المنافسة غير المشروعة
إن المنافسة تُعد من الأمور المهمة والمبادئ الأساسية في النظام الرأسمالي الحر الذي يقضي بحرية المنافسة بين التجار؛ لاجتذاب جمهور المستهلكين والعملاء، حيث يترتب على المنافسة المشروعة تقديم السلع الأكثر جودة والأقل سعرًا؛ مما يعود بالنفع على المستهلكين بشكل خاص وعلى المجتمع بشكل عام. غير أن التجار قد يلجؤون سعيًا منهم لجذب المزيد من العملاء إلى وسائل غير مشروعة؛ وهو ما يعد من قبيل المنافسة غير المشروعة؛ لذا فكان يستوجب على المشرع حماية المتضرر من تلك الممارسات وحماية المؤسسات التجارية والمتاجر من خلال توفير حماية مدنية لأي طرف متضرر، وتكون هذه الحماية بواسطة دعوى المنافسة غير المشروعة. وسوف نتناول في هذا المقال جميع ما يتعلق بالمنافسة غير المشروعة، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
ثانيًا: صور وأساليب المنافسة غير المشرعة
ثالثًا: وسائل الحد من المنافسة غير المشروعة
رابعًا: الأساس القانوني لقيام دعوى المنافسة غير المشروعة
خامسًا: شروط دعوى المنافسة غير المشروعة
سادسًا: إجراءات دعوى المنافسة غير المشروعة
سابعًا: الآثار المترتبة على دعوى المنافسة غير المشروعة
ثامنًا: تقادم دعوى المنافسة غير المشروعة
تاسعًا: السوابق القضائية المتعلقة بالمنافسة غير المشروعة
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريفات هامة
يخلو القانون الأردني من وضع تعريف للمنافسة غير المشروعة، ويمكن تعريف المنافسة غير المشروعة على أنها: “فعل أو عمل غير مشروع يُراد به الإضرار بشخص منافس أو تحقيق مكاسب مادية على حسابه في مجالات التجارة أو الصناعة والمال والخدمات وغيرها”([1]).
كما تُعرف دعوى المنافسة غير المشروعة على أنها: “الدعوى التي يمكن أن يقيمها التاجر الذي أصابه ضرر جراء إتباع تاجر آخر لأساليب غير مشروعة للتأثير على زبائنه أو المساس بسمعته التجارية أو لمعرفة أسراره التجارية واستخدامها”([2]).
ثانيًا: صور وأساليب المنافسة غير المشرعة
كان يشوب قوانين الملكية الصناعية والتجارية نقص تشريعي في بعض جوانب الحماية من أعمال المنافسة غير المشروعة، غير أن المشرع الأردني تداركه في قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية، فأورد المشرع في هذا القانون الأحكام الكفيلة بالإحاطة بكافة صور وأساليب المنافسة غير المشروعة، فقام بوضع معيارًا عامًا ينطبق على أي عمل غير مشروع في النشاط التجاري، ويعتبرها من قبيل أعمال المنافسة غير المشروعة.
فتناولت (المادة 2/ أ) من القانون سالف الذكر بعض الصور والأساليب التي تتعارض مع الممارسات الشريفة في الشؤون الصناعية أو التجارية في المنافسة التجارية وذلك بنصها على أن: “أ. يُعتبر عملًا من أعمال المنافسة غير المشروعة كل منافسة تتعارض مع الممارسات الشريفة في الشؤون الصناعية أو التجارية وعلى وجه الخصوص ما يلي:
- الأعمال التي بحكم طبيعتها تسبب لبسًا مع منشأة أحد المنافسين، أو منتجاته، أو نشاطه الصناعي ،أو التجاري.
- الادعاءات المغايرة للحقيقة في مزاولة التجارة والتي قد تسبب نزع الثقة عن منشاة أحد المنافسين، أو منتجاته، أو نشاطه الصناعي ،أو التجاري.
- البيانات أو الادعاءات التي قد يسبب استعمالها في التجارة تضليل الجمهور فيما يتعلق بطبيعة المنتجات، أو طريقة تصنيعها ،أو خصائصها، أو كمياتها، أو صلاحياتها للاستعمال.
- أي ممارسة قد تنال من شهرة المنتج أو تُحدث لبسًا فيما يتعلق بمظهره الخارجي أو طريقة عرضه أو قد تضلل الجمهور عند الإعلان عن سعر المنتج أو طريقة احتسابه.
