الأحكام الإجرائية والعقوبات لجرائم الصحافة والنشر
حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة بموجب الدستور، لذلك فإن الصحافة تمارس مهنتها بحرية في تقديم الأخبار والمعلومات ونشر الفكر والثقافة والعلوم، إلا أن هذه الحرية ليست على إطلاقها فهي مقيدة باحترام حرمة الحياة الخاصة والالتزام بآداب وأخلاقيات المهنة الصحفية وإلا اعتبر ما يتم نشره في الصحف جرائم تستوجب قيام المسؤولية الجنائية على مرتكبها كأن تقوم الصحف بنشر أخبار كاذبة دون التأكد من مصداقيتها أو إهانة الشعور الديني وغير ذلك من الجرائم التي سوف نوضحها في هذا المقال.
أولاً: المقصود بجرائم الصحافة:
ثانياً: “خصائص جرائم النشر الصحفي”:
ثالثًا: إجراءات وضمانات التحقيق في جرائم الصحافة والنشر
رابعا: القضاء المختص بنظر جرائم الصحافة والنشر
خامسا: العقوبة على جرائم الصحافة والنشر
سادسا: “صور جرائم النشر الصحفي”:
سابعا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بجرائم النشر الصحفي:
وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أولاً: المقصود بجرائم الصحافة:
يقصد بجرائم النشر الصحفي: “ذلك النوع من الجرائم التي تتعلق بالأفكار والعقائد والمذاهب والمبادئ على اختلاف أنواعها وأشكالها سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو فلسفية، وهي تترتب على إساءة استعمال حرية الإعلام بحيث ينجم عنها مسؤولية مدنية أو جنائية أو المسؤوليتين معاً.”[1]
ويقصد بمصطلح الصحافة: عرفت (المادة2) من قانون المطبوعات والنشر الأردني مصطلح الصحافة بقولها: “مهنة إعداد المطبوعات الصحفية، وتحريرها، وإصدارها، وإذاعتها.”
“إذاً فجرائم النشر الصحفي هي: تلك الجرائم التي ترتكب بواسطة الصحافة وتمثل مخالفة لمبدأ حرية التعبير والرأي، وعدم احترام الشرف المهني الصحفي، ومخالفة القيود التي تحكم عمل الصحفي.”
ثانياً: “خصائص جرائم النشر الصحفي”:[2]
تتميز جرائم النشر الصحفي بعدة خصائص تجعلها تختلف عن سائر الجرائم، وهذه الخصائص هي:
- ترتكب هذه الجرائم بواسطة من يمارسون مهنة الصحافة.
- تمتاز بالعلانية بحيث تكون متاحة للجمهور من خلال نشرها.
- تعتبر من الجرائم الوقتية نظراً لكونها تمتاز بالعلانية، والجرائم الوقتية هي التي تكتمل أركانها بمجرد توافر ماديات الجريمة فبمجرد النشر الذي ينطوي على مخالفة حرية التعبير والرأي تكون جريمة النشر الصحفي مستوفية الأركان ولا يشترط القانون لقيامها عناصر أخرى.
- تمثل مخالفة للمبدأ الدستوري الذي يقضي بحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والطباعة المنصوص عليهما في الفقرتين (1و3) من (المادة15) من الدستور الأردني بقولها:
“1.تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط ألا يتجاوز حدود القانون.”
“3.تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون.”
- تتعدى آثار هذه الجرائم الفرد الذي تم المساس بحرمة حياته الخاصة لتشمل الاعتداء على أمن واستقرار الدولة داخليا وخارجيا.
وبجانب العلم بالوقائع القانونية يجب أن يكون الجاني عالماً بالتكييف القانوني للواقعة.
ثالثًا: إجراءات وضمانات التحقيق في جرائم الصحافة والنشر
وسنتناول فيما يلي عنصرين رئيسيين كما سيلي:
أ: استجواب الصحفي في جريمة الذم أو القدح ضد الموظف العام أو من في حكمه
جاء في نص (المادة 192) الفقرة الأولى من قانون العقوبات الأردني ما يلي: “ إذا طلب الذام أن يسمح له بإثبات صحة ما عزاه إلى الموظف المعتدى عليه، فلا يجاب إلى طلبه إلا أن يكون ما عزاه متعلقا بواجبات وظيفة ذلك الموظف أو يكون جريمة تستلزم العقاب قانونا”.
