مسؤولية الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي
تعتبر المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية من المسائل الدقيقة والتي لم يتجه المشرع الأردني إلى تحديدها وتنظيمها في نصوص قانونية خاصة، وقد لجأ القضاء الأردني في تحديد المسؤولية المدنية لأفعال الطبيب الخاطئة وآثارها إلى القواعد العامة المقررة للمسؤولية في القانون المدني الأردني، ويثار تساؤل عما إذا كان الطبيب الذي ارتكب خطئا طبيا سبب ضررا للغير يعمل موظفا في احدى المستشفيات الحكومية فعلى من تقع المسؤولية المدنية لفعله الضار؟ هل عليه شخصيا أم على المستشفى باعتباره موظفا بها؟
أولا: تعريف الخطأ الطبي وأنواعه:
ثانيا: المسؤولية المدنية للطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي:
ثالثاً: شروط مسؤولية المستشفى الحكومي عن فعل الطبيب الموظف لديها:
رابعاً: طبيعة مسؤولية الطبيب الموظف عن خطأه الشخصي في مستشفى حكومي:
خامساً: طبيعة مسؤولية المستشفى الحكومي عن أخطاء الطبيب الموظف:
سادساً: المسؤولية التأديبية على الطبيب:
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن مسؤولية الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي:
أولا: تعريف الخطأ الطبي وأنواعه:
قبل الحديث عن مدى مسؤولية الطبيب الذي يعمل لدى إحدى المستشفيات الحكومية عن أخطائه الطبية يجب أولا أن نتطرق إلى تعريف الخطأ الطبي وما يترتب عليه من مسؤولية مدنية، والخطأ الطبي قد يكون خطا طبي مادي وقد يكون خطا طبي مهني على التفصيل الاتي:
الخطأ الطبي المادي: هو الخطأ الذي يقع من الطبيب ولا يتعلق بالأصول الفنية المقررة في مهنة الطب.[1] والخطأ الطبي المهني: هو الخطأ الذي يرتكبه الطبيب ويكون فيه مخالفة للأصول الفنية المقرر لمهنة الطب.[2]
وعلى خلاف ذلك فلم يفرق قانون نقابة الأطباء الأردني رقم 13 لسنة 1972 بين الخطأ المهني والخطأ المادي وقد نصت (المادة 45) منه على أن: (كل طبيب يخل بواجباته المهنية خلافاً لأحكام هذا القانون، وأي نظام صادر بمقتضاه، أو يرتكب خطأ مهنياً، أو يتجاوز حقوقه أو يقصر بالتزاماته وفق الدستور الطبي، أو يرفض التقيد بقرارات المجلس، أو يقدم على عمل يمس شرف المهنة أو يتصرف في حياته الخاصة تصرفاً يحط من قدرها يعرض نفسه لإجراءات تأديبية أمام مجلس التأديب).
وكلما توافر الخطأ سواء بمفهومه المادي أو مفهومه الفني توافرت المسؤولية الطبية، ولا يشترط تحديد جسامة الخطأ سواء كان خطأ جسيم، أو يسير حتى تتوفر المسؤولية الطبية فيكفي أن يثبت المضرور أن الطبيب قام أو امتنع القيام بما يجب عليه وأن فعله مخالفا لفعل اقرأنه من الأطباء في نفس التخصص والخبرة والظروف.[3]
وبالتالي فيمكن القول إن المسؤولية الطبية تخضع للقواعد العامة للمسؤولية متى توفرت شرائط هذه المسؤولية، والمقصود بالمسؤولية المدنية: هي التزام الشخص الصادر منه فعل خاطئ بتعويض المضرور عن هذا الخطأ.
والمسؤولية الطبية: هي التزام الطبيب المخطئ أو المستشفى على حسب الأحوال بتعويض المضرور نتيجة خطأ ينسب إلى الطبيب أو المستشفى.