ب. إذا كانت المنافسة غير المشروعة متعلقة بعلامة تجارية مستعملة في المملكة سواء أكانت مسجلة أم غير مسجلة وتؤدي إلى تضليل الجمهور فتطبق في هذه الحالة أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة.
ج. تسري الأحكام الواردة في الفقرتين (أ) و (ب) من هذه المادة على الخدمات حسب مقتضى الحال”.
ومما يجدر الإشارة إليه أن هذه الصور التي أوردها المشرع الأردني في القانون سالف الذكر جاءت على سبيل المثال لا الحصر، إذ يمكن للقضاء القياس عليها لإضافة أي عمل يتعارض مع المنافسة الشريفة في الشؤون التجارية والصناعية واعتباره من قبيل أعمال المنافسة غير المشروعة.
ثالثًا: وسائل الحد من المنافسة غير المشروعة
هناك العديد من الوسائل للحد من المنافسة غير المشروعة، ومن ضمن هذه الوسائل ما وردَّ في (المادة 818) من القانون المدني الأردني التي منحت صاحب العمل الحق في الاتفاق مع تابعيه على عدم منافسته أو حتى الاشتراك في عمل ينافسه بعد انتهاء العقد، إذ نصت المادة المذكورة على أنه: “إذا كان العامل يقوم بعمل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشأة، جاز للطرفين أن يتفقا على ألا يجوز للعامل أن ينافس صاحب العمل أو يشترك في عمل ينافسه بعد انتهاء العقد”. وقد اشترط المشرع الأردني لكي يكون شرط عدم المنافسة صحيحًا وقانونيًا أن يتضمن التالي:
- أن تكون طبيعة العمل تقتضي الاضطلاع على أسرار العمل، وأن يكون إفشاء هذه الأسرار يشكل ضررًا لصاحب العمل إذا عرفها منافس.
- أن يكون الشرط محددًا بالزمان، بحيث يتم تحديد المدة الزمنية لشرط عدم المنافسة ولا يكون الزمن مطلقًا.
- أن يكون الشرط محددًا بالمكان، بحيث يتم تحديد المكان الذي يحظر على العامل العمل فيه، مع ضرورة عدم كون هذه المساحة الجغرافية واسعة.
- تحديد طبيعة ونوع العمل التي يحظر على العامل العمل فيها بحيث إذا انتقل العامل إلى شركة منافسة بمسمى مختلف عن المذكور في الشرط لا يعتبر ذلك مخالفًا لشرط عدم المنافسة.
كما أنه يُعد من ضمن وسائل الحد من المنافسة غير المشروعة ما قرره المشرع من حق المتضرر في إقامة دعوى ضد من انتهك قواعد المنافسة المشروعة، ومطالبته بجميع الأضرار التي نتجت عن قيامه بالمنافسة غير المشروعة.
رابعًا: الأساس القانوني لقيام دعوى المنافسة غير المشروعة
كثيرًا ما يُثار الخلاف فيما يتعلق بشأن الأساس القانوني لدعوى المنافسة غير المشروعة، وذلك لعدم وجود قواعد قانونية خاصة تنظم المسؤولية عن الأعمال التي تعد من قبيل المنافسة غير المشروعة، فلم ينظم المشرع الأردني هذه الدعوى ولم يبين شروطها ولا أساسها؛ لذلك حاول الفقه والقضاء البحث عن أساس قانوني لهذه الدعوى. ويمكن في هذا الصدد أن نميز بين اتجاهين رئيسيين على النحو التالي:
- تأسيس دعوى المنافسة غير المشروعة استنادًا لقواعد الفعل الضار:
“حرص المشرع الأردني على حماية المتجر من أعمال التجار غير المشروعة، ومن مظاهر هذه الحماية وجود بعض النصوص القانونية، وذلك من خلال قانون المنافسة غير المشروعة الأسرار التجارية، فنصت (المادة 3/ أ) على أن: (لكل ذي مصلحة المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر نتيجة أي منافسة غير مشروعة)، كما نص القانون ذاته على بعض الأعمال والممارسات غير المشروعة حيث بالإمكان استيعاب أي تطور يطرأ في استخدام هذه الأعمال والممارسات غير المشروعة في المنافسة التجارية وعلى هذا يعتبر قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية هو الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض وذلك استنادًا لنص (المادة 256) من القانون المدني الأردني”([3]).
