.[6]

وبالتالي فطبيعة التزام الطبيب تكون التزامه ببذل الجهد والعناية اللازمة والتي تنبئ عن قيام الطبيب بواجبه تجاه المريض، فإذا كان الطبيب قد أهمل في بذل تلك العناية بأن قصر علاج المريض على بعض العلاجات التي لا تؤدي إلى النتيجة المتفق عليها علميا، بجهل منه أو بدون جهد أو أخذ للحيطة أو الحذر، أو دون بحث عما استجد في تخصصه، يكون الطبيب قد قصر في التزامه الأصلي من وجوب بذل العناية اللازمة التي يبذلها كل طبيب يتماثل معه في الخبرة والتخصص وفي نفس الظروف المحيطة.

ومن أمثله إخلال الطبيب بطبيعة التزامه ببذل العناية والجهد، أن ينسى الطبيب أحد معدات الجراحة بداخل المريض، أو أن  يقوم الطبيب  بإجراء عملية جراحية وهو في حالة مرضية تجعله فاقدا للتركيز والدقة وغيرها ممن الأمثلة التي تنبء عن قعود الطبيب عن واجبه والتزامه الأصلي ببذل العناية والجهد اللازمين

2- التزام الطبيب بتحقيق النتيجة المنشودة:

– كما بينا أن الأصل أن طبيعة التزام الطبيب هو أن يلتزم ببذل الجهد والعناية اللازمة، وهذا هو الأصل والذي يصلح أن يكون سببا لمسائلة الطبيب عند إخلاله بهذا الالتزام إلا أنه في بعض الحالات لا يتوقف طبيعة التزام الطبيب عند مجرد بذل الجهد والعناية بل تمتد إلى تحقق النتيجة المنشودة ورغم أن هذا استثناء عن الأصل العام إلا انه له ما يبرره، نظرا لأنه وفي بعض الحالات تتوقف النتيجة على فعل الطبيب وابتعاد فكرة تداخل عوامل أخرى أدت إلى عدم الوصل إلى النتيجة، ويظهر هذا الاستثناء في حالتين: الأولى إذا كان هناك اتفاق عقدي بين الطبيب والمريض يلتزم فيه الطبيب بتحقيق النتيجة، أو كانت طبيعة العمل الطبي نفسه لا يمكن قصر التزام الطبيب فيها على مجرد بذل العناية بل يكون لعمل الطبيب فيها دور رئيسي في الوصول إلى النتيجة على التفصيل الآتي:

الاستثناء الأول: أن يكون التزام الطبيب بتحقيق النتيجة أساسه التزام عقدي:

إذا كان هناك اتفاق بين الطبيب والمريض وتعاقداً يلتزم فيه الطبيب بتحقيق النتيجة المرجوة، بحيث إذا عجز الطبيب عن وصول إلى النتيجة تتحقق مسئوليته الطبية ويكون للمريض مطالبته تعويضيا عن إخلاله بالتزامه التعاقدي إعمالا للمسئولية العقدية التي رتبها العقد بين المريض والطبيب، وعلى ذلك إذا كان العقد ينص على أن يقوم الطبيب بإجراء العملية للمريض إلا أنه ندب طبيبا أخر وقام بأجراء العملية فيكون الطبيب قد أخل بالتزامه التعاقدي ويمكن مسائلته تعويضيا لإخلاله بهذا الالتزام. [7]

الاستثناء الثاني:

هناك بعض الحلات لا يتصور فيها أن يقتصر التزام الطبيب فيها على مجرد بذل العناية، بل يجب عليه أن يلتزم بتحقيق النتيجة ويرجع ذلك إلى طبيعة هذه الحالات الطبية وطبيعة عمل الطبيب نفسه وسوف نحاول إلقاء الضوء على بعض تلك الحالات الطبية التي يكون التزام الطبيب فيها التزاما بتحقيق نتيجة ومنها:

– الجراحات التجميلية:

وتعرف الجراحة التجميلية بأنها: ( ما يجريه الطبيب من عمليات جراحية بقصد إصلاح عيوب طبيعية أو مكتسبه متعلقة بشكل المريض الخارجي ولها تأثر في القيمة الشخصية، أو الاجتماعية للمريض مع وجوب أن يتوفر في الطبيب الذي يقوم بها المواصفات العلمية اللزمة لممارسة هذا المجال ).[8]

والجراحات التجميلية في الأصل ليست جراحات علاجية وغير مقصود منها الشفاء من مرض معين، وهي تركز على إصلاح عيوب ظاهرية تلحق ضرر نفسي بالفرد، مثل تجميل الأنف بتصغيره ليتناسب مع الوجه، أو تجميل الأسنان إذا كان بها اعوجاج أو فقدان لبعضها وعمليات التجميل التي يقوم بها الأفراد بقصد إزالة التجاعيد أو التشوهات الحروق أو آثار الحوات أو العظام البارزة.