ثانيا: المسؤولية المدنية للطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي:
قد يحدث أن يقع الطبيب في خطأ أثناء تقديمه علاجا إلى المريض يؤدي إلى حدوث ضررا بالمريض أو أن يكون تشخيصه للمرض خاطئا أو غيرها من الأخطاء الطبية، وفي هذه الحالة يجب تحديد طبيعة عمل الطبيب هل يعمل لحسابه الشخصي وتحت مسؤوليته أم يعمل لدى مستشفى حكومي إذ أن في الوقوف على ذلك يساعد في تحديد مدى جواز مسائلة الطبيب مدنيا عن فعله الضار الذي لحق بالمريض، وقد اتجه الفقه إلى اتجاهين في تحديد مدى مسؤولية الطبيب الحكومي عن فعله الضار، إلا أن الرأي الراجح في هذا الصدد هو:
مسؤولية المستشفى الحكومي عن فعل الطبيب الخاطئ:
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الطبيب الحكومي الذي يقع منه خطأ أثناء أدائه لوظيفته في المستشفى الحكومي لا يمكن مسائلته هو مدنيا عن ذلك الخطأ بل يجب مسائلة المستشفى الحكومي عن فعله الضار ذلك إعمالا لقاعدة مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع، حيث أن هناك رابطة تنشأ بين الطبيب الموظف والمستشفى الحكومي بمجرد تعيينه طبيبا فيها، وهذه الرابطة تعني تبعية الطبيب للمستشفى بحيث يكون الطبيب خاضعا لرقابة وتوجيه إدارة المستشفى والذي جعله البعض مبررا لمسؤولية المتبوع وهي هنا المستشفى عن فعل التابع وهو هنا الطبيب المخطئ.[4]
ورغم محاولة إدارة المستشفى دفع المسؤولية عنها بأثبات أنها لم تقصر في أداء واجبتها والتزاماتها تجاه عمل الطبيب، إلا أن ذلك لا يعفيها من المسؤولية المدنية عن فعل الطبيب الخاطئ.[5]
وقد نصت (المادة 288) من القانون المدني الأردني على أن: ( 1- لا يسال أحد عن فعل غيره، ومع ذلك فللمحكمة بناء على طلب المضرور إذا رات مبررا أن تلزم بأداء الضمان المحكوم به على من أوقع الضرر.
أ – من وجبت عليه قانونا أو اتفاقا رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره، أو حالته العقلية أو الجسمية إلا إذا اثبت انه قام بواجب الرقابة، أو أن الضرر كان لا بد واقعا ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية.
ب- من كانت له على من وقع منه الأضرار سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه ولو لم يكن حرا في اختياره إذا كان الفعل الضار قد صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها
2- ولمن أدى الضمان أن يرجع بما دفع، على المحكوم عليه به))
حيث جاءت الفقرة (1) البند (أ) لتوضح طبيعة مسؤولية المتبوع عن فعل التابع وبينت الفقرة أنه رغم أن الأصل عدم مسائلة الشخص إلا عن فعله الشخصي إلا أنه في حالة كون الشخص تابعا لشخص آخر طبيعي، أو معنوي وكان المتبوع لديه على تابعه سلطة في توجيهه ورقابته فإن وقوع خطأ من التابع يضع المتبوع أمام المسؤولية المدنية عن ذلك الخطأ، لتقصيره في أداء دوره المنوط به في الرقابة، أو التوجيه طالما كان الخطأ الصادر من التابع كان أثناء وبسبب أدائه وظيفته لدى المتبوع.
