جريمة تعطيل الدستور

جريمة تعطيل الدستور

يعتبر دستور الدولة هو أعلى وثائقها مرتبة ومنزلة وأكثرها أهمية، فهو بمثابة المرجع الرئيسي للدولة والذي ترجع إليه عند وضعها لقوانينها وتشريعاتها بحيث لا تتعارض معه، وينظم علاقة السلطات الثلاث الأساسية في الدولة ببعضها البعض، ويحدد واجبات والتزامات ونطاق صلاحيات كل منها، وعلاقتها بمواطني الدولة وشعبها، كما يحدد الحريات الرئيسية والأساسية التي يتمتع به الفرد في مجتمع الدولة، كما يوضح شكل نظام الحكم فيها.

وتختلف طرق تعديل كل دستور وفقاً لنوعه مرن كان أم جامد، كما يحدد الدستور والقانون الجهة المختصة بتعديله أو إلغائه، والإجراءات التي يتم اتباعها في ذلك، وجعل من تعديل الدستور أو تعطيله بما يخرج عن نطاق الإجراءات والطريق الذي رسمه القانون لذلك جريمة يعاقب عليها القانون تحت مسمى جريمة تعطيل الدستور، فما هي جريمة تعطيل الدستور؟

أولاً: المقصود بتعطيل الدستور

ثانياً: الطبيعة القانونية لجريمة تعطيل الدستور

ثالثاً: أركان جريمة تعطيل الدستور

رابعاً: عقوبة جريمة تعطيل الدستور

أولاً: المقصود بتعطيل الدستور

1- تعطيل الدستور بوجه عام

في إطار العمل القانوني وتحديداً في مجال الشؤون الدستورية يقصد بمصطلح (تعطيل الدستور) وقف العمل بالأحكام والنصوص التي يتضمنها ويشتمل عليها، فهو مصطلح يصف حالة يكون عليها الدستور في وقت محدد، وهي الحالة التي يتم فيها ترك الدستور وترك العمل بأحكامه، وبالتالي يصبح الدستور معطلاً لتوقف العمل به أو نظراً لعدم إنفاذ نصوصه.

وهذا هو ما جعل بعض الدساتير تعبر عن مصطلح (تعطيل) ببعض مرادفاته الأخرى، فمنها من أسمته (وقف) أو (إيقاف) كما هو الحال في الدستور الجزائري الصادر في 1989، ومنها من أسمته (تعليق) كما هو الحال في الدستور التركي الصادر في 1982، ويرجع ذلك إلى أن الفحوى والمضمون اللغوي لتلك المصطلحات الثلاث متقارب بصورة كبيرة لدرجة تكاد تصل إلى التطابق، على الرغم من الاختلافات القانونية فيما بينهم، وقد استخدم المشرع الأردني مصطلح (تغيير الدستور بطرق غير مشروعة) في وصفه للجريمة المعاقب عليها قانوناً بموجب قانون العقوبات كما سنرى لاحقاً في صلب هذا المقال، كما تناولها تحت مسمى (تعطيل .

إلا أنه على الرغم من الجدل الدائر حول الاختلاف في الآثار القانونية والاتفاق في شأن المضمون والمغزى اللغوي لتلك المصطلحات المترادفة، فإن تعطيل الدستور باعتباره حالة معينة فإن تلك الحالة تتحقق على إحدى صورتين:

الصورة الأولى: أن يتم ترك الدستور دون تطبيق على الرغم من قيامه، فتهمل أحكامه ونصوصه ولا تدخل حيز التنفيذ والتطبيق الفعلي بحيث يكون وجود الدستور هو مجرد وجوداً صورياً فقط.

الصورة الثانية: أن يتم تطبيق وتنفيذ أحكام الدستور ونصوصه بالفعل، ولكن ذلك يتم بشكل مختلف ومغاير تماماً عن المضمون الفعلي لها والوارد بالوثيقة الدستورية[1].

2- تعطيل الدستور كجريمة

ما أوردناه سلفاً من مضمون لمصطلح تعطيل الدستور بوجه عام يمكن أن يصبح جريمة متى اقترن بوسائل غير مشروعة تستهدف تغيير الدستور، فالدستور الخاص بكل دولة له الطرق والإجراءات القانونية المحددة حصراً واللازم اتباعها عند تغييره أو تعديله وحتى الحالات الجائز تعطيله فيها، فلا يجوز المساس بالدستور إلا داخل نطاق طرق محددة، وما يخرج عن هذا النطاق يعد طريقاً يخالف الطرق التي رسمها القانون فيدخل في نطاق الوسائل غير المشروعة التي يجرم القانون سلوكها.