ونصت (المادة 194) من ذات القانون على ما يلي: ” إذا طلب القادح أن يسمح له بإثبات صحة ما عزاه إلى الموظف المعتدى عليه فلا يجاب إلى طلبه إلا أن يكون ما عزاه متعلقا بواجبات ذلك الموظف ويقف موقف الذام وذلك بتحويل عبارات القدح إلى شكل مادة مخصوصة وعندئذ يعامل معاملة الذام “.
وبالرجوع لنص (المادة 192) في فقرتها الأولى السابق عرضها فإننا نجد أن طلب السماح للذام أن يثبت الوقائع المسندة إلى الموظف العام يكون أمراً وجوبياً في حال أن كان ما عزاه له علاقة بواجبات وظيفته أو يكون جريمة تستوجب العقاب، ومن ثم يمكن القول إن ذلك يكون دفعاً جوهرياً طبقا لذلك، ويبنى على عدم قبوله بغير حق أن يكون الحكم معيباً.
وفي حال قدر المتهم على إثبات صحة ما عزاه بواجبات الوظيفة فإن الذام يبرأ، وإن لم يستطع فيحكم عليه بالعقوبة التي قررها القانون للذم بمقتضى (المادة 192/2) من قانون العقوبات الأردني، مع الإشارة أن عبئ الإثبات يقع على عاتق الذام، وذلك تطبيقا لقاعدة أن من يدعي الشيء فعليه إثباته.
ونشير إلى أن القانون لم يحتم الاستجواب إلا في حالات معينة نص القانون عليها، وهي حالة القبض على المتهم، كما أوجب القانون استجواب المتهم قبل أن يأمر بتوقيفه، وفي جرائم الصحافة والنشر فإن الاستجواب يخضع لذات الأحكام والضمانات المقررة في عديد الجرائم الأخرى، ومن ثم فإن الصحفي يخضع كذلك لتلك الإجراءات، مثله مثل باقي أو سائر المتهمين.
ب: التوقيف في جرائم الصحافة والنشر
يجوز للمدعي العام الأمر بالتوقيف في حال أن كان الفعل المسند إلى المشتكى عليه معاقبا عليه بالحبس لمدة تفوق العامين أو بعقوبة جنائية مؤقتة، ومن ثم فإن الجنح المعاقب عليها بالحبس سنتين وأقل والجنح التي يعاقب عليها الغرامة والمخالفات تخرج عن نطاق الجرائم التي يجوز فيها الأمر بالتوقيف.
ولكن المشرع ذكر استثناء على تلك القاعدة، بحيث أنه سمح للمدعي العام أن يقوم بإصدار مذكرة توقيف ضد المشتكي عليه في الفعل المسند إليه، حتى وإن لم يكن هذا الفعل معاقب عليه بالحبس لمدة تزيد عن عامين أو بعقوبة جنائية مؤقتة، وذلك في حالتين، الأولى إن كان الفعل المسند إليه من جرائم السرقة أو الإيذاء أو الإيذاء غير المقصود، أما الثانية في حال لم يكن له محل إقامة ثابت ومعروف في الأردن.
رابعا: القضاء المختص بنظر جرائم الصحافة والنشر
سنتعرض فيما يلي للاختصاص النوعي بنظر جرائم الصحافة والنشر، ثم للاختصاص المحلي أو المكاني.