وبالتالي حتى تقوم مسؤولية المتبوع وهي المستشفى عن فعل التابع وهو الطبيب، يجب أن يكون فعل الطبيب صادرا عن أمر من إدارة المستشفى وباسم ولصالح المستشفى الحكومي وأن يكون مصدره له الحق والسلطة في رقابة تنفيذ الأمر وسلطة التوجيه. [6]
ويرى بعض الفقه أن مسؤولية المتبوع عن فعل التابع لا يعني انتفاء المسؤولية عن التابع نفسه أي الطبيب باعتباره الفاعل الأصلي للخطأ المسبب للضرر، فرغم قيام مسؤولية المتبوع بسبب تقصيره في أداء وظيفة الرقابة والتوجيه إلا أنه يمكن له أي المتبوع دفع هذه المسؤولية بإثبات أن عدم تمكن الإدارة من منع وقوع الفعل الخاطئ من الطبيب والذي نشأ عنه الضرر.[7]
وعلى ذلك فمسؤولية المستشفى ليست إلا ضمانة للمريض المضرور وحماية له ولتمكنه من تحديد الشخص المسؤول عن الفعل الضار الذي لحقه ومسائلته تعويضا، ومع ذلك يجوز للمضرور حين يلجأ للقضاء أن يطالب كلا من المتبوع والتابع بالتعويض الجابر للضرر باعتبار أن المتبوع قصر في أداء واجبه بالإشراف والتوجيه والرقابة وأن التابع قد قصر في بذل العناية والجهد اللازمين مما يستدعي مسائلته هو الآخر تعويضيا متضامنا مع المستشفى الحكومي.
ورغم ذلك ففي الحالة التي يختصم فيها المضرور كل من التابع والمتبوع ويحكم له القضاء بإلزامهما متضامنين بأداء التعويض الجابر للضرر الذي لحق به، يبقى للمستشفى الحق أن تثبت انتفاء وقوع أي خطأ منها والرجوع على التابع بعد ذلك لتقتضي منه ما دفعته من تعويض للمضرور، طالما أثبتت المستشفى عدم مساهمتها في الخطأ وذلك اعملا لنص الفقرة 2 من (المادة 288) والتي قضت بأن: (ولمن أدى الضمان أن يرجع بما دفع على المحكوم عليه به).
ثالثاً: شروط مسؤولية المستشفى الحكومي عن فعل الطبيب الموظف لديها:
1- أن يكون الطبيب موظفاً لدى المستشفى الحكومي:
يشترط لقيام مسؤولية المستشفى أن تكون هناك رابطة عقدية بين المستشفى الحكومي والطبيب وهي في هذه الحالة أن يكون الطبيب أحد الموظفين المعينين في المستشفى الحكومي، والتي تخول إدارة المستشفى حق مراقبة الطبيب الحكومي والوقوف على مدى التزامه بتنفيذ أوامر وتوجيها إدارة المستشفى وكيفية تنفيذه لتلك الأوامر، ومسائلته عن عدم تنفيذها، وبتوافر هذه الرابطة يصبح الطبيب تابعا للمستشفى، ولبيان طبيعة وخصائص رابطة التبعية يمكن إجمال خصائصها في:
أ- أن رابطة التبعية لا تتوقف على الرابطة التي أساسها عقد العمل، بل تتحقق الرابطة بين التابع والمتبوع سواء كان مصدرها القانون أو النظام أو العقد.[8] وهي في محل بحثنا مصدرها العقد بين الحكومة والطبيب.
ب- أنه لا يشترط في رابطة التبعية بين التابع والمتبوع أن تكون مصاغة خطيا، بل يكفي أن يكون الطرفين على علم بها وعملا بها واستمرا عليها.
ج- لا يشترط لتحقق رابطة التبعية أن يكون لدى المتبوع خبرة فنية، بل يكفي مجرد كون المتبوع يمارس سلطة الرقابة والتوجيه على تابعه.
د- كما تقوم رابطة التبعية بين المستشفى والطبيب أي بين المتبوع وتابعه، حتى لو كان الفعل الصادر من الطبيب لم يكن بناء على أمر مباشر من إدارة المستشفى طالما كان فعل الطبيب هو عمله المعتاد الموكل إليه.[9]
2- أن يرتكب الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي خطأ يلحق ضررا بالمريض:
إذ لا تقوم مسؤولية المستشفى عن فعل الطبيب الموظف بها إلا إذا نتج عن هذا الفعل ضررا لحق بالمريض، سواء كان ذلك الضرر ناتج عن خطأ بالقيام بفعل أو امتناع عن فعل كان يجب على الطبيب القيام به أثناء آدا عمله ولم يقم الطبيب ببذل الجهد والعناية اللازمة، أو قصر في أداء ما يجب عليه أدائه وللوقوف على ذلك يتم مقارنة فعل الطبيب بفعل طبيب آخر في نفس الظروف ونفس الخبرة العلمية.