“فالمنافسة التي تترتب عليها مساءلة فاعليها تقوم على أساس المسؤولية التقصيرية. فالدعوى المؤسسة على المنافسة غير المشروعة لا تخرج عن دعوى مسؤولية عادية أساسها الفعل الضار فيحق لكل من أصابه ضرر من فعل المنافسة غير المشروعة أن يرفع دعوى طلب تعويض ما أصابه من ضرر من جرائها على كل من شارك في إحداث هذا الضرر متى توافرت شروط تلك الدعوى، ألا وهي الخطأ والضرر ورابطة السببية بين الخطأ والضرر”([4]). وقد ذهب أغلب الفقه والقضاء العربي إلى إسناد دعوى المنافسة غير المشروعة على أساس أنها مسؤولية تقصيرية تنطبق عليها أحكام هذه الدعوى مع ضرورة مراعاة الطبيعة الخاصة لدعوى المنافسة غير المشروعة.
- تأسيس دعوى المنافسة غير المشروعة استنادًا لنظرية التعسف في استعمال الحق:
ذهب جانب من الفقه إلى تأسيس دعوى المنافسة غير المشروعة على أساس نظرية التعسف في استعمال الحق. إذ يعتبرون دعوى المنافسة غير المشروعة جزاءً للتعسف في استعمال الحق، وحجتهم في ذلك أن المنافسة غير المشروعة هي عمل مشروع في الأصل، فللتاجر الحق في منافسة غيره من التجار بشرط مشروعية الأعمال التي يقوم بها، أما إذا قام في سبيل منافسته لغيره من التجار بأعمال غير مشروعة، فإنه والحال هذه لا يعد مرتكبًا لخطأ يوجب قيام المسؤولية التقصيرية، وإنما يعد متعسفًا في استعمال الحق المقرر له والمألوف طبقًا للعادات والأعراف التجارية.
وتجب الإشارة إلى أن المشرع الأردني قد حدد في القانون المدني أربع حالات لا بد من توافرها حتى يمكن القول بقيام التعسف في استعمال الحق فنصت (المادة 66/ 2) منه على أن: “ويكون استعمال الحق غير مشروع:
- إذا توافر قصد التعدي.
- إذا كانت المصلحة المرجوة من الفعل غير مشروعة.
- إذا كانت المنفعة منه لا تتناسب مع ما يصيب الغير من الضرر.
- إذا تجاوز ما جرى عليه العرف والعادة”، ويقع عبء إثبات التعسف الذي وقع من صاحب الحق عند استعماله حقه على المدعي وفقًا للقواعد العامة التي تقضي بأن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
“ويؤخذ على من أسس دعوى المنافسة غير المشروعة على أساس نظرية التعسف في استعمال الحق أن أحكام هذه الدعوى لا يمكن أن تعتبر تطبيقًا لأي معيار من المعايير المأخوذ بها في نظرية التعسف في استعمال الحق، وحجتهم في ذلك أن أحكام دعوى المنافسة غير المشروعة لا ينطبق عليها أهم معايير التعسف في استعمال الحق وهو معيار قصد الإضرار، باعتبار أن قصد الإضرار بالغير يكمن في صميم كل منافسة ولو كانت منافسة مشروعة”([5]).
خامسًا: شروط دعوى المنافسة غير المشروعة
تقضى القواعد العامة بمسؤولية كل شخص عن عمله، وخروجًا عن هذا الأصل فإنه قد يُسأل الشخص أحيانًا عن أفعال غيره ممن هم تحت رقابته أو تبعيته، كما هو الحال في مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه ومسؤولية متولي الرقابة عمن تحت رقابته، فالمسؤولية هنا تعد استثناءً على الأصل العام.
أما فيما يتعلق بشروط دعوى المنافسة فهي الشروط الخاصة ذاتها بدعوى المسؤولية التقصيرية، بيد أنه يتوجب مراعاة ما تتمتع به هذه الدعوى من طبيعة خاصة، وقد سبقت الإشارة إلى أن الأساس القانوني الذي تستند إليه دعوى المنافسة غير المشروعة هو ذاته الأساس الذي تستند إليه المسؤولية التقصيرية، فلكل منهما نفس الشروط ألا وهي (الخطأ، والضرر، ورابطة السببية بينهما).