وقد جاءت تسمية (تغيير الدستور) موفقة من قبل المشرع الأردني، حيث شمل بالتجريم كل فعل تستخدم فيه وسائل غير مشروعة لتستهدف إحداث أي تغيير الدستور، وعملية تغيير الدستور أقل جسامة تعطيله وإيقافه بشكل تام، وباستهداف المشرع لتغيير الدستور بوسائل غير مشروعة بالتجريم يوضح أن أي مساس بالدستور سواء كان بشكل طفيف – التعديل أو التغيير – أو من باب أولى بشكل جسيم – التعطيل – طالما اقترن بطرق ووسائل غير مشروعة، فإنه يعد جريمة يعاقب عليها القانون ويعاقب فاعلها.

ولذلك يمكننا تعريف تعطيل الدستور في نظر الفقه الجنائي والذي يمثل جريمة يعاقب عليها القانون بأنه تغيير الدستور الخاص بالدولة باستخدام وسيلة من الوسائل غير المشروعة، سواء كانت تلك الوسائل متسمة بالعنف والقوة من عدمه، فالتجريم ينصب على الوسيلة المستخدمة في تغيير الدستور طالما كانت تخرج عن نطاق الطرق المشروعة التي قررها القانون في هذا الشأن.

ثانياً: الطبيعة القانونية لجريمة تعطيل الدستور

تعد جريمة تعطيل الدستور من إحدى الجرائم التي تستهدف النيل من أمن الدولة على صعيدها الداخلي، والتي تعد أخطر الجرائم وأكثرها جسامة باعتبارها تمس بكيان الدولة وأمنها الداخليين، وتعرضها لأخطار وأضرار شديدة[2]، ويعتبر أساس التجريم فيها هو فرض وكفالة الحماية القانونية للدستور لخاص بالدولة.

ويقصد بالجرائم التي تمس أمن الدولة على صعيدها الداخلي الجرائم التي توجه إلى نظام الحكم في الدولة، أو تقوض أركانها وسلطاتها، كما هو الحال في جرائم قلب نظام الحكم، والعصيان المسلح، ومنع مؤسسات الدولة وسلطاتها من أداء وظيفتها، واغتصاب سلطة عسكرية أو مدنية، وتغيير الدستور بطرق ووسائل غير مشروعة، وغيرها من الجرائم التي لا تهدد وجود الدولة ذاتها أو العلاقات التي تجمعها بغيرها من دول، ولكنها تستهدف نظام الحكم القائم في الدولة متمثلاً في مؤسساته وسلطاته الرئيسية والتي يعد الدستور أحد أركانها[3].

ويجدر بنا أن نوضح أن حماية دستور الدولة من خلال تجريم أي عملية لتغييره بوسيلة غير مشروعة لا يستهدف بها المعنى الحرفي المجرد، فالحماية لا تنصب على الدستور كوثيقة مكتوبة أو مطبوعة، فمن يحرق الدستور لا يعد مرتكباً لأياً من جرائم المساس بالدستور، ولكن الحماية المقصودة هي حماية النظام الدستوري والمؤسسات والسلطات التي يؤسسها الدستور والحقوق التي يقررها بنصوصه.

ولعل البعض قد يخلط بين مصطلح الدستور ومصطلح القانون الدستوري، خاصة وأنهما كانا متفقين ومتماثلين من الجهة الموضوعية حتى فترة قريبة، إلا أنه ومع التطور الكبير الذي شهدته الوثيقة الدستورية فقد أصبحت في عصرنا الحالي تتضمن في مفهومها كافة المبادئ والقواعد التي تتعلق لا بنظام الحكم في الدولة وحده، ولكنها تمتد لتشمل تنظيم العمل في الدولة سواء كان على المستوى الإداري أو القضائي أو حتى ما تعمل الدولة من أجل تحقيقه من مقاصد اجتماعية واقتصادية[4]، وهو ما يجعل أي مساس بالدستور يمثل اعتداء على أمن الدولة بمختلف مجالاته قانونية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى سياسية، وذلك باعتبار أنها أهداف وضع الدستور من حيث الأصل لتنظيم طرق الوصول إليها وتحقيقها، فيكون الاعتداء على الدستور هو اعتداء عليها هي الأخرى.