3- أن يكون الضرر حدث أثناء وبسبب أداء الطبيب عمله بالمستشفى الحكومي:
حتى تتوفر مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه الخاطئة وهي هنا مسؤولية المستشفى الحكومي عن فعل الطبيب الموظف بها، يجب أن يكون الفعل الخاطئ والذي أصاب المريض بالضرر قد حدث داخل المستشفى الحكومي وبسبب وأثناء قيام الطبيب بعمله كطبيب بمستشفى حكومي، وبالتالي تنتفي مسؤولية المستشفى عن فعل الطبيب الضار إذا كان عمله الخاطئ قد حدث خارج المستشفى سواء كان بمستشفى أخرى كالمستشفيات الخاصة، أو بداخل عيادته الخاصة إذ أن حدوث الفعل الضار خارج المستشفى يقطع علاقة التبعية بين الطبيب والمستشفى ويجعل من رقابة المستشفى على أعمال الطبيب ليست لها محل، وفي هذه الحالة يكون للمضرور مسائلة الطبيب وحده عن فعله الضار دون مسائلة المستشفى عن فعل الطبيب الخاطئ، وللمستشفى في هذه الحالة إذا تم اختصامها في دعوى التعويض عن فعل الطبيب الخاطئ أن تدفع عنها المسؤولية بإثبات أن الفعل الخاطئ من الطبيب حدث خارج المستشفى وليس أثناء وبسبب أداء الطبيب عمله بالمستشفى .
وقد قضت محكمة بداية حقوق عمان في الحكم رقم 3454 لسنة 2012 بأن: ( بتطبيق نصوص القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة أن المدعى عليه الثاني ارتكب خطأ طبيا بحق المدعي وأن المستشفى وهو المتبوع يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه الطبيب بعمله غير المشروع متى كان واقعا منه حال تأدية وظيفته أو بسببها فوجود علاقة تبعية بين الطبيب وإدارة المستشفى الذي يعالج فيه المريض ولو كانت علاقة تبعية أدبية كافٍ لتحميل المستشفى مسؤولية خطأ الطبيب، وحيث ثبت للمحكمة الضرر الذي حصل للمدعي وبالتالي يكون مستحقا للتعويض الذي قدره الخبير الفني).
رابعاً: طبيعة مسؤولية الطبيب الموظف عن خطأه الشخصي في مستشفى حكومي:
للوقوف على أساس مسؤولية الطبيب عن أخطائه الطبية يجب أولا تحديد العلاقة بين الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي والمريض، إذ أنه لا توجد علاقة تعاقدية بين المريض والطبيب الحكومي وبالتالي فلا يمكن تأسيس مسؤولية الطبيب عن خطاه الشخصي إلا على أساس المسؤولية التقصيرية، إذ أن المستشفى الحكومي تتبع الدولة والطبيب يباشر عمله كموظف في الدولة، وليس بصفته الشخصية ولا لحسابه الشخصي ويكون العمل المكلف به هو علاج جمهور المواطنين والوافدين وتقديم الخدمات العلاجية وفقا لما تفرضه اللوائح والقرارات.[10]
والمقصود بالمسؤولية التقصيرية: هي الإخلال بالتزام قانوني مفاده الالتزام بعدم إضرار الغير،[11] ويرى جانب من الفقه أن المسؤولية التقصيرية تكون محققة كلما نتج عن فعل الطبيب أثناء ممارسته للعمل الطبي ضررا بالمريض.[12]
وفي بعض الحالات قد تتحول مسؤولية الطبيب من مسؤولية تقصيرية إلى مسؤولية تعاقدية وذلك في حالة أن يحصل المريض على إذن من المستشفى الحكومي على تولي طبيب معين يختاره المريض لمباشرة علاجه وفي هذه الحالة تكون المستشفى مسؤولة تقصيريا عن أفعالها المتعلقة بسير المرفق العام نفسه فقط دون أن تتمدد مسؤوليتها لأخطاء الطبيب، حتى لو كان الطبيب موظفا حكوميا على أساس أن الطبيب في هذه الحالة يمارس دوره باعتباره الشخصي وبناء على العلاقة العقدية التي ربطته بالمريض وليس باعتباره موظفا، كما أن مسؤولية الطبيب في هذه الحالة تتحول من مسؤولية تقصيرية إلى مسؤولية عقدية يحكمها الاتفاق العقدي الذي تم بينه وبين المريض.