أ: الاختصاص النوعي بنظر جرائم الصحافة والنشر
لا تزال الأردن تعتمد أغلب قضايا المطبوعات والنشر التي نص عليها في قانون العقوبات للمحاكم الاستثنائية والتي تتمثل في محكمة أمن الدولة، ومن ثم فهي تخرج بنصوص قانونية صريحة وباجتهاد لمحكمة التمييز عن الاختصاص الأصيل لمحكمة البداية، والتي قام القانون بتحديدها للنظر في قضايا الصحافة والنشر، بيد أنه يعد صدور قانون المطبوعات والنشر رقم 27 لسنة 2007 وإضافة عبارة : ” على الرغم مما ورد في أي قانون آخر” في مطلع المادة (41/أ/1) فإن هذا النص يقطع بدون شك أن محكمة البداية هي المختصة حصرا بالنظر في كافة الجرائم المتعلقة بالمطبوعات والنشر أو بالجرائم التي ترتكب بواسطة المطبوعات.
ويُمكن القول أن ضابط الاختصاص في جرائم الصحفة والنشر هو ” طبيعة الحق المعتدى عليه” ففي حال كانت الجنحة الصحفية مضرة بالمصلحة العامة فإن محكمة الجنايات تكون هي المختصة بالفصل في الدعوى التي تنشأ عنها، مثل إهانة أو سب رئيس الجمهورية أو الاعتداء على الآداب العامة أو إهانة وسب مجلس الشعب أو غيره من الهيئات العامة الحكومية أو الموظفين العمومين الملحقين بتلك المؤسسات، ولكن إذا كانت الجنحة الصحفية كالسب أو القذف ضد أحد الناس أو السب الذي يتم ارتكابه ضد الموظف العام باعتباره فردا عاديا أو من في حكمه، فإن المحكمة المختصة تكون هي المحكمة الجزئية وذلك طبقا للقواعد العامة.[3]
ب: الاختصاص المكاني أو المحلي ينظر جرائم الصحافة والنشر
فيما يتعلق بجرائم الصحافة والنشر فإن الاختصاص القضائي ينعقد مكانيا للمحكمة التي وقعت الجريمة في دائرتها أو تلك التي يسكن المتهم في دائرتها أو مكان إلقاء القبض عليه.
وبناء على أن جرائم الصحافة والنشر تتجسد بحسب الأصل في واقعة النشر فإنها تُعتبر مرتكبة في دائرة كل محكمة يجرى نشر الكتابة فيها، وبناء على كون الجريمة الصحفية متتابعة الأفعال أو مستمرة فإنها على ذلك تعتبر مرتكبة في دائرة كل محكمة يتحقق فيها الاستمرار وكذلك أي فعل من الأفعال المتتابعة.[4]
خامسا: العقوبة على جرائم الصحافة والنشر
العقوبة التي يتم فرضها على جرائم الصحافة والنشر هي ذاتها العقوبة التي نص عليها في قانون العقوبات الأردني بغض النظر أكانت تكديريه أو جنحيه أو جنائية، بحيث أن أنواع العقوبات ذكرها قانون العقوبات الأردني في (المواد 14 و 14 و 16) وتكون بحسب الجريمة، ففي حال كانت الجريمة جنائية فعقوبتها جنائية، وإن كانت مخالفة فعقوبتها تكديريه، وإن كانت جنحة فعقوبتها جنحية، وكافة العقوبات التي نص عليها في ذلك القانون هي عقوبات مالية وغرامات، ويلاحظ أن نصوص قانون العقوبات هي النافذة على جرائم المطبوعات في المملكة باستثناء نصوص قليلة في قانون المطبوعات.
ورغم تنوع العقوبات المالية التي يقررها القانون إلا أن الغرامة تعتبر هي العقوبة الأصلية الوحيدة من بينها، وهي تعني إلزام المحكوم عليه بدفع مبلغ معين من المال يخضع لسلطة تقديرية للقاضي وتذهب لخزانة الدولة.[5]
والجدير بالذكر أنه هناك عقوبات تكميلية أو تبعية تكون ملحقة إلى جانب العقوبات الأصلية، ومن أمثلة هذه العقوبات العزل من الوظيفة والحرمان من الحقوق أو مراقبة الشرطة أو مصادرة بعض الأشياء الممنوعة.