 ونظراً لأن محل الحماية في جريمة تغيير الدستور بوسائل غير مشروعة هو نظام الدولة الدستوري، فإن تلك الجريمة بجانب كونها جريمة من جرائم الاعتداء على أمن الدولة الداخلي هي أيضاً جريمة ذات طابع دستوري، والدليل على ذلك أن ما يلجأ الجاني إليه لتغيير الدستور هي وسائل لا يمكن وصفها بالدستورية لكونها وسائل غير مشروعة، وهو ما حدا ببعض المشرعين – ومنهم المشرع الفرنسي – إلى إدخال الاعتداءات التي تقع على البناء الدستوري لمؤسسات الدولة ضمن وسائل التغيير غير المشروع للدستور.

ثالثاً: أركان جريمة تعطيل الدستور

تتمثل أركان جريمة تعطيل الدستور أو كما يطلق عليها المشرع الأردني جريمة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة في ثلاث أركان، الركن الأول هو محل الجريمة، والركن الثاني هو الركن المادي والمتمثل في السلوك الإجرامي، والركن الثالث هو الركن المادي المتمثل في القصد الجنائي.

1- الركن الأول: محل الجريمة

يقصد بمحل الجريمة الحق أو المصلحة المحمية التي ينصب عليها الفعل والسلوك الإجرامي ويستهدفها، فمحل الجريمة دائماً ما يكون هو محل الحماية التي يستهدف القانون حمايته من الجريمة وآثارها، وفي جريمتنا محل المناقشة فإن محل الجريمة – وهو أيضاً محل الحماية – هو دستور الدولة متمثلاً في الوثيقة الدستورية بمعناها الحديث الذي سبق وأن أوضحناه، وقد كان المشرع الأردني واضحاً في ذلك عند تجريمه لعملية تعديل الدستور بطرق غير مشروعة، حيث اتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً بتجريم عملية تعديل الدستور بشكل منفصل عن جريمة قلب نظام الحكم على الرغم من ارتباطهما، حيث جاءت بعض التشريعات الأخرى – كالتشريع المصري والعراقي – لتولي الجانب الأكبر من الاهتمام والحماية لنظام الحكم ذاته من حماية دساتيرها من التعديل بشكل غير مشروع، وهو ما يميز المسلك الذي اتخذه المشرع الأردني في الفصل بين الجريمتين، وتخصيص مادة تجريم مستقلة لكل منهما، وهو ما يؤكد أن المشرع الأردني يولي عناية كبيرة لحماية دستوره من التعديل أو الإلغاء أو التعطيل بشكل غير مشروع.

2- الركن الثاني: الركن المادي

إن جريمة تغيير الدستور بطريق غير مشروع تدخل في نطاق الجرائم الإيجابية، حيث لا يتم ارتكاب تلك الجرائم من خلال سلوك أو موقف سلبي، بل يلزم أن يتحقق ركنها المادي في شكل إيجابي على صورة فعل يهدف إلى تغيير دستور الدولة بإحدى الطرق غير المشروعة، فمتى صدر من الجاني فعل إيجابي يسعى به إلى تحقيق وإحداث تغيير في دستور المملكة سواء بشكل جزئي أو كلي، فإن هذا الفعل يعد غير مشروع ويدخل في إطار التجريم، وهو ما نص عليه المشرع في نص (المادة 136) من قانون العقوبات الأردني وتعديلاته، حيث جاء بالنص المذكور أنه (يعاقب بالإعدام كل من يعمل على تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة).

إلا أن المشرع على الرغم من بيانه لوصف الفعل المرتكب كركن مادي لهذه الجريمة بوصف كونه (طرق غير مشروعة)، فهو لم يبين شرط اقتران هذا الفعل باستخدام قوة أو عنف من عدمه، ولم ينتهج ذات السبيل الذي انتهجته بعض التشريعات – كالتشريع المصري والسوري والعراقي – فيما أقرته من أن اقتران العنف أو القوة بفعل تغيير الدستور بطرق غير مشروعة يعد ظرفاً مشدداً للعقوبة، بل اعتبر أن الجريمة قائمة حتى لو لم يتم استخدام القوة أو العنف كما فعل نظيره المغربي.