خامساً: طبيعة مسؤولية المستشفى الحكومي عن أخطاء الطبيب الموظف:
إذا نسب الفعل الخاطئ من الطبيب إلى المستشفى وقامت المسؤولية على المستشفى الحكومي، فإن المستشفى الحكومي تخضع لأحكام المسؤولية الإدارية باعتبارها أحد المرافق العامة للدولة، والمقصود بالمرفق العام هو كل مرفق مهمته تقديم خدمه عامة للجمهور دون تمييز، والمستشفى الحكومي باعتبارها مرفق عام يقع عليها تقديم الخدمات لجمهور بشكل يؤدي إلى سير المرفق العام بانتظام، ولما كانت المستشفى في ذاتها لها شخصية اعتباريه عامة، فإن أفعال أعضائها في تسيير أدائها وتقديم خدماتها إلى الجمهور تنسب للمستشفى الحكومي نفسها باعتبارها مرفق عام وتكون مسؤولة عن أفعال أعضائها.[13]
سادساً: المسؤولية التأديبية على الطبيب:
يخضع الطبيب الذي يرتكب خطأ مهنيا يدل على رعونته وإهماله، أو سوء نيته إلى توقيع الجزاء التأديبي عليه، بغية تحقيق ردع عام لكافة العاملين بالمهنة وردع وعقاب خاص للطبيب المخطئ، سواء كان الطبيب في مستشفى حكومي أو خاص أو يعمل في عيادته الخاصة، حتى يتم تقويض وتقليل الأخطاء الطبية والتي من الملاحظ زيادتها داخل المملكة في الفترة الأخيرة، وقد نص قانون نقابة الأطباء الأردنية الصادر عام 1972 في (المادة 45) منه على أن: (كل طبيب يخل بواجباته المهنية خلافاً لأحكام هذا القانون وأي نظام صادر بمقتضاه أو يرتكب خطا مهنياً، أو يتجاوز حقوقه أو يقصر بالتزاماته وفق الدستور الطبي أو يرفض التقيد بقرارات المجلس أو يقدم على عمل يمس شرف المهنة أو يتصرف في حياته الخاصة تصرفاً يحط من قدرها، يعرض نفسه لإجراءات تأديبية أمام مجلس التأديب).
ويظهر من ذلك النص أن القانون الأردني لم يكتف فقط بتقرير مسؤولية الطبيب والمستشفى المدنية تضامنيا عن فعل الطبيب الخاطئ، بل قرر جزاء تأديبيا على الطبيب إذا حدث منه خطأ مهنيا أثناء أداء عمله، وقد حددت (المادة 55) من ذات القانون الجزاءات الإدارية الجائز توقيعها على الطبيب المخطئ حيث نصت على أن: (يوقع مجلس التأديب على الطبيب المخالف أياً من العقوبات التالية:
- التنبيه.
- غرامة لا تقل عن (100) دينار ولا تزيد على (1000) دينار تعتبر إيراداً للصندوق.
- الحرمان من الترشح لمنصب النقيب أو عضوية المجلس لمدة لا تزيد على دورتين.
- المنع المؤقت من ممارسة المهنة لمدة لا تزيد على سنتين.
- المنع النهائي من ممارسة المهنة وشطب اسمه من السجل بعد إدانته بحكم قضائي اكتسب الدرجة القطعية).
