جريمة سرقة الخادم مال مخدومه

جريمة سرقة الخادم مال مخدومه

إن القرآن الكريم ربط بين الأمانة والمسؤولية في العديد من المواضيع، باعتبار أن قيام الإنسان بالواجبات الموكلة إليه في جميع الجوانب يتطلب الأمانة، ومن هذه المسؤولية مسؤولية الخادم تجاه المخدوم، فتتحقق رعاية الخادم لمخدومهِ بعدة أُمور، فمنها أن يتعهد المال الذي بيده ، ويُحافظ عليه، ولا يتصرف به بأي وجه إلّا بما يسمح مخدومه له في ذلك، فقيام الخادم بسرقة أموال مخدومه وممتلكاتهم، من أحد الظواهر السلبية التي تمثل جريمة في المجتمع الأردني؛ فلا بد من مكافحة هذه الظاهرة؛ لذلك قام المشرع الأردني بتقرير عقوبة على سرقة الخادم مال مخدومه، لذا سوف نتناول في هذا ما يتعلق بجريمة سرقة الخادم مال مخدومه، والعقوبة التي قررها المشرع الأردني لهذه الجريمة، وذلك في العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم جريمة سرقة الخادم مال مخدومه في القانون الأردني

ثانيًا: ماهية الشروط الواجب توافرها لإضفاء صفة الخادم

‌ثالثًا: ماهية التزامات الخادم في القانون الأردني

رابعًا؛ التزامات صاحب المنزل (المخدوم) في القانون الأردني

خامسًا: أركان جريمة سرقة الخادم مال مخدومه

سادسًا: ما هو القانون الواجب التطبيق على خدم المنازل في القانون الأردني

سابعًا: عقوبة جريمة سرقة الخادم مال مخدومه

ثامنًا: السوابق القضائية المتعلقة بجريمة سرقة الخادم مال مخدومه

ونُقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم جريمة سرقة الخادم مال مخدومه في القانون الأردني

 لقد عرف المشرع الأردني السرقة في (المادة 399) من قانون العقوبات بأنها: “أخذ مال الغير دون رضاه، وهي من الجرائم الواقعة على الأموال في القانون الأردني”

وقد عرف المشرع الأردني الخادم بأنه: “عامل المنزل، أو الطاهي، أو البستاني، أو من في حكمهم والذي يعمل في خدمة صاحب المنزل بصفة مستمرة “، وذلك وفقًا (للمادة ٢) من نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستاناها ومن في حكمهم. ويُعرف الفقه خدم المنازل بأنهم: “الأشخاص الذين يقومون بأعمال مادية متصلة بأشخاص صاحب العمل، أو ذويه”([1])

وعرف المشرع الأردني أيضًا صاحب المنزل(المخدوم) بأنه: “كل شخص طبيعي يستخدم في منزله عاملًا للعمل الذي قد يؤديه”، وذلك وفقًا (للمادة ٢) من نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستاناها ومن في حكمهم.

ولقد عرفت (المادة ٢) من نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستاناها ومن في حكمهم العمل المنزلي بأنه: “العمل المتعلق بالأداء الطبيعي للأسرة، والتي من الممكن أن يتولاها أفرادها بأنفسهم كأعمال التنظيف، والطبخ، وكي الملابس وإعداد الطعام ورعاية أفرادها، وشراء احتياجات المنزل وإيصال الأولاد وإعادتهم”.

ثانيًا: ماهية الشروط الواجب توافرها لإضفاء صفة الخادم

حتى تتوافر في الشخص صفة الخادم لابد من توافر الشروط الآتية:

١– أن يقوم الخادم بالخدمة داخل المنزل أو أحد ملحقاته:

“بمقتضى هذا الشرط ينبغي أن يكون المنزل، وملحقاته هو مكان العمل الرئيسِ لخدم المنازل، حيث يقوم الخادم بتأدية العمل لمصلحة صاحبي المنزل وسائر المقيمين فيه دون أن يمتد إلى خارج حدود المنزل كبيوت الأقارب، والأصدقاء وغيرهم”([2])

٢– أن يكون العمل الذي يقوم به الشخص من الأعمال المنزلية:

نجد أن المعيار الذي أخذ به المشرع الأردني في تحديد الأعمال المنزلية يتمثل في الأعمال التي تتعلق بالأداء الطبيعي للأسرة، التي يؤديها أفراد الأسرة بأنفسهم كأعمال التنظيف، والطبخ، وشراء احتياجات المنزل، وغير ذلك، وتطبيقًا لذلك المعيار يكون قد اشترط المشرع بذلك في صاحب المنزل أن يكون شخصًا طبيعيًا، واستثني بذلك الشخص المعنوي، أما الأعمال التي لا تتعلق بالأداء الطبيعي للأسرة كالأعمال الذهنية أو العقلية لا تعتبر من قبيل الأعمال المنزلية؛ وبالتالي لا يمكن اعتبار العامل الذي يقوم بتلك الأعمال عاملًا منزليًا في القانون الأردني.

٣– أن يقوم الشخص بالعمل بصفة مستمرة:

اشترط المشرع الأردني في الخادم المنزلي أن يعمل بصفة مستمرة لدى مخدومه، أي أن العلاقة بين الخادم والمخدوم على وجه الاستمرار لهذا العمل ويتفرغ له، بحيث إذا كان هناك شخص يتردد على مخدومه ليُلبي له بعض احتياجاته؛ فإنه لا يُعد خادمًا، إلا أنه يؤخذ على المشرع الأردني هنا عدم بيان المقصود بالاستمرارية، والتي يعتقد أنها العمل غير العرضي، أو المتقطع من فترة لأخرى، إلا أن المشرع الإماراتي وضع مفهومًا للاستمرارية، وذلك عندما عرف الخدمة المستمرة بأنها الخدمة غير المنقطعة لدى صاحب العمل نفسه أو خلفِه القانوني من تاريخ ابتداء الخدمة، ومن ذلك يتضح أن المشرع الإماراتي قد أحسن بوضعه مفهومًا للاستمرارية، والتي نتمنى على المشرع الأردني أن يسلك مسلك المشرع الإماراتي في هذا الشأن.

٤– أن تكون هذه الخدمة نظير أو لقاء أجر:

نجد أن المشرع الأردني اشترط أن تكون خدمة العامل مقابل أجر عن قيامه بالأعمال المنزلية، إلا أن نظام العاملين في المنازل لم يتطرق إلى تعريف أجر العامل المنزلي، حيث اكتفى المشرع بإلزام صاحب المنزل بدفع الأجر، فقد نصت (المادة ٤) من نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستانيها ومن في حكمهم على أنه” يلتزم صاحب المنزل بدفع الأجر الشهري للعامل بالدينار الأردني أو ما يعادله بالعملات الأجنبية بالوسائل والطرق التي يحددها الوزير لهذه الغاية، ويحتفظ صاحب المنزل والعامل بالمستند الذي يثبت دفع الأجر له”

“ولم يتطرق المشرع الأردني أيضًا لتحديد الحد الأدنى للأجر بموجب نظام العاملين في المنازل، وترك تحديده لإرادة الأطراف، وهنا يؤخذ على المشرع الأردني فكان عليه أن ينص بموجب نظام العاملين في المنازل على تحديد الحد الأدنى للأجور، ففي حال لم يتم الاتفاق بين الخادم والمخدوم على تحديد الأجر الذي يستحقه الخادم، وانتفت نية التبرع، يتم عندها تحديد الأجر طبقًا للأسس التي نص عليها المشرع في( المادة 45) من قانون العمل الأردني على أنه: “يحدد مقدار الأجر في العقد، وإذا لم ينص عقد العمل عليه فيأخذ العامل الأجر المقدر لعمل من نفس النوع إن وجد وإلا قُدِّر طبقًا للعرف، فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة تقديره بمقتضى أحكام هذا القانون باعتباره نزاعًا عماليًا على الأجر”([3])

‌ثالثًا: ماهية التزامات الخادم في القانون الأردني

هناك عدة التزامات تقع على عاتق الخادم بموجب نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستانيها ومن في حكمهم، وهذه الالتزامات على النحو الآتي:

1- القيام بعمله بكل أمانة وإخلاص:

إن الأمانة والإخلاص من مرتكزات العمل داخل المنزل، ويجب على كل طرف أن يقف بجوار الطرف الآخر جنبًا إلى جنب، ومن هنا جاء نص المشرع الأردني على هذا الالتزام في الفقرة (أ) من (المادة 5) من نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستاناها ومن في حكمهم، مؤكدةً على أهمية الأخلاق، ودورها في العلاقة القانونية التي تربط الخادم بمخدومه، وما تحتمه على الخادم المنزلي من أن يعمل بضمير، ويتحرك بباعث ورغبة ذاتية نحو تحقيق أكبر نجاح ممكن للمنزل الذي يعمل فيه، مع إدراكه أهمية تجاوز مصالحه الخاصة، من أجل تحقيق مصالح صاحب المنزل.

2-احترام خصوصية المنزل الذي يعمل فيه:

يلتزم الخادم باحترام خصوصية المنزل الذي يعمل فيه، ويتعين عليه في سبيل تحقيق ذلك، الحفاظ على الأمور التي تخص المنزل والتي يعتبرها صاحب المنزل، أو أفراد الأسرة أمورًا ومسائل خاصة، كما تمتد الخصوصية إلى سائر المحادثات التي تتم داخل المنزل، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥) من نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبستاناها ومن في حكمهم.

٣- عدم إفشاء الأسرار التي يطلع عليها:

يُعد هذا الالتزام من أهم الالتزامات التي تقع على خدم المنازل فهو جوهر الثقة وأساسها الذي تنطلق منه سائر الالتزامات، والإخلال بهذا الالتزام يهدم الثقة التي هي أساس علاقتهم بمخدوميهم، ولما كانت طبيعة عمل خدم المنازل تقتضي منهم التواجد بالقرب من مخدوميهم، الأمر الذي يسهل معه الاطلاع على حياتهم، وأسرارهم الخاصة. والمعيار المتبع في تحديد ما يعد سرًا، هو كل ما يخالف العلن.

وقد نص المشرع الأردني على هذا الالتزام، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥) من نظام العاملين في المنازل، ولكن لم يحدد المشرع الأردني جزاء محدد في حال مخالفة الخادم المنزلي لهذا الالتزام؛ وهو ما يترتب عليه تطبيق القواعد العامة للمسؤولية في القانون المدني.

٤- المحافظة على ممتلكات ومحتويات صاحب المنزل (المخدوم):

يتطلب تنفيذ هذا الالتزام في المحافظة على ممتلكات ومحتويات صاحب المنزل وفقًا لمبادئ الأمانة والإخلاص في تأدية العمل من الخادم، إذ يتعين عليه أن يحرص على حفظ الأشياء المسلمة إليه لتأدية العمل المنزلي من أدوات وجميع اللوازم الخاصة بعمله، وأن يقوم بالمحافظة على محتويات المنزل كالأثاث والأواني وغيرها، وأن يقوم بجميع الإجراءات الضرورية للمحافظة عليها وصيانتها.

كما رتب المشرع الأردني جزاء على الخادم المنزلي في حالة تسبب في فقد، أو إتلاف أدوات، أو آلات، أو منتجات يملكها، أو يحوزها صاحب المنزل، أو كانت في عهدته وكان ذلك ناشئًا عن خطئه، أو مخالفته تعليمات صاحب المنزل، يكون لصاحب المنزل أن يقتطع من أجر العامل قيمة الأشياء المفقودة أو التالفة أو كلفة إصلاحها. على ألا يزيد ما يقتطع لهذا الغرض عن أجر خمسة أيام في الشهر، ولصاحب المنزل حق اللجوء إلى المحاكم النظامية المختصة للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تسبب بها العامل، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥) من نظام العاملين بالمنازل.

