جريمة محاولة قلب نظام الحكم

جريمة محاولة قلب نظام الحكم

من أهم ما يقال عن جريمة محاولة قلب نظام الحكم – بجانب كونها من أخطر الجرائم وأبلغها جسامة – أنها جريمة متفردة لا تضاهيها جريمة أخرى، وذلك لتمتعها بصفة وخاصية لن نجدها في جريمة أخرى، حيث أنه ومن المتعارف عليه أنه متى تحققت النتيجة الإجرامية المترتبة على السلوك الإجرامي أصبحت الجريمة تامة يعاقب مرتكبها عليها، إلا أن جريمة محاولة قلب نظام الحكم هي الجريمة الوحيدة التي إذا تحققت النتيجة الإجرامية لها لا يتم معاقبة مرتكبها، فنجاح الجريمة وتحقق نتيجتها الإجرامية يتمثل في نقل مقاليد الحكم لتصبح في يدي مرتكبها، وهو ما لا يتصور معه عقلاً أو منطقاً أن تتم محاكمته.

ونظراً لخطورة تلك الجريمة وتفردها فقد وقع اختيارنا عليها لتكون هي موضوع هذا المقال، حيث سنلقي مزيداً من الضوء على تلك الجريمة، محاولين توضيح أكبر قدر ممكن من جوانبها وأركانها وغالبية ما يخصها من تفصيلات، وذلك بالاستناد إلى قانون العقوبات الأردني لسنة 1960 وتعديلاته.

جدول المحتويات

نظرة عامة على جريمة محاولة قلب نظام الحكم

أركان جريمة محاولة قلب نظام الحكم وعقوبتها

أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة

الخاتمة

نظرة عامة على جريمة محاولة قلب نظام الحكم

1- تعريفها

المقصود بنظام الحكم يختلف من دولة إلى أخرى باختلاف شكل وطريقة الحكم المتبعة فيها، فهناك الدول التي تأخذ الشكل الفيدرالي أو الاتحادي فيكون نظام الحكم فيها ممثلاً في رئيس الاتحاد، كما قد يكون الحكم فيها ملكياً فيكون رأس الدولة هو الملك، وقد يكون الحكم جمهورياً فيكون رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية، وغيرها من أشكال الحكم التي تختلف من دولة إلى أخرى.

ومتى ذكر مصطلح نظام الحكم بوجه عام يكون له مقصدين أحدهما واسع والآخر ضيق، فمقصدها الواسع يشمل كافة المؤسسات التي تباشر سلطتها بالدولة والمتمثلة في السلطات الرئيسية الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، أما مقصدها الضيق فيتمثل في السلطة التنفيذية بمفردها دون باقي السلطات، وذلك باعتبارها السلطة القائمة على ممارسة مهام تطبيق القوانين وإدارة وتنظيم أمور الدولة[1].

ولا يختلف الأمر بين المقصدين فيما يخص تحديد المقصود بمصطلح نظام الحكم، حيث تعد أي محاولة للنيل بأي سلطة من سلطات الدولة بمثابة المحل الذي تنصب عليه الأفعال المكونة لجريمة قلب نظام الحكم.

2- تصنيفها وطبيعتها القانونية

تصنف الجرائم الموجهة ضد الدولة بسلطاتها ومؤسساتها جميعها أو إحداها إلى نوعين، النوع الأول يضم طوائف الجرائم التي تمس بوجود الدولة وسلامتها واستمرارها ويطلق عليه الجرائم الواقعة على الأمن الخارجي للدولة، والنوع الثاني هو الجرائم التي تهدد نظام ومؤسسات الحكم في الدولة ويطلق عليها الجرائم الواقعة على الأمن الداخلي للدولة، وهو ما يصل بنا إلى أن جريمة محاولة قلب نظام الحكم في الدولة تدخل في الجرائم الواقعة على الأمن الداخلي للدولة.

وحتى يمكننا معرفة الطبيعة القانونية لجريمة ما، فإننا يجب أن ندرك بداية طبيعة المصلحة التي يحميها القانون بوضع تلك الجريمة رهن التجريم والعقاب، فمن المتعارف عليه أن القاعدة القانونية التي تضع فعل معين قيد التجريم فهي بذلك ترمي إلى حماية حق أو مصلحة معينة بذلك التجريم[2]، وهو ما يستوجب منا الوقوف على طبيعة الحق المحمي في جريمة محاولة قلب نظام الحكم.