ورغم أن بعض الفقه الفرنسي اتجه إلى اعتبار الجراحات التجميلية هي نوع من الجراحات العلاجية والتي لا يلتزم فيها الطبيب بتحقيق النتيجة، وقد افترض هذا الرأي فرضين لتحديد متى تكون الجراحة تجميلية أو علاجية، ففي حالة كون التشوه أو العيب الذي لحق بالمريض شديد البشاعة بالقدر الذي يجعل من الصعوبة على المريض الحصول على عمل أو الدخول في علاقة زوجية بسبب العيب الظاهر فيه والذي يؤدي تباعا إلى وصول المريض لحالة من الضيق والعصبية والاكتئاب، ففي هذه الحالة تكون الجراحة التجميلية جراحة علاجية يلتزم فيها الطبيب ببذل العناية والجهد.

 لكن إذا كان العيب الذي لحق بالمريض ويريد معالجته عيب بسيط لا يؤثر على حالته النفسية وأن رغبته في علاجه وإصلاحه لمجرد الوصول بمظهره إلى حاله مثالية، ففي هذه الحالة يكون الطبيب مسئولا عن النتيجة باعتبار العلاج تجميلي وليس ضروري وحتى لو كان إجراءه بناء على رضا المريض وطلبه .[9]

ويرى الجانب الأكبر من الفقه أن التزام الطبيب في عمليات التجميل هو التزام بتحقيق نتيجة وليس مجرد بذل العناية، إذ أن عمليات التجميل لا تعتبر من الضرورات العلاجية، وبالتالي يكون الطبيب مسئولا عن فشل العملية حتى لو أثبت بذله للعناية اللازمة،  طالما لم تتحقق النتيجة المنشودة إلا إذا أثبت الطبيب انتفاء علاقة السببية بين الضرر الناتج وفعله.[10]

إلا أن هذا الرأي وجه له انتقادات مفادها أن الجراحة التجميلية قد تكون ضرورية ليست فقط باعتبارها علاجية، بل لأن التشوهات الشكلية قد ينتج عنها أمراض نفسية تلحق بالمريض مما يعني أن علاج التشوهات والمشاكل الخارجية لمظهر المريض قد يصبح ضرورة علاجية لعلاجه من مرض نفسي خطير ناتج عن ضيقه واكتئابه من مظهره الخارجي.

خلاصة الأمر أنه كلما كان العلاج التجميلي ضروريا لدرء خطر حقيقي على صحة الفرد كانت الجراحة التجميلية خاضعة للأصل العام من حيث التزام الطبيب ببذل العناية فقط دون انتظار النتيجة، أما إذا كان العلاج التجميلي ليس ضروريا بل يرجع إلى رغبة الفرد في إزالة أحد التشوهات البسيطة التي لا تؤثر على حياته الشخصية والاجتماعية، ففي هذه الحالة يكون التزام الطبيب التزام بتحقيق نتيجة ويسال الطبيب عنها في حالة عدم تحقيقها.

– اعتماد الطبيب في علاجه على أجهزة طبية ذات كفاءة:

قد يؤدي استخدام الأدوات والأجهزة الطبية إلى ضرر يلحق بالمريض وبالتالي يكون الطبيب مسئولا عن الأضرار الناتجة عن الأجهزة الطبية التي يستخدمها في علاجه، إذ أن الطبيب يلتزم باستخدام أدوات وأجهزة طبية ذات كفاءة عالية لا ينتج عنها ضررا أثناء العلاج، وقد اتجه القضاء الغربي إلى التزام الطبيب بنتيجة عدم الحاق ضرر بالمريض نتيجة استخدام الطبيب لأجهزة وأدوات طبية.[11]

وتطبيقا لذلك  يكون الطبيب مسئولا عن حدوث تشوه للمريض نتيجة استخدام المشرط الكهربائي وهذا ما قررته محكمة النقض الفرنسية.[12]

والمقصود بالأضرار في هذه الحالة هي الأضرار الناتجة عن عطل، أو خلل في عمل الأجهزة الطبية وهي أضرار لا علاقة لها بحالة المريض الصحية، إذ أنها أضرار ناتجة عن العمل الفني للأجهزة الطبية وليس عن العمل الطبي نفسه.