٥-احترام عادات وتقاليد المجتمع السائدة:

يلتزم الخادم باحترام عادات وتقاليد المجتمع السائدة، فالعادات تتمثل في أشكال وطرق التفكير والسلوك المستقرة عند الأفراد والجماعات، حيث يتعارف الناس في كل مجتمع على مجموعة من الآداب، والقواعد التي يحرصون على مراعاتها، واتباعها في علاقاتهم المتبادلة، أو في مظهرهم، أو ملبسهم ويتواترون على ذلك، وتتمثل التقاليد في كونها نماذج سلوكية ينبغي الالتزام بها من قبل الأفراد لما لها من أهمية تقليدية، واجتماعية، وحضارية في التفاهم والمودة والتماسك؛ لذلك اهتم المشرع الأردني بالعادات والتقاليد التي ينبغي على خدم المنازل مراعاتها، مع التوسع في نطاق هذا الالتزام. حيث شمل عادات وتقاليد المجتمع بأسره؛ لا أسرة صاحب المنزل فحسب، حيث إن عادت صاحب المنزل هي جزء لا يتجزأ من عادات المجتمع وتقاليده.

٦-عدم ترك خدم المنازل للمنزل أو التغيب:

أوجب المشرع الأردني على العامل المنزلي عدم ترك المنزل، أو التغيب عنه دون موافقة صاحب المنزل وعلمه بمكان وجوده، ويرجع ذلك إلى طبيعة العلاقة والمهام والواجبات التي يلتزم بها العامل المنزلي، وفي حال هروب الخادم المنزلي يتحمل في هذه الحالة جميع الالتزامات المالية الواردة في عقد العمل، وذلك بالإضافة إلى تكلفة عودته إلى بلده.

رابعًا؛ التزامات صاحب المنزل (المخدوم) في القانون الأردني

هناك عدة التزامات يقع على عاتق المخدوم الالتزام بها بموجب نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبساتينها ومن في حكمهم وهي على النحو الآتي:

١- دفع تكاليف استصدار إذن إقامة وتصريح عمل للعامل غير الأردني سنويًا.

٢- دفع الأجر الشهري للعامل خلال مدة لا تزيد على سبعة أيام من تاريخ استحقاقه بالدينار الأردني، أو ما يعادله بالعملات الأجنبية، بالوسائل والطرق التي يحددها الوزير لهذه الغاية على أن يحتفظ صاحب المنزل والعامل بمستند يثبت دفع الأجر الشهري له.

٣- استخدام العامل في مكان إقامته المعتادة أو المؤقتة مع أسرته، ولا يحق لأحد غير صاحب المنزل، وأفراد أسرته إصدار أوامر العمل للعامل.

٤- معاملة العامل باحترام، وتوفير جميع متطلبات العمل اللائق وشروطه، وتأمين جميع احتجاجاته من ملبس ومأكل ومشرب، وغرفة حسنة الإضاءة والتهوية، ووسائل النوم والراحة وحقه بالخصوصية.

٥- تمكين العامل بالاتصال بأهله في الخارج هاتفيًا في الشهر، وللعامل الحق في مكالمات إضافية على نفقته الخاصة، وكذلك حقه في مراسلتهم خطيًا.

٦- عدم اصطحاب العامل عند انتقال صاحب المنزل وأسرته إلى دولة أخرى للإقامة المؤقتة إلا بموافقة العامل وبعد إعلام سفارة دولته إذا كان غير أردني.

٧- تامين تذكرة سفر وعلى نفقته للعامل غير الأردني من بلده الى المملكة، وكذلك تذكرة سفر للعودة إلى بلاده في حال مُضي سنتين على عمله لديه.

٨- توفير الرعاية الصحية للعامل.

٩- السماح للعامل بممارسة شعائره الدينية بما لا يتعارض مع النظام العام والآداب، وذلك وفقًا لما نصت عليه (المادة ٤) من نظام العاملين في المنازل.

خامسًا: أركان جريمة سرقة الخادم مال مخدومه

حتى تتحقق جريمة سرقة الخادم مال مخدومه؛ فلا بد من توافر عدة أركان، تتمثل في: الركن المادي، ومحل جريمة السرقة، والركن المعنوي.