إن جريمة محاولة قلب نظام الحكم تنال من شكل الحكومة، ولذلك فهي ذات علاقة عضوية وثيقة بالجرائم الواقعة على الأمن الداخلي للدولة، وهذه الأخيرة تمثل طائفة الجرائم التي تنال من الدولة سواء من جهة دستورها أو نظام الحكم القائم بها، أو التحريض على قيام أعمال عدوانية مسلحة ضد الدولة، وتفتيت الوحدة بين أفراد شعبها، وغيرها من الجرائم التي تنال من الكيان الداخلي للدولة وتضعه عرضة للتقوض والانهيار[3].

مما نستخلص معه أن القاعدة القانونية التي تجرم الأفعال التي تمس بالأمن الداخلي للدولة تحمي المصالح المتمثلة في نظام الحكم القائم، والدستور، وشكل الحكومة، ولا نبالغ في قولنا إن الحكومة تعد هي الدولة باعتبار أن وصف الدولة يقصد به الشكل والإطار القانوني لأي مجتمع من المجتمعات، والذي لا يعقل أن يترك دون وجود سلطة تنظمه وتضبط شؤونه، والتي تتمثل في حكومة الدولة، لذلك بات من الطبيعي أن يشار إلى الدولة مجازاً بمسمى الحكومة.

وباعتبار أن الحكومة تمثل الدولة باعتبارها سلطة سياسية، فإن أي جريمة يتم ارتكابها ضدها بأي صورة كانت تعد جريمة سياسية باعتبارها تقع على مصلحة سياسية محمية قانوناً، وسنكتفي هنا بحقيقة ما أثبتناه وهو أن جريمة محاولة قلب نظام الحكم تعتبر جريمة ذات طبيعة سياسية، تاركين بيان ماهية الجريمة السياسية إلى مقال آخر نظراً لعدم اتساع المقام لذلك.

أركان جريمة محاولة قلب نظام الحكم وعقوبتها

مهما اختلفت الجريمة في تصنيفها أو طبيعتها فهي لا تختلف فيما يخص الأركان العامة لها، وهذه الأركان العامة تتمثل في ركنين رئيسيين وهما الركن المادي والركن المعنوي، بينما يقع اختلافها على الأركان الخاصة التي يقررها المشرع بشأن كل جريمة على حدة، وتتمثل الأركان الخاصة بجريمة محاولة قلب نظام الحكم في الركن الخاص بمحل الجريمة.

وقبل أن نخوض في بيان تلك أركان الجريمة يجب أن ننوه إلى أن المشرع الأردني وإن كان لم ينص على جريمة محاولة قلب نظام الحكم بشكل صريح إلا في شكل جريمة واحدة وهي (تقويض نظام الحكم والتحريض على مناهضته)، إلا أنه نص على بعض الجرائم التي من شأنها ومن نتائجها الأساسية أيضاً قلب نظام الحكم، لذلك سنتعرض إلى أركان تلك الجرائم بداية باعتبارها مؤدية وممهدة إلى قلب نظام الحكم، وسنختتمها بجريمة تقويض نظام الحكم والتحريض على مناهضته.

1- جريمة استهداف حياة جلالة الملك

أ- الركن الخاص

المقصود بالركن الخاص بالجريمة هنا هو المحل الذي ينصب عليه الركن المادي للجريمة، والمحل هنا يتمثل في نظام الحكم في الدولة، وهذا النظام كما سبق وأن أشرنا يختلف من دولة إلى أخرى وفقاً لما يرد بدستورها.