ولا شك أن هذه الجزاءات التأديبية للطبيب الذي يرتكب خطأ مهني تساعد في تقويض وتقليل الأخطاء الطبية عن طريقة تحقيق الردع العام لكافة الأطباء وتحذيرهم من مغبة ارتكاب أخطاء طبية نتيجة الرعونة والإهمال، كما أنها تحقق الردع الخاص للطبيب حتى لا يعاود ارتكاب مثل هذه الأخطاء مرة أخرى، كما أن توقيع الجزاء التأديبي لا يمنع المضرور من رفع دعوى المسؤولية على المستشفى الحكومي والطبيب الموظف ومطالبتهم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء فعلهم الخاطئ.
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن مسؤولية الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 196 لسنة 2006 ما يلي:
إذا كان مستشفى ……. وهو مستشفى حكومي ويعمل به أطباء موظفون لدى الدولة، فإن الدولة مسؤولة مديناً عن أي أخطاء يرتكبها موظفوها أثناء ممارستهم لمهامهم الوظيفية على مقتضى قواعد المسؤولية التقصيرية، وعليه فإن الخصومة تغدو متوفرة بين المدعي والمدعى عليهم الطاعنين، فإذا تمت العملية التي أجراها الطبيب المدعى عليه في أجواء غير طبية وغير عملية وفيها الكثير من الفوضى ولم يساعده أحد من التمريض بل قام الطبيب نفسه بإجراء عملية تنظيف الجرح وإغلاق البطن وحده ولم يراع الأصول المتبعة في غرفة العمليات من حيث عدد قطع الشاش، وبأن قطع الشاش قد تم نسيانها في بطن المريض خلال العملية الثابتة والتي نشأ عنها التصاقات في الأمعاء وبالتالي فإن الخطأ في العملية الجراحية قد حدث من قبل طبيب يعمل لدى الحكمة وفي مستشفى حكومي، وبالتالي فإن الدولة مسؤولة مديناً عن أخطاء موظفيها بالتعويض عن الأضرار التي يلحقونها بالغير أثناء تأدية وظائفهم.
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] مصطفى العوجي، المسؤولية المدنية، ج1، في مصادر الالتزام، منشورات الحلبي 1984، بيروت، ط1، ص358.
[2] محمد حسين منصور، المسؤولية الطبية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر 1999، ص123.
[3] عدنان إبراهيم السرحان، مسؤولية الطبيب المهنية في القانون الفرنسي،2009، منشورات الحلبي، بيروت، ط2، ص125.
[4] هدى عبد الله، دروس في القانون المدني، الأعمال غير المباحة، المسؤولية- المدنية، 2008 ، ج3، ط1، منشورات دار الحلبي الحقوقية. بيروت، ص 196.
[5] مصطفى العوجي، القانون المدني، المسؤولية المدنية، الجزء 2، 2016، منشورات الحلبي الورقية ص، 594.
[6] هدى عبد الله، مرجع سابق، ص 194
[7] مصطفى العوجي، مرجع سابق، ص 594
[8] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، المجلد الثاني، نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت. لبنان، ص 1147.
[9] سلطان، أنور، مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، 1987، ط١، منشورات الجامعة الأردنية، عمان ص 367.
[10] شرف الدين احمد، مسؤولية الطبيب والإدارة، المرفق الطبي، دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وفي القضاء الكويتي والمصري والفرنسي، 1983، ص53.
[11] السنهوري، عبد الرزاق، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام، مصادر الالتزام، 1998، منشورات الحلبي، بيروت، ص847.
[12] سليمان مرقس، المسؤولية المدنية في التقنينات العربية، 1978، دار التراث العربي، القاهرة، ص379.
[13] مصطفى الجمال، المسؤولية المدنية عن الأعمال الطبية في الفقه والقضاء، بحث منشور ضمن المجموعة المتخصصة في المسؤولية القانونية للمهنيين، 2004، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، الجزء الأول، ط2، ص97.