الركن الأول: الركن المادي للجريمة:

“يتمثل هذا الركن في النشاط الإجرامي المرتكب من جانب الخادم باختلاس المال أو أخذه بدون رضا المخدوم، فيتحقق هذا الركن بمجرد الاستيلاء على مال منقول يملكه المخدوم دون رضاه، أما فيما يتعلق بأخذ المال فيقوم على عنصرين أحدهما موضوعي، والثاني شخصي، فالعنصر الموضوعي يتمثل في السلوك الإجرامي الذي يصدر عن الخادم باستيلائه على مال الغير، أما العنصر الشخصي فيشترك في تحقيقه كل من الخادم والمخدوم، فالخادم عندما يأخذ مال المخدوم ويكون لديه نية استملاكه، أما بالنسبة للمخدوم فيصدر عنه عدم رضاه عن فعل استيلاء الخادم على ماله، ورضا المخدوم قد يكون صريحًا، وقد يكون ضمنيًا، والرضا الصريح يتم بالتسليم بمعنى أنه يتم بوضع المال تحت تصرف الخادم، والرضا الضمني هو الذي يستمد من سكوت الخادم”([4])

الركن الثاني: محل جريمة السرقة:

ويُقصد بمحل جريمة السرقة بأنه المال المنقول المملوك للمخدوم، فهو يُعد مالًا؛ لأنه ذو قيمة مالية، ومنقول؛ لإمكان حيازته وتملكه ونقله من مكان لآخر؛ لذا فلا تتحقق جريمة سرقة الخادم مال مخدومه إلا إذا كان الشيء محل السرقة تتوافر فيه صفات معينة، وهي على النحو الآتي:

١-أن يكون موضوع السرقة هو مالًا منقولًا:

ويتحقق ذلك بأن يكون الشيء محل السرقة قابل للأخذ، أي للانتزاع والنقل من مكان إلى آخر، وبصرف النظر عن قيمته؛ فالسرقة تتحقق حتى ولو كانت المسروقات التي قام الخادم بسرقتها من مخدومه تافهة، أو ذات قيمة قليلة، ويستعبد بذلك سرقة الأفكار والآراء لأنها ليست قابلة للسرقة؛ كونها أشياءً معنويةً.

٢- أن يكون موضوع السرقة مالًا قابلًا للتملك:

ويشترط هذا الركن أن يكون الشيء محل جريمة السرقة مما يجوز تملكه قانونًا، وذلك بأن يكون الشيء محل السرقة ذا كيان مادي من الممكن لمسه وأخذه، فهناك أشياء خارجة عن نطاق حق التملك بطبيعتها الذاتية فلا يمكن أن يتصور أن تكون محلًا لواقعة السرقة، كالهواء، وضوء الشمس، فتلك الأشياء لا يمكن أن تكون محلًا للتملك؛ وبالتالي تخرج عن حد الحيازة والسرقة.

3- أن يكون المال المنقول مملوكًا للغير(المخدوم):

يشترط القانون لقيام جريمة سرقة الخادم مال مخدومه أن يكون الشيء المختلس مالًا منقولًا مملوكًا للمخدوم، فإذا لم يكن المال داخلًا في ذمته، بأن كان مباحًا، أو متروكًا، أو مملوكًا للخادم، فلا يكون الاستيلاء عليه محلًا لجريمة سرقة.

الركن الثالث: الركن المعنوي (القصد الجنائي):

جريمة السرقة هي اختلاس مال منقول للغير بنية تملكه؛ بالتالي يشترط لتحقيق جريمة سرقة الخادم مال مخدومه أن يتوافر لدى الخادم نية التملك، أو قصد التملك للمال المنقول، وينقسم القصد الجنائي إلى قسمين هما:

1- القصد العام للخادم:

“ويُقصد به أن يكون الخادم عالمًا بأركان الجريمة، أي عالمًا وقت أخذ المال من مخدومه أنه يختلسه بغير رضاه، وأن القانون يجرم ذلك الفعل ويعاقب عليه، وأن يكون عالمًا أن ما يختلسه مال منقول مملوك لمخدومه؛ فالقصد العام ينقسم إلى قسمين هما”([5])

العلم: فلابد أن يعلم الخادم أن المال الذي يختلسه مملوك لمخدومه، وأن فعله ينطوي على سلب لحيازته، وكذلك يعلم أن المال ليس مملوكًا له، وليس من حقه أن يحتفظ بحيازته، أو أن ينتزعه من حيازة مخدومه؛ ولذلك ينتفي القصد الجنائي إذا استولى الخادم على مال الغير معتقدًا خطأ أنه ملكه، وليس مملوكًا للمخدوم، وكذلك الحال إذا استولى الخادم على المال، وكان يعتقد أن ذلك أمرًا مباحًا.