وبالعودة إلى دستور المملكة الأردنية الهاشمية نجد أنه قد قرر في مادته الأولى نظام الحكم في الدولة بأنه (…. ونظام الحكم فيها نيابي ملكي وراثي)، أي أن جلالة الملك هو رأس الدولة والذي يترأس سلطتها التنفيذية، وبالتالي فإن محل الجريمة في جريمة محاولة قلب نظام الحكم ينصب إما على حياة أو حرية رئيس السلطة التنفيذية المتمثل في جلالة الملك، وإما على نظام الحكم ذاته سواء بتغييره أو مناهضته أو إسقاطه، أو غيرها من صور الاعتداء على نظام الحكم في الدولة والمتمثل في مؤسساتها ودستورها، ولذلك سيكون هذا الركن مشتركاً بين جميع الجرائم التي سنتعرض لها، وسنكتفي بالإشارة إلى محل كل جريمة بشكل موجز، وفي هذه الجريمة يكون المحل إما حياة أو حرية جلالة الملك أو الملكة أو ولي العهد أو أحد أوصياء العرش.

ب- الركن المادي

جرم المشرع الأفعال التي تستهدف حياة وحرية جلالة الملك بنص (المادة 135) وكان نصها كالتالي (1- كل من اعتدى على حياة جلالة الملك أو حريته يعاقب بالإعدام. 2- كل من اعتدى على جلالة الملك اعتداء لا يهدد حياته يعاقب بالأشغال المؤبدة. 3- يعاقب بالعقوبات نفسها إذا كان الاعتداء على جلالة الملكة أو ولي العهد أو أحد أوصياء العرش)، فمحاولة التخلص من جلالة الملك واستهداف حياته أو حريته أو أياً من جلالة الملكة أو ولي العهد أو أحد أوصياء العرش يعد محاولة للتخلص من رأس نظام الحكم، ويكون الركن المادي لهذه الصورة متمثلاً في فعل الاعتداء.

إلا أن المشرع لم يحدد فحوى ومضمون ووصف الفعل الممثل للاعتداء، والذي يقال معه بقيام جريمة محاولة قلب نظام الحكم، إلا أنه أوضح الهدف الذي يلزم أن يتجه إليه فعل الاعتداء، والمتمثل في قلب نظام الحكم، فيعد أي اعتداء يستهدف هذه النتيجة ركناً مادياً لهذه الجريمة[4]، وبالتالي يكون من السلطة التقديرية للقاضي تحديد ما إذا كان الفعل أو السلوك المرتكب يمثل اعتداء أم لا، ومتى اعتُبر اعتداء فإن الركن المادي يتحقق لتلك الجريمة.

ج- الركن المعنوي

يقصد بالركن المعنوي هنا القصد الجنائي لدى الجاني في جريمة الاعتداء على حياة أو حرية جلالة الملك، فهذه الجريمة من الجرائم التي يشترط فيها التعمد والقصد، والقصد الجنائي العام هو المطلوب تحققه في هذه الجريمة، ولكي يتحقق القصد الجنائي العام يجب أن يتحقق ركنيه – العلم والإرادة – عند وقوع الاعتداء، والعلم هنا هو أن يتوافر لدى مرتكب الفعل العلم بطبيعة هذا الفعل والعلم بالهدف منه وبوجه عام العلم بالتكييف القانوني لهذا الفعل[5]، بينما الإرادة تتمثل في توجه إرادة الجاني للقيام بالاعتداء بقصد أن تترتب عليه آثار مادية تتمثل في تحقيق النتيجة الإجرامية[6].

مما يمكننا معه القول إن الركن المعنوي في جريمة الاعتداء على حياة أو حرية الملك تتمثل في علم الجاني بأن ما يرتكبه من فعل يمثل جريمة الاعتداء على حياة أو حرية الملك والتي يجرمها القانون ويعاقب عليها، واتجاه إرادته إلى إحداث وتحقيق الأثر القانوني المترتب على تلك الجريمة وهي النيل من حياة أو حرية جلالة الملك.

د- العقوبة

قرر القانون في نص المادة (135) عقوبات للجاني في تلك الجريمة عقوبتين، العقوبة الأولى تتمثل في عقوبة الإعدام متى كان الاعتداء على حياة جلالة الملك، أو حريته، أو حياة، أو حرية أي من جلالة الملكة أو ولي العهد أو أحد أوصياء العرش، بينما قرر عقوبة الأشغال المؤبدة متى كان الأعداء غير موجه إلى حرية أو حياة أحدهم.