– تركيب الأطراف الصناعية والأسنان:

وهذه التركيبات تنطوي على محورين مميزين في عمل الطبيب: محور طبي يتعلق بتحديد طبيعة المشكلة المرضية والحل الأنسب للعلاج  باستخدام التركيبات الصناعية التعويضية، وهي مسألة طبية خالصة يلتزم فيها الطبيب ببذل الجهد والعناية فقط، أما الجزء الفني الخاص بتحديد مقاييس الأطراف الصناعية وجودة خامتها ومدى ملائمتها لجسم المريض، وغيرها من المواصفات الفنية للطرف الصناعي الذي يتوافق مع طبيعة حالة المريض، فهو التزام بتحقيق نتيجة بحيث إن لم يكن الطرف الصناعي مطابقا للمواصفات القياسية كان من حق المريض مسائلة الطبيب تعويضيا عن إخلاله بالتزامه بتحقيق النتيجة، كذلك إذا كان المريض يعاني من اعوجاج أو خلع في أسنانه فالتزام الطبيب بتركيب أسنان صناعية يكون التزام بتحقيق النتيجة من حيث المواصفات الفنية للأسنان ومناسباتها من حيث النوع والمقاس لحالة المريض، فإن أخفق الطبيب في ذلك فلا يمكن دفعه لإخفاقه ببذله الجهد والعناية لعدم تحقق النتيجة، ومع ذلك يجوز له دفع المسئولية الطبية عنه بأثبات أن النتيجة لم تتحقق لسبب أجنبي لا يد له فيه.[13]

– نقل الدم والتطعيم:

وفيما يتعلق بنقل الدم فيعتبر التزام الطبيب بتحقيق النتيجة وهي أن يتم نقل الدم بشكل صحيح وعدم الحاق ضرر بالشخص الذي تم سحب الدم منه، وكذلك عدم الحاق ضررا بالشخص الذي يتم نقل الدم إليه، وذلك باستخدام الوسائل العلمية الحديثة في نقل الدم من ناحية، وأيضا في الوقوف على فصيلة دم المتبرع ومدى موافقتها مع فصيلة دم المستقبل، بحيث إن ترتب على نقل الدم حدوث ضرر لأي منهما أو كانت الفصائل غير متناسبة مع بعض وأدت إلى الحاق الضرر بمستقبل الدم، فتكون مسئولية الطبيب عن النتيجة قائمة باعتبار أن هذه المسألة من المسلمات العلمية والتي لا تخضع إلى الاحتمال، وبالتالي يكون الالتزام بتحقيق النتيجة فيها هو الأصل وليس مجرد بذل العناية.

كذلك بالنسبة للتطعيم وإعطاء الأمصال واللقاحات حيث أن التزام الطبيب فيها يكون بإعطاء المصل أو التطعيم بالشكل الصحيح والمتوافق مع الأصول العلمية، وهذه هي النتيجة التي يسأل عنها الطبيب من حيث عدم ترتب ضررا على أخذ المريض المصل.

– صرف الأدوية المناسبة:

يقع على الطبيب التزاما مفاده أنه في حالة توقيع الكشف الطبي على المريض أن يبذل الجهد في تحديد المشكلة الصحية التي ويواجها المريض وعليه أن يحدد للمريض الدواء المناسب لمواجهة هذه المشكلة الصحية وهذا الالتزام على الطبيب هو التزام تحقيق نتيجة والتي مفادها أن يكون الدواء الموصوف له علاقة بعلاج المرض وألا يترتب عليه ضررا للمريض في صحته وأن تكون الأدوية صالحة وغير فاسدة وأن تكون الأدوية من حيث طبيعتها وصفاتها تؤدي إلى علاج المريض، فإن ثبت أن الطبيب كان سببا في النتيجة وهي ضرر المريض بسبب ما وصفه من دواء غير مناسب مع حالته أو كان فاسدا أو نتج عنه ضررا أكبر من مشكلة المريض الصحية فيكون الطبيب مسئولا عن النتيجة.