الإرادة: ومعناها أن تتجه إرادة الخادم إلى إخراج المال من حيازة مخدومه، وإدخاله في حيازته، أو حيازة الغير الذي ليس له حق فيها، وأما إذا كان الجاني مكرهًا على ارتكاب الفعل؛ فلا يتوافر القصد في هذه الحالة؛ وبالتالي لا يُشكل عمله جريمة سرقة.

ثانيا: القصد الخاص للخادم:

يعني أن يكون استيلاء الخادم على المنقول بنية إدخاله في حيازته الكاملة أي بنية تملكه؛ وبالتالي فإن الاستيلاء وحده لا يكفي إذا لم يكن مصحوبا بنية التملك، فإذا كان سلب الخادم الشيء بقصد الحيازة المؤقتة؛ فلا تتحقق جريمة السرقة؛ لأن قصد الاستعمال المؤقت للشيء لا يكفي لتحقيق القصد الجنائي.

“ولا تأثير للبواعث والدوافع في جريمة سرقة الخادم مال مخدومه، فمتي اتجهت إرادة الخادم إلى اختلاس الشيء، وكانت نية التملك قائمةً؛ أصبح ذلك كافيًا لتحقيق الجريمة وتستوجب عقاب مرتكبيها، ولا عبرة بالبواعث التي دفعت الجاني للاختلاس، ولا بالغرض الذي يرمي إليه من وراء فعلته؛ فلا يهم أن يكون الباعث على السرقة نفع الغير، أو مجرد الانتقام من المخدوم”([6])

ويشترط في القصد الجنائي أن يكون متوافرًا لدي الخادم وقت الاختلاس نية تلمك المال المنقول المملوك لمخدومه، أي قيام العلم عند الخادم وقت ارتكاب فعله، بأنه يختـلس المنقول المملوك لمخدومه من غير رضا مخدومه بنية امتلاكه.

سادسًا: ما هو القانون الواجب التطبيق على خدم المنازل في القانون الأردني

 “نجد أن المشرع الأردني قد استبعد عمال المنازل من الخضوع لأحكام قانون العمل، ونحن من جانبنا نؤيد هذا الاتجاه، حيث إن خصوصية العلاقة التي تربط عمال المنازل بأصحابها، وأن وجود رابطة وصلة مباشرة بين الخادم وصاحب المنزل تتجاوز حدود علاقة العامل برب العمل، فوجود هذه العلاقة بين المخدومين وعمال المنازل يتمكنوا كلًا منهما من خلالها من الاطلاع على تفاصيل حياتهم الخاصة، والتي من شأنها تعميق الصلة، والروابط فيما بينهم، إلى جانب الثقة المفترضة والمتبادلة، والتي تتأتى كنتيجة طبيعية لطول فترة العمل من ناحية، واطلاع عمال المنازل على أسرار صاحب العمل، الأمر الذي يبرر عدم تقيد المخدوم عند انتهاء هذه العلاقة أو الرابطة بينه وبين الخادم بقيود قانون العمل”([7])

 وهذا ما دفع المشرع الأردني إلى استبعاد عمال المنازل من الخضوع لأحكام قانون العمل، إلا أن هذا الاستبعاد لا يعني أن هذه الفئة لا تخضع لأي تنظيم قانوني، حيث أصدر المشرع الأردني نظام خاص بالعاملين في المنازل ومن في حكمهم، يراعي من خلاله خصوصية العلاقة بين عمال المنازل وأصحابها، فيسري عليهم نظام العاملين في المنازل وطهاتها وبساتينها ومن في حكمهم.