ونلاحظ هنا أن تشديد العقوبة في هذه الجريمة يرتبط بمدى جسامة التهديد الذي يمثله الاعتداء على حياة، أو حرية جلالة الملك، أو جلالة الملكة، أو ولي العهد، أو أحد الأوصياء على العرش.

2- جريمة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة

أ- الركن الخاص

باعتبار أن الدستور هو أساس وجود الدولة وهو الذي يحدد نظام الحكم وقواعده وأسسه، فإن المشرع قد جرم الأفعال التي تستهدف تغييره بطرق غير مشروعة، حيث نص في (المادة 136) على أن (يعاقب بالإعدام كل من يعمل على تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة)، ويعد تغيير الدستور هو طريق لتغيير شكل نظام الحكم القائم، وبمعنى آخر يشكل إسقاط للحكومة القائمة، وبالتالي تدخل تلك الجريمة في إطار قلب نظام الحكم وتغييره بوسيلة غير مشروعة.

ويعد الركن الخاص بهذه الجريمة – والذي اتفقنا على أنه محل الجريمة – هو استهداف دستور الدولة، وإحداث تغييراً فيه بطريق غير مشروع ولا يقره القانون.

ب- الركن المادي

ويتمثل الركن المادي في هذه الصورة من صور جريمة محاولة قلب نظام الحكم في تغيير دستور الدولة بطريق غير مشروع، حيث أن تعديل الدساتير بأنواعها يختلف باختلاف نوع الدستور (جامد أو مرن)، إلا أنه في كافة الأحوال يكون للدستور طريق قانوني يتم اتباعه لتعديله، وبالتالي يكون الركن المادي في تلك الجريمة متمثل في الفعل غير المشروع الذي يستهدف منه تغيير الدستور، وذلك كما هو الحال في استخدام العنف أو القوة لتغيير الدستور باعتبارهما طريقان يتسمان بعدم المشروعية[7]، فيعد الفعل المرتكب لتغيير الدستور غير مشروع متى كان هذا الفعل لا ينص القانون عليه أو يقره ضمن السبل والطرق المشروعة لتغيير الدستور.

ج- الركن المعنوي

تعد تلك الجريمة هي الأخرى من الجرائم العمدية أو جرائم القصد التي يلزم لتحققها قيام الركن المعنوي لها، والمتمثل في القصد العام بركنيه العلم والإرادة، أي أن يكون لدى الجاني علم بأن الفعل المرتكب منه لتغيير الدستور هو فعل غير مشروع يعاقب عليه القانون، وأن تتوافر لديه الإرادة التي تدفعه لتحقيق النتيجة الإجرامية المتمثلة في تغيير الدستور.

كما يلزم أيضاً قيام القصد الجنائي الخاص لدى الجاني حتى تكون تلك الجريمة من ضمن صور جريمة قلب نظام الحكم، ويتمثل هذا القصد الخاص في وجود نية لدى الجاني لاستهداف قلب نظام الحكم من خلال تغيير الدستور، حيث أنه لو كان تغيير الدستور ولو بطريق غير مشروع جريمة، فلا يمكننا اعتبارها جريمة ترقى إلى جرائم قلب نظام الحكم إلا إذا كان ذلك الباعث والهدف لدى الجاني من خلال تغييره للدستور بطريق غير مشروع، فإذا كان الهدف من تغيير الدستور والباعث عليه هو هدم قيم اجتماعية ما فلا تعد تلك الجريمة عندئذ من قبيل الجرائم التي تستهدف قلب نظام الحكم، حيث أن الجريمة لا تفسر بغرضها المباشر، ولكنها تفسر وفقاً لطبيعتها[8].

د- العقوبة

قرر المشرع لمن يرتكب تلك الجريمة عقوبة وحيدة تتمثل في عقوبة الإعدام.

3- جريمة منع السلطات من ممارسة وظائفها

أ- الركن الخاص

كما أوضحنا سلفاً فإن نظام الحكم ما هو إلا مؤسسات تمارس كل منها اختصاصاتها ومهامها في إدارة شؤون الدولة، وبالتالي فإن منع تلك السلطات من تأدية مهامها المنوطة بها يعد من قبيل الجرائم التي تستهدف قلب نظام الحكم، ويكون محل هذه الجريمة هو إحدى سلطات الدولة والتي يقع عليها فعل المنع المكون للجريمة.