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن طبيعة الالتزام في المسئولية الطبية:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4226 لسنة 2005 ما يلي:

الثابت بالبينة الفنية أن نتائج المداخلة الجراحية ومعالجة الطفل ليسـت مضمونة النتائج نظراً لطبيعة حالته المرضية غير المستقرة، وما يصاحبها من تطور التشوهات وحدوث المضاعفات، وحيث أن التزام الطبيب في مثل هذه الحالة يقتصر على بذل العناية وليس على تحقيق غاية، وحيث أن البينة تشير إلى أن المدعى عليه قد بذل عناية عادية فـي معالجـة الطفل… الذي خرج معافى من المستشفى، وإن المضاعفات التي حصلت معه بعد ذلـك كانـت نتيجة لحالته المرضية، فإنه لا يعد مسؤولاً عن ضمان تلك المضاعفات وتبعاً لذلك تغدو المدعى عليها هي الأخرى ليست مسؤولة من قبل الجهة المدعية، وتغدو دعواها حقيقة بالرد سـيما وأن البينة الفنية قطعت بعدم وجود أخطاء طبية.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1438 لسنة 2008 ما يلي:

إذا اتبع الطبيب المعالج القواعد التي يقضي بها العلم وأصول الخبرة الفنية فإذا أخل الطبيب بهذه القواعد دون قصد سئل عن خطأ طبي والجهة القادرة على تحديد مسؤولية الطبيب هي الخبرة الفنية.  وفي الدعوى مدار البحث فقد أجرت محكمة الدرجة الأولى خبرة فنية بمعرفة ثلاثة خبراء من ذوي الاختصاص والدراية بمجال جراحة الأعصاب وتم اعتمادها والاستناد إليها في كل مراحل المحاكمة. وتوصـل الخبراء إلى أن دور الطبيب المعالج كان قاصراً على معالجة المريضة (المدعية) بواسطة جهاز الجاما، فإن المعالجة بهذا الجهاز طريقة معالجة علمية متعارف عليها في مثل حالة المريضة وأن استعمال المعالج للجهاز كان حسب الأصول العلمية وأن المضاعفات التي جرت للمريضة لم تكن بسبب المعالجة بجهاز الجاما فيكون ما قام به الطبيب المعالج متفقاً والأصول العلمية المتعارف عليها ولم يثبت الخبراء ارتكابه لأية أخطاء أو مخالفات لأصول الخبرة الفنية وأن اختياره طريقة معالجة دون أخرى مادام أن هناك من يأخذ بها ويستعملها من ذوي الاختصاص أمر يتفق والقواعد العلمية وأصول الحرفة)).

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] انس محمد عبد الغفار، المسؤولية المدنية في المجال الطبي دراسة مقارنة دار الكتب القانونية ، دار شتات للنشر والبرمجيات، مصر،2010 ص 233.

[2] التوتنجي، عبد السلام، المسؤولية المدنية للطبيب في القانون السوري والمصري والفرنسي، مرجع سابق، ص 292.

[3] سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني، ج1، ط5، مكتبة مصر الجديدة، 1992، ص 397.

[4] وجدان ارتيمية، الخطأ الطبي في القانون المدني الأردني،  رسالة ماجستير، الجامعة الأردنيـة، عمان 1995ص 71

[5] صالح، نائل عبد الرحمن، مسؤولية الأطباء الجزائية، مرجع سابق، ص 161) .

[6] احمد حسن الحيارى، المسؤولية المدنية للطبيب في ضوء النظام القانوني الأردني والنظام القانوني الجزائري دار الثقافة للنشر والتوزيع،2008، ص، ص43.

[7] وجدان ارتيمية، المسؤولية الطبية في القانون المدني الأردني، مرجع سابق، ص75

[8] عصام عابدين، الأخطاء الطبية بين الشريعة والقانون، رسالة دكتوراه، جامعـة الـدول العربيـة، معهـد البحـوث والدراسات العربية، القاهرة، 2005م، ص 87.

[9] منذر الفضل، النظرية العامة للالتزامات، مصادر الالتزام، ج1، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيـع، عمـان، 1994)، ص30 وما بعدها.

[10] أ. عبد السلام التوتنجي، المسؤولية المدنية للطبيب في الشريعة الإسلامية وفي القانون السوري والمصري والفرنسي، دار النفائس  عام 1980ص 408.

[11] محمد حسين منصور، المسؤولية الطبية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 1999، ص213.

[12] نقض مدني فرنسي، حكم محكمة مرسيليا الابتدائية، 211/70 بتاريخ 3/6/1965. مشار إليه لدى منصور، محمد حسين، المسؤولية الطبية مرجع سابق، ص214.

[13] وجدان ارتيمية، الخطأ الطبي في القانون المدني الأردني، مرجع سابق، ص 85 – 86.

Scroll to Top