وفي رأينا الشخصي فإن جريمة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة لا يحقق ركنها المادي على أرض الواقع إلا إذا اقترن بعنف وقوة تصاحب الفعل الإجرامي، حيث أن حدوثها بصورة سلمية هو أمر في حكم المستحيل، فلا نتصور أن يتم ارتكاب فعل سلمي غير مشروع يترتب عليه تغيير بعض أو كل الدستور، وإن كان هناك خلافاً وجدلاً واسعاً بين فقهاء القانون حول الثورة كفعل سلمي يمكن من خلاله تغيير الدستور بطريق قد يعد غير مشروع باعتباره يخرج عن نطاق الطرق القانونية لتعديل وتغيير الدستور، ولكنه يظل في طبيعته مشروعاً طالما يتم في الحيز السلمي ودون استخدام قوة أو عنف، حيث رأى جانب منهم أن فعل الثورة لا يترك أي تأثير على الدولة ولكنه يقتصر في تأثيره على شكل ونظام الحكم بها، فنجاح الثورة يترتب عليه بشكل تلقائي سقوط للدستور القائم وبشكل فوري، في حين اتجه البعض الآخر إلى أن ما يترتب على الثورة ليس سقوط الدستور ولكن سقوط جزء منه والخاص بنظام الحكم في الدولة فقط، وذلك باعتبار أن الثورة تستهدف بشكل رئيسي نظام الحكم القائم أي الشكل السياسي للدولة، وبالتالي لا تستهدف كامل الدستور كما لا تستهدف القوانين العادية التي تبقى قائمة لانفصالها التام عن النظام السياسي القائم.

وهو ما نتج عنه ظهور اتجاه ثالث بين فقهاء القانون يرى أن الثورة تعتبر حالة استثنائية يتم فيها تغيير الدستور بطريق يخرج عن إطار الإجراءات القانونية الخاصة بذلك بما يعتبر معه غير مشروع، إلا أنه يكتسب مشروعيته من نجاح هذه الثورة، وهو النجاح الذي يخرج مرتكبيها عن إطار التجريم، خاصة وأنه متى فشلت الثورة فإن مرتكبيها يتم محاكمتهم وتجريم أفعالهم، مع العلم أن ذلك الاتجاه قد تلقى العديد من أوجه النقد التي كان أهمها أن ذلك الرأي قد استند إلى حقيقة مفترضة تتمثل في أن من قام بفعل الثورة هو من آلت إليه السلطة والحكم بعد نجاحها، وهذه الحقيقة غير منطقية خاصة وأن هناك أكثر من دليل على عدم تولي القائمين بالثورة لمقاليد الحكم كما هو الحال في الثورة الفرنسية[5].

 ويتحدد كون الفعل المرتكب لتغيير الدستور مشروعاً من عدمه إلى الطرق المعتمدة قانوناً والمنصوص عليها في شأن تغيير وتعديل الدستور، والستور الأردني على الرغم من كونه دستورا من الدساتير الجامدة وليست المرنة، إلا أنه قد حدد الشروط والحالات والأوضاع التي يمكن تعديله وفقاً لها، والتي تختلف شكلاً ومضموناً عن تعديل سائر القوانين العادية[6].

3- الركن الثالث: الركن المعنوي

تتسم هذه الجريمة – تغيير الدستور بطرق غير مشروعة – بأنها جريمة من جرائم القصد، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم ارتكابها على سبيل الخطأ وبدون قصد ونية لذلك، فيجب لقيام الركن المعنوي لتلك الجريمة أن يتحقق القصد الجنائي العام لدى مرتكبها، فيجب أن يتحقق لديه كلاً من عنصر العلم وعنصر الإرادة.

ويتمثل عنصر العلم هنا في أن يكون الجاني مدركاً لحقيقة ما يقوم به من سلوك وفعل مادي يتمثل في استخدام طريق غير مشروع لتغيير الدستور، وأن يكون عالماً بأن هذا السلوك والفعل لا يعد مشروعاً في عملية تغيير الدستور[7].

بينما يتمثل عنصر الإرادة في توجيه الجاني لإرادته إلى القيام بهذا الفعل وتحقيق نتيجته، فلا يكون قد ارتكب هذا الفعل وهو تحت أي ضغط أو إكراه، بل يكون قد ارتكبه وهو ممتلكاً لكامل إرادته وقيام الرغبة لديه في ارتكابه قاصداً تحقيق نتيجته.

رابعاً: عقوبة جريمة تعطيل الدستور

بالرجوع إلى القوانين الأردنية في شأن تجريم فعل تغيير الدستور، تبين لنا أن تلك الجريمة قد تم النص على عقوبة لها في موضعين في قانون العقوبات الأردني وفقاً لآخر تعديلاته، وقانون منع الإرهاب وتعديلاته.