 وهناك كثير من التشريعات الأخرى التي سلكت مسلك المشرع الأردني ذاته، واستبعدت خدم المنازل من الخضوع لأحكام قانون العمل الأردني، ففي دولة فلسطين نجد أن عمال المنازل ومن في حكمهم يسرع عليهم قرار وزير العمل الفلسطيني رقم ٢ لسنة ٢٠١٣م بشأن خدم المنازل، وفي السعودية يسري عليهم لائحة عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم.

سابعًا: عقوبة جريمة سرقة الخادم مال مخدومه

وردت جريمة سرقة الخادم مال مخدومه بموجب (المادة ٤٠٦) من قانون العقوبات الأردني بنصها على أن: “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات على السرقات التي تحصل في حال من الأحوال الآتية: أن يكون السارق خادمًا بأجره، ويسرق مال مخدومه، أو مال شخص أتى إلى بيت مخدومه، أو مال صاحب البيت الذي ذهبت إليه برفقة مخدومه”.

فإذا توافرت صفة الخادم؛ فإنه يعاقب بالعقوبة المشددة لجريمة السرقة الواردة بالمادة السابقة إذا اعتدى على أموال مخدومه بالسرقة، سواء وجد هذا المال تحت يد الخادم أو في أي مكان آخر، وينطبق الظرف المشدد حتى ولو كان المال المسروق غير مملوك للمخدوم طالما كان مملوكًا لأحد الأشخاص الزائرين لمنزل المخدوم، ويتحقق الظرف المشدد في حالة اصطحاب المخدوم لخادمه إلى منزل آخر، وقام الخادم بسرقة هذا المنزل.

“ويرجع تشديد العقوبة في هذه الحالة إلى أن سرقة الخادم لمخدومه تنطوي على إهدار الثقة بالخادم، بالإضافة إلى الضرر الذي وقع على المخدوم جراء سرقة أمواله، فضلًا عن سهولة ارتكاب هذه الجريمة، فالخادم يكون بعيدًا عن الشكوك في حالة سرقة أموال المخدوم، باعتباره أن الخادم يمارس عمله في منزل مخدومه الذي وضع ثقته به، وأتاح له الاطلاع على تفاصيل منزله، وعلم بأماكن حفظ الأشياء، فانتهز ذلك، وارتكب الخادم جريمته”([8])

ثامنًا: السوابق القضائية المتعلقة بجريمة سرقة الخادم مال مخدومه

كما ورد في الحكم (رقم 4030) لسنة 20١9م-محكنة صلح جزاء شرق عمان- الصادر بتاريخ ٣/٦/٢٠١٩م بما نصه: “وباستقراء المحكمة لنص (المادة 406) من قانون العقوبات يتضح لها أن المشرع في هذه المادة قد شدد العقوبة على السرقة عند توافر إحدى هذه الحالات كعناصر للركن المادي لهذه الجريمة ومنها الحالة الثالثة الفقرة الأولى (من حيث أن يكون عامل بالمحل الذي سرق منه): أن يسرق شخص من المحل الذي يعمل فيه، وبتطبيق هذه الأركان على الأفعال المرتكبة من قبل المشتكى عليها بقيامها بأخذ مبلغ نقدي من بيت مخدومها بدون إذنه، كما ورد بشهادة المشتكي وقد توافر القصد الخاص بحق المشتكى عليها من خلال أخذها المال على سبيل التملك إنما تشكل هذه الأفعال بالتطبيق القانوني السليم سائر أركان وعناصر جرم الشروع بالسرقة المسند إليه.

لذا وتأسيسًا على ما تقدم تقرر المحكمة: عملًا بأحكام المادة (177) من الأصول الجزائية إدانة المشتكى عليها بجرم السرقة وفقا لأحكام المادة (406/3/ا) من قانون العقوبات والحكم عليه عملًا بأحكام ذات المادة بالحبس لمدة سنة والرسوم”