سادسًا: إجراءات دعوى المنافسة غير المشروعة
منح المشرع الأردني للمدعي في دعوى المنافسة غير المشروعة الحق في التقدم بمجموعة من الطلبات كوقف المنافسة والحجز التحفظي والمحافظة على الأدلة ذات الصلة، وبالرجوع إلى قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني نجد أنه تم النص في (المادة 3/ ج) على جواز تقديم هذه الطلبات قبل رفع الدعوى أو أثناء النظر هذه الطلبات من قبل المحكمة، وتتمثل هذه الطلبات فيما يلي:
- وقف ممارسات تلك المنافسة.
- الحجز التحفظي على المواد والمنتجات ذات العلاقة أينما وجدت.
- المحافظة على الأدلة ذات الصلة، وذلك بناءً على ما نصت عليه (المادة 3/ب) من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني، وقد أجاز المشرع في المادة ذاتها تقديم هذه الطلبات قبل إقامة الدعوى الأصلية، ولكنه اشترط في هذه الحالة توافر أحد الأسباب الآتية: أن المنافسة قد ارتكبت ضد صاحب المصلحة، أو أنها وشيكة الوقوع وقد تلحق ضررًا يتعذر تداركه، أو الخشية من اختفاء الدليل على المنافسة أو إتلافه.
ولم يحدد قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني المحكمة المختصة بنظر هذه الدعوى، وبالرجوع إلى قانون المنافسة الأردني نجده قد منح الاختصاص بنظر الدعاوى المخلة بالمنافسة إلى محكمة بداية، وذلك استنادًا إلى ما نصت عليه (للمادة 16) منه. وكذلك ما ورد في (المادة 30) من قانون أصول المحاكمات المدنية، فقد منحت الاختصاص بنظر الدعاوى التي لا تدخل في اختصاص محكمة أخرى بمقتضى أي قانون نافذ المفعول، وكذلك الاختصاص بنظر الطلبات المستعجلة وجميع الطلبات المرتبطة بالطلب الأصلي مهما كانت قيمتها أو نوعها إلى محكمة بداية.
سابعًا: الآثار المترتبة على دعوى المنافسة غير المشروعة
يُعد من أهم أثار دعوى المنافسة غير المشروعة الحكم بتعويض المضرور عما أصابه من ضرر، هذا بالإضافة إلى المصادرة والإتلاف ونشر الحكم، وبيان ذلك على النحو التالي:
- التعويض:
بتوافر الشروط اللازمة لرفع دعوى المنافسة غير المشروعة؛ ينشأ الحق للمتضرر برفع الدعوى والمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به من جراء فعل المنافسة غير المشروعة، ويتقرر التعويض نتيجة إلحاق الضرر بالغير نظرًا لما يسببه ذلك الضرر من وآثار مالية وغير مالية، ونظرًا لعدم وجود قواعد خاصة بأحكام وشروط التعويض في قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني فيتم الرجوع إلى القواعد العامة في القانون المدني الأردني، وسنكتفي في هذا الصدد ببيان أنواع التعويض، وطرق الحصول عليه، وتقديره، وذلك على النحو التالي:
- أنواع التعويض:
وبالرجوع إلى القانون المدني الأردني يتضح لنا أن التعويض نوعين: تعويض عيني وتعويض نقدي استنادًا لنص (المادة 269/ 2) من القانون المدني: “يُقدر الضمان بالنقد على أنه يجوز للمحكمة تبعًا للظروف وبناء على طلب المتضرر أن تأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، أو أن تأمر بأداء معين متصل بالفعل الضار على سبيل التضمين”.
- طرق الحصول على التعويض:
يمكننا في هذا الصدد أن نميز بين طريقتين هما:
التعويض الاتفاقي: “يطلق على التقدير الاتفاقي للتعويض تسمية (الشرط الجزائي) وهو الاتفاق بين المتعاقدين على إدراج شرط في العقد يحددان فيه التعويض الذي يلتزم به الطرف الأخر إذا أخل بالتزامه. وقد يكون التعويض متفق عليه جزاءً لعدم التقيد بعدم المنافسة كليًا أو جزئيًا. وقد لا يرد الاتفاق على التعويض عند إبرام العقد وإنما يتم في اتفاق لاحق للعقد وقبل أن يحدث إخلال الطرف الأخر بالتزامه، أما إذا لم يتم الاتفاق بين طرفي العقد قبل الإخلال بالالتزام، وإنما بعده فهذا يعتبر صلحًا”([6]).