1-العقوبة في قانون العقوبات

قرر المشرع عقوبة لارتكاب جريمة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة بنص المادة (136) من قانون العقوبات الأردني، حيث نص على أن العقوبة التي توقع على مرتكب هذه الجريمة هي عقوبة الإعدام.

2-العقوبة في قانون منع الإرهاب

قرر المشرع تجريم فعل تغيير الدستور بطرق غير مشروعة بموجب نص المادة (3/ح) من قانون منع الإرهاب وتعديلاته، حيث قرر في هذا النص أن تلك الجريمة تدخل ضمن جرائم الإرهاب فيما نص عليه من أن (مع مراعاة أحكام قانون العقوبات أو أي قانون آخر تعتبر الأعمال التالية في حكم الأعمال الإرهابية المحظورة: …….. ح- كل فعل يقترف بقصد إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور أو منعها من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور أو تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة).

وقد قرر المشرع عقوبة تلك الجريمة بنص المادة (7/هـ) من ذات القانون حينما قرر لها عقوبة الأشغال المؤبدة على النحو التالي (مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي قانون آخر: ……. هـ- يعاقب مرتكب الأفعال المنصوص عليها في الفقرة (ح) من المادة (3) من هذا القانون بالأشغال الشاقة المؤبدة).

ونلاحظ أن المشرع قد قرر بصدر المادة (7) من قانون منع الإرهاب عبارة (مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي قانون آخر)، وبالتالي فإن العقوبة الأشد المتمثلة في عقوبة الإعدام التي قررتها المادة (136) من قانون العقوبات لذات الجريمة هي الواجبة التطبيق، ولا تعارض هنا بين المادتين، ولكن يمكننا القول أن المشرع ترك بين يدي قاضي الموضوع تحديد العقوبة الواجب تطبيقها على مرتكب تلك الجريمة بحيث يوقع عقوبة الإعدام وفقاً لقانون العقوبات أو الأشغال المؤبدة وفقاً لقانون منع الإرهاب، وذلك وفقاً لظروف الحالة المعروضة عليه، ومدى الخطورة الإجرامية للجاني، وغيرها من الظروف التي يمكن لقاضي الموضوع بناء عليها توقيع العقوبة الأكثر مناسبة من هاتين العقوبتين.

خامساً: الخاتمة

من مجمل ما تعرضنا إليه في هذا المقال يتبين لنا أن جريمة تغيير الدستور لا تقل في أهميتها وخطورتها عن سائر جرائم المساس بأمن الدولة الداخلي، حيث أن دستور الدولة يمثل القانون الذي يحكم تصرفات واختصاصات السلطات الرئيسية بها، وباختلال توازنه يختل توازن المجتمع بأسره، لذلك فإن المشرع الأردني قرر لها أقصى العقوبات وأشدها جسامة وهي عقوبة الإعدام، وذلك حماية للمجتمع وأفراده ومؤسساته، كما نثني على المشرع الأردني فيما قرره بقانون منع الإرهاب من عقوبة لتلك الجريمة تتمثل في الأشغال المؤبدة، وذلك حتى يترك مساحة للقاضي الجزائي المعروض عليه الجريمة يستطيع من خلالها تقييم كل حالة على حدة، وتوقيع العقوبة التي تتناسب معها.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – محمد فوزي – تعطيل العمل بأحكام الدستور: دراسة مقارنة – مجلة البحوث القانونية والاقتصادية – كلية الحقوق – جامعة المنوفية – مصر – مجلد 23 – العدد (39) – 2014 – ص 910.

[2] – سمير عالية – الوجيز في شرح الجرائم الواقعة على أمن الدولة – ط2 – المؤسسة الجامعية للدراسات – بيروت – 2008 – ص 140.

[3] – جاك الحكيم وآخر – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – مطابع الروضة – دمشق – 2009 – ص50.

[4] – حسني بوديار – الوجيز في القانون الدستوري – ط1 – دار العلوم للنشر – الجزائر – 2003 – ص 18.

[5] – رمسيس بهنام – قانون العقوبات: القسم الخاص – الطبعة الأولى – منشأة المعارف – مصر – 1999 – ص 43 وما بعدها.

[6] – عبد الإله النوايسة – الجرائم الواقعة على أمن الدولة في التشريع الأردني – الطبعة الأولى – دار وائل – الأردن – 2005 – ص217.

[7] – محمد الجبور – الجرائم الواقعة على أمن الدولة وجرائم الإرهاب – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2009 – ص290.

Scroll to Top