كما ورد في الحكم (رقم ١٩٣٥) لسنة 20١9م-محكمة صلح جزاء السلط- الصادر بتاريخ٢٩/٩/٢٠١٩م بما نصه:” وبتطبيق نصوص القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة أن قيام المشتكى عليها بأخذ النقود والخاتم والسلسال العائدة للمشتكية دون علمها ورضاها، واتجاه إرادتها الواعية، والمدركة لارتكاب هذا الفعل، وتحقيق النتيجة المتمثلة بإخراج ذلك المال من حيازة المشتكية، وإدخالها في حيازتها حيازة هادئة مطمئنة؛ فإن أفعالها هذه إنما تشكل كافة الأركان، والعناصر التي تنهض بها المسؤولية الجزائية لجرم السرقة المسند إليها؛ لهذا وحيث ثبت للمحكمة ارتكاب المشتكى عليها للجرم المسند إليه من خلال البينات المقدمة في هذه الشكوى، والتي جاءت متساندة مع بعضها البعض في إثباتها تقرر المحكمة وعملا (بالمادة 177) من الأصول الجزائية إدانة المشتكى عليها بجرم السرقة بحدود (المادة 406/3 /ا) من قانون العقوبات، وعملًا بذات المادة الحكم عليها بالحبس مدة سنة واحدة والرسوم”.

كما ورد في الحكم رقم 307 لسنة 2019 صلح جزاء ناعور-الصادر بتاريخ ٢/٩/٢٠١٩ بما نصه:” وبتطبيق نصوص القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة أن قيام المشتكى عليها وأثناء عملها لدى المشتكية ……. من أفعال والمتمثلة بأخذ مجوهرات من منزلها أثناء عملها لديها كخادمه بسرقة مصاغ ذهبي داخل غرفة النوم، وليرة ذهب، وسلسال ذهب وخاتم على شكل وردة، وسلسال جنزير ناعم، وقيامها بأخذ المسروقات دون علم، وإرادة المشتكية فيكون تحقق بفعل المشتكى عليها الركن المادي لجرم السرقة وهو فعل الأخذ، كما وتجد المحكمة أن المشتكى عليها انصرفت إرادتها لأخذ المصاغ الذهبي العائد للمشتكية، وقامت بالاستيلاء عليه وتمكنها من حيازته حيازة هادئة مطمئنة مع علمها بأن فعلها يشكل جرم قانوني يكون تحقق بفعلها الركن المعنوي لجرم السرقة، ولما كان الأمر ذلك فإن المحكمة لتجد بأن قناعتها الوجدانية قد استقرت على ارتكاب المشتكى عليها للجرم المسند إليها، وهذه القناعة استقرت لدى المحكمة من خلال شهادة المشتكية، ومن خلال اعتراف المشتكي عليها القضائي الحائز على شروطه، وأركانه كاعتراف قضائي ومن خلال ملف القضية التحقيقية، إنما تُشكل كافة أركان وعناصر جرم السرقة خلافًا لأحكام المادتين (406/3/ا) من قانون العقوبات المسند للمشتكى عليها مما يتعين إدانتها به.

لهذا وسندًا لما تقدم تقرر المحكمة ما يلي عملًا بأحكام (المادة ١٧٧) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليها (………….) بجرم السرقة خلافًا لأحكام (المادة 406/3/ا) من قانون العقوبات وعملًا بأحكام المادة ذاتها الحكم عليها بالحبس لمدة سنة واحدة، والرسوم محسوبة لها مدة التوقيف”.

إعداد: محمد محمود

[1] كيره، أصول قانون العمل، ص١٣٧.

[2] د. الهواري، الموسوعة القضائية في منازعات العمل، ص٣٢.

[3]د. محمد إبراهيم أبو الهيجاء، صخر أحمد الخصاونة، التنظيم القانوني لعمل عمال المنازل ومن في حكمهم في التشريعين الأردني والإماراتي، (ص٨٤١).

[4] د. محمد سعيد نمور، شرح قانون العقوبات-القسم الخاص، الجرائم الواقعة على الأشخاص، (ص 32)

[5] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، ص١٢٩.

[6] د. محمد سعيد نمور، الجرائم الواقعة على الأموال في قانون العقوبات الأردني، ص١٤٥.

[7] د. زكي، قانون العمل، (ص٣٧).

[8] د. محمود نجيب حسني، جرائم الاعتداء على الأموال، ص١٨٧.

Scroll to Top