سادسا: “صور جرائم النشر الصحفي”:[6]
تتخذ جرائم النشر الصحفي صور عدة من بينها:
1. جريمة المس بكرامة الملك والأسرة المالكة:
نصت (المادة 195) من قانون العقوبات الأردني المتعلقة بإطالة اللسان على الملك والملكة وولي العهد على أن: “1.يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من:
- ثبتت جرأته بإطالة اللسان على جلالة الملك.
- أرسل رسالة خطية، أو شفوية، أو إلكترونية، أو أي صورة ،أو رسم هزلي إلى جلالة الملك أو قام بوضع تلك الرسالة أو الصورة أو الرسم بشكل يؤدي إلى المس بكرامة جلالته أو يفيد بذلك وتطبق العقوبة ذاتها إذا حمل غيره على القيام بأي من تلك الأفعال.
ج. أذاع بأي وسيلة كانت ما تم ذكره في البند(ب) من الفقرة(1) من هذه المادة ونشره بين الناس.
د. تقول أو افترى على جلالة الملك بقول أو فعل لم يصدر عنه أو عمل على إذاعته ونشره بين الناس.
2.يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في الفقرة(1)من هذه المادة إذا كان ما ورد فيها موجهاً ضد جلالة الملكة، أو ولي العهد ،أو أحد أوصياء العرش ،أو أحد أعضاء هيئة النيابة.”
إذاً يتضح من خلال نص المادة السابق ذكرها أنه في حالة قيام إحدى الصحف بنشر ما من شأنه المساس بكرامة جلالة الملك أو الأسرة الملكية فإن مرتكب هذا الفعل يكون مستحقاً للعقوبة المقررة قانوناً.
2. جرائم المس بالمعتقدات الدينية:
نصت (المادة38) من قانون المطبوعات والنشر الأردني لسنة 1998على ما يحظر نشره بقولها: “يحظر نشر أي مما يلي:
- ما يشتمل على تحقير أو قدح أو ذم إحدى الديانات المكفولة حريتها بالدستور، أو الإساءة إليها.
- ما يشتمل على التعرض أو الإساءة لأرباب الشرائع من الأنبياء بالكتابة، أو بالرسم، أو بالصورة، أو بالرمز، أو بأي وسيلة أخرى.
- ما يشكل إهانة الشعور، أو المعتقد الديني ،أو إثارة النعرات المذهبية ،أو العنصرية.”
كما بينت (المادة46) من ذات القانون العقوبات المقررة لمن يخالف المادة(38) السابقة الذكر بقولها: “د. كل من يخالف أحكام الفقرات(أ) و(ب) و(ج) من المادة(38) من هذا القانون، يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار”
وكذلك نصت (المادة273) من قانون العقوبات الأردني المتعلقة بإطالة اللسان على الأديان على أن: “من ثبتت جرأته على إطالة اللسان علناً على أرباب الشرائع من الأنبياء يحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.”
إذا يتضح من خلال النصوص السالف ذكرها أن قيام الصحفي بنشر كل ما من شأنه المساس بالدين أو الأنبياء يعتبر جرائم نشر صحفية مخالفة لما يحظر على الصحف نشره بمقتضى قانون المطبوعات والنشر ويستلزم توقيع العقوبة المقررة قانوناً على فاعله.
3. جرائم النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي:
نصت (المادة130) من قانون العقوبات الأردني المتعلقة بإضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعرات على أن: “5. النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي:
” من قام في المملكة زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاية ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالأشغال المؤقتة.”
فإذا قامت الصحف بنشر ما من شأنه البث في نفوس الجمهور بإضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة في وقت تكون الدولة بحاجة إلى تكاتف أبناءها نظراً لكونها في حالة حرب أو توقع نشوب الحرب فإن ما تقوم الصحف بنشره في هذه الحالة يعتبر جرائم نشر صحفي تستلزم توقيع العقوبة المقررة قانوناً.
4. “جرائم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة”[7]:
“يقصد بالشائعات: الأخبار الكاذبة التي من شأنها زعزعة أمن واستقرار الدولة سواء تعلقت بالناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية”.
وقد نصت (المادة130) من قانون العقوبات الأردني على أن: “من قام في المملكة زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاية ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة.”