التعويض القضائي: “يتم اللجوء إلى التعويض القضائي إذا لم يكن ذلك التعويض مُقدرًا في القانون أو الاتفاق، والتعويض القضائي هو الذي يتم تقديره بواسطة المحكمة، وسلطة المحكمة في تقدير التعويض ليست مطلقةً، بل هي مقيدة بعدة قيود بعضها قيود تشريعية والبعض الأخر قيود قضائية تحد وتقيد من نطاق سلطة المحكمة في تقدير التعويض، بحيث يكون التعويض مساويًا للضرر الذي أصابه كافيًا لجبره وهذا هو مبدأ التعويض الكامل، والذي يستلزم أن يكون التعويض شاملًا لكامل الضرر ومساويًا لهذا الضرر من حيث قيمته”([7]).
وتحقيقًا للمبدأ سالف الذكر فإنه يتعين على المحكمة أن تقوم بتحديد جميع الأضرار التي لحقت المتضرر من جراء فعل المنافسة غير المشروعة والقابلة للتعويض قانونًا، ثم تقوم بعد ذلك بتقدير تعويضًا مناسبًا مساويًا للضرر الذي أصاب المتضرر كافيًا لجبره.
- المصادرة والإتلاف:
نصت (المادة 3/و) من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني على أنه: “للمحكمة أن تقرر مصادرة المنتجات موضوع المنافسة غير المشروعة والمواد والمنتجات المستعملة فيها بصورة رئيسية وللمحكمة أن تقرر إتلاف أي منها أو التصرف بها في غرض غير تجاري”.
ويقصد بالمصادرة هنا وضع المنتجات ذات الصلة تحت تصرف المحكمة ورفع يد المدعي عليه عنها، أما الإتلاف فيقصد به “القضاء على هذه المنتجات”، وتتم المصادرة والإتلاف بعد صدور حكم في الدعوى يقضي بذلك، وثبوت فعل المنافسة غير المشروعة، حيث تتم مصادرة المنتجات والمواد ذات الصلة التي كانت محلًا للحجز التحفظي وإتلافها أو التصرف فيها بغرض غير تجاري، وذلك حسب طبيعة الأشياء التي تتم مصادرتها.
- نشر الحكم:
إذا ثبت لدى المحكمة أن الأعمال التي قام بها المدعي عليه تشكل أعمال منافسة غير مشروعة ومقيدة للمنافسة من شأنها الإخلال بأحكام المنافسة وصدر الحكم، فإنه يحق للمحكمة أن تأمر بنشر الحكم الصادر في دعوى المنافسة غير المشروعة في الصحف على نفقة مرتكب أفعال المنافسة غير المشروعة، وذلك في صحيفتين يوميتين محليتين على الأقل، وذلك سندًا لنص (المادة 18/ ب) من قانون المنافسة الأردني.
ثامنًا: تقادم دعوى المنافسة غير المشروعة
لكل دعوى مدة قانونية يجب أن ترفع خلالها وإلا تقرر المحكمة المختصة رد الدعوى شكلًا لعدم إقامتها خلال المدة المحددة قانونًا (علة مرور الزمن أو ما يعرف بالتقادم المانع من سماع الدعوى).
وقد نظمت (المادة 272) من القانوني المدني الأردني تقادم دعاوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار، ووفقًا لهذه المادة فإن مدة التقادم تختلف بحسب ما إذا كانت المسؤولية المدنية قد نتجت عن خطأ مدني لا يمثل جريمة، أو نتجت عن خطأ يمثل جريمة. ففي الحالة الأولى تتقادم الدعوى بمضي ثلاث سنوات من يوم علم المتضرر بحدوث الضرر وعلمه بالشخص المسؤول عنه. وفي جميع الأحوال تسقط الدعوى بمضي خمس عشر سنة من يوم حدوث الفعل غير المشروع.
أما في الحالة الثانية والتي يعد الخطأ فيها جريمة فإن دعوى المسؤولية تبقى قائمة ولا تنقضي طالما أن دعوى المسؤولية الجزائية قائمة. هذا ولا يجوز للمحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم سماع الدعوى لمرور الزمن، فيشترط تمسك المدعي عليه بمرور الزمن المانع من سماع الدعوى؛ نظرًا لأن مدة التقادم ليست من النظام العام. كما لا يجوز الاتفاق على مدة زمنية لتقادم الدعوى مغايرة للمدة المحددة قانونًا.