 ب- الركن المادي

يمكننا أن نستخلص الركن المادي لجريمة منع السلطات من ممارسة وظائفها من نص (المادة 138) من قانون العقوبات، حيث نصت المادة المذكورة على أن (الاعتداء الذي يقصد منه منع السلطات القائمة من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور، يعاقب عليه بالأشغال المؤبدة)، ونستدل من ذلك النص على أن الركن المادي متمثلاً في السلوك الإجرامي هو الاعتداء الواقع من الجاني على إحدى مؤسسات الدولة، ولا يشترط القانون شكل معين لذلك الاعتداء، فقد يكون باستخدام القوة، كما قد يتم دون استخدام القوة كما هو الحال في التجمهر أمام إحدى مؤسسات الدولة لمنع الموظفين بها من الدخول لمقر عملهم.

ج- الركن المعنوي

القصد الجنائي اللازم توافره في هذه الجريمة هو القصد الجنائي العام والخاص معاً، فبداية يجب أن يكون لدى مرتكب الفعل المادي المتمثل في الاعتداء قصد جنائي عام أي علم وإدراك بأن ما يرتكبه من فعل يمثل اعتداء يعاقب عليه في القانون، وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب هذا الفعل على الرغم من علمه بتجريمه، كما يلزم توافر القصد الجنائي الخاص والمتمثل في استهداف إحدى سلطات الدولة متمثلة في مؤسسة من مؤسساتها لمنعها من أداء الوظيفة التي تمارسها وفقاً للدستور، ففي حالة عدم توافر القصد الجنائي الخاص فلا تعد تلك الجريمة من صور جريمة قلب نظام الحكم على الرغم من أنها تظل في حد ذاتها جريمة، وذلك لأن مرتكبها لم يستهدف من حيث الأصل منع السلطة المعتدى عليها عن أداء عملها.

د- العقوبة

عاقب المشرع بنص (المادة 138) عقوبات مرتكبي هذه الجريمة بعقوبة الأشغال المؤبدة.

4- جريمة تقويض نظام الحكم والتحريض على مناهضته

قرر المشرع بنص (المادة 149/1) من قانون العقوبات تجريم الأفعال التي تستهدف تقويض نظام الحكم، حيث نصت المادة المذكورة على أن (1- يعاقب بالأشغال المؤقتة كل من أقدم على عمل من شأنه تقويض نظام الحكم السياسي في المملكة أو التحريض على مناهضته، وكل من أقدم على أي عمل فردي أو جماعي بقصد تغيير كيان الدولة الاقتصادي أو الاجتماعي أو أوضاع المجتمع الأساسية).

وقد نص المشرع في تلك المادة صراحة على جريمة تقويض نظام الحكم، والمقصود بالتقويض هنا هو هدم وإزالة نظام الحكم في المملكة.

أ- الركن الخاص

المحل الذي تستهدفه هذه الجريمة والذي تنصب عليه بشكل مباشر هو نظام الحكم السياسي في المملكة من جهة، وكيانها الاقتصادي والاجتماعي والأوضاع الأساسية للمجتمع من جهة أخرى، مما يبين معه أن تلك الجريمة قد تضمنت محال متعددة لذلك فإنها تتحقق متى انصب السلوك الإجرامي للجاني على أي منها.

ج- الركن المادي

يظهر الركن المادي متمثلاً في السلوك الإجرامي الذي يصدر عن الجاني متخذاً أحد الصور التي نص عليها المشرع في (المادة 149/1)، وسنتعرض لصور السلوك الإجرامي التي ذكرتها تلك المادة في الأسطر القادمة:

  • الصورة الأولى: أي عمل من شأنه تقويض الحكم السياسي في المملكة، ولم يحدد المشرع كنه وماهية هذا العمل، مما يتبين معه أن السلوك الإجرامي في تلك الجريمة يجب أن يكون سلوكاً إيجابياً فلا يتحقق الركن المادي للجريمة إلا بقيام الجاني بسلوك مادي يستهدف منه هدم نظام الحكم السياسي وتقويضه، ويستوي في ذلك أن يكون الفعل المرتكب من قبل الجاني بمثابة اعتداء يقترن بقوة أم لا، فالمشرع تطلب فعل فقط يصدر من الجاني دون أن يشترط فيه أن يكون اعتداء أو عدوان، ولكنه يكتفي بالعمل – أياً كان نوعه – الذي يكون الهدف منه تقويض نظام الحكم السياسي، أو تغيير كيان الدولة سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أو أي وضع من أوضاعه الأساسية.
  • الصورة الثانية: التحريض على مناهضة نظام الحكم في الدولة، والركن المادي هنا يتمثل في فعل التحريض، والتحريض يقصد به حث الغير ودفعه إلى ارتكاب أفعال تقوض من نظام الدولة السياسي وتهدمه، سواء بزرع الفكرة في ذهن من يتم توجيه التحريض إليه، أو تشجيعه على تنفيذ الفكرة الموجودة مسبقاً في ذهنه، فتكون المحصلة النهائية لذلك هي تدعيم فكرة تقويض النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي في الدولة وتصميم من يتم تحريضه على ارتكابها[9].

ولم يشترط المشرع في فعل التحريض أن يتم في صورة علنية أو أن يوجه إلى الكافة، وهو ما يتحقق معه فعل التحريض، حتى لو تم بشكل سري ودون توجيه دعوة علنية للقيام بالفعل الذي يتم التحريض على القيام به، كما لم يشترط حدوث التحريض بشكل معين، فيمكن أن يكون شفوياً أو مكتوباً أو حتى مذاعاً على أي وسائل الإعلام.

وهذه الجريمة من الجرائم الشكلية، حيث لم يتطلب المشرع في فعل التحريض تحقق نتيجة فعلية، بل اعتبر أن فعل التحريض في حد ذاته هو السلوك المعاقب عليه سواء تحققت نتيجته أو لم تتحقق.

ج- الركن المعنوي

تعد الجرائم التي تضمنتها المادة (149/1) من قانون العقوبات جرائم من جرائم القصد أو جرائم عمدية، حيث يشترط فيها توافر القصد الجنائي العام لدى الجاني، وذلك بأن يتوافر لديه العلم والإدراك أن ما يرتكبه من فعل مادي أو تحريض على تقويض نظام الحكم هو فعل يجرمه القانون ويضعه تحت طائلة العقاب، كما يلزم أن تكون إرادته منصرفة إلى ارتكاب هذا الفعل وتحقيق نتيجته الإجرامية.

د- العقوبة

وضع المشرع لمرتكبي جريمة تقويض نظام الحكم أو جريمة التحريض على مناهضته عقوبة واحدة تمثلت في عقوبة الأشغال المؤقتة.

أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1011 لسنة 2015 تمييز جزاء والصادر بجلسة 15/6/2015 والمتضمن أن (إن نظام الحكم السياسي القائم في المملكة الوارد في نص المادة (149) من قانون العقوبات ليس المقصود يه جلالة الملك أو مؤسس العرش فقط – وإن كان الملك هو رأس النظام – إلا أن المفهوم القانوني للنظام السياسي هو مجموعة من المؤسسات السياسية التي تكون الحكومة وتنظم عملها وهي في صورتها الهيكلية مجموعة المؤسسات التي تتوزع بينها عملية صنع القرار السياسي وهي المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية ويحدد الدستور العلاقة فيما بينها، ونظام الحكم وبحسب نص المادة (1) من الدستور الأردني (…. نيابي ملكي وراثي) تتمثل سيادته الداخلية بالسلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) والمساس بها أو التحريض عليها هو بالمفهوم القانوني تحريض على مناهضة النظام السياسي في الأردن وهذه السلطات هي الأدوات التي يدار بها النظام ويعبر عنه من خلالها).

2- حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2538 لسنة 2021 تمييز جزاء والصادر بجلسة 9/6/2021 والمتضمن أن (فبالنسبة للتهمة الأولى المسندة للمميزين (جناية التحريض على مناهضة نظام الحكم السياسي القائم في المملكة بالاشتراك خلافاً لأحكام المادة (149/1) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته وبدلالة المادة (76) من القانون ذاته بالنسبة للمتهمين) نجد أن الأفعال الثابتة التي قارفها المميزان الواردة في الواقعة الثابتة والمتمثلة بقيامهما بأفعال مادية وأنشطة ملموسة بأساليب ووسائل اعتمداها في سبيل تشجيع وحث الأمير …… على مناهضة نظام الحكم السياسي في المملكة الأردنية الهاشمية وتعزيز التصميم لديه وتوجيهه للنشاطات الاجتماعية والتحركات التي قام بها الأمير ….. وتنقيح التغريدات التي قام بها على مواقع التواصل الاجتماعي كي تحقق الغاية المرجوة منها لإظهار الأخير بمظهر البديل عن جلالة الملك عبد الله بن الحسين المعظم مع علمهما بماهية الأعمال التي قارفاها واتجاه إرادتيهما لتحقيق النتيجة وإن لم تحصل ذلك أن الجريمة المسندة من جرائم الخطر قد استجمع ذلك كافة أركان وعناصر التهمة الأولى المسندة للمميزين مما يجعل قرار تجريمهما بها متفقاً مع أحكام القانون ومع الواقع الثابت).

الخاتمة

تمثل جرائم محاولة قلب نظام الحكم في أي دولة أخطر الجرائم التي يمكن أن تصيب كيان الدولة ووجودها، حيث يترتب عليها تقويض أركان الدولة، وبث روح القلق وعدم الطمأنينة بين أفراد شعبها، خاصة إذا كانت الدولة ليست في أفضل وأقوى حالاتها، لذلك فإننا نرى ضرورة تشديد عقوبة صور هذه الجريمة متى تم ارتكابها أثناء تحقق حالة من حالات عدم الاستقرار في الدولة، كما لو كانت في حالة حرب أو انهيار اقتصادي أو غيرها من الحالات والمواقف الخطيرة التي يمكن أن تلم بالدولة، حيث أن في سوء نية الجاني باستهداف نظام الحكم في ظل تلك الحالة القائمة ما يؤيد خطورته الإجرامية وعدم اهتمامه بسلامة البلاد، فهو يهدف إلى تقويض نظام الحكم وإسقاطه في أشد اللحظات التي تحتاج فيها الدولة إلى كامل تركيز نظام الحكم فيها بمؤسساته لمواجهة تلك الحالة، إلا أن في استغلال الجاني لها ما يقتضي معاقبته بأشد أنواع العقاب وأكثرها قسوة.

كتابة: أحمد عبد السلام               

[1] – محمود سليمان موسى – الجرائم الواقعة على أمن الدولة: دراسة مقارنة في التشريعات العربية والقانونين الفرنسي والإيطالي – دار المطبوعات الجامعية – مصر – 2009 ص 516 وما بعدها.

[2] – محمد زكي أبو عامر – قانون العقوبات: القسم العام – منشأة المعارف – مصر – 1993 – ص 39.

[3] – سمير عالية – الوجيز في شرح الجرائم الواقعة على أمن الدولة – ط2 – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر – لبنان – 2008 – ص 140.

[4] – جندي عبد الملك – الموسوعة الجنائية – ج3 – دار إحياء التراث العربي – لبنان – بدون عام نشر – ص 119.

[5] – أحمد عوض بلال – مبادئ قانون العقوبات المصري: القسم العام – دار النهضة العربية – مصر – 2010 – ص 670.

[6] – فخري عبد الرواق الحديثي – شرح قانون العقوبات: القسم العام – مطابع الزمان – العراق – 1996 – ص 287.

[7] – عبد الإله النوايسة – الجرائم الواقعة على أمن الدولة في التشريع الأردني – دار وائل للنشر – الأردن – 2005 – ص218.

[8] – محمد علي السيد – في الجريمة السياسية – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2003 – ص34.

[9] – محمد عبد الله طالب – التحريض على جرائم أمن الدولة من جهة الداخل في مصر وقطر – رسالة دكتوراة غير منشورة – أكاديمية الشرطة – مصر – 2007 – ص 376.

Scroll to Top