كما نصت (المادة131) من ذات القانون على أن: “1.يستحق العقوبة المبينة في المادة السابقة من أذاع في المملكة في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة.
2.إذا كان الفاعل قد أذاع هذه الأنباء وهو يعتقد صحتها عوقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.”
وفيما يتعلق بالناحية الاقتصادية نصت (المادة152) من ذات القانون والمتعلقة بإذاعة وقائع ملفقة لزعزعة الثقة في النقد الوطني على أن: “من أذاع بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة(73) وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة لإحداث التدني في أوراق النقد الوطنية أو لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الاسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامة يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على مائة دينار.”
وتنص الفقرة الثانية والثالثة من (المادة 73) من ذات القانون على أن: “تعد وسائل للعلنية:
2.الكلام أو الصراخ سواء جهر بهما أو نقلا بالوسائل الآلية بحيث يسمعها في كلا الحالين من لا دخل له في الفعل.
3.الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها إذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على أكثر من شخص أو نشرت بوسائل إلكترونية تمكن العموم من قراءتها أو مشاهدتها دون قيد.”
إذاً يتضح من خلال النصوص سالفة الذكر أنه في حال قيام إحدى الصحف بنشر الشائعات والأخبار الكاذبة سواء تعلقت بالناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية للدولة مما ترتب عليها زعزعة الأمن والاستقرار فإن ذلك يمثل مخالفة لآداب مهنة الصحافة وأخلاقياتها الملزمة للصحفي المنصوص عليها في (المادة 7) من قانون المطبوعات والنشر الأردني والتي تشمل:
“ج. التوازن والموضوعية والنزاهة في عرض المادة الصحفية.
د. الامتناع عن نشر كل ما من شأنه التحريض على العنف أو الدعوة إلى إثارة الفرقة بين المواطنين بأي شكل من الأشكال.”
كما نصت (المادة43) من قانون نقابة الصحفيين على أن: “يلتزم الصحفي بالمحافظة على سرية مصادر معلوماته، كما يلتزم بالتحقق من صحة المعلومات والأخبار قبل نشرها.”
وقيام الصحفي بنشر أخبار كاذبة دون التأكد من مصداقيتها قد تحرض على العنف وإثارة الفرقة والشحناء بين المواطنين، وتخالف أيضاً حرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً للصحافة ومن ثم يكون مسؤول جنائياً عن تلك الشائعات والأخبار الكاذبة التي يقوم بنشرها.
5.الجرائم الماسة بحسن سير العدالة:
نصت (المادة224) من قانون العقوبات الأردني على حظر نشر الأخبار التي تؤثر على القضاة والشهود بقولها: “كل من نشر أخباراً أو معلومات أو انتقادات من شأنها أن تؤثر على أي قاض أو شاهد أو تمنع أي شخص من الإفضاء بما لديه من المعلومات لأولي الأمر يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تتجاوز مائتي دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”
ونصت (المادة225) من ذات القانون على ما يحظر نشره بقولها: “يعاقب بالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسة وعشرين ديناراً من ينشر:
1.وثيقة من وثائق التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية.
2.محاكمات الجلسات السرية.
3.المحاكمات في دعوى السب.
4.كل محاكمة منعت المحكمة نشرها.”
كما نصت (المادة 39)من قانون المطبوعات والنشر الأردني على أن: “أ. يحظر على المطبوعة الصحفية نشر محاضر التحقيق المتعلقة بأي قضية قبل إحالتها إلى المحكمة المختصة إلا إذا أجازت النيابة العامة ذلك.
ب .للمطبوعة الصحفية حق نشر محاضر جلسات المحاكم وتغطيتها ما لم تقرر المحكمة غير ذلك حفاظاً على حقوق الفرد، أو الأسرة، أو النظام العام ،أو الآداب العامة.”
كذلك نصت الفقرة (ج) من (المادة46) من قانون المطبوعات والنشر الأردني على أن:
“ج. إذا نشرت المطبوعة الدورية ما يخالف أي حكم من أحكام المادة(39)من هذا القانون تعاقب بغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار ولا يحول ذلك دون ملاحقة المسؤول جزائياً وفق أحكام القوانين النافذة.”