وجدير بالذكر، أن دعوى المسؤولية المدنية قد تنقضي بالصلح أيضًا سندًا لنص (المادة 674) من القانون المدني الأردني على أن: “الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بين المتصالحين بالتراضي”، وبالتالي متى انعقد الصلح بين الطرفين (أي المتضرر ومسبب الضرر أو المسؤول عنه) فإن هذا الصلح يكون ملزمًا لطرفيه ولا يمكن لأيهما أو ورثته الرجوع فيه وتنتهي به إجراءات الدعوى.
تاسعًا: السوابق القضائية المتعلقة بالمنافسة غير المشروعة
لقد ورد في الحكم رقم (3547) لسنة 2006م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 26/3/2007م بما نصه: “وحيث إن المميز ضده قام باستيراد أغذية تحمل نفس العلامة التجارية لمنتجات ……، إلا أن هذه الأغذية تحمل علامة مُقلدة وأن عمل المميز ضده باستيراد أغذية تحمل علامة مُقلدة وغير مُقلدة على فرض وجودها وطرحها في السوق يعتبر عملًا من أعمال المنافسة غير المشروعة. وحيث إن المميز …………… هو الوكيل والموزع الرسمي الحصري لماركة الأغذية المثالية (…..) للمكملات الغذائية في الأردن بموجب توكيل من الشركة المنظم لدى كاتب عدل ولاية الينوي الأمريكية وتم تسجيله في سجل الوكلاء التجاريين تحت رقم (365) تاريخ 15/8/2001م وبذلك يكون المميز هو الوكيل والموزع الحصري لماركة الأغذية المثالية ………. وحيث إن المميز ضده قد قام باستيراد المنتجات وطرحها بالسوق قبل علمه بأن المميز هو الوكيل والموزع الرسمي الحصري لمنتجات (…………) قبل تبلغه الإنذار العدلي من المميز”.
وكذلك ما ورد في الحكم رقم (7) لسنة 2017م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 9/2/2017م بما نصه: “1- يُستفاد من أحكام (المادة 2) من قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية أن الأعمال المنافسة غير المشروعة هي كل منافسة تتعارض مع الممارسات الشريفة في الشؤون الصناعية أو التجارية ونصت المادة السالفة الذكر على هذه الأعمال…… 3- وضع المشرع في نص (المادة 818/1/ و2) من القانون المدني على الاتفاق بين صاحب العمل والعامل على عدم المنافسة حتى يكون هذا الاتفاق صحيحًا ومقبولًا كونه يعد قيدًا على حرية العامل بأن يكون العمل الذي يقوم به العامل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشأة وشرط المنافسة مقيدًا من حيث الزمان والمكان ونوع العمل بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل”.
وما ورد في الحكم رقم (3354) لسنة 1999م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 27/6/2000م بما نصه: “1. يستفاد من (المادة 2 و3/أ) من قانون المنافسة غير المشروعة، أن الفقرة (أ) من المادة الثانية من قانون المنافسة غير المشروعة جاءت تتحدث عن المنافسة غير المشروعة في الشؤون الصناعية والتجارية وحددت أربع حالات اعتبرتها منافسة غير مشروعة وأقرت حكمًا لحالة خامسة من حالات المنافسة غير المشروعة بالنسبة للعلامة التجارية هي أن تكون هذه العلامة التجارية مستعملة في المملكة الأردنية الهاشمية بصرف النظر عما إذا كانت مسجلة أو غير مسجلة وأن تؤدي هذه المنافسة إلى تضليل الجمهور”.
إعداد: محمد محمود
[1] د. طعمه صعفك الشمري، أحكام المنافسة غير المشروعة في القانون الكويتي، (ص17).
[2] فوزي محمد سامي، شرح القانون التجاري، (ص183).
[3] قاسم الزعبي، دعوى المنافسة غير المشروعة، (ص42).
[4] خير عبد الرحمن محمد الصمادي، المنافسة غير المشروعة ووسائل الحماية منها: دراسة مقارنة، (ص267).
[5] قاسم الزعبي، دعوى المنافسة غير المشروعة، (ص47).
[6] قاسم الزعبي، دعوى المنافسة غير المشروعة، ص98-99.
[7] قاسم الزعبي، دعوى المنافسة غير المشروعة، (ص99).