إذاً يتضح من خلال النصوص سالفة الذكر أن حرية الصحافة ليست مطلقة، بل هي مقيدة بعدة أمور من بينها حظر نشر كل ما من شأنه التأثير على القضاة والشهود مما يترتب عليه عرقلة حسن سير العدالة، كذلك حظر نشر محاضر التحقيق ومحاضر جلسات المحاكم بغير إذن لأن في ذلك إضرار بسمعة المتهم إذ الأصل في الإنسان البراءة ما لم يثبت العكس والأمر لا يقتصر فقط على سمعة المتهم، بل أيضا يشمل سمعة أسرته مما يلحق بهم ضرراً جسيماً.
فإذا لم تلتزم الصحف بهذه الأمور فإن ذلك يمثل مخالفة للالتزام المهني الصحفي طبقاً لنص (المادة43) من قانون نقابة الصحفيين بأن: “يلتزم الصحفي بالمحافظة على سرية مصادر معلوماته، كما يلتزم بالتحقق من صحة المعلومات والأخبار قبل نشرها.”
6.جرائم الذم والقدح:
بينت (المادة188) من قانون العقوبات الأردني المقصود بمصطلحي الذم والقدح بقولها: “1.الذم: هو إسناد مادة معينة إلى شخص- ولو في معرض الشك والاستفهام- من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا.
2.القدح: هو الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره- ولو في معرض الشك والاستفهام- من دون بيان مادة معينة.”
وقد نصت (المادة38) من قانون المطبوعات والنشر الأردني لسنة 1998على ما يحظر نشره بقولها: “يحظر نشر أي مما يلي:
- ما يشتمل على تحقير أو قدح أو ذم إحدى الديانات المكفولة حريتها بالدستور، أو الإساءة إليها.
- ما يشتمل على التعرض أو الإساءة لأرباب الشرائع من الأنبياء بالكتابة، أو بالرسم، أو بالصورة، أو بالرمز، أو بأي وسيلة أخرى.
ج. ما يشكل إهانة الشعور، أو المعتقد الديني ،أو إثارة النعرات المذهبية ،أو العنصرية.
- ما يشتمل على ذم أو قدح أو تحقير للأفراد أو يمس حرياتهم الشخصية أو ما يتضمن معلومات أو إشاعات كاذبة بحقهم.”
كما بينت (المادة46) من ذات القانون العقوبات المقررة لمن يخالف (المادة38) السابقة الذكر بقولها: “د. كل من يخالف أحكام الفقرات(أ) و(ب) و(ج) من المادة(38) من هذا القانون، يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار.
ه. كل من يخالف أحكام الفقرة(د) من المادة (38) من هذا القانون، يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار ولا تزيد على ألف دينار.”
وقد أوضحت (المادة 4/189) من قانون العقوبات الأردني الشروط الواجب توافرها في جريمتي الذم والقدح بقولها: “لكي يستلزم الذم أو القدح العقاب يشترط فيه أن يقع على صورة من الصور الآتية:
4.الذم والقدح بواسطة المطبوعات وشرطه أن يقع:
أ. بواسطة الجرائد والصحف اليومية أو المؤقتة.
ب. بأي نوع كان المطبوعات ووسائط النشر.”
كما نصت (المادة358) من ذات القانون على أن: “يعاقب كل من ذم آخر بإحدى الصور المبينة في المادة(188) بالحبس من شهرين إلى سنة.”
و(المادة 359) على أن: “يعاقب على القدح بأحد الناس المقترف بإحدى الصور المذكورة في المادتين (188و189) وكذلك على التحقير الحاصل بإحدى الصور الواردة في المادة(190) بالحبس من أسبوع إلى ثلاثة أشهر أو بالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسة وعشرين ديناراً.”
إذاً يتضح من خلال النصوص سالفة الذكر أنه في حالة قيام الصحف بنشر ما من شأنه ذم وقدح لأحد الأشخاص والتشهير به فإن ذلك يمثل مخالفة لآداب وأخلاقيات المهنة الصحفية المنصوص عليها في (المادة7) من قانون المطبوعات والنشر الأردني التي تقضي باحترام الحريات العامة للآخرين وحفظ حقوقهم وعدم المس بحرمة حياتهم الخاصة، وتعتبر جرائم تستلزم قيام المسؤولية الجنائية لمرتكبها.
سابعا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بجرائم النشر الصحفي:
قررت محكمة التمييز بصفتها الجزائية في الحكم رقم 1482لسنة 2020 الصادر بتاريخ 20/7/2020 ما يلي:
“ثالثاً:- بالنسبة لجرم نشر إشاعات كاذبة وفقا لأحكام المادة د/38من قانون المطبوعات والنشر وبدلالة المادة 46 من ذات القانون مكرر ثلاث مرات.
نصت المادة (د/ 38) من قانون المطبوعات والنشر على أنه ( يحظر نشر أي مما يلي :
د. ما يسئ لكرامة الأفراد وحرياتهم الشخصية أو ما يتضمن معلومات أو إشاعات كاذبة بحقهم).ونصت المادة (ه/46) من قانون المطبوعات والنشر على أنه: (كل من يخالف أحكام الفقرة (د) من المادة (38) من هذا القانون ، يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار ولا تزيد على ألف دينار) .
وهذا الجرم يتطلب توفر ركنين، وهما:-
1-الركن المادي، وهو سلوك إيجابي يتمثل بنشر ما يتضمن إساءة لكرامة الأفراد وحرياتهم الشخصية أو يتضمن معلومات أو إشاعات كاذبة بحقهم.
2-الركن المعنوي، ويقصد به إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون، بحيث تتجه إرادة الجاني لارتكاب الفعل مع علمه ادراكه لكافة عناصر هذا الفعل وبالنتيجة المترتبة عليه.
ولم يثبت للمحكمة بأن ما ورد في الخبر الصحفي هو صحيح أو أن المدعى عليهم بالحق الشخصي قد قاموا بنشر وقائع حسب ما برزت على أرض الواقع أو أنهم قد تحروا الحقيقة، بالإضافة الى أن بينة النيابة قد أثبتت عدم صحة ما ورد في الخبر، مما يجعل من فعلهم يشكل جرم نشر إشاعات كاذبة بحق الأفراد تمثلت بقيام الإدارة الحالية برئاسة رئيس مجلس الإدارة المدعي بالحق الشخصي عامر المجالي، والرئيس التنفيذي المدعي بالحق الشخصي ……، ببيع الفوسفات لشركة هندية بعقود تضمنت أسعاراً تقل عن الأسعار الواردة في النشرة العالمية لأسعار الفوسفات، واتهام الإدارة الحالية بهدر وتضييع ثروات الشركة وملايين الدولارات على المساهمين فيها، وإن الشركة وفي عهد الإدارة السابقة (……) كانت تحقق أرباح بمئات الملايين، وأما الآن فالشركة تحقق خسارة في البيع.”
إعداد: أبرار سيد.
[1] أشرف فتحي الراعي، جرائم الصحافة والنشر، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان2010،ص99.
[2] انظر: أوشن، حنان، جرائم النشر بين الشريعة والقانون، موقع دار المنظومة، ص261.
[3] على محمود موسى مساعدة، جرائم الصحافة والنشر المضرة بالمصلحة العامة، رسالة دكتوراه، عمان، ص 264 و265
[4] عمر سالم، ، نحو قانون جنائي للصحافة، دار النهضة العربية، ص 248
[5] د محمود نجيب حسني، القسم العام، شرح قانون العقوبات ،دار النهضة العربية، ص 708
[6] انظر: العنزي، فيصل عيال، المرجع السابق، ص92وما بعدها.
[7] انظر: جرادات، سيرين أسامة محمد، المسؤولية الجنائية لمروجي الشائعات عبر شبكات التواصل الاجتماعي دراسة فقهية وقانونية، موقع دار المنظومة، ص٩٤وما بعدها.

